روايات

رواية ديجور الهوى الفصل الثامن 8 بقلم فاطمة طه سلطان

رواية ديجور الهوى الفصل الثامن 8 بقلم فاطمة طه سلطان

رواية ديجور الهوى الجزء الثامن

رواية ديجور الهوى البارت الثامن

رواية ديجور الهوى الحلقة الثامنة

ليلة بائسة كصاحبتها، قضتها تشعر بالاعياء الشديد تراقب فيها دعاء وهي تقوم بتنظيف الغرفة على قدر استطاعتها بعد حالة الفوضى التي دبتها فيها…
ولم تكن تستطع أن تتحرك من مكانها لمنعها أو على الأقل مساعدتها، وأعطتها دعاء بعض الأدوية التي قد تساعدها على الشفاء من تلك الحمى التي لا تدري هل ظهرت عليها من كثرة الحزن…
وظلت طوال الليل تمر عليها وتتأكد انها بخير ونائمة فهي أشفقت عليها شعرت بالحزن من أجلها للمرة الأولى تقريبًا فتلك المرأة تمتلك جانب أخر غير التي تحاول أن تظهره أمام الجميع…
وبعد أن ذهب بكر إلى الشركة في الصباح وتناول فطوره، ذهبت هي من أجل تحضير الفطور لها بعفوية منها، وقامت بحفظ السر كما رغبت فردوس لم تخبر أحد عن حالتها رغم أن الجميع يشعر ولكنها لم تفسر اي شيء…
قامت بتحضير الفطار ظننًا منها بأن فردوس بعد تلك الليلة الصعبة التي مرت بها لن ترضى أن تهبط وترى أحد كأي أمرأة طبيعية مرت بليلة عصفت بها، وتحديدًا أنها مرضت قليلا ليلة أمس…
جاءت دعاء ثم فتحت الباب وأغلقته خلفها بعفوية ولم تنظر إلى ما يتواجد داخل الغرفة:
-معلش يا فردوس أتأخرت عليكي بكر كان…
لم تستكمل حديثها حينما أستدارت وأتضحت لها الرؤية حينما ووجدتها تجلس أمام المرأة تصفف خصلاتها بعناية شديدة، وقد وضعت أحمر شفاة يجعل من يجلس بمسافة مئة متر عنها يلاحظها، وقد غيرت ملابسها إلى عبائة جميلة بشكل لا يوصف حقًا، هل هي العروس لهذه الزينة؟!..
لو أنها العروس لم تكن لتفعل ذلك، نظرت لها دعاء بقم مفتوح مصدومة من الجنون التي تراه أمامها…..
وحاولت أن تستوعب الموقف فوضعت دعاء الطعام على الطاولة وهي تنظر لها بعدم استيعاب تحاول معرفة من أي طينة خلقت تلك المرأة العجيبة؟!!
حقًا لا تعلم ما بها..
سألتها دعاء ببلاهة:
-أنتِ كويسة يا فردوس؟!.
أجابت عليها فردوس بصدر رحب ونبرة مشرقة وهي تنظر لها في المرآة:
-أنا كويسة جدًا وزي الفل قصادك أهو مالي يعني؟!.
غمغمت دعاء في توتر:
-اصل يعني بعد اللي حصل امبارح.
تمتمت فردوس بنبرة عادية وكأنه لم يحدث شيء:
-مهوا فوقت وقولت أفوق كده شوية علشان ناوية أروح ازور طنط نجوى، وحشتني بقالي كتير مروحتلهاش.
ثم سألتها بكبرياء أحمق:
-أنتِ جايبة الأكل هنا ليه؟!! هما مش فطروا خلاص ولا أيه؟!.
تحدثت دعاء بتوضيح وتوتر فتلك المرأة تصيبها بالتوتر فهي لا تعلم كيف تتعامل معها:
-بكر فطر، والحاج توفيق فطر في اوضته فقولت اجيب ليكي الاكل خصوصا أنك مش هتكوني عايزة تشوفي حد يعني….
-وأنا مش هعوز أشوف حد ليه؟! هما ماسكين عليا ذلة؟!! أنا انزل وادب عيني في اتخن تخين.
صرخت دعاء في تهكم فهي باتت لا تتحمل هذا الكم من التناقض:
-بت أنتِ أنا كل ما بعذرك وبحاول افهمك، ترجعي تجنني امي مبقتش عارفة أنتِ كام شخصية في بعض؟!.
تحدثت فردوس بضيقٍ ففي الواقع هي تشعر بالغضب بسبب ضعفها التي لا تريد أن يراه أحد وأصحاب هذا المنزل بالأخص ولكنها لم تسيطر على نفسها ليلة أمس:
-ما خلاص يا دعاء مكنش ليلة شوفتيني فيها مضايقة حبتين وعندي برد هتذلي امي.
صححت لها دعاء في سخرية:
-ذل ايه يا غبية أنتِ، أنا بس مش فهماكي.
خرجت ضحكة من فردوس ساخرة فهي لا تفهم نفسهة هل سوف تستطع هي على فهمها؟!
-صدقيني وصولي للحالة اللي قدامك دي، سببها إني مش فاهمة نفسي ولا حد فاهمني، وياريت اللي حصل امبارح هنا محدش يعرفه وشكرًا لوجودك جنبي لأنه فرق معايا كتير اوي.
تدرك دعاء جيدًا أنها شخصية ثرثارة ولكنها لن تفعل هذا معها، بل هزت رأسها بإيجاب ثم ختمت حديثها قائلة:
-أكيد مش هقول يا فردوس بس أعرفي اني موجودة في اي وقت تحسي فيه انك لوحدك أو عايزة تتكلمي او عايزة اي حاجة مش هتردد غير اني اقدملك كل حاجة أقدر اعملها ليكي…
لم تعتاد فردوس الثناء أو الشكر منذ فترة طويلة فأكتفت بقول:
-شكرا.
____________
“في بني سويف”
تجلس بشرى مع والدها وعائلتها ولم يكن يومًا عاديًا أو حتى جلسة تقليدية فاليوم هو اليوم التي لا تعلم عدده التي تحاول إقناع والدها فيه بأن تذهب للتدريب في مكتب المحاماة كما أخبرها مراد والتي حينما قامت بالتواصل مع المكتب عن طريق الرقم المتروك في الموقع رحبوا بها وأخبروها بأن تأتي بعد الإمتحانات وها قد انتهت منذ مدة طويلة وعادت إلى البلدة تحاول إقناع والدها ولكنها تفشل وبشدة..
تمتم منير بغضب بعد أن وضع كوب الشاي على الطاولة المتواجدة أمامه:
-قولت لا يعني لا يا بشرى أنا لما صدقت خلصتي جامعتك أيه اللي يوديكي القاهرة؟! وبعدين هتعملنا أيه المحاماة دي؟! مش كفايا قعدت أربع سنين في الكلية وفي الاخر حقوق مش حاجة يعني عليها القيمة.
تلك النظرة التي يمتلكها فئة كبيرة من المجتمع كان يمتلكها والدها وهي تقسيم الكليات إلى طبقات مثلها مثل الطبقات الاجتماعية وهناك كليات قمة وكليات “الشعب” كما يطلق عليها ومن البداية كان لا يقبل بذهابها لولا ضغط زوجته ووالدته لم يكن يفعل.
منير والد بشرى في الخامسة والخمسين من عمره، ليس لديه إلا شقيقه واحده تزوجت منذ سنوات وتعيش في الخارج…
تعيش والدته معه البالغة من العمر خمسة وسبعون عامًا، ويقوم هو بإدارة الأراضي الزراعية الخاصة بعائلته بالإضافة إلى سلسلة مطاعم في الإسكندرية يقوم بإدراتهما ويقضى أوقات كثيرة هناك منذ أن كان طالبًا في الجامعة ووقتها ساعده والده وقام بدعمه لفتح مشروعه الخاص ومن وقتها يقوم بتكبير المطعم الخاص بالأسماك وأفتتاح أكثر من فرع..
لكن مع تقدمه في السن باتت زياراته قليلة إلى هناك ويذهب في بداية كل شهر ويقوم بإدارة كل شيء من هنا…
تحدثت بشرى بضيقٍ:
-يا بابا قولت لحضرتك ألف مرة أنا عايزة أشتغل في المحاماة وحاباها والمتر حسين النشرتي وابنه هلال اسمهم مسمع أوي وأكيد هكتسب خبرة كبيرة لو اشتغلت هناك علشان خاطري وافق ده كفايا لو روحت اي حته أقول اني أتدربت هناك.
-أنا مش موافق، ساعة الجامعة كنت موافق علشان سكن طلبة لكن أنا مش هأمن عليكي تقعدي في شقة لوحدك مع صاحبتك أنتِ مجنونة صح؟؟.
أنهى منير حديثه منفعلًا…
مما جعل بشرى تتحدث بإصرار وبضيق شديد:
-يعني حضرتك مش واثق فيا؟!.
نظر لها منير باختناق ثم غمغم:
-اسمها قلقان عليكي، وأنا شايف أن شغل المحاماة مش كويس علشانك ولو زنقت أوي ياستي أشوفلك مكتب محاماة هنا تدربي فيه مش حوار كبير يعني..
تحدثت بشرى برغبة وإصرار رهيب فهي تدرك الفائدة التي ستعود لها عند التدريب هناك:
-يا بابا لو روحت أي حته أشتغل فيها بعدين كفايا أقول أني كنت في المكتب ده وأنا متفائلة وقولت لحضرتك زمايلي هناك أصلا.
قال منير بغضب:
-ما قولنا لا وخلاص بقا هو أحنا مش هيبقى ورانا حاجة غير الكلام في الموضوع ده ولا أيه؟!.
جاءت جدتها من الداخل وهي تسير بخطوات هادئة وهي تقول:
-في أيه عمالين تحكوا في أيه؟!.
تمتم منير بنبرة منزعجة:
-هيكون في أيه يا امي غير في الموضوع اللي من ساعة ما أخدت الإجازة وهي خنقتنا بيه دع.
نظرت بشرى لجدتها بمسكنة فهي تعلم جيدًا بأنها أكثر من يدللها وفي نفس الوقت هي أكثر من لديها سلطة على والدها، فغمغمت زينب:
-ما تسيب البت تعمل اللي هي عايزاه ما ابنك سافر وعاش حياته سيب البت تشوف مستقبلها وتشتغل وتعتمد على نفسها الزمن اتغير، سلاح البت شهادتها وشغلها.
تمتم منير باقتضاب محاولًا شرح وجهة نظره:
-أنا خايف عليها يا أمي.
قالت زينب بنبرة عادية:
-سيبها تجرب شهرين ولا حاجة لو هي مش قادرة تكمل أو حسينا أنها مش عارفة تعتمد على نفسها تبقى تقعد لكن سيب البت تاخد خبرة وتتعلم حاجة في حياتها وتجرب.
نهضت بشرى قائلة بفرحة وهي تركض ناحيتها وتحتضنها بقوة:
-ينصر دينك يا شيخة.
ضحكت زينب وهي تحتضنها متمتمة:
-براحة عليا يابنتي هو أنا حملك؟! هتوقعيني.
هدأت بشرى قليلا ولكنها ظلت محتضنة جدتها ونظرت قائلة لوالدها:
-طبعا مش هتكسر كلام الست الوالدة اللي قالت كلام زي الفل.
أردف منير بضيق:
-هو في حد مدلعك ومبوظك غيرها أساسا.
غمغمت زينب بحب:
-أعيش وأدلعها يارب وأشيل عيالها.
ثم وجهت زينب حديثها إلى حفيدتها قائلة:
-هي نرمين لسه مجتش؟!.
تحدثت بشرى بعد ذهاب والدها إلى الغرفة تاركًا أياهم فلقد شعر بالملل والضيق:
– لسه قافله معاها من شوية وقالتلي أنها نزلت من عند خالو يعني زمانها في الطريق.
____________
بعد ذهاب دعاء قررت الاتصال به محاولة أن تلعب دور الزوجة الصالحة على أكمل وجه…
فقررت أن تتصل به لتأخذ منه الأذن للذهاب، في الواقع هي لا ترغب في الذهاب لزيارة أحد بحالتها النفسية السيئة تلك، ولو كانت تريد لكانت ذهبت دون أذن وليحدث ما يحدث وقتها لن تهتم، هي كل ما تريده الآن هو تعكير مزاجه، فلقد سئمت كلما تتخيل أن هناك أمرأة أخرى قد تمتعت باحضانه تشعر بأنها على وشك الجنون، أمرأة أخرى تعطيه وتهبه نفسها بينما هي لم تفعل، ولم تكن المرأة الأولى في حياته كما كان يخبرها منذ سنوات وقبل خطبتهما…..
المحزن في الأمر أنها لا تستطيع عتابه حينما تفكر بعقلانية، لكن قلبها يود الصراخ والعتاب ولومه…
فلقد أحبه ويرغب به لكنه لم يستطيع أن يحارب عقلها أبدًا….
ولم يستطيع عقلها اخراجه من قلبها، وبقى الأثنان متعادلان في القوة كلاهما منتصر وخاسر في أحدي المعارك….
ألتقطت هاتفها وقامت بالضغط على اسمه وأتصلت به…
___________
في شقة الزوجية الخاصة بداليا وكمال…
تقلب في نومته للمرة التي لا يعرف عددها بسب اهتزاز هاتفهب على الكوميدنو فألتقطته ليجدها..
لم يصدق في البداية أنها تتصل به في وقت هكذا!!..
بالرغم من ذلك نهض وغادر الغرفة تاركًا داليا في الفراش لا يدري هل هي مستيقظة أيضًا أم ذاهبة في نوم عميق…
أجاب كمال عليها بصوت فاتر:
-ألو.
أتاه صوتها المشرق بالنسبة له لتثبت له بأنها في أفضل حالاتها وأنها لم تتأثر أبدًا وأنها لم تشعر بأي شيء:
_صوتك نايم كده ليه نموسيتك كحل يا عريس، ده أنا حتى أعرف أنك بتصحى بدري بس معلش بقا من حق العريس يدلع.
هل يجب أن يعطيها جائزة الأوسكار على استفزازها وقدرتها على إغضابه…
تحدث كمال محاولا أن يتمالك أعصابه بنبرة مقتضبة فهو لم يستطع النوم ولو ساعة واحدة على أي حال:
-في ايه يا فردوس على الصبح؟!.
غمغمت فردوس بانفعال طفيف:
-هيكون في أيه يعني؟! ومالك مخنوق اوي كده ليه وبتتكلم معايا كده ليه؟!.
قال كمال بانفعال هو الآخر:
-اتكلمت ازاي؟! هو أنتِ صاحية من النوم مش لاقية حاجة تعمليها ولما حسيتي بالملل أن جرعتك للخناق ماخدتهاش النهاردة وامبارح قولتي تتصلي تنكدي عليا صح؟! مش لاقية حد تنكشيه.
هي تفتقده حقًا الأمر ليس كما يحاول وصفه…
ولا تستطيع أن تصرخ ترغب في عودته إليها..
تغب في إخباره بأنها تموت من تخيلها بأنه قد أقترب من أمرأة غيرها، تريد إخباره بأنها لأول مرة تشعر بالغربة والألم كانت ليلة أمس وكأنها باتت في غربة متوحشة، حتى ولو كان في غرفة أخرى حتى لو كان بينهما ألف شجار وشجار والكثير من الجدار ولكنها كانت تعلم بأنه موجود على الأقل…
تلك الأشياء تود أن تصرح بها ولكنها كالعادة لا تستطيع فتحدثت فردوس ببرود:
-ولا حاسة بغيابك أصلا، أنا متصلة بس علشان أقولك عايزة اروح لطنط نجوى زهقت من قعدة البيت خلاص بقالي شهور، ولعلمك أنا عايزة أبات عندها كام يوم وأنتَ عارف أنها قاعدة لوحدها ومراد شغال في القاهرة ومش بيجي غير كل أول شهر
-أنتِ ممنوعة أنك تخرجي.
تحدثت فردوس بلهجة هادئة حاولت تصنعها:
-بقالي كذا شهر مشوفتش الشارع وخلاص أنا عرفت غلطي يا سيدي فلو سمحت خليني أروح اشوفها اديني بستأذن منك أهو.
عقب على كلماتها بنبرة عادية بعد دقيقة تقريبًا صمت بها ويفكر في رد:
-روحي وقبل ما تروحي ابعتيلي رسالة ولما ترجعي تبعتيلي برضو لكن بيات لا وأخرك ساعة هناك.
تمتمت فردوس بحماقة:
-للدرجاتي اتصالي هيضايقك يا حبيبي ويعطلك فابعتلك رسالة؟!.
تلك التصرفات الغير منطقية تعبر عن شيء واحد بأنها تغار وتغار كثيرًا ولكنه لا يصدق بأن فردوس قد تغار فهي نسيت كل شيء بينهما منذ سنوات عديدة..
-على فكرة أنا عريس والنهاردة صباحيتي لو مش واخده بالك وأنتِ مكلماني علشان تسأليني أنك تروحي عند طنط نجوى ولا لا اللي معرفش شوفتيها في الحلم وافتكرتيها ولا ايه حكايتك؟!.
بكل بساطة كانت تجيب عليه:
-وأنا مراتك ومن حقي اتصل وقت ما أحب ووقت ما أحس ان في حاجة مهمة عايزة أقولها وبعدين أنا غلطانة اني بنفذ كلامك؟!! على العموم مش هعطلك اكتر من كده سلام.
-سلام.
لم تغلق المكالمة بعد ولكنها قالت قبل إغلاقها:
-ولا أقولك أنا غيرت رأيي ومش رايحة في حتة باي.
أغلقت المكالمة في وجهه دون أن تنتظر منه رد حتى فلو انتظرت لن تتحكم في لسانها السليط أكثر من ذلك، وستصرخ في وجهه تخبره بأنها على وشك أنك تصاب بالجنون بسبب غيابه…
كل ما تتمناه أن تكن استطاعت على الأقل إفساد مزاجه بعد ليلة قصاها في أحضان أخرى.
بينما هو جلس على الأريكة بملل وغضب منها، فهو لم يخلد للنوم منذ البارحة، فقط يحاول بين الحين والأخر إغلاق عينه والذهاب في النوم ولكن لم يستطع فسر ذلك أنه رُبما يشعر بهذا الشيء بسبب تغيير المكان.
وكأنه لا يشعر بالضيق من كل شيء حوله، ورُبما هذا كله لأنه بات رجل متزوج من أمراتين أمام الجميع وضع لا يروق له ولكن لم تضع أمامه فردوس أي خيارات، لم تقبل أي محاولة للهدنة أو أعطته أمل في التغيير وبات عاجزًا أن يجد حل لها.
من بين أفكاره العميقة والتي غرق بها.
أتت داليا من الداخل بعد أن تأكدت من أنها أحكمت إغلاق مبذلها فوق منامتها وقامت بتصفيف خصلاتها جيدًا ووضعت بعض مستحضرات التجميل البسيطة التي قد تعطي لون لوجنتيها محاولة بهذا الشكل الإعتذار عما حدث منها ليلة أمس، ولا تدري لما تريد الإعتذار وكأنه ليس من حقها طلب ذلك أو أن تشعر بالخوف والقلق كأي فتاة في موضعها…
هي لا تعلم ولكنها على الأقل تريد ألا تظهر له في موضع طفلة هي لا تفهم مشاعرها ولكن رُبما لُطفه وتقديره لخوفها وخجلها ليلة أمس هو ما دفعها أن تشعر بالامتنان له وترغب في تعويضه اليوم متغلبة على خجلها فهو بات زوجها…
قالت داليا بصوت خافت وهي تجلس بجانبه:
-صباح الخير.
ألتفت لها كمال برأسه بعد أن كان شاردًا تمامًا بسبب مكالمة فردوس، أبتسم لها متمتمًا بهدوء وهو يعتدل وينظر لها:
-صباح النور.
حاولت داليا قول أي شيء حتى تتجاذب معه في أطراف الحديث:
-أنتَ منمتش خالص صح؟! كنت حاسة بيك بتتقلب طول الليل.
يبدو أنه ازعجها وجعل شعور أخر يصل لها فحاول التفسير برفق قائلا:
-يعني تقريبا غفلت عيني شوية، بس يمكن علشان تغيير المكان مش أكتر.
تمتمت داليا بخجل وهي تنظر له وتعيد خصلاتها الهاربة خلف أذنيها:
-أنا أسفة.
ضيق كمال عيناه سائلا أياها بجدية شديدة فهو حقًا عقله مشغول ولا يعلم عما تعتذر؟!…
-أسفة على أيه؟!.
جعلها تشعر بالحرج أكثر حينما لم يفهم مقصدها ولكنها أجابته بتوضيح:
-يعني علشان أمبارح أنا طلبت منك اني أنام ونأجل وكده بعد ما صلينا، أنا كنت مرهقة وتعبانة جدًا.
وضع يده على وجنتيها متحدثًا بنبرة دافئة مطمئنًا أياها:
-أهم حاجة تكوني أحسن دلوقتي مفيش حد بيجري ورانا، وهو اليوم كان متعب، أهم حاجة تكوني مرتاحة.
أبتسمت على تقديره وشعرت بالخجل أكتر وهي تقول له:
-طيب أيه رأيك أقوم أحضر الفطار؟!.
ضيق عينه محاولا أن يشاغبها، أو يخلق حوار بينهما كما تحاول هي، فمرت الثلاثة أشهر بسرعة رهيبة لم يستطع أحد منهما التعرف على الآخر بشكل عميق..
-يعني بعد الاعتذار هتحضري الفطار وده معقول؟؟!.
شعرت بالخجل الشديد وهي تجيبه أثناء نهوضها متوجهة صوب المطبخ ونهض خلفها مقررًا أن يساعدها:
-أيوة…
______________
-صراحة أنا لغايت دلوقتي مش مصدق أن كمال أتجوز، دي معجزة بجد، فضلت تزن أنتَ على دماغه يا بكر.
قال توفيق تلك الكلمات بمرح وهو يجلس على الأريكة في مكتبه وابنه يجلس أمامه..
أردف بكر بتوضيح:
-كمال كان موقف حياته لمدة سبع سنين، وكان محتاج حد يفهمه الوضع ويفهمه أنه السنين اللي بتروح مش هترجع، وهو استنى فردوس كتير أوي، البيت كله وهو نفسه، كلنا حاولنا معاها بكل الطرق لكنها محاولتش تلين دماغها أبدًا معاه.
تمتم توفيق بنبرة حكيمة:
-هو أنتَ معاك حق، بس مش حاسس أنك أنتَ السبب الوحيد في الفترة الأخيرة كان كمال في حاجات كتير بتحصل بينه وبين فردوس وخناقاتهم الأخيرة كانت غريبة أعتقد يمكن ده سبب من ضمن الأسباب.
-عموما ربنا يكتب اللي فيه الخير، كمال طيب وغلبان ومن حقه يفرح زي أي راجل بنفسه، ويفرح بخلفته.
هتف توفيق بنبرة هادئة وتمني:
-يارب ربنا يفرحه ويلين دماغ فردوس عليه علشان دي الحاجة اللي هتفرح قلبه بجد.
ضحك بكر وهو يقول بعدم فهم:
-يلين دماغ فردوس؟! أيه الدعوة اللي مش في محلها دي؟! ده هو خلاص اتجوز والنهاردة صباحيته أتأخرت الدعوة دي يا حاج، دلوقتي ان شاء الله يكون غرقان في العسل مع عروسته.
تمتم توفيق بنبرة ماكرة:
-أنا عارف أنا بدعي بأيه يا بكر كل اللي فات كوم واللي جاي كوم تاني.
-مش فاهمك يا حاج، وبعدين هي فردوس طول السبع سنين مفكرتش تلين دماغها وهتعملها لما راح اتجوز عليها؟!
غمغم توفيق بتوضيح وهو ينظر لابنه نظرة ذات معنى:
-اللي فات كوم واللي جاي كوم تاني، فردوس زمان غير فردوس اللي هتكون موجودة الفترة الجاية، الوضع أختلف هي الأول كانت ضامنة وجود كمال قدامها، ضامنة محاولاته وسكوته، لكن دلوقتي في واحدة تانية في حياته وده كفيل يجنن أي واحدة بتحب الراجل اللي معاها.
غمغم بكر باستنكار شديد:
-بتحب ايه يا حاج، فردوس مين اللي بتحب، فردوس مفيش حاجة في دماغها غير الثأر، غير شريف، غير أنها تنتقم وتأخد حقه، فردوس لو حبت كمال ولو واحد في المئة كانت استسلمت من بدري.
تمتمت توفيق بنبرة عادية:
-فردوس من نوع الستات اللي مهما حبت هي هتفضل ماشية بعقلها حتى لو من جواها بتموت ألف مرة، بس هيجي في مرة قلبها مش هيستحمل السكات وهتنفجر، وأعتقد أنسب وقت تنفجر فيه هو وجود واحدة تانية في حياة كمال ده هيشقلب حالها الغيرة صعبة جدًا.
لم يفهم بكر مقصد والده…
ولكنه عقب بضيقٍ:
-يارب بس متعملش مشاكل مع داليا وأهلها ولا تنكد على الواد وتسيبه يفرح شوية.
-لا فردوس مش عبيطة أنها تروح تتخانق مع ناس متعرفهاش ولا عملوا ليها حاجة…
ثم توقف عن الحديث وسأله:
-سيبك من فردوس وكمال، العملية اتحدد ميعادها ولا لسه؟!.
غمغم بكر بتلقائية:
-ان شاء الله يوم الخميس ادعيلنا يا بابا.
-ان شاء الله يا ابني ربنا هيجبر بخاطرك وهشيل خلفتك قبل ما أموت..
قاطعه بكر بضيق من الحديث عن هذا الأمر:
-بعد الشر على حضرتك يا بابا.
-محدش مخلل فيها يا ابني المهم اتفائل أنتَ كده ومتنكدش على مراتك وارفع من معنوياتها هي بتعمل كل ده علشان تفرحك بحتة عيل متقعدش بقا مكتئب وتحسسها أن اللي هي بتعمله ده ملهوش لازمة.
أبتسم له بكر ثم أردف بهدوء:
-حاضر يا بابا.
_____________
في المساء..
وبعد محاولات عبده القزية جدًا بأن تعود شمس إلى سوق العمل بعد ما فعلته، أخيرًا أستطاع واليوم كان يوم عودتها..
وها هي قد ولجت إلى الغرفة الخاصة بها في الفندق لتأخذ حمام دافئ بعد رقصتها في حفل الزفاف…
خرجت من المرحاض وهي ترتدي روب الاستحمام وفي الوقت نفسه دخلت والدتها وهي تنظر لها بضيقٍ وتحدثت في غضب شديد:
-أيه اللي أنتِ هببتيه تحت ده؟!.
بنبرة متعبة أجابت عليها شمس في استغراب:
-عملت أيه ضايقك ياست هانم؟!..
عقبت سوسن بضيقٍ وهي تضع الملابس التي خلعتها شمس في الحقيبة وتقوم بوضع الأغراض في حقيبة السفر الذي يكن يتواجد بها متعلقات شمس:
-في أنك عماله ترقصي زي الفرخة الدايخة تحت وبتتلوي كأنك عندك مغص والنهاردة مكنتيش في المود خالص، وليلة واحدة تخربيها تاني بعد اللي حصل قبل كده مش هتلاقي اللي يشغلك بعد كده.
تنهدت شمس…
ثم قالت في اعتذار:
-أيه مينفعش أكون مرة واحدة تعبانة أيه مش بني أدمه؟! وبعدين أنا قولتلكم مش عايزة المرة دي ومش في المود فضلتوا تتحايلوا عليا ودلوقتي جاية تلوميني؟!.
أسترسلت شمس حديثها في سخرية وهي تضع يديها في جانبيها:
-ده كان جوزك ناقص يبوس رجلي علشان أنزل النهاردة طبعا مهوا بياخد نص فلوسي، يبقى يهز هو مدام الفلوس بتزغلل عينه أوي كده وأنا مبقتش عاجبة.
قالت سوسن بثقة مدافعة عن زوجها:
-لولاه يا شموسة هانم مش هتيجي ليكي ولا حفلات ولا أفراح، وبعدين ده في مقام أبوكي وهو اللي رباكي دي أخرتها يعني؟!.
تحدثت شمس في انفعال:
-أه مقام أبويا اه، ماشي أصلي ناكرة للجميل ولأفضاله عليا، بس يكون في علمك أنا مش ههز وسطي تاني إلا لما أخد التلتين وأنتم التلت بعد كده علشان جوزك مش بيأخد النص بس لا ده بيشتغلني وبيتفق على سعر ويقولي أنا سعر تاني، لو مش هيتعدل بعد كده هجيب واحد غيره يمسكلي شغلي.
لا تصدق وقاحة ابنتها…
فهي أصبحت مجنونة بالفعل منذ انفصالها مع ثائر…
وباتت تركز في كل شيء يحدث حولها…
-أنتِ مالك عماله تتني وتتفردي كده ليه؟! وبقيتي مستبيعة كل ده علشان ديك البرابر قلبك واجعك أوي كده ياختي؟! مش أنت اللي قولتيله انك رقاصة وضيعتيه من أيدك واتغبيتي كان اخرك معاه شهرين اخدتي فيهم قرشين ورجعتي لكارك لكن أنتِ خربتيها وبعدها عايزة تخربي الشغل كمان.
صاحت شمس بنفاذ صبر:
-أطلعي برا.
غمغمت سوسن في استنكار وعدم تصديق:
-أنتِ بتطرديني؟!..
لم تجيبها بل أخذتها من يدها تحت صراخات والدتها وفتحت الباب وأخرجتها من الغرفة ثم دخلت إلى الداخل مرة أخرى لتغلق الباب وتأخذ نفس طويل…
أقتربت من الفراش وجلست فوقه والدموع تنهمر منها بغزارة لم تفهم سببها، أحبته بالفعل ولأنها أحبته أخبرته الحقيقة لأنها لا تريد أن ترتبط به بشكل رسمي وهي كاذبة كما تريد والدتها…
ولأنها لن تقوم بتزوير بطاقة من أجل الزواج به…
لا تعلم حقًا هل هو أحبها أم أنها بالنسبة له كانت أمرأة جميلة وفاتنة يريد أن يمضي بضعة أشهر معها كما يفعل مع الجميع؟!!..
لأول مرة تفتح قلبها إلى تلك الدرجة..
لأول مرة تسمح لنفسها بأن تعيش تلك المشاعر كأي فتاة من حقها أن تشعر بالحب..
لكن يبدو أنها نست كونها راقصة لن يرضى بها ثائر حتى لو زوجة للمتعة ليست حتى حبيبة لن يرضي بها بأي صفة قد تكون….
مازالت تتذكر وجهه حينما أخبرته الخبر واستنكاره الشديد ورحيله، رحيله الذي رافقه قلبها راحلا خلفه رافضًا العودة لها مرة أخرى.
يا ليته لم يظهر يومًا في حياتها، ولم تفتح له قلبها…
وظلت تدرك مكانتها عند أي رجل، ولن يكن ثائر مختلفًا عنهما…
قام بحظرها من كل شيء، قام بمحوها من حياته.
_____________
في اليوم التالي..
-القاهرة-
قرع رنين الجرس…
فوضعت أفنان خِمارها المنزلي فوق رأسها التي تستعمله في تلك المواقف…
تاركه طفلها الحبيب فهد يجلس على الاريكة بقوم بعمل واجباته المدرسية، وخرجت من الشقة لتتوجه صوب بوابة المنزل وتفتحها لتشعر بالصدمة فهي لا تصدق ما تراه…
هل حقًا يقف أمامها داغر؟!!..
مرت سنوات عديدة ولم تراه بعد ذلك اليوم الذي تركها هنا أمام المنزل ووقتها لم تراه مجددًا…
فرت الكلمات وانعقد لسانها ولم تجد تعقيب مناسب أبدًا أي تعقيب سوف تجده الآن؟…
فالكارثة على وشك الحدوث…
أنقبض قلبها وبقوة، بينما تحدث داغر بنبرة عادية وابتسامة شقت ثغره رغمًا عنه برؤيتها:
– عاملة أيه؟!.
-أنا..أنا..
كانت تجاهد ليخرج صوتها…
وفجأة توقفت حينما شعرت بجسد صغير يأتي ويقف خلفها ويحاول أن يظهر رأسه من جانبها بمرح حتى يعرف من الطارق الذي لم يكن سوى والده الذي يشاهده في الصور فقط على الهاتف.
لينظر له داغر باستغراب؟!.
وحاول تخمين هاوية هذا الطفل؟!
هل أنجب شريف وهو لا يعلم؟!.
أردف داغر في بهدوء:
-أفنان هو شريف هنا؟!.
هزت أفنان رأسها نافية وفجاة أرتجفت وشعرت برعشة غريبة تسرى بأوتارها بسبب الخوف الذي أصابها وشعرت بداور رهيب…
وفجأة ترنحت لتسقط فاقدة الوعي ويحاول داغر برد فعل سريع أن يلتقطها بين ذراعيه برفقة الصغير الذي غمغم بذعر شديد بسبب فقدانها الوعي:
-ماما، ماما…..
جحظت عين داغر وهو يردد كلمة الصغير بذهول:
-ماما!!!!..

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية ديجور الهوى)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى