روايات

رواية غوثهم الفصل السابع 7 بقلم شمس محمد

رواية غوثهم الفصل السابع 7 بقلم شمس محمد

رواية غوثهم الجزء السابع

رواية غوثهم البارت السابع

رواية غوثهم
رواية غوثهم

رواية غوثهم الحلقة السابعة

“يــا صـبـر أيـوب”
_____________________
عند السماع لإبتهال ” النقشبندي ” وهو يتضرع للمولىٰ حينما يضيق الحال فيقول ” قصدتك من كل الجهات مناديًا” ويُكمل ويوصف ما نشعر به قائلًا:
” أجرني من القيد الذي شد معصمي ” أجرني من حُزني ، وخوفي ، وقلقي” وينهي بقوله للمولىٰ عز وجل
” أعدني لنفسي كم تغربتُ حائرًا”
فاللهم أجرنا من غُربة النفسِ.
________________________
لقد كُتِبَتْ علىَّ الغُربة وتم بها وسمي وكأنها اسمي، غريبٌ عاش في دنياه حتى عن نفسهِ، ووحيدٌ يسير في دربهِ، أشبه في حالي وكأنني مُرشدٌ في الصحراء يُرشد الجميع وفي اليوم الذي احتاجت فيه رؤية الطريق، غابت النجوم عن السماء ليقف مَحله تائهًا بدون طريق، فكيف لي أن أصل لِـسُبل النجاة وأنا هنا الغريق؟.
استمع “بيشوي” لجملة “مارينا” بعينين مُتسعتين وقد تملك منه الضيق لذلك ضغط على قبضتيه ثم هدر بنبرةٍ جامدة قاسية من يستمع لها يظنه بلا رحمةٍ:
_حُــسـني !! يا حُـــسني.
اقترب منه مساعده يسأله بلهفةٍ من غلظة صوته حتى تقطع صوته و تفرفت حروفه:
_نـ…نـعم يا أستاذ بيشوي..

 

نظر أمامه بغيظٍ وكأنه سُجِنَ في عالمٍ أخر وهو يقول:
_تقفل المحل، وتدخل كل حاجة جوة مكانها، أنا ماشي.
التفت يُغلق الدفتر و يضعه في خزينته ثم أخذ المفاتيح وتحرك من المكان بخطواتٍ واسعة يضرب الأرض بقوةٍ تعبر عن جَمَّ غضبه، و الأخرى تركض خلفه في محاولة منها للِحاق به لكنها باءت بالفشل، خاصةً وهو يسير بلا هوادة نحو بيت “مهرائيل”.
دلف البيت بدون أن يخطر بباله استخدام المصعد فاستخدم الدرج و خلفه “مارينا” بأنفاسٍ مُتقطعة لاهثة حتى وصل هو الطابق السادس وهي خلفه، وقف أمام الشقة يضرب الجرس بكفٍ و بالآخر يَطرق باب الشقة حتى فتحه له “جابر” الذي وقف مدهوشًا برؤيته أمامه.
تحدث “بيشوي” بنبرةٍ جامدة وهو يطالعه بنظراتٍ ثاقبة:
_هو إحنا مش كنا اتكلمنا كلمة رجالة قبل كدا ؟؟ بتخونها ليه؟؟ عريس مين دا اللي جايبه لبنتك ؟؟ مش مالي عينك؟؟
رفع “جابر” حاجبه ووقف يرمقه بغيظٍ فيما تحرك “بيشوي” نحو الداخل يتحدث بنبرةٍ جامدة لذلك المزعوم المُلقب بعريسها:
_أنتَ يا جدع أنتَ اتكل من هنا يلا، لو خايف على كرامتك.
رفع الشاب رأسه نحوه يسأله بأدبٍ:
_مين حضرتك، وبصفتك إيه بتكلمني كدا؟؟
لاحظ “بيشوي” أسلوبه المحترم لذلك تنفس بعمقٍ ثم آثر طريقةً أخرى وهي التفاهم فتحدث بنبرةٍ هادئة:
_أنا خطيب الآنسة اللي حضرتك جاي تخطبها دي، كل الحكاية إن فيه شوية خلافات عائلية هنحلها سوا، اتفضل.
أشار نحو باب الشقة كإشارةٍ منه للخروج من هنا، فقاطعه “جابر” مُتدخلًا بقوله:
_محصلش، مش خطيبها، وأنا مش موافق.

 

رفع “بيشوي” حاجبه وحدجه بشررٍ و قست نظراته نحوهما، فأغلق الشاب زر سترته ثم أخذ يقول بأدبٍ:
_ربنا يتمم بخير، عن اذنك وآسف لو حصل أي لَبس في الموضوع، أكيد بدون قصد.
تنهد “بيشوي” ثم نطق بجمودٍ:
_تُشكر، وكويس إنك طلعت مجدع وابن أصول قدرت الموقف صح، علشان معملش أنا معاك الصح.
كانت “مهرائيل” تتابع ما يحدث في الخارج من خلف باب غرفتها الذي واربته لكي تستطيع مراقبة ما يحدث خارجًا بعينين متورمتين من كثرة البكاء، فيما انتظر “بيشوي” حركة الأخر وقبل أن يقترب من باب الشقة أوقفه بنبرةٍ قوية غَلِظة
_استنى يا أستاذ !! خُد حاجتك دي معاك، ملهومش لزوم.
التفت الشاب عائدًا نحو الطاولة يحمل باقة الزهور و علبة الشكولاتة المُغلفة ثم تحرك من المكان بأكمله محاولًا الحفاظ على هيئته التي بعثر “بيشوي” ثباتها، راقبه “بيشوي” بحاجبٍ مرفوعٍ ثم التفت لـ “جابر” الذي هدر من خلفه بقوله:
_ لو فاكر انك هتلوي دراعي كدا وإني هعديلك اللي عملته تبقى غلطان أوي يا “بيشوي” بس لو ليك كبير كان اترد عليه.
تعمد إهانته والتقليل من شأنه و ذويه، فيما اقترب “بيشوي” منه ينطق بخشونةٍ جَزع منها “جابر” و تراخت أعصابه بشكلٍ ملحوظٍ:
_لو أنتَ فاكر إني هسكتلك عن اللي بتعمله دا تبقى غلطان أصلًا، ولو فاكر إني مليش كبير وكدا بتقلل مِني، احب أقولك إن كدا غلطك أكبر، علشان أنا كبيري لما مات اشتريت لنفسي كبير وقدرته اسمه “عبدالقادر العطار” الاسم اللي هيفضل كبيري طول العُمر، تقدر تروحله تقول يا كبير ابنك غلط.
تعمد “بيشوي” نعت نفسه بكلمة ابنه لكي يحفز تلك الصفة لدى الأخر الذي يكره تلك العلاقة على الرغم من أن ابنته تجمعها صلة وطيدة بابنة “عبدالقادر”، تنهد “بيشوي” بضجرٍ ثم حذره قبل أن يخرج من الشقة بقوله:
_لو حصل دا تاني، ساعتها أنا هَخرَج العريس بنقالة من هنا، ومن غير حلفان أو حتى تأكيد كلام، “مهرائيل” خط أحمر عندي.
تحرك من الشقة بعد حديثه الغليظ بنبرته القاسية، فابتسمت هي في الداخل بفرحةٍ كبرى انعكست على نظراتها وردود أفعالها التالية حينما ضمت كفيها معًا تضعهما على صدرها تُهديء من ضربات تلك المَضخة التي أوشكت على الاقلاع من محلها بسبب حديثه وطريقته التي رغم خشونتها إلا أنها أعربت عن صدق ما تفوه به.

 

انتبه “جابر” لوقوف ابنته الأخرى فاقترب منها يسألها بقسوةٍ وعيناه تنطق بسهام الشرِ:
_أنتِ اللي نزلتي عرفتيه صح ؟؟ انطقي.
ردت عليه بخوفٍ بعدما انكمشت في نفسها بسبب نظراته التي أوشكت على وأدها في محلها:
_ماهو….ماهو أنا خوفت يعرف ويحصل مشاكل، علشان كدا روحت أعرفه، صدقني مكانش قصدي غير كل خير.
ضحك بتهكمٍ ثم قال بسخريةٍ:
_وأنا برضه قصدي كل خير، علشان كدا مفيش نزول من البيت تاني ليكي، حلو كدا ؟؟ اشربي بقى علشان تفتني كويس.
تحرك من أمامها فزفرت “مارينا” بقوةٍ وهي تضرب الأرض بقدميها من فرط غيظها ثم قالت بثباتٍ بعدما رفعت رأسها بشموخٍ:
_برضه مش مهم، عادي.
اقتربت منها والدتها تقول بتعجبٍ من تحدثها لنفسها:
_اتجننتي خلاص ؟؟ كلكم بتكلموا نفسكم هنا ؟؟.
نظرت لها “مارينا” بقلة حيلة ثم رفعت كتفيها، فتنهدت والدتها ثم اقتربت منها تضم كتفيها بذراعيها وهي تقول:
_جدعة إنك عملتي اللي قولتلك عليه، أنا مش هأمن عليها مع حد تاني غير “بيشوي”.
حركت رأسها فتنهدت والدتها ثم نطقت بنبرةٍ خافتة:
_تعالي يلا ندخل نقعد معاها علشان متزعلش.
________________________

 

_أنَـــتَ !!.
تفوهت بها “قمر” بدهشةٍ يخالطها الاستنكار فلم تتوقع جرئته في فعل هذا التصرف المُشين، فيما ارتفعت زاوية فم “علاء” بتهكمٍ ثم نطق بسخريةٍ:
_جرى إيه يا “قمر” ؟؟ فكراني هسيبك وأعدي اللي حصل دا، تبقي عبيطة، وديني هتشوفي إزاي هاخد حقي منك، حتة بت زيك تلعب بيا أنا ؟؟ لا عاشت ولا كانت.
كان لازال مُمسكًا بذراعها يقبض عليه بكفه وحينما حاولت الإفلات منه ضغط أكثر على مرفقها وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_اقفي يا حلوة علشان لسه اللي جاي كتير، واللي أنتِ عملتيه أنا مش هعديهولك، بكرة هتشوفي بنفسك لما مكالماتك بصوتك الحلو دا تنزل على النت وتبقى تريند وتبقي البت اللي بوظت فرح بنت خالها علشان بتحب عريسها.
اتسعت عيناها بهلعٍ وحركت رأسها نفيًا بغير تصديق كمن سُكبَ دلو الماء البارد فوقه، فازدادت نظراته شرًا وهو يضغط على ذراعها أكثر بانتشاءٍ حينما رأىٰ خوفها جليًا على ملامح وجهها وهمس لها بنبرةٍ خافتة بثت جَمَّ الرُعب في أوصالها:
_وقابلي اللي جاي مني علشان كتير أوي، بكرة اخليكي تتكسفي ترفعي عينك في وش حد.
تحدثت ببكاءٍ تحاول معه بطريقةٍ أخرى تستعطفه:
_حرام عليك تبوظ سمعة بنت وأنتَ عارف أني معملتش حاجة من دي، لو سمحت سيبنا في حالنا، مش هتستفاد حاجة لما تعمل كدا، بالله عليك متعملش كدا.
استوحشت نظراته أكثر ليبدو كما المُضطرب أو كمن يعاني مِن انفصامٍ حاد وهو يقول:
_هشوفك مذلولة قدامي وعينك مكسورة مش قادرة ترفعيها، ريكورداتك بتجهز وكلها أيام إن شاء الله وتبقي أشهر تريند في مصر.
زاد اتساع عينيها وسالت العبرات المُنهمرة وهي ترى تهديده الصريح بها دون أن يرف له جفنٌ ودون أن يشعر بالذنب تجاه سُمعة فتاةٍ يتعدى على شرفها بالباطل مُستغلًا عدة أقاويلٍ وأحاديثٍ مرت بينهما ليقوم بستغلالها أبشع الاستغلال.
على الجهة الأخرى أوقف “أيوب” سيارته عند مقدمة هذا الزُُقاق الضيق فأخرج هاتفه يطلب رقم شقيقه حتى جاوب “أيهم” على اتصاله فسأله هو بهدوءٍ:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لسه مروحتوش؟؟
جاوبه الأخر بنبرةٍ ساخرة وهو يطالع ابنه في الملاهي:
_لسه يا أخويا، الواد زي ما يكون خد إفراج من تأبيدة، مش قادر عليه يرجع علشان كدا سايبه لحد ما يهبط خالص وينام، رغم أني شاكك بصراحة في دا.

 

ابتسم “أيوب” بخفةٍ ثم نطق بهدوءٍ:
_طب خلي بالك منه وحطه في عينيك، وأسأل “آيات” كدا لو عاوزة حاجة أجيبهالها وأنا مروح قبل ما أروح البيت.
سأل الأخر شقيقته فنفت وهي تشكره، فأخبره “أيهم” بجوابها ثم ودعه وأغلق معه المكالمة، فيما وضع “أيوب” هاتفه في جيبه ثم أخرج الظرف الأبيض من تابلوه السيارةِ ليصل تلك الأمانة إلى ذويها.
ترجل من السيارة يسير على قدميهِ كعادته لا يحب التفاخر خصيصًا عند تلك الزيارات التي تطلب من الإنسان تواضعه وتعامله بكل طبيعته.
رفعت “قمر” كفها لتهبط على صفحة وجه “علاء” بعدما استعادت رابطة جأشها من جديد وتسلحت بقوةٍ واهية، فقبض على رسغها وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_لو إيدك فكرت تتمد عليا أنا هفضحك في كل حتة ودلوقتي.
_إيـــه الـلـي بــيـحـصل هنا ؟؟.
كان ذلك قول “أيوب” مُستفسرًا بنبرةٍ جامدة حينما رآى الاثنين مع بعضهما متواريين عن الأنظار في ذلك الزقاق الذي قلما عبر منه أشخاصٌ، فيما حركت “قمر” رأسها نحو صاحب الصوت بفزعٍ ازداد حينما وجدت “أيوب” أمامها، بينما قال هو بدهشةٍ:
_أنــــتِ !!!

 

ازدردت لُعابها وعلى الفور هبطت دمعاتها، فضغط “علاء” على يدها أكثر في تحذيرٍ مُبطنٍ منه إذا تحدثت هي، لينطق هو بثباتٍ:
_واحد وخطيبته واقفين يتكلموا سوا، فيه حاجة؟؟.
نظرت له بدهشةٍ ثم التفتت تقول بنبرةٍ باكية:
_لأ مش خطيبته، دا كداب والله.
لم يجد “أيوب” بُدًا من وقوفهِ محله لذا تحرك نحوهما ثم وقف أمامها كما الدرع الواقي حتى شعرت هي بالأمان من مجرد وقوفه أمامها، فرفع “أيوب” كفه يضغط على قف “علاء” حتى فصله عن ذراعها الذي لازال يمسكه، ثم قال بنبرةٍ جامدة:
_سواء خطيبتك أو لأ ميحقش ليك تمسكها أو حتى تلمسها كدا، ولو هي خطيبتك فعلًا فمينفعش يا أبو الرجولة تقف معاها في مكان زي دا علشان سُمعتها، لو غير كل دا فأنتَ كدا محتاج إعادة تأهيل لرجولتك، اتفضل وأعرف إن المكان دا ليه أصوله مينفعش حد يتعداها.
رمقها “علاء” بتوعدٍ يحذرها وهي تقف خلف “أيوب” وكأنها أعلنته حاميًا لها فتحرك من المكان بخطواتٍ واسعة، فبكت “قمر” بخوفٍ وهي تشعر بالقهر، التفت لها “أيوب” يطالعها بتعجبٍ ثم ابتعد عنها بمسافةٍ كافية وتحدث بنفس الجمود:
_أظن إنك مش محتاجة نفس الكلام اللي قولتهوله، مينفعش تقفي مع واحد في مكان زي دا حتى لو كان خطيبك، اتفضلي يا آنسة وخلي بالك من نفسك.
أزدادت دموعها وقد أوجعتها طريقته في الحديث وزادت عليها الضغوطات لذلك انتحبت وهي تقف أمامه، هعقد ما بين حاجبيه وقد ظن أن كل ذلك من شعورها بالذنب، لذا تنهد بعمقٍ ثم سألها بنبرةٍ أكثر هدوءًا عن ذي قبل:
_مالك ؟؟ أنتِ كويسة ؟؟

 

حركت رأسها موافقةً فسحب نفسًا عميقًا ثم أشار لها تتقدمه وقبل أن تحمل الأشياء حملها هو عنها حتى سارت أمامه كما الإنسان الآلي في خنوعٍ للحركة وكأن أحدهم يملك السيطرة عليها في الحركة، فأوقف هو أول وسيلة قابلته لتوصيلها وهي تلك المواصلة الدارجة وسط الأحياء الشعبية وما يُطلق عليها “توكتوك”.
أشار لها فدلفت للداخل فسألها بنبرةٍ هادئة:
_العنوان فين ؟؟.
مسحت دموعها ثم أملته العنوان بنبرةٍ مُحشرجة، فتحدث السائق بقوله:
_عارفه يا أستاذ “أيوب” وعارفك أنتَ كمان، متقلقش هوصلها لحد هناك إن شاء الله.
ابتسم له “أيوب” ثم أخرج ورقة مالية يُعطيها له فئة العشرين جُنيه، وقبل أن يعطيه السائق باقي النقود اوقفه بقوله:
_خلاص بقى، يلا سلام عليكم مش هوصيك دي تبع الحج.
حرك رأسه ثم أشار إلى عينيه وهو يقول:
_في عينيا يا شيخنا، اتفضل.
ابتعد “أيوب” عنه ليترك له مساحة التحرك فأخرجت هي رأسها تطالعه بعينين دامعتين وكأنها تعبر عن امتنانها ولربما آسفها ولربما هناك شيءٌ أخر لم يفهمه، لذا حرك رأسه للجهةِ الأخرى حينما اختفى أثر المواصلة المتواضعة ثم عاد أدراجه إلى مكانه الذي قصده منذ البداية لكن مع اختلاف عودته عند الذهاب.
_____________________

 

في منطقة نزلة السمان.
وقف “إيهاب” في غرفته يتجهز لتلك المناسبة التي طال انتظارها، في باديء الأمر ظنه حلمًا من ضمن أحلامه الكثيرة التي حَلُم بها في مَحبسه، خصيصًا بعد نال على محاكمةٍ قضت على أحلامه و شبابه، ظن أن خروجه قبل خمسة عشر عامًا ماهو إلا أمر شبه مستحيلٍ، لكن إرادة الله فوق كل شيءٍ وأمامها تزول كلمة مستحيل.
ارتدى قميص حِلته الأسود وكذلك البنطال ثم وقف أمام المرآة يُصفف خصلات شعره لتمر أمامه وكأن طيفها أقسم أن يزوره حتى في حُريته، ابتسم بزاوية فمه وهو يفكر كيف لرجلٍ مثله أن تفعل تلك الفتاة ما فعلته به، كان كما الوحش أمام الجميع لم يُهاب أحدهم قط في حياته، إلا تلك يصبح أمامها شخصًا أخر وكأنها ألقت بسحرها على فؤاده ليصيبه كما اللعنة وما هو سوى مجذوبٌ خلف سحرها.
تنهد “إيهاب” بعمقٍ ثم جلس على طرف فراشه وشرد في أول لقاءٍ يجمعهما سويًا منذ عدة سنواتٍ كثيرة كانت هي فيها في بداية تفتح زهور شبابها
( منذ عدة سنواتٍ)
ركب “إيهاب” و معه “إسماعيل” شقيقه سيارة “نَـعيم” الذي ارسلهما إلى أحد التجار في منطقةٍ نائية تسمى بـ
“حي الاباجية” تلك المنطقة الشعبية الممتلئة بالعديد من أعمال الشغب و مشاغبة شبابها و ذاع سيط تجارها بقوتهم كما أنها اشتهرت بالأسلحة بكافة أنواعها، منطقةٌ في وسط مصر عبارة عن أزقة وحارات ضيقة المساحة.
وقف “إيهاب” بالسيارة وسط ذلك التكدس يزفر بضيقٍ وهو يضرب بكفه على تارة السيارة وقد أوشك على نفاذ صبره، فتحدث شقيقه بنبرةٍ هادئة:
_يا عم اهدا وترت أمي جنبك، مش كدا ياعم.
تحدث “إيهاب” بنبرةٍ جامدة:
_سيادتك شايف فيه وقت يعني عندنا ؟؟ الراجل جاي والحج بيجمع الفلوس علشان نخلص طالما اعتمد علينا، عاوزين نخلص.
رفع “إسماعيل” اصبعيه يَفرك جبينه بحيرةٍ فيما أخرج “إيهاب” رأسه من نافذة سيارته يتحدث مع يجاوره في السيارة الأخرى التي تصف بجوار سيارته:
_بقولك إيه يا ريس، هو فيه إيه ؟؟.
رد عليه الرجل بضجرٍ ونفاذ صبرٍ:
_خناقة يا سيدي، شوية عيال ملهمش أهل يوقفوا الطريق زي ما أنتَ شايف كدا، مفيش عند أهاليهم دم خالص.

 

حرك رأسه موافقًا ثم عاد لموضعه يشرأب برأسه للأمام يحاول التوصل لما يصير في الأمام وقد حسم أمره عند رؤيته لذلك الحشد من الناس مُتجمهرين دون أن يتدخل أحدهم في حل تلك المعضلة التي عرقلت سير مصالحهم، سأله شقيقه بلهفةٍ:
_رايح فين يا عم، يابني….متتهورش ياعمنا.
تجاهله وأغلق باب السيارة بعدما ترجل منها ثم سار بثباتٍ نحو هذا الحشد المُمتليء بالناس ثم رفع صوته بنبرته الخَشنة وهو يقول:
_فيه إيه منك ليه ؟؟ ما تخلصونا يا عمنا بقى.
التفتت الابصار نحوه من قوة نبرته فوقع بصره على تلك الفتاة التي تقف وسط كل هؤلاء ويجاورها شابٌ من نفس عمره تقريبًا في العشرينات، تحدث بنبرةٍ جامدة:
_فيه إيه ؟! هنوقف الطريق علشان لعب العيال دا؟؟
اندفعت “سمارة” توبخه على تدخله بقولها:
_وأنتَ مالك أنتَ يا عم ؟؟ حد طلب منك تتدخل ، بتحشر نفسك ليه ؟؟.
رمقها بنظرةٍ جامدة ظنًا منه أنه سَيُسكتها لكنه تفاجأ بها تقول بسخريةٍ:
_ياما ؟؟ أنتَ هتخوفني ولا إيه يا جدع أنتَ، بص على قدك.
اقترب منها يهدر من بين أسنانه بغيظٍ حاول كظمه:
_عظيم بيمين لو ما كنتي حُرمة لا كنت أدبتك مكانك.
شهقت بطريقةٍ سوقية جعلته يرمش ببلاهةٍ، فتدخل الشاب الذي يقف بجوارها ينطق بغضبٍ:
_أنا هربي اللي خلفوكي هنا علشان تتعلمي الأدب مادام فاكرة إنك ملكيش كبير يكسر عينك.
امسكها من ذراعها يلويه خلف جسدها في حركةٍ مُباغتةٍ لها جعلتها تبكي بقهرٍ لتزول قوتها الزائفة وهي تقول بصراخٍ:
_مش هرجع معاك، القعدة في الشارع هنا أرحم من القعدة مع واحد زيك شمام أنتَ وأمك الحرباية.
لاحظ “إيهاب” قهرها وهي تتحدث بضعفٍ وانكسارٍ لذلك اقترب منه يفصله عنها وهو يقول بنبرةٍ قوية:
_عيب كدا يا غالي، مفيش راجل يمد أيده على واحدة، عيب ياعم مش ماليين عينك احنا، سيبها بقولك.
عاند الشاب معه وهو يقول بنفس الغلظة:

 

_مش هسيبها، هاخدها أربيها بدل ما تدور على حل شعرها، هي ناقصة تفضحنا، قدامي يابت.
ازدادت نيران “إيهاب” المتأججة وهو يرى الشاب يُعانده، فاقترب منه يفصله عن “سمارة” التي بكت بقوةٍ فتحدث “إيهاب” بنبرةٍ جامدة:
_أنتَ تقربلها إيه ؟؟.
تحدثت هي ببكاءٍ تجاوب بدلًا عن الأخر:
_ميقربليش، دا ابن مرات أبويا، من ساعة ما مات وهي عمالة تطرد فيا والناقص دا بيتعرضلي، ومش سايبني في حالي، طفشت منهم وبرضه عاوز يرجعني بالعافية علشان ياخد غرضه وأمه ترميني بعدها.
اقترب “إيهاب” أكثر من الشاب ثم أمسك كفه يزيحه عنها ثم بحركةٍ خاطفة أوقفها خلف ظهره ثم قال بنبرةٍ جامدة:
_ابقى وريني هتلمسها إزاي يا دكر.
اقترب الشاب يحاول الإمساك بها من جديد ففاجئه “إيهاب” حينما أخرج سلاحه الأبيض “المطواة” يفتحها أمام وجهه ثم قال مُهددًا له:
_تعالى خطوة كمان علشان أشيعك متكيس.
عاد الشاب للخلف بخوفٍ لطالما امتازت شخصيته بالجُبن دون مواجهة وخاصةً في المواقف التي تطلب الشجاعة، فيما التفت نحو أخيه يرفع صوته بقوله:
_”إســمــاعــيل” !!.
ركض له أخيه من السيارة، فأشار نحو الفتاة وهو يقول:
_خدها العربية متنزلش منها لحد ما أجيلك، فاهم ؟؟
رغم التعجب الذي بدأ واضحًا على ملامح شقيقه إلا أنه لم يقوى على مجادلته لذلك أومأ له في اذعانٍ لأوامره، فتحدثت الفتاة بنفس أسلوبها الغريب:
_نــعم ؟؟ ياخدني فين ؟؟ هو أنا أخلص من نِصيبة تطلعلي بلوة مِسيحة ؟؟ مش رايحة في حتة أنا.
نظر لها “إيهاب” بجمودٍ بعدما لاحظ نظرات الرجال نحوها تتفحصها دون أي وجه حق في ذلك، ثم تحدث بنبرةٍ لم تقوى على مناقشتها:

 

_لو مروحتيش مع أخويا، أنا هسيبك لدا، قولتي إيه ؟.
ازدردت لُعابها ثم شخصت ببصرها نحو الشاب لتعود بتقهقرٍ نحو “إسماعيل” وكأنها تقارن بينهما لذلك قالت بقلة حيلة:
_لأ وعلى إيه، دي كلاب الشارع عندي أهون من “فتحي” وأمه.
نظر لها “إسماعيل” بتعجبٍ من إهانتها له ثم نطق باستنكارٍ يقول:
_دي بتشتمني يا “أيهاب” !!
زفر شقيقه ثم قال بنفاذ صبرٍ:
_خلص يا “إسماعيل” واتكل بيها على العربية.
تنهد شقيقه ثم أشار لها حتى سبقته مرفوعة الرأس وكأنها حصلت على ميدالية ذهبية في الأولمبياد الدولية وليس مجرد فتاةٍ مشاكسة تسببت في عطلة السير بعنادها.
انتظر “إيهاب” اختفائها ثم اقترب من الشاب يقول بثباتٍ:
_من اللحظة دي هي في حمايتي، لو عاوزها بالأصول تعالى نزلة السمان عند الحج “نَـعيم الحُصري” العنوان ميتوهش وألف مين يدلك عليه.
تحرك بعدها من أمامه يعود نحو السيارة وقد انفض للحشد بمجرد عودته للسيارة ليستأنفوا سيرهم من جديد، فدلف “إيهاب” سيارته بضجرٍ ليتفاجأ بها تقول بنبرةٍ جامدة:
_أنا مرضيتش أقل منك قصاده علشان ميشوفش نفسه عليك، لكن تمشي بيا شوية كدا ونزلني على الطريق أشوف حالي، الله يرضى عنك أنا غُلبت.
ابتسم “إسماعيل” ساخرًا على بساطة تفكيرها، فيما التفت لها “إيهاب” ينطق بسخريةٍ:
_ليه هو أنتِ فكراني هسيبك بجد ؟؟ أنسي.
اتسعت عيناها بهلعٍ فسألها بنبرةٍ اهدأ:
_بتعرفي تطبخي، تغسلي، تعملي أي حاجة من دي؟؟
سألته بسخريةٍ تهكمية بعدما تخصرت:

 

_ليه تكونش خاطبة وجايبلي عريس وأنا معرفش؟؟
ابتسم بزاوية فمه وهو يقول:
_ودي أنهي خاطبة تبلي نفسها بيكِ وتجيب لروحها الهم؟
طالعته بغيظٍ فكرر حديثه بقوله:
_ها جاوبي بتعرفي تشتغلي في الحاجات دي؟؟
ردت عليه بقهرٍ بات ملحوظًا عليها وهي تجاوبه:
_أيوا، مرات أبويا بتشغلني من وأنا بنت خمس سنين وساعات كنت بروح اخدم مكانها في البيوت.
لقد استرعاه حديثها لذلك شملها بنظرةٍ لم يستطع هو فهمها ثم حرك رأسه موافقًا وسألها بنبرةٍ جامدة:
_اسمك إيه طيب ؟؟
_سمارة، اسم ودلع وصفة، تلاتة في واحد.
حاولت صبغ حديثها بالمرح فضحك الاثنان على تبدلها في طرفة عينٍ وعلى ممازحتها، فيما قال “إيهاب” بنبرةٍ هادئة لينة لم يعلم من أين أتىٰ بها:
_بصي يا “سمارة” أنا “إيهاب” ودا “إسماعيل” أخويا الصغير، احنا عايشين مع عمي، هتيجي تشتغلي في البيت تساعدي الست اللي هناك وليكي مطرح تباتي فيه ولقمة وقرشين حلوين، قولتي إيه؟؟
رغم أن عرضه بدا مُغريًا لها ولظروفها خاصةً وهي تبيت ليلها في الشوارع والحدائق العامة، لكنها خشيت التهور وفعل مالم يُحمد عقباه لذلك ردت عليه بحيرةٍ:
_وهو عمك هيوافق يعني على كل دا ؟؟
تدخل “إسماعيل” يؤكد ذلك بقوله:
_أكيد طبعًا وبصراحة إحنا كنا بندور على واحدة تساعد الست اللي هناك، أظن بظروفك وحالك دا أنتِ أولى ولا إيه؟
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بدموعٍ ظهرت في الحال:
_يابيه الله يرضى عليك لو نيتك شر ليا بلاها خالص، وسيبني أشوف حالي يمكن ربنا يبعتلي الفرج.
التفت لها “إيهاب” يقول بثباتٍ:
_احنا الفرج يا “سمارة” اعتبرينا نجدة ربنا بعتهالك، ها قولتي إيه ولا انزلك ترجعي لـ “فتحي” ؟؟
تنهدت بضيقٍ ثم قالت بغلبٍ على أمرها:
_حاضر يا بيه، اتكل على الله وربنا يسترها، بس حسبي الله ونعم الوكيل فيكم لو نيتكم شر.

 

رفعت صوتها في حديثها الأخير مما جعلهما ينظرا لبعضهما بتعجبٍ من تلك الفتاةِ الغريبة التي اوقعها القدر في طريقهما.
(عودة إلى الوقت الحالي)
خرج “إيهاب” من شروده على صوت طرقات الباب فزفر بقوةٍ ثم توجه نحو الباب يفتحه فوجد “يوسف” أمامه مُبتسمًا وهو يقول:
_عروستك وصلت، أنتَ جاهز ؟؟
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم له ثم أخذ سترته يرتديها فوق القميص الأسود فبدا وسيمًا بملامحه السمراء الشرقية و لحيته السوداء التي نمق شكلها، فوقف “يوسف” يُتمم على هيئته ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_يلا علشان الحج مستنيك تستلم عروستك.
حمحم “إيهاب” بخشونةٍ يخفي تأثره ليبدو بلا مشاعر ثم سار خلف “يوسف” الذي نزل الدرج فوجد “إسماعيل” في انتظارهما وما إن رأى شقيقه قال بنبرةٍ عالية مرحة:
_مــبــروك يــا عَــريسنا.
وقف أمام أخيه ينطق بصوتٍ رخيم:
_الله يبارك فيك يا حبيب أخوك، عقبالك إن شاء الله.
صدح صوت الألعاب النارية في الخارج فقال “إسماعيل” بلهفةٍ:
_كدا الحج و “سمارة” وصلوا يلا.
خرج “إيهاب” أولًا من البيت وخلفه “إسماعيل” و “يوسف” بخطىٰ بطيئة وعينين ثاقبتين يراقب الأجواء في الخارج.
وقف “إيهاب” بجوار السيارة فنزل منها “مُـحي” ثم عانقه يبارك له، و “نعيم” الذي جلس بجوار ابنه ثم فتح الباب يأخذ “سمارة” ثم اقترب بها من “إيهاب” يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_مبروك عليك يا حبيبي، مش هوصيك تحطها في عينك، صحيح أنا أعرفك من قبلها بس دي في غلاوة بنتي، لو زعلتهالي يا “إيهاب” أنا هقلب عليك.
اقترب منه يقبل رأسه ثم نطق بحنوٍ قلما ظهر عليه:
_في عيني يا حج، اتطمن.
ابتسمت بخجلٍ له فاقترب منها امام الجميع يقبل جبينها ثم شبك كفها حول ذراعه بعدما ابتسم لها بنظراتٍ استطاعت قراءتها بفصاحةٍ أعربت عما يشعر به من سعادةٍ وكأن نظرة العين أبلغ في التعبير عن ألف كتابٍ.
وقف “يوسف” بشموخٍ يدس كفيه في جيبي بنطاله الأسود القماشي فاقترب منه أحد الشباب يهمس له في أذنه حتى تبدلت ملامحه على الفور وحرك رأسه موافقًا وهو يشير للشاب.

 

تحرك “إيهاب” بزوجته على المقاعد المخصصةِ لهما وامامهما القواعد المُرتصة للحاضرين، على الرغم أن الفرح حديقة البيت إلا أنه كان أكثر فخامةً من الأفراح المُقامة في قاعات الزفاف.
والموسيقى الصاخبة ترتفع من حولهما ليبدأ الحاضرين في الرقصات الشعبيىة وخاصةً الشباب وبعد مرور دقائق حضرت الخيول بصهيلها المرتفع لتجذب الأنظار نحوها وهي تقف بشموخٍ، فضحك “نَـعيم” ثم أشار للشباب حتى اعتلىٰ كلٍ منهم خَيله وعلى رأسهم “يوسف” الذي بدأ في التحرك بالخيل بشكلٍ دائري وخلفه “إيهاب” و “إسماعيل” ومعهم “مُـحي” الذي ركب خيله هو الأخر لتبدأ رقصتهم المعتادة على قرع الطبول والأعين بأكملها تنصب عليهم وخصيصًا الفتيات التي نظرت لهم بإعجابٍ صريح.
استمرت رقصتم مع بعضهم حتى ضحك “يوسف” بصوتٍ عالٍ ليبدأ بينهم السباق كعادتهم فغيروا وجهتهم وركضوا بالخيول خلف بعضهم في مَعركةٍ زائفة نُشبت في خيالهم، ونظرًا لمهارتهما في ركوب الخيل كان “يوسف” و “إيهاب” في نفس المستوى تقريبًا حتى صفر “يوسف” له يلفت انتباهه ثم غمز وهو يقول بثقةٍ وشموخٍ:
_ابن الراوي مبيخسرش.
رفع الأخر حاجبه وهو يقول بنفس الزهو:
_وابن الموجي ميتقاوحش.
ركضا سويًا بالخيول في آنٍ واحدٍ فيما توقف “إسماعيل” وخلفه “مُحي” فالتفت له يقول بسخريةٍ:
_سيبك منهم دول دماغهم مطرقعة وفاضيين.
عادا الاثنان معًا من جديد فيما استمر الأخران في سباقهما حتى توقفا مع بعضهما في نفس النقطة ليصبحا متعادلين في النتيجة، فنطق “يوسف” مزهوًا بنفسه:
_مش قولتلك ابن الراوي مبيخسرش.
رد عليه الأخر بتهكمٍ يؤكد سالف حديثه:
_وأنا قولتلك ابن الموجي مبيتقاوحش، يلا ولا إيه ؟؟
سارا مع بعضهما نحو الفرح من جديد فيما وقف “يوسف” كما هو بِـ خيله ثم مال على “إسماعيل” يهمس له هو الأخر فحرك رأسه موافقًا ثم اعتلى خيله من جديد وأشار للرجال يلحقون بهم.
عادوا من جديد بالخيول وقد ظن الناس أنهم سيقومون بإعادتهم إلى مكانهم لكن في الحقيقة قصد “يوسف” ذلك حتى يلتقط ذلك الذي دخل البيت من الخلف ليدمر تلك الليلة فوق رؤوسهم، ركض “يوسف” بالخيل حتى سور البيت فوجد أحدهم يحاول الهروب بعدما لمح الخيول تقترب منه حينها لاحظه “يوسف” وبدون تفكيرٍ أخرج المطواة من حذاءه ثم فتحها وقفز بالخيل للأمام مما جعل الفرصة تسنح له وهو يضرب السكين في كتف ذلك الذي تعلق بالسور يحاول الهروب من عليه ويوسف يمسكه وهو يعتلي الخيل حتى وقع بين يديه.

 

اقترب منه الرجال فتحدث “يوسف” بأنفاسٍ لاهثة مُتقطعة:
_اشحنوه جوة لحد ما الليلة تخلص على خير وبعدها نفوقله وعاوزكم تغربلوا البيت كله أي حد غريب يتشحن جنبه، دي أصولها يا فتحي.
تألم الشاب حينما ضغط “يوسف” على كتفه المطعون فيما حمله الرجال نحو المكان الذي حدده “يوسف” فوقف “إسماعيل” يزفر بقوةٍ ثم قال:
_يلا نمشي يا “يوسف”
لاحظ “يوسف” تغيره فعلم على الفور بما بعتريه الأخر لذلك تراجعا من جديد نحو الفرح وتلك المرة بدون عودة بل لقضاء الليلة مع بعضهم.
_______________________
وصلت “قمر” لشقتها بتعبٍ اتضح عليها وبلغ أشده ثم طلبت من والدتها بنبرةٍ خافتة:
_معلش يا ماما ودي الحاجات عند مرات خالي علشان مصدعة مش قادرة، وقوليلها باقي الحاجة تجيبها هي.
لاحظت والدتها تعبها فاقتربت منها بلهفةٍ وهي تقول:
_مالك يا “قمر” فيكي إيه يا حبيبتي ؟؟
حركت رأسها نفيًا ثم أضافت بصوتٍ مختنقٍ:
_دماغي صدعت شوية بس معلش هدخل أغير وأنام.
تحركت من أمام والدتها لغرفتها فيما نظرت الأخرى في أثرها بيأسٍ ثم أطلقت زفيرًا مُطولًا يعبر عن يأسها ثم حملت الحقائب وتوجهت نحو شقة أخيها.
ارتمت “قمر” على الفراش تبكي بقوةٍ وحرقةٍ مما تتعرض له من آلامٍ نفسية تضغط عليها وازداد بكائها اكتر وهي تتذكر “أيوب” ونظرته لها وحديثه معها، فلم تتمالك نفسها بعدما ظنت أنه يُسيء الظن بها على الرغم من براءتها.
صدح صوت هاتفها برنةٍ فنظرت في الهاتف لتجده رقم ذلك البغيض “علاء” ازداد نحيب بكائها مع رؤية رقمه وكأنه أعاد بث الذعر لنفسها من جديد فلطمت على وجهها بخوفٍ مما ينتوي الاقدام عليه وكأن عقلها لم يُسعفها في اتخاذ القرار الأصوب، خشيت ابلاغ “عُدي” ابن خالها فيتهور ويُضيع نفسه فداءًا لها، وخشيت إبلاغ خالها حتى لا يطوله الأذى، ارتبكت في الحال ودب الرعب في أوصالها لتجد باب غرفتها يُطرق ودلفت منه “أسماء” تقول بمشاكسىةٍ:
_يا ضُرتي فينك، جايبالي نص الحاجـ…..
لاحظت حالتها تلك فأغلقت الباب وركضت لها تسألها بلهفةٍ:
_مالك يا حبيبتي، أمك قالت إنك تعبانة بس معرفش أنه للدرجة دي، مالك يا “قمر”.
احتضنتها الأخرى تتشبث بها وهي تقول بنبرةٍ باكية:
_وقفلي في الطريق وهددني…. الحيوان مسكني وقالي أنه هيفضحني، هينزل كل حاجة وكل الريكوردات، أنا ضيعت ومش هعرف اتصرف.

 

تطلعت إليها بحيرةٍ وهتفت بغير تصديق:
_مين ؟؟ “عــلاء” ؟؟
حركت رأسها موافقةً واعتصرت عينيها تضغط عليهما لتحد من البكاء الذي لا يتوقف، فمسحت الأخرى على رأسها وهي تقول بإصرارٍ:
_احكيلي كل حاجة، قوليلي عمل إيه فيكِ.
حركت رأسها موافقةً ثم مسحت وجهها، وقامت بسرد الموقف بأكمله بما فيه الجزء الخاص بـ “أيوب”، أنصتت لها الأخرى بكامل حدسها وحواسها، فأنهت “قمر” سرد الموقف ثم قالت بنبرةٍ باكية:
_معرفتش اتصرف ومشيت زي المخبوطة حتى مبرأتش نفسي قصاده، أنا كنت هموت من الخوف بس لما شوفته قصادي ونظرته ليا كأنه بيعاتبني أنه عارفني حسيت أني عاوزة اختفي من قصاده.
ربتت “اسماء” على يدها ثم تنهدت بضيقٍ وقالت:
_ربك يفرجها من عنده إن شاء الله، رغم إن عندي فكرة ممكن تساعدنا وتخلصك من كل دا.
انتبهت لها “قمر” فحركت رأسها موافقةً كأنها تخبرها بانصاتها لها، فرتبت الأخرىٰ الأحرف على طرف لسانها ثم تحدثت بكلماتٍ تُقطر الإصرار:
_”أيوب”….هو ابن الحج “عبدالقادر” مستحيل يتخلى عننا خصوصًا أنه عارف خالك، اسمعي مني أول ما يعرف أصل الحكاية ساعتها هو هيقف للزفت دا بنفسه، مش هيتخلى عننا، خصوصًا إنك على حق.
تحدثت “قمر” بتخبطٍ:
_مش عارفة، هخاف أروح أكلمه دا عمره ما كلم واحدة ولو حصل عينه مبتترفعش فيها، دا أنا لحد دلوقتي مش مصدقة موقفه معايا وعمالة أقول إن دا حد شبهه.
ردت عليها “اسماء” بلهفةٍ:
_يا عبيطة دا علشان هو عارفك وعارف خالك وأخوكِ، اسمعي مني والله هو الوحيد اللي هيقدر يقف في وشه.
حركت رأسها للأمام بشرودٍ تحاول الوصول إلى فكرةٍ تُرضيها وتنقذها مما ورطت نفسها به، فيما شعرت الأخرى بالذنب نحوها لذلك ربتت على كتفها ثم تحركت من أمامها وهي تلوم نفسها، فحتى تنقذ ابنتها ورطت غيرها في مُصيبةٍ تعج بجَمَّ الهموم فوق رأسها.
_________________________

 

جلست “أماني” في الشرفة تتابع المارة بشرودٍ بعد انفصالها عن ابنها وزوجها بندمٍ بلغ منها مَبلغه فلاحظتها والدتها فلوت فمها بتبرمٍ وجلست أمامها تقول بلومٍ:
_جرى إيه ؟؟ الزعل دلوقتي حضر؟؟ ولا لما اتأكدتي إنك خسرتي كل حاجة ؟؟ قولتلك طمعك مش هيفيدك يابنت بطني.
زفرت “أماني” بضجرٍ ثم قالت بتفسيرٍ:
_ياما ماكنتش عارفة ارتاح هناك، مكتفين حركتي، بعدين هو أنا كنت بطلب حاجة مستحيلة يعني؟؟ كنت بطلب حاجة من وسط الحاجات الكتير اللي عندهم، هو أستخسرها فيا، بس لو الست “آيات” طلبت الحاجة بتحضر لحد عندها.
ردت والدتها بنبرةٍ جامدة:
_علشان بنتهم، علشان ملهاش أم وهما كل حاجة عندها، والدنيا دي كلها عارفة إن اللي يقرب من بنت “العطار” يتداس برجليه، حاطة نفسك معاها في مكان واحد ليه؟؟
ردت بسخطٍ أوضح حقدها على “آيات”:
_علشان حظها ياما، واخدة كل حاجة حلوة بيت وأب بيخاف عليها وأخوات ياكلوا أي حد علشانها، وناس تحت طوعها متشيلش كوباية من مكانها، إنما إحنا يا حسرة، حظنا هباب.
دلف “شكري” في تلك اللحظة يقول بصوتٍ عالٍ:
_بت يا “أماني” يابت أنتِ فين ؟؟
ردت عليه من موضعها فعلمه على الفور واتجه لها يقول ببهجةٍ:
_افرحي يابت، ربك فرجها في وشك من وسع.
انتبهت له هي ووالدتها، فيما قال هو بلهفةٍ:
_الولية أم ولاء الكوافيرة هتمشي من الحتة وعارضة المحل بمستلزماته للبيع فضلت أماطل معاها لحد ما رسينا على مبلغ حلو، طالما اطلقتي محدش ليه عندك حاجة، مش كانوا مانعين إنك تفتحي محل ؟؟
سألته بتعجبٍ من حديثه:
_وهو أنا لما أفتح المحل هما هيسيبوني في حالي؟؟ أنتَ بتحلم يا “شكري”.
رد عليها بلهفةٍ:
_يابت فتحي مخك معايا، بقولك اتطلقتي خلاص يعني ملهمش حكم عليكِ وابنك بقى عندهم خلاص متهنن ومتستت وسطهم محدش يستجرى يزعلوا، ولا كنتي عاوزاه هنا نفضل نصرف عليه ومش هييجي ربع مصاريفهم عليه، واخرتها زي اللي رقصوا على السلم، لا اللي فوق سمعوها ولا اللي تحت شافوها.

 

ردت عليه بضجرٍ:
_شوف شغلانة تانية غير الكوافيرة دي، أنا نسيتها ونسيت كل حاجة فيها وشغلانة تجيب الهم، أنا هحاول أشوف مشروع تاني كدا بدل الفلوس ما تضيع مننا.
سألتها والدتها بتهكمٍ:
_فلوس بيع ابنك يا “أماني” ؟؟
زفرت بقوةٍ ثم أضافت بيأسٍ:
_ياما هو أنا بنفخ في إربة مخرومة؟؟ قولتلك الواد كدا أحسنله متهنن هناك وألف مين بيخدم عليه، هيعيش معانا هنا فين وعلى يدك كل اللي كان ليا ١٠٠ ألف جنيه عُمي، إنما دلوقتي أهم يسندوا شوية معايا.
وزعت نظراتها بينهما ثم قالت بضيقٍ:
_انتم أحرار بس أخرتها هتبقى سواد فوق دماغنا.
_______________________
انتهى “إياد” من إفراغ طاقته السلبية باللعب و الركض و قد شعر بالسعادة حينما شاركه “أيهم” تلك اللحظة ولعب معه في السيارات المُتصادمة و شراء الألعاب الذي أرادها بأكملها دون أن يماطله في ذلك.
شعرت “آيات” هي الأخرى بالسعادة معهما وهي تشارك في بعض الألعاب على الرغم من خوفها، وخاصةً حينما جلب لها “أيهم” مجموعة حديثة الألوان من خمار الرأس، أما”أيهم” فكان يُقنع نفسه أنه على ما يُرام لذلك كان يضحك معهما على الرغم من خيبة أمله وتحسره على عشرة عمره مع تلك التي اسماها زوجته وأم ولده.
خرجوا من مكانهم يركبون السيارة فسألهم بنبرةٍ ضاحكة:
_ها خرج الاكتئاب ولا لسه ؟؟ اوعوا تكونوا زعلانين؟؟

 

ردت “آيات” بنبرةٍ ضاحكة:
_بلاش نكون طماعين بقى، اليوم كان حلو اوي وأحنا سوا، المرة الجاية نجيب “أيوب” معانا بقى علشان يفرح هو كمان زينا كدا.
حرك رأسه موافقًا ثم التفت لابنه يسأله باهتمامٍ:
_ها يا “إياد” تمام ولا لسه زعلان ؟؟.
رد عليه الصغير بمشاكسىةٍ:
_كدا ١٠٠ فُل وعشرة، شوف هتوديني فين بعد كدا كل جمعة بقى، أنا قررت.
ضحكت “آيات” على حديثه، فيما التفت له “أيهم” يصفعه بخفةٍ ثم قال من بين أسنانه:
_هوأدك بعد كدا يا حبيب أبوك، قال كل جمعة قال.
التفت من جديد ينظر أمامه ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_سموا الله كدا بدل ما تعملها فينا وتعطل، يلا.
تحرك بسيارته مُبتسمًا عاقد العزم في تخطي تلك الصفحة من حياته ليكتب قصةً جديدة يستحقها هو بدلًا من تلك التي باءت بالفشل وتركت له خيبة الأمل ولصغيره أيضًا الذي انتقلت له فكرة تخلي والده عنه كما تخلت والدته.
____________________
عاد “أيوب” من مشواره الذي يقضيه لوالده ثم ذهب للمحل الرئيسي فوجد والده يُتمم على اموره لكي يُغلقه عاونه في ذلك بملامح وجهٍ مُقتضبة جامدة لاحظها “عبدالقادر” فسأله بتعجبٍ:
_مالك يا “أيوب” ؟؟ فيه حاجة مزعلاك ؟؟
حرك رأسه نفيًا ثم أجبر شفتيه على التَبسم وقال:
_لأ أبدًا يمكن بس منمتش كويس يا حج بس أنا تمام الحمد لله، أطمن ابنك بخير الحمد لله.
ربت على كتفه مُبتسمًا ثم قال:
_يا رب دايمًا بخير هو أنا أكره يعني، ربنا يحفظك يا حبيبي.
أتى لهما “تَـيام” يقول بنبرةٍ هادئة:
_يا حج جهزت كل حاجة في المخزن وبكرة كل حاجة على التحميل والحركة تؤمرني بحاجة تانية ؟؟.
حرك رأسه نفيًا وهو يبتسم له، فتوقفت سيارة “أيهم” أمام المحل ونزل منها مع صغيره الذي ركض نحو جده مُهللًا فربت الأخر على رأسه ثم قال بنبرةٍ جامدة لكنها زائفة:
_قولي الواد دا عرف يفرحك ولا كروتك ؟؟ علشان أخليه يقعد في البيت بعد كدا ميروحش في حتة تانية.
رد عليه “إياد” بحماسٍ شديد:
_لأ فرحت أوي و “آيات” كمان كانت مبسوطة وهخليه كل يوم جمعة يخرجني كدا.
لكزه “أيهم” في كتفه وهو يقول بغيظٍ:
_ياض أنتَ معايا ولا عليا، متجودش من عندك.
نزلت “آيات” من السيارة ثم دلفت وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحشتني يا بابا.
فتح لها ذراعه فاقتربت منه بخطواتٍ أقرب للركض فضمها إليه قائلًا بنبرةٍ هادئة:
_حبيبة روح أبوكي أنتِ، اتبسطتي ؟؟

 

حركت رأسها موافقةً، فابتسم لهم “أيوب” وهو يقول بسخريةٍ:
_شكلكم هتخلوني أندم أني مجيتش معاكم.
تحدثت هي بلهفةٍ لأخيها:
_والله العظيم أول ما خرجنا قولت لـ “أيهم” نكررها وناخدك معانا، أكيد لازم تيجي معانا علشان اليوم يكمل.
تدخل “عبدالقادر” يقول بتلقائيةٍ خلطها بحضكاته:
_ وابقوا خدوا معاكم الواد “تـيام” كمان غلبان وأنا مطلع عينه هنا، هتروح معاهم يا واد ؟؟
انتبه له “تَـيام” فرفع عينيه يقول بنبرةٍ هادئة:
_شرف ليا يا حج طبعًا لو مش هزعجهم.
رد عليه “أيهم” بسخريةٍ:
_تزعجنا ليه هتقعد فوق راسنا ؟؟.
ضحكوا على طريقته بينما هو وقف يتابعها بعينيه حيث بدا كمن يراقب نجوم السماء في ليلها وهي لامعة وتلك الرغبة المُلحة في قلبه تحثه على مد كفه في محاولةٍ منه لالتقاط نجمةً بعينها، لكن كل السُـبل بينهما مقطوعة وهو لم يقوى على الإدلاء بطلبه.
_______________________

 

في منطقة نزلة السمان.
انتهى الفرح أخيرًا ورحل الغُرباء عن البيت بعد حصولهم على واجب الضيافة والطعام الذي أعده “نَـعيم” توزيعًا على المنطقةِ بالكامل، وبمعاونة الشباب تمت إعادة كافة الأشياء كما كانت من قبل.
تأكد “يوسف” من كل شيءٍ حوله وأطمئن على كافة الأمور ومعه “إسماعيل” و “مُـحي” أيضًا، بينما “إيهاب” أخذ زوجته وتوجه نحو شقته القريبة من بيت “نَـعيم” بل تعد معه في نفس البيت يفصلهم عن بعضهم عدة أمتارٍ قليلة حيث البيت المُلحق الذي أقامه “نَـعيم” وقد عاونه في استكماله الشباب ليعطي لكلٍ منهم شقة في ذلك البيت باعتبارهم هم من أسسوا له عمله ورفعوا من شأن تجارته.
صعد “إيهاب” شقته ثم وقف يفتح بابها وهو يقول بنبرةٍ عابثة:
_برجلك اليمين يا عروسة، ادخلي يلا.
وقفت بتذمرٍ وهي تقول:
_شيلني يا “إيهاب” أنا مستنية الليلة دي علشان اتشال.
ضرب كفيه ببعضهما ثم نطق بجمودٍ:
_ياستي ولازمتها إيه ؟؟ ما تدخلي وخلصينا.
ضمت ذراعيها أمام صدرها بمعاندةٍ وكأنها طفلة صغيرة تعاند والدها، فاستسلم لها ثم قال بخشونةٍ:
_أنتِ اللي طلبتي، خليكي فاكرة بقى.
حملها على كتفه حتى ارتفع صوت ضحكاتها عاليًا من حركته المُباغتة تلك، فيما أغلق هو الباب بقدمه، ثم أنزلها حتى وقفت أمامه تبتسم له ثم طوقت عنقه بذراعيها وهي تقول بدلالٍ تعمدته:
_مبسوط يا “إيهاب” ؟؟
ابتسم لها ثم قربها منه يضمها إليه حتى وضعت رأسها على كتفه، فيما قال هو بشرودٍ أعرب عن صدقه:
_لو أنتِ اتبسطي وقدرتي تكوني مرتاحة معايا و مسيبتنيش ساعتها أنا هرتاح وأكون مبسوط.
عادت برأسها تطالعه وهي تقول بلهفةٍ:
_أسيبك ؟؟ دا أنا معملتهاش لما اتحكم عليك وكنت مستنية في أي لحظة ترجعلي تاني تطمني، لما تبقى ليا وأكون معاك في بيتك أسيبك ؟؟ مين في الدنيا دي كلها عرف يطمني زيك ويحميني من الشارع والناس اللي مبترحمش.
ضمها إليه يشدد عناقه لها بعد حديثها الذي طمئنه وكأنه هو الذي يحتمي بها من قسوة الأيام، ذلك العناق الذي مَنَّ نفسه به طوال فترة حبسه وكأنه يوعد نفسه لالتقاء الراحة أخيرًا معها هي بعدما تعرض له من ظلمٍ على يد من غدر به.
في الأسفل أغلق “يوسف” أبواب البيت وكل سُـبـل النجاة ثم خلع سترته السوداء وبقيْ فقط بقميصه الأسود ثم شمر أكمامه حتى مرفقه ودلف لتلك الغرفة التي يظل بها الخيول المريضة وسط التِبن الذي يُغطي أرضيتها، خَلفهُ في السير “إسماعيل” نحو تلك الغرفة، فاقترب “يوسف” منه يتابعه من عِليته وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_ارفع راسك يالا وبصلي زي ما ببصلك.

 

رفع “فتحي” رأسه نحوه فجلس “يوسف” أمامه على إحدى رُكبتيه يقول بنبرةٍ جامدة:
_حظك الأسود إنك وقعت في أيدي أنا، لا بعتبر حد ولا بشوف حد، من الأخر غشيم، أنا رميتك هنا في الأوضة دي مخصوص علشان دي أوضة الخيول المريضة، اللي بيدخل هنا عنده حلين، يا يخرج صالب طوله ورافع راسه زي الخيل الأصيل، يا يخرج ميت من هنا على المدفن عِدل، أنتَ بقى إستثناء، لو خرجت من هنا سليم !! يبقى تعيش خدام تحت رجل الخيول، ولو خرجت ميت تبقى مكتوبالك موتة زي دي، في أوضة الخيول.
نطق “فتحي” بنبرةٍ مغلولة وهو ينطق من بين أسنانه:
_دا حقي، حقي اللي هو خده مني، قالي تعالى خدها بالأصول ولما جيت طردني، كل ما احاول أوصلها يقفلي.
اقترب “إسماعيل” يلكمه في وجهه بغضبٍ مكتومٍ وهو ينطق بنفاذ صبرٍ وقد فرط منه حبل التماسك الذي حاول أن يتصف به وهو يرى من تسبب في حبس شقيقه.
ظل “إسماعيل” يلكمه في وجهه حتى أبعده عنه “يوسف” أخيرًا ثم نطق بأنفاسٍ مُتقطعة:
_اهــدا يـا “إسـمـاعيــل” فيه إيه ؟؟ دا اللي اتفقنا عليه؟؟
رد عليه “إسماعيل” منفعلًا بنفاذ صبرٍ:
_مفيهاش هداوة دي، بسببه أخويا فضل أربع سنين مرمي في السجن، وبسببه كان هياخد ١٥ سنة وبسببه برضه كان هيموت “سمارة” عاوزني اسمي عليه؟؟.
رد عليه “يوسف” مؤكدًا بنظراتٍ قاتمة:
_آه، عارف ليه ؟؟ علشان نخلص منه الحق تالت ومتلت، وبكرة “إيهاب” ينزل يعرفه يعني إيه ضربة المطوة بحق.
في الخارج بجوار سيارة “يوسف” تلصص ذلك الخبيث مُستغلًا انشغال الرجال بالداخل وإن السيارات بمفردها في الخارج أمام بوابة البيت ثم اقترب منها يفتحها بتلك الأداة الماهرة عملًا وصغيرة حجمًا ثم وضع بداخلها شيئًا استطاع بمهارته أن يدسه بداخل السيارة ثم عاد كما دلف متخفيًا عن الأنظار متواريًا من بين الأعمدة الكبيرة التي تُخفي من يقف خلفها ببراعةٍ.
________________________
في اليوم التالي في حارة “العطار” تحديدًا، تحركت “قمر” نحو محل “أيوب” بخطىٰ مُترددة تخشى أن تلج للداخل بعد موقفها بالأمس أمامه، لكنها استجمعت شجاعتها ثم دلفت لداخل المحل وهي تبحث عنه بعينيها وحينما فشلت في العثور عليه سألت مساعده بقولها:
_معلش يا فندم، هو فين الأستاذ “أيوب”.

 

انبته لها ذلك الرجل فرفع رأسه يقول بأسفٍ:
_للأسف هو مش هنا النهاردة هو في محل المُعز وممكن ييجي أخر النهار، تؤمري بحاجة معينة يا آنسة ؟؟
حركت رأسها نفيًا وقد ارتسم الإحباط على ملامح وجهها، فيما أوقفها هو قبل أن تعود أدراجها للخارج من جديد بقوله:
_استني يا آنسة اتفضلي دا كارت فيه عنوان المحل في شارع المعز، لو حضرتك محتاجاه ضروري يعني.
أخذته منه بتوترٍ وكفٍ مُرتجفٍ فبالطبع لم تقوى على الذهاب إلى هناك وهي وصلت إلى هنا بأشد صعوبةٍ وكأنها في صراعٍ أوشكت على لفظ أنفاسها به، تحركت من المكان ثم رفعت رأسها تقول بتمني:
_يا رب…. ساعدني يا رب.
______________________
وقف “أيوب” أمام المحل في شارع المُعز وسط التُحف في ذلك المكان الذي خالط بين الزمنين مع بعضهما حيث القديم و الحديث معه، وقد وقف يراقب الآيات القرآنية و الأدوات الفخارية التي نقصت بشكلٍ ملحوظ مما دل على سير سوقها بين الناس على الرغم من عدم توقعه لذلك.
تنهد بعمقٍ ثم اقترب من التُحفة الموجودة يقوم بضبط مكانها لكي يتضح خطه المنقوش عليها، فوصله صوتٌ يعرفه عن ظهر قلب تردد في مسامعه كثيرًا:
_السلام عليكم يا شيخ “أيوب”
التتف يرد التحية وهو يظنها مجرد أوهامٍ بقوله مُتقطعًا:
_وعليكم السلام ورحمة الله….وبركاته…. آنسة “قمر” ؟؟
______________________
كان “يوسف” يسير بسيارته على الطريق ويجاوره “إسماعيل” حتى يقضيان مشوارًا هامًا طلبه منهما “نَـعيم” فأوقفهما الضابط في لجنة التفتيش المرورية على الطريق فتوقف “يوسف” يمد يده له بالرُخص الخاصة بالقيادة لكن الضابط أمره بقوله:
_لأ يا حلو انزلولي كدا علشان العربية دي تتفتش.
نظر كلاهما للأخر بتعجبٍ ثم ترجلا من السيارةِ ليقوم الضابط بتفتيشها وبعد مرور دقائق وقف امامهما الضابط يمسك في يده شيئًا يضعه نصب أعينهم وهو يسأل بجمودٍ:
_إيه دي ؟؟!.
نظر “يوسف” إلى “إسماعيل” وكلاهما يُبدي حيرته في ذلك الأمر.
____________________
في مقر عمل “عاصم الراوي”.
جلس في مكتبه مع “سامي” و “نادر” يتابع سير العمل، بينما “نادر” كان ينتظر تلك المكالمة بفارغ الصبر حتى صدح صوت هاتفه برنةٍ واحدةٍ فقط، فلم يفهم حقيقة الأمر لكنه أدرك نجاح المُهمة، حينها ابتسم بثقةٍ وأرجع ظهره للخلف وهو يقول:
_كدا اقدر أقولكم إن “يوسف” تقريبًا اتسجن، وفيها حوالي ١٠ سنين لحد ما نشوفه تاني، حلال عليه والله.
انتبه له كلاهما يمعنان كامل حواسهم فيما ضحك “سامي” بصوتٍ عالٍ وهو يقول بنبرةٍ مرتفعة من فرط حماسها:
_يبقى يوريني بقى ابن الراوي هيرد علينا إزاي ؟؟.
وصلهم صوت طرقات على باب المكتب عقبها فتح الباب بأخر من توقعوا تواجده أمامهم، فابتسم هو بثقةٍ ثم رفع كفه يُشير به على رقم ثلاثة قائلًا بزهوٍ بعدما استمع لحديث الأخر:
_أبويا الله يرحمه قالي:

 

ثلاثة لا تلتفت إليهم مهما علا صوتهم، الكلب إذا نبح، والحمار إذا نهق، والسفيه إذا تكلم.
كان يُشير بإصبعه على كلٍ منهم في مرةٍ، ثم أضاف بضحكةٍ مُتشفية وهو يرى علامات الصدمة جلية على وجوههم بوضوحٍ:
_وزيادة عليهم من عند “يوسف الراوي” متستناش من
ابن الرقاصة يفكر.
كعادته دومًا ينصبون له الفخ ويهرب منه بثباتٍ وكأن كل الظروف التي تأمرت ضده بمجرد علمها هويته تتراجع بقهرٍ خاضعةً له، ليعلن نفسه أنه الوحيد الذي أجبر الظروف على الانحناء له حتى وإن كانت وليدة الصُدف، فهو يمتلك من العِز الكثير مما يجعله قادرًا على تربيتها.

يتبع….

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية غوثهم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى