روايات

رواية وتلاقت الأرواح الفصل الثالث 3 بقلم ندى ممدوح

رواية وتلاقت الأرواح الفصل الثالث 3 بقلم ندى ممدوح

رواية وتلاقت الأرواح الجزء الثالث

رواية وتلاقت الأرواح البارت الثالث

وتلاقت الأرواح
وتلاقت الأرواح

رواية وتلاقت الأرواح الحلقة الثالثة

3_بعد منتصف الليل
« أصغ إليَّ جيدًا يا ولدي، يجب أن تهرب لتثبت برأتك وإلا سيلتف حبل المشنقة حول عنقك، وهذا ما لا أسمح له أن يحدث ولو كلفني عمري كله! هل تسمعني جيدًا؟ أهرب ولا تلوي على شيءٍ أبدًا »
نطق بهذه العبارة طه، وهو يقبض بقبضتيه على ذراعيّ نوح، الممد فوق فراش المشفى، بعدما تم تضميد الجرح، ثم مال على أذنه أكثر، وتابع:
_فور أن أخرج من هنا، نفذ بما امرتك به! سِر في الخطة بحذافيرها، وستفلح وستعود منتصرًا، أنا كلي يقين في ذلك.
لم ينبس نوح ببنتِ شَفة، كان التفكير قد أستبد به فيما هو آت، وما هو مقبل عليه، والعبرات تنساب إلى أذنه دون انتباه، لكنه رغم ذلك؛ فقد أومأ مطبقًا أجفانه في تأكيد صريح لوالده إنه سيفعل كل ما أخبره به.
ثُم رفع نوح عينيه موغلًا النظر داخل مقلتاي أبيه، وتيبس هكذا لثوانٍ، ثم همس بصوتٍ خفيض، يقطر بأسًا:
_وماذا إن لم تُثبت براءتي؟
ضم طه وجه نوح بكفيه، وهو يهز رأسه بشدة، قائلًا بصرامة وحزم:
_ستثبتها يا ولدي، إن الله ينصر المظلوم، لا تدع لليأس سبيلًا ليتطرق إلى قلبك، فإن اليأس إن دخل قلب المرء، أضحى إلى علقة سوداء تطفيء نور الإيمان به.
لا تسمح لنور الله أن ينطفيء ويزوى من قلبك!
فليكن سلاحك الصبر والتحمل والرضا والثقة بالله، استعن بالله ولا تعجز، فإن العجز لا يصيب إلا الكنود.
هب نوح مذعورًا من نومه، وأخذ يلهث كمن كان يعدو في سباق للركض، وشيئًا فشيئًا أخذَ يهدأ وعادت وتيرة أنفاسه لطبيعتها، فألتقط نفسًا عميقًا وهو يمسح بكف يده العرق الذي تصبب من وجهه جراء الكابوس الذي رأه..
كابوسٌ كان بداخله والده يحثه على الهرب بكل ما أوتى من قوة، تُرى ما حكمة الله عز وجل فيما هو مقبل عليه؟
بمَ تكون الحكمة والرجاء من أن يُتهم بجريمة قتل، ومخدرات دفعة واحدة؟!
ما الحكمة في أن تتشوه سمعته، التي قضى عمره يبنيها في عالم المحاماة!
ما الحكمة في أن يترك موطنه وأحبته ويهاجر كلا ينال عقاب لا يستحقه؟!
لكن الأمر حتمًا ليس سدى، سيدرك الحكمة في ذلك ذات يومٍ.
أتكأ بظهره على الوسادة، بعد ما عدلها لتناسب جلوسه، وأسند رأسه للحائط وأسبل جفناه المرهقين من التفكير والقلق والتردد، كان لا يزل بداخل المشفى الذي أُسعف بداخلها، ممددًا فوق إحد سرائرها، وراح ذهنه يسترجع وقت دخوله إلى الزنزانة بعد مقابلة أبيه، حين تقاتل مع شخصٍ اتفقا آنفًا أن يتشاجرا شجارًا عنيفًا وأن يقتله ليدخل إلى المستشفى، ومنها يستطيع الهرب إن فلحت خطته، وتذكر حين أومأ بعينيه للشاب الذي أتفق معه أن يطعنه بالمدية طعنتين متتاليتين لا تتوغلا للداخل لئلا يصيبه سواءً.
أنتظر (نوح) اللحظة السانحة لتنفيذ خطته، أنتظر..
وأنتظر..
وأنتظر..
حتى حانت، مع الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل، إذ قبض بكفٍ يرتجف فوق الجرح الذي في جنبه، وأطلق صرخةٌ عالية، دوَّت في أرجاء المشفى، كرصاصة أنطلقت من فوهة مسدس بغتة، فهبَّت صرخته هبوب إعصار رج آذان الجميع، ودخل على إثرها إحدى العساكر القابعين للحراثة أمام الباب، وعندما رآه يتألم بكل ذاك العنف، أنطلق كالسهم يعدو، آتيًا بالطبيب الذي حقنه بمحقن مسكن ليهدئ من آلامه.
وكانت هذه هي اللحظة المناسبة لما خطط له.
وبينما الطبيب ملتهيًا يوليه ظهره وهو يعيد الأدوية لمكانها، نزع نوح الغطاء الرقيق من فوق جسده، وفي خفة وحذر نهض في ترقب، وتسلل من وراء الطبيب، وأطبق بكفه على شفتاه، وأخذ يزوم وهو يحاول التملص من بين يديه، بينما سحبه هو عائدًا إلى فراشه، وبيده الأخرى هوى بها على عنق الطبيب، في نقطةً ما عمدًا فخر الطبيب فاقد الوعي بين ذراعيّ نوح الذي تلقفه ورفعه فوق الفراش ودثره بالغطاء، ثم ربت على كتفه واسرع يبدل ملابسه بملابس الآخر الذي نزعها منه قبل أن يرقده على الفراش.
وحين انتهى تلفت حوله في حذر، ثم تنحنح وهو ييمم وجهه شطر الباب ويرتدي كمامة لتواري نصف وجهه، وفتح الباب فرجة بسيطة وهو يتلفت، ثم نصب قامته في تحفز، وخرج، وأمام مرأى الحارسين مر هو دون أن يوقفه أحد..
ربما بسبب النعاس الذي يغشاهما؟!
أأو بسبب أبيه الذي رتب له كل شيء؟!
وبدأ في رحلة الهروب
الهروب من كل شيء
*سبحان الله *
(حسنًا، اجلسي بمهل هكذا، هل تشعرين بأي ألم؟)
هكذا ألقت ندى سؤالها، وهي تعاون جارتها المريضة بعد إسعافها، على الأسترخاء فوق فراشها.
وبحنوٍ شديد احتوت المرأة كفها الرقيق بين كفيها، وهي تقول برفق:
_أنا بخير يا ابنتي، لا ترهقي نفسك معي اكثر من ذلك، يكفي إني تعبتكم كثيرًا اليوم، جزاكم الله خيرًا.
فتبسَّمت ندى بود، وهي تجيبها بعتاب:
_تعب ماذا يا أماه، لا تقولي هكذا.
غمغمت المرأة:
_بارك الله فيكِ يا ابنتي.
ثم سكتت وهي تنظر إلى إصبع ندى الذي يحوى خاتم جميل ورقيق الشكل، على هيئة فراشة، ورفعت نظرها إليها في عمق، وهي تقول:
_هل أنتِ مرتبطة يا ابنتي؟
لمحت ندى نظرت المرأة إلى خاتمها، فهزت رأسها نفيًا، وضحكت في خفة، وقالت وهي تتلمس الخاتم في إصبعها:
_لا أنا لست مرتبطة..
واكتست ملامحها بحنانٌ هائل، وهي تقول بصوت يقطر حنانًا:
_إنه هدية من ابناءي…
قاطعتها المرأة، وهي تصيح:
_يا إلهِ، أنتِ متزوجة؟
دُهشت ندى لصيحت المرأة المستنكرة، لكنها قالت في هدوء:
_لا يا أماه لست متزوجة، إن الخاتم كان هدية من أطفالٌ كنتُ أعلمهم بعد الأحكام الدينية.
غمر الحنان وجه المرأة، وتطلعت في ندى بعاطفة، وهي تقول:
_ما أجملك! واجمل قلبك يا ابنتي، ليت ليّ ابنة مثلك؟!
ربتت ندى على ظهر كف المرأة، وهي تقول:
_اعتبريني كذلك يا أماه، سأذهب لأرى إذ أعدت أمي لكِ الغداء.
أطرقت المرأة في خجل، وهي تهمس في حياء:
_لم يكن هناك داعي لذلك يا ابنتي، كنت سأطلب شيئًا وآكل أنا ويعقوب.
احتدت عينا ندى بغضبٍ عارم عند ذِكر اسم ابنها!
عن اي ابن تتحدث؟ أذاك الأبن الذي لم يكترث حين سقطت مغشيًا عليها؟! ألا تزل تقلق وتهتم به وهو لا يفعل؟! بأس الأبناء هو.
أفلتت ندى كفها من بين كفيّ المرأة، وفي غيظًا لم تستطع أن تحجمه، هدرت بنبرة ساخطة:
_آه إذن اسم ابنك ذاك قليل الذوق والأدب هو يعقوب..
وتابعت، وهي تعقد ساعديها أمام صدرها:
_اسمعي يا أماه لا تهتمي به كثيرًا فهو لا يستحق حبك ولا قلقك ولا حنانك، بئس الابن هو، لقد رآكِ مغشيًا عليكِ ولم يحرك ساكنًا، تبًا لأبناء كأبنك، ترعرع بين ذراعيكِ حتى أضحى شابًا بائن الطول، عريضُ المنكبين وفي الأخير لا يعاونك، لا يرتجف قلبه وجلًا لأجلك؟ لا يهرع لنجدتك؟! سحقًا له ولأمثاله، هؤلاء لست ابناء إنهم شياطين، ابنك يا أماة ليس لديه ذرة احترام لقد صفق الباب في وجهي وأنا احثه على نجدتك..
كانت ندى تسترسل دون توقف، رغم إن والدة يعقوب حاولت أن توقفها عن الحديث؛ ببضع عبارات كانت تضيع وسط صياحها، حتى جأرت بأنفاسٍ منفعلة:
_كفى.. يعقوب أعمى يا ابنتي، ولدي لا يرَ
إنه أعمى يا ندى! كيف تردين له ان ينجدني وهو لا يراني من الأساس؟ إن فؤاد يعقوب يتمزق لأشلاء لعجزه يا ندى، لقد ظلمتيه يا ابنتي.
امتقع وجه ندى بشدة، واتسعت عينيها في صدمة طاغية، وهي تحدق في أم يعقوب، وفغرت فاهٍ عدت مراتٍ، لكن الصدمة قد عقدت لسانها، الذي انفق عقدته، وهي تقول بصوتٍ شاحب:
_أعمىٰ؟.. ظلمته؟!
_أخرجي من هنا، فورًا هيا لا اريد وجودك في منزلي.
هكذا صكت العبارة أُذنُ ندى، فباغتتها، وشلت لسانها عن الحديث، وهي تستدير لذاك الصوت الرجولي، الذي تسلل بغتة، بينما هبت أم يعقوب واقفة، وهي تهتف في صرامة:
_يعقوب اعتذر لندى عما قولت الآن.
رد يعقوب في صرامة:
_لن أعتذر يا أمي ابدًا، محال ان افعل.
وسكت لثوانٍ، ثم أسترسل في برود، وبنبرة خشنة:
_والآن أخرجي رجاءًا.
أشار بذراعه للخارج في حسمٍ، بينما شهقت أمه في صدمة، ونظرت له ندى بعينين نادمتين، ثم ركضت خارج المكان بمآقي تنزف العبرات من مقلةٍ بدم.
*الحمد لله*
كانت أسماء تتهادى بخطواتٍ وئيدة؛ ورياحُ الرَّيْدَانَةُ تحفُّها من كُل جانب، عائدة من عملها كسكرتيرة لإحدى المحامين، وكان الظلام قد تجلى، مما سبب وحشة هائلة في فؤادها وهي تسير بمفردها، حتى سقطتت عينيها على شبح مظلم انبثق بغتة من جب الظلمات، أخذ يقترب منها، فتوقفت قدميها عن الحركة، وازدردت لعابها في توتر، وتقهقرت للخلف في وجلٍ، وارتعدت فرائصها، وهي ترَى عصام ببسمته المقيتة التي تزين محياه دائمًا، لقد برز فجأة معيقًا سبيلها، وتراقص حاجبيه في تلذذ من خوفها، وهو يغمغم:
_طاب يومك يا عزيزتي أسماء.
رغم الخوف والهياب الذي تسرب إلى فؤاد أسماء، إلى إنها قد تحلت بشجاعة واهية، وهي تجابهه في قوة، قائلة:
_لا طاب لك يومًا يا عصام أبدًا.
بسمة ساخرة مرت على ثغر عصام، وهو يدمدم في تهكم:
_لا تقلقي بأيامي، فهي ستكون ايامك أيضًا!
ترقرقت العبارات في أعين اسماء، ثم أخذت تنحدر على وجنتيها في غزارة، وهي تهمهم:
_لعنك الله يا عصام.
أقترب عصام خطوة منها تراجعتها هي بقلبٍ واجف، وقد استحال وجهه إلى وجه شيطان تحركه ملذات نفسه، وبلهجة حادة، هتف في شراسة:
_أتدعين على زوجك؟! كيف تجرؤين على ذلك يا حبيبتي؟
ثم مال بوجهه عليها، ولانت نبرته لتقارب فحيح الأفعى، وهو يقول في برود:
_ما سأفعله الآن لا تحمليني وزره..
شحب وجه أسماء بغتة، وهي تقول بانفعال:
_زوج من يا مجنون؟! هل تسمع أذنيك ما يخرج من فمك، أم أنك أصم؟!
هز عصام رأسه بيأس، وهو يقول بصوتٍ خفيض:
_تؤ تؤ تؤ، عيبٌ عليكِ يا حبيبتي، ولكن لا بأس عليكِ الآن لا تثريب.
ثم شد قامته، وهو يستطرد في أسف مصتنع:
_أنتم من اجبرتوني على فعل ذلك لكي أحصل عليكِ يا حبيبتي وأنالك.
وكسى نبرته حزنٌ دفين، وهو يهمس:
_لماذا كنتِ ترفضين حبي يا أسماء؟ ما الذي ينقصني؟
صرخت أسماء في وجهه وهي تدفعه من طريقها لتتجاوزه:
_لإنك ناقص رجولة ونخوة يا عصام، لإني لم احبك يا هذا، هل الحب يُغتصب؟! آه..
تأوهت أسماء بقوة، وهي تمسك رأسها الذي تلقى ضربة عنيفة من الخلف، واستدارت وهي تئن ورفرفت بأهدابها وهي تشاهد عصام، يلقي العصى أرضًا، ويستعد ليحملها بين ذراعيه، جاهدت كي تجعل عينيها منفرجتين؟!
كلا تسقط في ظلمات بعضها فوق بعض.
ومن مكانٍ سحيق لاح لها النهاية..
نعم، نهاية حياتها…
وآمالها..
نهاية قلبها..
وقبل أن تفقد الوعي، كان عصام يتقفلها بين ذراعيه، وتعالى وقع اقدام تقبل مسرعة، امتزجت بصوت عصام، الذي صدح بغتة في تأنيب:
_لماذا كل هذا التأخير؟ هيا فلتحمها معي قبل أن يرانا أحد.
*الله أكبر*
(هل تريدني أن أكذب على والدتي؟)
في تعجب يكاد يصلُ إلى الصدمة نطقت دنيا بالعبارة أمام صديقتها، التي تحثها على الكذب أمام والدتها بإنها تحتاج إلى النقود لدروسها، وتخرج معها في مقابلة شابًا ما.. سيكون في الحفلة التي ستعدها أمها، فاحشة الثراء.
فجذبتها صديقتها نجوى من ذراعها، وهي تقول:
_أجل أكذبي ببساطة وامك لن تدرك ذلك، أنتِ لم تعودي طفلة صغيرة تخشى والدتها، لقد كبرتِ يا ابنتي اصبحتِ فتاة ناضجة، تحتاجين أن تظهري بعضًا من خصلاتك، وتضعين بعض الزينة، أنتِ بحاجة إلى أن تنسي والدتك تمامًا خارج البيت.
بوجهٍ مكفهر، بدا عليه التفكير مليًا، هزت دنيا رأسها في شرود، وهي تهمس:
_محال ان افعل ذلك!
أسبلت نجوى جفنيها في عنف، كي تستحضر هدوئها، ثم عادت تقول في أقناع:
_محال لماذا يا ابنتي؟ الأمر بسيط للغاية، واسمعي إن لم تأتي الحفلة وتعاونيني أن احادث جاد فلن أحادثك مرة أخرى، ولن اطلب منك شيء مجددًا.
وبتفكير عميق أستغرق وقتًا لا بأس به، وبذهنٍ شارد، اومأت دنيا برأسها، وهي تقول:
_حسنٌ سافعل ذلك وسآتي..
صاحت نجوى في حماس، وضمتها في شغف، وثمة طرق لا نجاة منها أن غرقت فيها أقدامنا.
رجعت دنيا إلى منزلها وهي تفكر فيما تنوي فعله، وتنتقي عبارات كذبها التي ستلقيها على مسامع أذنيها، وبينما هي على ذاك الحال، إذ تذكرت إنها لم تصل العشاء، فتوضئت وتهيأت للصلاة، وهمت بأن تنوي جهرًا بصوتها، لكنها استدركت نفسها، وهي تتذكر قول شقيقتها وهي تقول لها موضحة:
_لماذا يا ابنتي تجهرين بالنية في الصلاة؟ النية محلها القلب وكفى، يكفي فقط أن تتوضئتين وتصلي فـ الأعمال بالنيات.
فأسبلت جفنيها وقد ترقرق الدمع فيهم، وأدت صلاتها، وجلست تردد الأذكار بعد ما قرأت آية الكرسي، حتى تناهى لها صوت باب شقتهم يفتح ويغلق، فأدركت أن والدتها قد جاءت من المحل، فوثبت واقفة وهي تعدو للخارج، صائحة:
_أمي جاءت أمي جاءت.
وأسرعت تعانق والدتها وتقبلها في شغفٍ وحرارة، وأمها تهتف:
_كفى يا بنيتي كفى..
وقهقت ضاحكة في مرح، ثم قالت بغتة:
_أسماء لم تأتي للآن؟
هزت دنيا رأسها، وهي تقول:
_لم تأتي، لا ريب إنها قادمة يا أمي لا تقلقي.
ثم سألتها في اهتمام:
_هل أجهز لكِ العشاء؟
وضعت سعاد مفاتيح المحل جانبًا، وسحبت مقعدٍ لتجلس عليه، وهي تقول:
_لا، سننتظر أختك.
اومأت دنيا ولم تنبس ببنتِ شَفة لبضع دقائق قلائل، ثم تنحنحت، وهي تجلي حلقها، وفي تلعثم قالت بصوتٍ خافت:
_أمي، احتاج إلى نقود لإني سأذهب إلى درس هام اليوم.
رفعت سعاد بصرها، إليها وسألتها بتمعن:
_حسنٌ، متى تذهبين؟
أجابتها دنيا في هدوء:
_الآن.. سأبدل ملابسي وأذهب، وصديقاتي كلهم سيكونون معي.
اومأت سعاد برأسها، وغمغمت:
_حسنٌ يا بنيتي بدلي ملابسك، وهيا لأوصلك.
توجهت دنيا لتبدل ملابسها وهي تشعر بتأنيب الضمير لكذبها، لكنها وإن قالت سبب ذهابها الحقيقي ونطقت صدقًا، لن توافق والدتها على الذهاب وإن ماتت في مكانها، لذا فقد اختلقت كذبة وها هي قد فلحت، وخرجت مع والدتها التي أوصلتها إلى منزل مدرس بالفعل يعطي دروسٌ وودعت أمها، ثم توقفت امام مدخل البناية وهي تشيع أمها بقلقٍ مبهم، وفجأة تقهقرت للخلف مع صوت إحتكاك مكابح سيارة تقف أمامها، وفتح بابها وأطلت من وراءه وجه صديقتها نجوى، وهي تهتف ضاحكة:
_لا اصدق إنك فعلتها وأتيتي، هيا تعالي.
في ارتباك وخوفٍ أستقرت دنيا داخل السيارة في وجوم، تلاشى عندما انطلقت نجوى بالسيارة إلى حيث منزلها.
تعالى داخل السيارة صوت نجوى تقول في لهفة:
_أعدك ألن تندمي من مجيئك معيّ، ثُم ربما حين تراكِ والدتي تحبك وتعطيكِ عملٌ ما في شركتنا.
تبسمت دنيا وتسربت إليها السعادة، لفكرة إنها قد تجد عملًا يكفي احتياجاتها التي لا تقدر عليها أمها.
انبهرت دنيا من الفيلا التي تقطن فيها نجوى، وإلى الصخب الذي كان يصدر من الداخل، وإلى السيارات التي كانت تصطف امام الفيلا، ترجلت نجوى من السيارة وهي تحثها على النزول، قائلة:
_هيا يا دنيا لا يزل لم ترَي شيئًا لهذا الأنبهار الذي ينبثق من عينيكِ.
وفي توتر وتردد غادرت دنيا السيارة، فأسرعت نجوى لتجذبها من يدها للداخل، ولكن توقفتا على صوت شجار عالٍ يأتي من لدن ركنٍ قصي، فأتسعت اعين نجوى في هلعٍ، وهتفت في ارتياع، وهي تترك يد دنيا وتعدو إلى الشجار القائم بين الشباب:
_يزيد..
نادت بالاسم في لهفة، فادركت دنيا إن يزيد شقيقها هو الذي يتشاجر، فقطبت جبينها حائرة، ولم تلبث أن هرعت نحو صديقتها كي تحاول إبعادها عن الشجاركلا تصاب بأذى، وبينما هي تحاول سحب نجوى، التي دفعها احد الشباب دون دراية، فاصطدمت في دنيا في ذات اللحظة الذي اخرج فيها إحدى الشباب مدية حادة كي يطعن يزيد، فبدل أن تصيبه اصابت دنيا، التي شهقت في ألم، وتوسعت عينيها، وتوقف الشباب من حولها عن الشجار وهم ينظرون إليها في هلع، بينما كتمت نجوى شهقتها، ثم أطلقت صرخة عالية وهي ترَ صديقتها قد سقطتت أرضًا.

يتبع…

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية وتلاقت الأرواح)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى