روايات

رواية مصطفى أبوحجر الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم آلاء حسن

رواية مصطفى أبوحجر الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم آلاء حسن

رواية مصطفى أبوحجر البارت الثالث والثلاثون

رواية مصطفى أبوحجر الجزء الثالث والثلاثون

رواية مصطفى أبوحجر
رواية مصطفى أبوحجر

رواية مصطفى أبوحجر الحلقة الثالثة والثلاثون

-٣٣- مرارة الخذلان
انهمرت قطرات المطر المُتتابعة ببطىء على الطريق الرمادي الهادئ والذى نظفته مياه الأمطار فبدا لامعًا براقًا بالأخص بعد أن خلا من المارة أو السيارات، كانت تلك اللافتة الشبه مُتهالكة على إحدى جوانب الطريق والذى خُط عليها حروف اسم (المقطم) غير واضحة البتة خاصة بعد أن اختفى قرص القمر في السماء المُلبدة بالغيوم والتي تُنذر بعاصفة شتوية ثقيلة قادمة في الطريق، لذا عم الظلام الدامس أرجاء ذلك الطريق الطويل بصورة شبه كُليه إلا من أضواء أعمدة الإنارة التي ارتعشت على جانبيه، فكان ثمة عمود واحد مُضاء بعد كُل سبعين مترًا تقريبًا ..
لكن هُناك ومن بعيد في منتصف الطريق ظهر في الأُفق ضوء خفيف ينبعث من كشاف سيارة مُسرعة تعمل مساحاتها الأمامية على عجل لتمحي المتبقي من آثار قطرات حبات المطر المُصطدمة بزجاجها ..
تسلل الرذاذ الخفيف إلى وجوه مُستقليها والذين علا وجوههم علامات الغضب المُختلطة بالقلق والاضطراب، بعد صمت ساد لأكثر من نصف الساعة قطعه السائق قائلًا وهو يُحكم اغلاق معطفه :
_ الجو شكله هيقلب جامد أنا بقول نرجع أحسن ونقعد نتكلم في أي مكان مقفول ..
إلا أن الجالسة بجواره أجابته دون تفكير :
_ إيه خايف ..
رمقها بنظره استخفاف قبل أن يقول مؤكدًا وكأنه يرغب في إرهابها :
_ أخاف من إيه، انتي اللي المفروض تقلقي ..
لاحت شبه ابتسامة ساخرة أعلى شفتيها ميزها هو بصعوبة على إثر الإضاءة الخافتة داخل السيارة، أتبعها صمت مُخيف واجم ظلل على أركان السيارة وكأن ملك الموت يُعلن وصوله، واستمرا على هذا الحال حتى وصلا إلى وجهتيهما ..
توقفت السيارة عن الحركة فوق تلك الأرض النتأة، وسُلطت كشافاتها المُضيئة بقوة على بقعة ما أمامها، فترجلت الفتاة من مكانها بهدوء عقب توقف المطر وتلفحت بوشاحها الأحمر الصوفي قبل أن تُولى السيارة ظهرها مُتأملة ذلك الفراغ المُعتم من أمامها أثناء وقوفها أعلى ذلك الحيز الصخري الغير مُستوي والمُبتل من إثر الأمطار المُتتابعة ..
بعد عدة لحظات ليست يالقليلة غادر هو الآخر مقعده لينضم إليها بعد أن انشغل تفكيره بما تُريده منه ولِما ذلك الإصرار الغريب للتواجد في هذا المكان بالتحديد في مثل هذا الوقت ..
لاح بمظهر نجوم السينما الأمريكية وهو يقترب منها بجسده الفارع المتناسق ومنكبيه العريضين في هذا المعطف الصوفي الباهظ وشعيراته المختلطة بالشيب من الوراء والتي تجلت بقوة على ضوء سيارته بعد أن ابتعد عنها عدة أمتار قبل أن يستقر بجوار تلك الواقفة، أدخل يديه بكبرياء داخل جيبي معطفه الدافئ فبدا مثل زعماء المافيا وهم على وشك عقد صفقة ما، بل أقرب لرجال المخابرات الذين يحاوطهم هالة من الغموض لعدم كشف هويتهم أثناء تبادلهم أسرار الدول العظمى ..
بعد عدة دقائق أخرج مصطفى يديه من داخل جيبي معطفه لإشعال سيجارته والتي سُرعان ما التقطت شعلة النار الصغيرة وأضاءت كجمرة صغيرة وسط ذلك الظلام، فظهرت عينيه الضيقتين وشفتاه الجافة إلى حد ما والتي لعقها لترطيبها قبل أن يقول وهو ينظر إلى الظلام من أمامه :
_ أعتقد تقدري تتكلمي دلوقتي ..
التقطت أُذنيه بصعوبة نبرات صوتها الضعيف المُهتز الذى وصل إليه خافتًا بعد أن ابتلعه صفير الرياح حيثُ قالت :
_ فاكر لما كُنا بنيجي هِنا أول ما عرفنا بعض ..
نفث مصطفى أولى أنفاس سيجارته قائلًا بتأفف وهو يُقاوم قوة الرياح التي تدفعه نحوها :
_ أكيد مش جيبانا هِنا عشان نسترجع الذكريات في الوقت ده ..
ابتسمت آلاء بسخرية قبل أن تُردف وهى تُربت على ذراعيها بحنو لتدفئتهما مُتجاهلة تعليقه وكأنها لم تسمعه :
_ كُنا في الربيع ..
صمتت قليلًا لتتحول ابتسامتها الساخرة إلى أُخرى يملؤها الحنين وهى تقول :
_ ساعات كُنا بنيجي من العصر عشان نشوف الغروب من عربيتك وساعات بنيجي بليل نقعد هِنا ونتكلم لحد ما نزهق ..
صمتت من جديد لكن طال صمتها تلك المرة حتى خُيل إليه أنها انتهت من حديثها، لكنها سُرعان ما أضافت بشجن وكأن الذكرى تجسدت أمامها في صورة تُطالعها بعينيها :
_ كان الجو بيبقى دافي وفيه دايمًا نسمة خفيفة بريحة الورود بتهل علينا كل شوية، وبليل ساعات لما كنت بحس بسنة برد بلاقي الجاكت بتاعك على كتافي، ساعتها كنت ببصلك بهيام وبفكر قد إيه أنت إنسان حساس ورومانسي بتحس بيا من غير حتى ما أتكلم ..
تنهدت برقة وكأن كُل ما فيها يتنهد قبل أن تقول باسمة :
_ كان نفسى أوى آجى معاك هِنا في الوقت ده ..
عارف إني ياما أتخيلت حياتنا مع بعض في الشتا، وإحنا في بيت واحد زي ما وعدتني قبل كدة، وحبيبتها أوي .. حبيت حياتنا وبيتنا وعيالنا وخروجاتنا حتى خناقتنا حبيتها .. حبيت الدنيا اللي رسمتها في خيالي معاك ..
كان يُطالع السماء وهو يستمع إلى حديثها، فالتقطت عيناه إحدى النجمات اللامعة والتي لاحت من بعيد قائلًا :
_ هتفوقي امتى من الوهم اللي انتي فيه، إحنا عمرنا ماهنكون مع بعض ..
لمعت مقلتيها في الظلام مُعلنة عن ترقرق الدمعات بداخلها قبل أن تقول بصوت مُتحشرج مقهور :
_ سيبنى أحلم ياأخي حتى الحلم مستكتره عليا ..
اختفت تلك النجمة التي يُراقبها وكأنها لم تولد قط، فأخذ يبحث عن أُخرى وهو ينفث دخانه قائلًا بوعظ :
_ لازم تفوقي من حلمك ده ياآلاء ياإما هتقعي على جدور رقبتك ومش هتلاقي حد يلحقك ..
تصلبت مقلتيها على الفراغ من أمامها، بعد أن بدأت بذرة فكرة ما تختمر برأسها، فخرج صوتها جادًا وهى تتساءل بأعين لامعة يبدو عليها آثار الاضطراب :
_ تفتكر لو نطيت من هِنا هاخد وقت قد إيه عشان أوصل للأرض ..
أجابها بلامبالاة دون أن ينظر إليها وهو يدهس ما تبقى من سيجارته أسفل حذائه في نفس الوقت الذى اصطدمت فيه إحدى قطرات المياه بوجهه وهو يقول :
_ لا دي تسألي فيها مدرس فيزيا، إنما أنا معنديش وقت للافتراضات لو عاوزة تعرفي الوقت نطي وإحسبيها انتي ..
تساءلت بنبرة هادئة دون أن تزيح عينيها عن تلك البقعة التي تصلب نظرها عليها، متجاهلة قطرات المياه التي بدأت بالازدياد :
_ هتزعل عليا لو مت ؟
لم يجد لسؤالها أي معنى من وجهة نظره لذا ولاها ظهره متجهًا إلى سيارته وهو يُجيبها :
_ هزعل عليكي لو مبطلتيش الجنان اللي انتي فيه..
ثُم أضاف بحزم :
_ أظن كفاية كدة ويلا بينا عشان الدنيا بدأت تمطر من تانى ..
لم تُجيبه وكأنها لم تسمعه لذا استقل هو سيارته على الفور يحتمى بها من حبات المطر التي بدأت بالتسارع دون إنذار وأغرقت وجهه، التقط منديلًا ورقيًا يمسح به وجهه المُبتل قبل أن ينظر من واجهة سيارته الزجاجية إلى بقعة الضوء أمامه حيث تقف آلاء فبدأ في الضغط على بوق السيارة عدة ضغطات صغيرة لحثها على التحرك مما جعلها تلتفت إليه في النهاية، رآها تتقدم إلى الأمام ببطىء مُمسكة بشيء أسود اللون، حاول تضييق عينيه عله يستطيع تبين هوية ما تحمله لكن اتسعت عيناه عند رؤيتها تقوم بتوجيهه إلى قلبها، وعند إدراكه ماهي مُقدِمة على فعله وقبل تفوهه بكلمة واحدة، صدح ذلك الصوت القويّ في الأرجاء وخرت هي صريعة في الحال ..
غادر سيارته إليها على الفور مُحاولًا مساعدتها إلا إنها أشارت إليه بالرحيل قبل أن تلفظ ما تبقى من أنفاسها وتتحجر عيناها على الفراغ ..
تلفت حوله يُمنةً ويسارًا بحثًا عن أي شخص يقوم بمساعدته إلا إنه لم يجد سوى الظلام والصمت يحاوطانه من جميع الاتجاهات، فأخرج هاتفه سريعًا للاتصال بالإسعاف لكن قبل أن يضغط زر الاتصال حدثته نفسه ..
((ما الجدوى من ذلك ! فقد لفظت أنفاسها الأخيرة، ولن يُفيدها قدوم النجدة الآن بل على العكس هو من سيرتبط اسمه بانتحارها، وسيتلطخ تاريخه ومستقبله بما حدث ..
من حسن حظه أن لا أحد يعلم بوجوده برفقتها في ذلك الوقت لذا يُحتم عليه الهرب وحتمًا في الصباح سيجدها أحدهم، نعم ذلك هو القرار الصائب فليعود إلى منزله في الحال ..))
في تلك الثوان وأثناء تفكيره أبتل معطفه بأكمله وتلطخت أطرافه بقطع الطين بعد احتكاكها بالأرض الصخرية المُبتلة من تحته، ودون تردد توجه إلى سيارته من جديد فارًا بأيدٍ مُرتعشة مهزوزة بعد أن قرر المغادرة، فقام بتشغيل المحرك وبدأ بالابتعاد على الفور مُتجهًا إلى الطريق الرئيسي والذى وصل على أعتابه عندما بدأ الإعصار في الاشتداد، في تلك اللحظة أخذ عقله في التفكير بطريقة مُتضاربة بعدما شعر بالندم على هروبه بتلك الطريقة، فتمتم داخله بحيرة ..
((ماذا لو أنها لازالت على قيد الحياة !! بإمكانه مساعدتها، لكن تصلب عيناها يؤكد وفاتها، وما يجب عليه الآن حقًا القلق بشأنه هو مصيره ومستقبله، فهو لن يسمح بأي شيء يقوم بتعطيله على ما هو مُقدِم عليه ..))
_ هي اللي قررت تنهى حياتها بإيديها، أنا مليش ذنب ..
صدرت تلك الكلمات من شفتي مصطفى المرتعشتين بطريقة حادة ردًا على سؤال وكيل النيابة بعد أن روى له كُل ماحدث :
_ أفرض كانت لسة عايشة ليه مساعدتهاش ؟
فأضاف مصطفى بتوتر وهو يفرك كفيه بقوة :
_ كنت خايف أبقى هِنا وتتهموني بقتلها، كنت بحمي اسمي وسمعتي …
رمقه وكيل النيابة بنظرة خاصة قبل أن يقول بتهكم واضح :
_ وياترى اسمك وسمعتك اللي منعوك من إنقاذ روح أخبارهم إيه دلوقتي ..
تشنجت أطراف مصطفى بغضب وقال بحدة نافيًا ذلك الاتهام عن نفسه :
_ أنت ليه بتتعامل على إنها كانت لسة عايشة فعلاً ..
هز وكيل النيابة رأسه بتفهم قبل أن يقول بهدوء :
_ ده اللي هيكشفه تقرير الطب الشرعي لما يفحص الجثة وكمان يفحص هدومك اللي كانت رايحة الدراي كلين ..
في تلك اللحظة خرج أيمن عن صمته أخيرًا بعدما تناسى الجمع حضوره وكأنه كان مُجرد جماد دبت فيه الحياة فجأة فأفاق من غيبوبته قائلًا باعتراض :
_ أعتقد إنه مصدرش أي أمر لتفتيش الشقة وغير قانوني مُصادرة ملابس موكلي بدون إذن تفتيش..
أجابه وكيل النيابة بدهاء مُوضحًا :
_ ومين قال إن الشقة اتفتشت، ملابس موكلك اتسلمت للظابط بالصدفة البحتة واللي من حقه أنه لو شك في حاجة يتحفظ عليها لمعاينتها ..
ثُم أضاف مُكملًا :
_ إنما دلوقتي هيصدر أمر بتفتيش الشقة والعربية وكُل حاجه تخص موكلك خصوصًا بعد اعترافه ..
ثم أشار مُوجهًا كلماته إلى كاتب المحضر قائلًا :
_ أكتب يابنى قررنا نحن وكيل نيابة ………. حبس المتهم مصطفى أبو حجر أربعة أيام على ذمة التحقيق لحين الانتهاء من الفحص الأول واستلام تقرير الطب الشرعي ..
*****************************
_
انت كنت معاها فعلاً يامصطفى؟
قالت جملتها تلك وهي تطالعه بأعين مقهورة بعد أن جلست أعلى المقعد المُقابل له بغرفة وكيل النيابة مُتسائلة بنظرات مؤنبة، فما كان منه سوى أن أشاح بوجهه عنها لعدة لحظات قبل أن يُجيبها بنبرة صادقة وهو يطأطأ رأسه إلى الأسفل بخجل مُوضحًا :
_ أنا مقتلتهاش ..
انفلتت دمعاتها منها رغمًا عنها وهى تقول بحسرة أُم أفنت شبابها على ابن عاق ألقى بها في غياهب الطريق عند أول منعطف :
_ كام مرة كنت بتقولي نازل عشان الشغل وبتروح تقابلها ؟
تطلع إليها بحُزن فأكملت بانكسار :
_ أنت فعلًا كنت ناوى تطلقني ؟
اتسعت عيناه بذُعر نافيًا عنه ذلك الاتهام الباطل وهو يقترب منها راغبًا في لمس أصابعها قبل أن يقول راجيًا منها تصديقه :
_ محصلش والله ما في حاجة من دي حصلت صدقيني أنا مكلمتهاش ولا بعتلها أي رسايل ولا كنت بقابلها ..
سحبت شمس أصابعها بسرعة قبل أن يُلامسها هو، قائلة بنبرة غاضبة تنُم عن عدم تصديقها لكلماته :
_ أُمال الرسايل اللي منك مين اللي كان بيبعتها !
أراح مصطفى جسده على المقعد من ورائه من جديد وهو يستند بمرفقه على سطح المكتب من جواره قائلًا بتشتت :
_ ما هو ده اللي هيجنني، بس أنا مستبعدش إنها ممكن تكون هكرت حسابي وعملت كدة بس عشان تثبت الجريمة عليا وتنتقم منى ..
لم تستطع شمس مقاومة تلك الضحكة الساخرة التي خرجت من بين شفتيها قائلة بعد أن جففت دمعاتها وهى تُغادر مقعدها :
_ وموتت نفسها كمان عشان تنتقم منك ؟
سُرعان ما استعادت جديتها ولمعت الدمعات بداخل مقلتيها من جديد وهي تقول بقلب كاد أن ينفطر ألمًا :
_ ضحت بحياتها عشان تنتقم منك ؟ للدرجادي كانت بتحبك ؟ للدرجادي كنت معشمها ؟
استقام واقفًا هو الآخر راغبًا في الاقتراب منها وهو يقول نافيًا بكل خلية داخله :
_ محصلش دي مجنونة زي ماقولتلك قبل كدة والدليل اللي عملته ده ..
رمقته بنظرة طويلة خاوية لا تقدر على التصديق أو التكذيب، فلم تستطع سوى أن تعد حالها للمغادرة وهى تقول :
_ لسه هتقول نفس الكلام !! متصور إني هصدقك تاني !! كفاية كدب بقى المحامي قالي على كل اللي حصل ..
ثم ما لبثت أن واجهته بحقيقة الأمر فاضحة كذبه وهى تقول :
_ أنت فعلًا كنت على علاقة معاها قبل ما تعرفني مش هي اللي بيتهيألها كدة زي ماكنت مفهمني ..
صمتت قليلًا قبل أن تُضيف عقب تذكرها تلك المواقف السابقة التي خذلها فيها، فقالت بازدراء واضح وهى تهم بالرحيل :
_ وده وش تاني من وشوشك كنت مخبيه عليا ..
علم هو ما قصدته بكلماتها، لذا أمسك ذراعها بقوة يمنعها من المغادرة قائلاً بنبرة آسفة ذليلة نادمة أقرب للرجاء، مُصرًا على عدم رحيلها إلا عندما تصدقه وكأنها هي الوحيدة القادرة على اثبات براءته :
_ شمس لازم تصدقيني والله ما قتلتها، أنا بحبك انتي ومحبتش حد غيرك، مكنتش أقصد أي كلمة قولتهالك قبل كدة، أنا بس كنت عاوز أحافظ عليكي مكنتش عاوزك تبعدي عني إنما عمرى ماكنت هنفذ كلمة واحدة من اللي قولتها، أرجوكي خليكي معايا ..
نظرت إليه فطالعت الصدق داخل عينيه بعد أن تبخر ذلك الزيف والتيه والغرور بداخليهما، الآن ولأول مرة هي لا ترى سوى عيني إنسان، مُجرد إنسان يحتاج للمساعدة لذا بدا وكأن قلبها رق إليه من جديد فقالت من بين دمعاتها المنهمرة رغمًا عنها وهى تلعن ضعفها :
_ عارف كان نفسي أبقى زيك بس للأسف مش هقدر أسيبك ..
انفرجت أسارير مصطفى في الحال واستبشر وجهه وهو يقول بأمل كاد أن يقفز من عينيه :
_ يعنى مصدقاني ؟
هزت هي رأسها بأسى قائلة دون أن تعي :
_ المشكلة إني مصدقاك وعارفة أنك مقتلتش ..
نظر إلى السماء حامدًا ربه قبل أن يقترب منها أكثر قائلًا بنبرة دافئة اشتاقتها هي بشدة :
_ أوعدِك أول ما أطلع من هِنا هعوضك عن كل حاجة حصلت بس أرجوكي خليكي معايا ..
هزت شمس راسها بثقة بعد أن مسحت دمعاتها وقالت بتصميم :
_ متقلقش هطلعك من هِنا بأي طريقة ..
تأملها للحظات مُتسائلًا بخفوت :
_ شمس .. لسة بتحبينى؟
أجابته بابتسامة حزينة :
_ لما تطلع من هِنا هتعرف الإجابة لوحدك ..
ثم استطردت وهى تمسح وجهها براحتيها كأنها تستعيد قوتها قائلة :
_ صحيح نسيت أقولك، فتشوا البيت من يومين وخدوا موبايلك وفتشوا العربية ..
هز مصطفى رأسه بقلة حيلة قبل أن يعود إلى مقعده مُطأطأ الرأس محنى الظهر وهو يقول بانكسار وحسرة :
_ يعني الخبر زمانه وصل للصحافة ..
ابتلعت شمس لُعابها عدة مرات قبل أن تُجيبه بتردد :
_ كدة كدة كان مسيرهم هيعرفوا يامصطفى أنت بقالك ٣ أيام في النيابة ..
ارتفع حاجبيه بذهول دون أن ينطق فأضافت هي موضحة :
_ للأسف الخبر وصل لكل الناس ..
اتسعت عيني مصطفى بغير تصديق قبل أن تنقلب معالم وجهه مُعلنة عن ثورة عارمة، فقال بوجه مكفهر يكاد أن يختنق من شدة انفعاله :
_ كاتبين إيه ! قايلين إني قتلتها !
هزت هي رأسها مؤيدة وهى تقول :
_ أنا حاولت أنفى الخبر بس للأسف أنت عارف الصحف الصفرا ومواقع النت واللي بيتكتب فيها ..
زفر مصطفى بضيق واستند برأسه على راحتيه ثم رفعها من جديد مُتسائلًا وكأنه تذكر :
_ طب وشركة الإنتاج ! محدش طلع منها ينفي الخبر أو يوضح صلتي بالقضية !
هزت شمس رأسها نافية دون أن تنطق، فقال هو بنبرة متوعدة غاضبة وهو يضرب بقبضته سطح المكتب بقوة :
_ عاوزك تجيبيلي لينا هِنا لازم تقوليلها تجيلي …
حاولت هي تهدأته والتخفيف من ثورته إلا أن ماحدث هو عكس ذلك ودون أن يشعر قال بنبرة تحمل الكثير من الاتهام :
_ طبعًا تلاقي ابن عمتك ضاغط عليهم عشان محدش يتدخل إنما أنا مش هسكت ..
طالعته بنظرة مؤنبة قبل أن تقول بهدوء استفزه :
_ أسامة ملوش دعوة يامصطفى ..
ثم أضافت موضحة :
_ أنا روحتلها بنفسي ..
رفع رأسه إليها يطالعها بعدم تصديق وهو يتساءل بتشكك :
_ روحتيلها ! وقالتلك إيه ..
هزت شمس رأسها بلا حيلة مُوضحة :
_ قالتلى إنها مينفعش تتدخل في الموضوع ده عشان سُمعتها وسُمعة أبوها ..
خرجت ضحكة طويلة مقهقهة ساخرة من بين شفتي المستمع قبل أن يقول بتهكم :
_ سُمعتها بنت ال …… دلوقتي خايفة على سُمعتها اللي على كل لسان، إنما أنا اللي غلطان من الأول إني عملت قيمة لبنت ال…..
اقتربت منه شمس مُربتة على كتفه بهدوء وهى تقول :
_ أنا معاك متشيلش هم حاجه ..
هب مصطفى واقفًا من مكانه بإجلال وأمسك بيدها مُقربًا إياها إلى شفتيه يلثمها بامتنان فبدا للحظة كأنه سيجثو على ركبتيه مُتوسلًا إليها لعدم التخلي عنه لكن منعه كبرياؤه في اللحظة الأخيرة وقال باحتياج حقيقي :
_ أنا مبقتش عاوز غير إنك تسامحيني أرجوكي ..
هزت شمس رأسها بتفهم قبل أن تقول بابتسامة :
_ أنا لازم أمشى، متقلقش من حاجة ..
خلال لحظات كانت قد اختفت تمامًا من أمام أنظاره، فما إن أغلقت باب الغرفة من ورائها حتى تهاوى بجسده أعلى مقعده بذُل ناعيًا نفسه وماوصل إليه حاله، فقد تخلى عنه الجميع إلا هي، خذله كل من يعرفه سواها، رغم تساقط أوجهه المُزيفة أمامها إلا إنها لازالت تهتم لأمره وتُحِبُه !
تُرى هل لازالت حقًا تُحبه !
*****************************
ف
ي اليوم التالي امتثل مصطفى بصُحبه محاميه أمام وكيل النيابة من جديد بعد ظهور النتائج الأولية لتحليل الطب الشرعي ..
رغمًا عن ثقته وتأكده من براءته إلا أن المُتهم جلس بتوتر وخوف يُراقب الانفعالات الصامتة على وجه وكيل النيابة والتي لم تُبشر أبدًا بالخير، وبعد عدة دقائق مضوا عليه كساعات بل كسنوات عجاف انهمك فيهم ذلك الأخير بمراجعة الأوراق الموضوعة أمامه، والتي جاورت عدة اكياس بلاستيكية شفافة ارتصت أمامه بترتيب حاوية بعض الأشياء مُختلفة الأحجام الغير واضح هويتها..
أمر ذلك الأخير الكاتب جواره بفتح المحضر الرسمي قبل أن يبدأ باستجواب المتهم قائلًا برسمية :
_ التحقيق اللي فات انت اعترفت بإن آلاء قتلت نفسها بمسدسها، ده صحيح !
أجابه مصطفى بتردد وهو يفرك كفيه بقوة :
_ فعلًا بس أنا معرفش إذا كان مسدسها ولا لا ..
رمقه وكيل النيابة بنظرة طويلة ثاقبة قبل أن يقول بصرامة :
_ تقدر توصفلي من تاني بالتفصيل الجريمة وقعت إزاى !
لاحت علامات التركيز الشديد على وجه مصطفى قبل أن يُجيبه وهو يسترجع كل تفصيلة حدثت وكأنها تمر من أمام عينيه :
_ وصلنا المقطم ووقفنا نتكلم شوية وبعد كدة أنا ركبت العربية وكنت مستنيها تيجي تركب، فضلت واقفة شوية وبعد كدة لفت وقربت ناحية العربية بس فجأة وقفت ولقيتها ماسكة مسدس أسود وضربت نفسها بيه في قلبها ..
علق وكيل النيابة باهتمام وهو يحك ذقنه بأطراف أصابعه :
_كمل وبعدين ..
شعر مصطفى بالتوتر يزيد بداخله ويظهر على أفعاله إلا إنه حاول جاهدًا السيطرة عليه واستجماع شتات نفسه وهو يقول بصوت حاول إخراجه واثقًا :
_ وبعد كدة أنا نزلت أشوفها وقربت منها لقيتها ماتت، طلعت الموبايل حاولت أطلب الإسعاف بس غيرت رأيي وركبت عربيتي تاني ومشيت ..
طالع وكيل النيابة تلك الأوراق من أمامه مرة أخرى قبل أن يقول بهدوء دون أن ينظر إليه :
_ والمسدس اللي قتلت بيه نفسها راح فين !
هز مصطفى رأسه بعدم فهم قبل أن يُجيب :
_ معرفش بس أكيد جنب الجثة ..
رفع وكيل النيابة رأسه إلي المتهم يتأمله لعدة لحظات وكأنه يتبين الصدق في كلماته قبل أن تمتد أصابعه إلى إحدى أكياس الحفظ البيضاء بجانبه والتي تحتوى على جسم أسود لوح به إلى مصطفى متسائلًا :
_ هو ده ؟
دقق مصطفى بنظره على جسم المسدس الغير ظاهر كُليًا قبل أن يُجيب بحذر :
_ يمكن .. معرفش ..
أقترب وكيل النيابة بجسده من مكتبه يتكأ عليه وهو يتساءل بخفوت كأنه يفضى إليه بسر خطير :
_ يعنى أنت مأخدتش المسدس اللي هي قتلت بيه نفسها ؟
أجابه مصطفى على الفور وهو يهز رأسه نافيًا قائلًا ببديهية :
_ أكيد لا هاخده ليه ..
تراجع وكيل النيابة بجسده إلى الخلف ليستند على ظهر مقعده بارتياح من جديد وهو يقول بنبرة هادئة :
_امال المسدس ده كان بيعمل إيه في تابلوه عربيتك، واللي بالمناسبة معلهوش أي بصمات ..
قطب مصطفى ما بين حاجبيه مُحاولًا استيعاب ما يحدث قبل أن يُجيب دون أن يعي وكأنه يُحدث نفسه :
_ عربيتي أنا ! مش معقول !
استطرد وكيل النيابة كلماته بتشكك مُتجاهلًا ذهول الأول فقال بحزم :
_ وبقعة الدم اللي حاولت تمسحها من على فرش كرسي عربيتك اللي جنب كرسي السواق!
ازداد عبوس مصطفى قبل أن يتساءل كالأبله :
_ دم في عربيتي أنا جه منين !
في تلك اللحظة ارتفع صوت وكيل النيابة بحدة قائلًا وهو يضرب سطح مكتبه بقبضته :
_ أنا اللي بسأل هِنا وعاوز أجوبة .
طأطأ مصطفى رأسه بهوان لاعنًا تلك الحادثة التي قامت بإذلاله إلى تلك الدرجة قبل أن يقول بصوت خفيض مقتضب :
_ معرفش جه منين أنا ممسحتش حاجة …
زفر وكيل النيابة بضيق واضح قبل أن يُكمِل تساؤلاته وفد استعاد هدوءه :
_ طيب تفسرلي بإيه إن عينة الدم اللي في عربيتك هي نفسها عينة الدم اللي كانت مغرقة منديل بدلتك في الحاجات اللي كانت رايحة الدراي كلين تتنضف ..
رفع مصطفى رأسه فاغرًا فاه باندهاش قائلًا :
_ منديل إيه أنا موقعش منى أي حاجة جه عليها دم، وبعدين المنديل بيبقى جوه البدلة اللي تحت البالطو الصوف، إزاي هيقع منى ويتملا دم بالشكل ده ..
ضيق وكيل النيابة عينيه بمكر وهو يقول مُفسرًا :
_ مش يمكن أنت طلعته عشان تمسح بيه بصماتك اللي على المسدس ووقع منك على المجني عليها أو يمكن أنت كنت ماسك المسدس بيه من الأول ..
في تلك اللحظة تدخل أيمن مقاطعًا بعدما خرج عن طور المُتفرج الذى كان عليه ليقول :
_ مش من البديهي إنه يحتفظ بأداة الجريمة يافندم ده لو فعلًا هو اللي قتلها ..
تأرجح وكيل النيابة بمقعده يُمنة ويسارًا مُتسائلًا من جديد :
_ طيب وتفسير بقعة الدم اللي في عربيته جت منين ! في النهاية لم يستطع مصطفى السيطرة على انفعاله لأكثر من ذلك فقال بهياج كالمضطرب عقليًا :
_ معرفش، كل اللي بتقوله ده أنا معرفش حاجة عنه ..
وبعكس ما توقع الجميع، تابع وكيل النيابة بهدوء شديد يُحسد عليه :
_ أنا بقى أقولك اللي حصل، أنتوا اختلفتوا أثناء وجودكوا في العربية ويمكن هي اللي كانت جايبة المسدس ده عشان تقتلك فأنت أخدته منها وقتلتلها أو الطلقة طلعت بالغلط وانت بتدافع عن نفسك ،ساعتها فكرت في المقطم ترميها فيه، وبعد مادفنتها وفي طريقك للبيت اكتشفت بقعة الدم مكان ماقتلتلها في عربيتك فوقفت في الطريق وغسلت الكرسي بسرعة عشان تمسح آثار الدم خصوصًا إن فرش عربيتك جلد وسهل التنضيف، وطبعًا ملقتش حاجة تمسح بيها إلا منديلك اللي حطيته تانى في جيب بدلتك واللي نسيت تطلعه منها قبل ما تقلعها ..
وبعد ما وصلت البيت قبل ماتطلع من العربية اكتشفت المسدس تحت كرسيك فطلعت منديلك من تاني تمسح من عليه البصمات وحطيته في تابلوه عربيتك لحد ماتشوفله صرفه ..
ابتسم مصطفى بسخرية حتى أنه كاد أن يُصفق على ذلك التحليل المدروس قبل أن يقول بتهكم بعدما استعاد هدوئه وكأنه فقد احساسه بخطورة الموقف :
_ وإيه اللي هيخليني استنى أسبوع والمسدس في عربيتي ..
أجابه وكيل النيابة بحذر :
_ خفت تكون متراقب مثلًا، خصوصًا إنك مش أول مره تقتل ..
اتسعت عيني مصطفى بذهول بينما وكيل النيابة أردف :
_ قتلتها زي ما قتلت مراتك الأردنية نوال طلال ..

يتبع….

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية مصطفى أبوحجر)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى