روايات

رواية غوثهم الفصل الرابع 4 بقلم شمس محمد

رواية غوثهم الفصل الرابع 4 بقلم شمس محمد

رواية غوثهم الجزء الرابع

رواية غوثهم البارت الرابع

رواية غوثهم
رواية غوثهم

رواية غوثهم الحلقة الرابعة

_أنا وقلبي في الهوىٰ هَوينا، فلا عَرفنا راحةً ولا هُوينة، فياليتنا ما أحبننا وياليتنا ما هَوينا، نحنُ مَن سِرنا نحو الهوىٰ بأنفسنا ولألامه خَطينا، فما كان لنا من كل ذلك سِوىٰ العَذابِ، وقبل نهاية الطريق؛ انتهينا.
_وماله تربية الاصلاحية مش أحسن من تربية الرقاصة يابن الرقاصة.
كان ذلك قول “يوسف” الذي تفوه به بعدما وقف أمام “سامي” على أعتاب شقته، فسأله الأخر بريبةٍ:
_”يوسف” اعقل وبطل جنان، جاي الساعة دي تعمل هنا إيه؟؟
ازداد الشر في نظراته أكثر و لمع بريقُها الحاد وهو يقول بثباتٍ:
_جاي أرمي النقطة على “أمك”
فور انتهاء جملته امسكه من تلابيبه بعدما انقض عليه، بينما الأخر قبل أن يرفع صوته ويتهمه بأنه سارقه، كمم “يوسف” فمه ونطق يحذره بقوله:
_ولا !! لو رفعت صوتك من غير يمين أنا هزعلك، احترم نفسك و اهدا كدا و كِن مع نفسك.
حرك الأخير رأسه بخوفٍ خاصةً ونظرات الأخر تبدو وكأنها سهامًا تقتله، فأمسك “يوسف” تلابيبه من جديد ينطق بنبرةٍ جهورية:

 

_بقى أنتَ زعلان أني مديت أيدي على ابنك ؟؟ وإني تربية احداث ؟؟ اتفرج بقى على تربية الأحداث دي لما تشوف ابن رقاصة قدامها.
لكمه في وجهه بدون تعقل أو حتى تفكير في فارق السن بينهما، حتى سقط الأخر على مقدمة الرواق المؤدي للغُرف، فأمسكه “يوسف” من جديد وهو ينطق من بين أسنانه:
_زعلان مني علشان تربية احداث ؟؟ طب وأنتَ أمك وهي رقاصة كانت رابعة العدوية يابن ال****.
لكمه بعد جملته حتى تأوه “سامي” وهو يرتمي على الحائط، بينما “يوسف” لم يمهله الفرصة ولو هُوينة فقط، بل اقترب منه ينطق بنفس الطريقة التي أعربت عن كامل غِله المشحون بداخله:
_ولما أنتَ حطيتلي سم قبل كدا في الاكل، دا كان عادي ؟؟ هــا ؟؟ كنت تربية The Voice Kids بروح أمك؟؟
فور انتهاء جملته أمسكه من فروته ولم تظهر أمامه سوى صورته أثناء مرضه بسبب “سامي” لذا أمسك رأسه يضربها في الحائط، وقد ظهرت الدماء على وجه الأخر إثر ضربات “يوسف” التي سددها له، فترنح حتى سقط أرضًا وخارت قواه.
انتبه “يوسف” لما يرتديه، فضحك بسخريةٍ وهو يقول:
_لابسلي بيجامة ستان حمرا؟ وماله طلبتها ونولتها وهخلي دمك يغرق الشقة، دي أمك اسمها “تماسي” أومال لو كانت “صباح” بقى.
نطقها بتهكمٍ لاذع ثم سحبه من فروة رأسه ينطق بتهديدٍ يحذره:

 

_طول ما أنا في البيت، لو سكتك جت على سكتي أنا هطلع عليك عفاريت “يوسف الراوي”، فكر بس تيجي قدامي، وأنا هفرمك زي القطر، هدوسك، فـــاهــم ؟؟.
حرك رأسه موافقًا وحاول أن يتحدث فصدح صوت جرس الباب في تلك اللحظة، حينها تركه “يوسف” ثم تحرك نحو الباب يفتحه دون أن يستعلم عن هوية الطارق، فتفاجأ بعامل توصيل الطعام أمامه يطالعه بريبةٍ من هيئة “يوسف” التي لا تنذر بأي خير، بينما “يوسف” سأله بنبرةٍ غَلظة:
_نعم، خير ؟؟.
رد عليه بتوترٍ:
_فين الأستاذ “سامي”، جايبله الأكل دا.
خطفه منه “يوسف” ثم سأله:
_حسابه مدفوع ؟؟.
حرك الأخير رأسه بخوفٍ، فيما أشار له بالانصراف، فامتثل لمطلبه، بينما “يوسف” عاد من جديد للأخر يوضع أمامه الطعام على الأرض ثم جلس على إحدى رُكبتيه يقول بنبرةٍ رغم هدوئها إلا أنها خانته وخرجت منه موجوعة إبان قوله:
_فاكر لما جيت مرة زمان ترميلي بواقي أكلك أنتَ وابنك وأنا جعان في البيت علشان “حكمت” قفلت المطبخ ؟؟ أنا عندي استعداد دلوقتي اخليك تجرب نفس الاحساس دا، بس العهد اللي قطعته على نفسي مش هخونه علشان واحد تربية رقاصة زيك، اطفح بألف هنا.

 

أشار إلى الطعام برأسه، ثم اعتدل واقفًا وأخرج من جيبه علبة السجائر الخاصة به، يشعل واحدةً منهم بقداحته، ثم غادر المكان تاركًا الأخر خلفه يأنِ من الألم و الويلات، فها هو وقع تحت يده بمفرده عزيلًا، وتلك فقط ماهي سوى نُقطة في بحر “يوسف الراوي”.
_________________________
في شقة “فضل” تحديدًا بالغرفة التي جلست بها “قمر” دلفت “أسماء” خلفها بعدما انسحبت الأخرى وفتحت الباب عليها، وحينما رآتها “قمر” تنهدت بعمقٍ ثم اوقفت المكالمة وهي تقول بهمسٍ حانقٍ:
_خضتيني، افتكرتك “ضحى” تعالي اقفلي الباب يلا.
أغلقت “أسماء” الباب ثم ركضت تجلس بجوارها، بينما “قمر” فتحت المكالمة من جديد وهي تقول بدلالٍ اصطنعته:
_ معلش يا “علاء” الباب كان بيخبط بس وافتكرت حد دخل.
رد عليها الأخر بتفهمٍ:
_ولا يا سُكر، المهم أنتِ إيه أخبارك؟؟ كويسة ؟؟.
نظرت في وجه “مرات” خالها تتأفف بضجرٍ ثم نطقت بنفاذ صبرٍ:
_آه الحمد لله، قولي صحيح خلاص بدأت تجهز نفسك علشان الفرح ؟؟ كلها شهرين بالكتير أهو.
زفر هو بعمقٍ ثم قال:

 

_مش عارف والله، حاسس أني بتسرع، عاوز اهدا شوية في قراري دا، خصوصًا أني مش مرتاح مع “ضحى”.
هَمت “أسماء” بالحديث معه تهينه، فأوقفتها “قمر” تحذرها بنظراتها، ثم قالت له بنبرةٍ هادئة:
_لأ، لازم تفكر دا جواز مش لعب عيال، بعدين إحنا اتفقنا اننا صحاب لو فيه حاجة عرفني.
رد عليها بنبرةٍ لَعوبة فمهتها هي:
_ هو أنا أطول، والله شكلي كدا هعيد التفكير من تاني.
سألته بخبثٍ قاصدة أن تتحدث عن ذلك الموضوع:
_طب والبنت اللي بتكلمها دي، اللي هي كانت زميلتك، لسه بتكلمها ؟؟ طب “ضحى” خطيبتك وأنا صاحبتك، هي إيه بقى ؟؟.
رد عليها بنبرةٍ ضاحكة:
_في دكة الاحتياطي، بس مالك غيرانة ولا إيه ؟؟
بصقت في الهاتف، ثم تصنعت التوتر وهي تقول:
_ها…لأ عادي يعني، أنتَ حر، سلام علشان خالو بينادي عليا.
أغلقت في وجهه، ثم كتمت صوت الهاتف تتنهد بعمقٍ بينما “أسماء” سبته سبةً بوالدته، فقالت “قمر” بقلة حيلة:
_أهو زي ما أنتِ شايفة كدا، عيل واطي ملهوش أصل أصلًا، بيكلم مليون واحدة على بعض وعادي عنده، دا يتأمنله إزاي ؟؟
نطقت “أسماء” بتوعدٍ:

 

_وربنا ما هسيبه، يا أنا يا هو، لو مكانتش بس الموكوسة بتحبه وهو مفهمها أنه اتغير و محتاجها، بس هقول إيه ؟؟ عيلة عبيطة.
تحدثت “قمر” بحزنٍ غلف نبرتها:
_أنا زعلانة علشانها هي، خايفة عليها لما تعرف، وخايفة تزعل مني وأنا مليش غيرها.
ربتت “أسماء” على كتفها وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_إن شاء الله مش هيحصل حاجة، أنا موجودة هنا متقلقيش.
حركت رأسها موافقةً فضمتها “أسماء” إليها تربت على ظهرها و عينيها شاردتين في الفراغ يغلفهما الاصرار كما القطة وهي تحمي صغارها.
_________________________
في بيت “العطار” تحديدًا بتلك الغرفة وذلك الجزء المُخصص منها جلس “أيوب” كعادته قبل موعد قيام الليل أمام صانعة الفخار اليدوية يعمل بيده هو كعادته الماهرة في تلك الصناعة، رغمًا عنه ابتسم حينما جال بخاطره جملتها وهي تقول:
_كدا أنا عرفتك، الاسطى أيوب بتاع القُلل علشان لو حصل حاجة.
أبتسم من جديد ثم حرك رأسه نفيًا بيأسٍ وقد شرد في أول مقابلةٍ تجمعمها سويًا و يراها هو بها لأول مرّةٍ:
( منذ عام و أكثر)
وقف “أيوب” شامخًا في محله بجوار كلٍ من “أيهم” و “بيشوي” بعدما أحسن صناعة ذلك الشيء الذي يضعه أمامهما، فتحدث أخيه بإعجابٍ يُثني على فعل أخيه:

 

_لأ جامد، طول عمر دماغك تتاقل بالدهب بصحيح، الشكل من برة زير فخار و الصناعة من جوة مُبرد مياه و كُلمن، دماغ.
ابتسم له “أيوب” فيما سأل “بيشوي” بحيرةٍ:
_إيه الفايدة برضه مش فاهم؟؟.
جاوبه “أيوب” مُفسرًا:
_ فيه مطعم فتح جديد وعامل كل حاجة شكلها قديم بس مدخل معاها حاجة جديدة، طلبوا مننا نعملهم حاجة شبه الزير بتاع المياه، وفي نفس الوقت تكون عملية يقدروا يستنفعوا بيها في حاجة، قولت اعملها كدا زير و من جوة زي الكولمن بحيث لو حطوا تلج جواه ميحصلش حاجة، ولو الفخار سحب الحرارة برضه ميحصلش حاجة.
بدا الاعجاب واضحًا عليهما، فسأله “بيشوي” باهتمامٍ:
_قولي خد منك وقت قد إيه؟؟
رد عليه بعدما فكر قليلًا:
_يدوبك يعني أسبوع وقبلها ٣ أيام بجهز في الحاجة، ١٠ أيام كله على بعضه.
ابتسم أخيه بفخرٍ، وكذلك “بيشوي” بينما “عبدالقادر” في تلك اللحظة يُلقي عليهم التحية و خلفه “قـمر”.
أخفض الشباب رأسهم حتى لا يتسببون في اخجالها، بينما هي اطرقت رأسها للأسفل فاقترب “عبدالقادر” من الدرج الخاص بابنه ثم فتحه وأخرج منه مفاتيحًا يُسلمها لها وهو يقول:
_اتفضلي يا بنتي، المفاتيح إيه، وقولي لأستاذ فضل ألف شكر وكفاية تعبك معانا.

 

ردت عليه بأدبٍ:
_متقولش كدا حضرتك، لا تعب ولا حاجة، هسلمهم لخالو إن شاء الله.
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم لها، بينما هي التفتت حتى تغادر فاصطدمت أمامها بقطة سوداء اللون جعلتها تصرخ بملء صوتها، و ركضت بدون هوادة تبحث عن مكانٍ تختبيء به، وماكان لها إلا الجهة المجاورة للشباب تركض نحوها حتى اصطدمت في الحامل المعدني ليسقط بما عليه، وما كان إلا الزير الذي صنعه “أيوب”.
صرخت هي ثم وضعت كلا كفيها على فمها، فيما نطق “أيهم” ببلاهةٍ نتجت عن خوفه من تحول أخيه:
_يا وقعة اللي خلفونا سودا !!.
ضغط “أيوب” على كفيه وأغمض جفونه، يحاول التماسك أمامهم، بينما “عبدالقادر” علم أنه ابنه على ذروة غضبه لذلك تحرك من موضعه بلهفةٍ يقول مُلطفًا للأجواء:
_حصل خير الحمد لله، قدر الله وما شاء فعل، حصل خير بابنتي.
التفتت له بعينيها الدامعتين وهي تقول بنبرةٍ أقرب للبكاء:
_أنا مكانش قصدي والله، أنا لما شوفت القطة خوفت منها، علشان كدا حاولت استخبى منها.
نظر لها “أيوب” بجمودٍ وهو يقول بعدما فقد أعصابه:
_قطة، هتعملك إيه يعني ؟؟ أكيد مش هتبلعك، فيه حد يعمل كدا ؟.
ازداد بكائها بعد لومه لها، بينما “عبدالقادر” رفع صوته بقوله:
_”أيـوب” !! خلاص قولت.

 

تنفس “أيوب” بحدةٍ ثم قال:
_يـا صـبر “أيـوب”.
تحرك من أمامهم بعد جملته تلك ثم فتح الباب الصغير بالمكان يدلفه فيما نطق “بيشوي” بنبرةٍ هادئة حينما وجدها تبكي:
_حصل خير يا آنسة، اتفضلي مفيش حاجة حصلت، واخدين على كدا.
اقترب “عبدالقادر” يمسك زجاجة المياه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_امسكي اشربي المياه دي و متزعليش نفسك هو نفسه واخد على كدا، حصل خير ومقطوع منه النصيب.
خرج “أيوب” مرةً أخرى بواحدٍ يُشبه الاخر بل يماثله ثمامًا ثم مد يده لـ “بيشوي” وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_خُد دا أكتب عليه اسم المطعم، وخليه عندك أنتَ.
سأله “أيهم” بتعجبٍ:
_هو أنتَ كنت عامل اتنين؟؟
حرك رأسه موافقًا ثم بقلة حيلة:
_آه، كنت عامله للمسجد، بس ملهوش نصيب هعمل واحد تاني.
نطقت “قـمر” بثباتٍ ورأسٍ مرفوع:
_شوف حسابه كام وأنا هدفعلك.

 

ابتسم بسخريةٍ، بينما هي بنفس الشموخ نطقت بثباتٍ:
_شوف الحساب كام وأنا هدفعلك، محبش حد يبقى ليه حاجة عندي، تكلفته كام ؟؟
رد عليها بثباتٍ هو الاخر:
_الله الغني عنك وعن عوضك، ربنا يكرمني إن شاء الله ويعوض عليا، مش هقبل العوض من البشر.
قبل أن ترد عليه أوقفها “عبدالقادر” بقوله:
_خلاص يابنتي بقى روحي علشان متتأخرييش، مع السلامة.
لهجته بدت لها وكأنه يأمرها لذلك رحلت في خنوعٍ دون أن تتفوه بكلمةٍ واحدة، بينما هو قال بثباتٍ:
_اللي حصل حصل خلاص، مش عاوز الموضوع يتفتح بعد كدا.
حرك الشباب رأسهم بموافقةٍ بينما “أيوب” وزع بصره بين الهشيم على الأرض وبين أثرها وهي ترحل بشموخٍ وكأن شيئًا لم يكن.
(عودة إلى الوقت الحالي)
خرج من شروده على صوت طرقات الباب فتنهد بعمقٍ ثم وضع كفيه في دلو الماء يُزيل أثر الطين من كفه، بينما وصله صوت “وداد” تنطق من الخارج بقولها:

 

_أستاذ “أيوب” الحج عاوزك برة.
رد عليها بنبرةٍ هادئة:
_حاضر يا ست “وداد” جاي أهو.
خرج من الغرفة ثم دلف نحو والده في مكتبه، فوجد الأخر يقول بسخريةٍ:
_مش عارف اتلم عليكم ؟؟ واحد قافل على نفسه اوضته، والتاني خد ابنه وطلع، والتالتة في أوضتها عازلة نفسها، خير ؟؟
قبل أن يرد عليه “أيوب” نزل “أيهم” لهما وهو يقول بنبرةٍ ناعسة:
_خير يا حج ؟؟ اؤمرني؟؟
أشار له بالجلوس أمام أخيه، فامتثل الأخر لمطلبه وهو يتنهد بضجرٍ، فيما سألهما هو:
_حد فيكم كلم أخته بعد اللي حصل؟؟ محدش اتكلم معاها؟؟.
تحدث “أيوب” بحرجٍ منه:
_بصراحة الكلام ملهوش لازمة، أكيد حقها أنها تزعل طبعًا، علشان كدا سيبتها براحتها تخرج طاقتها وأنا بنفسي لما أرجع من صلاة الفجر هقعد معاها.
حرك رأسه موافقًا ثم التفت إلى الآخر يسأله بثباتٍ:
_مراتك مرجعتش ليه يا “أيهم”؟
وزع “أيهم” نظراته عليهما سويًا ثم تصنع الثبات وهو يجاوبه موجزًا:

 

_طـلـقـتها.
_نــعم !!
رددها “أيوب” بصوتٍ عالٍ بعدما تفاجأ بقول أخيه، فيما سأله “عبدالقادر” بنبرةٍ أقرب للانفعال:
_بتقول إيه ؟! طلقتها ازاي؟؟
رد عليه ببساطةٍ:
_كدا، قولتلها في وشها أنتِ طالق، مش هخبي عليها يعني.
سأله “أيوب” بنبرةٍ جامدة:
_وابنك ؟؟ مفكرتش فيه حتى؟
جاوبه “أيهم” بثباتٍ يحاول الهروب من وجعه بتصدير اللامبالاة:
_أنا عملت كدا علشان خاطري ابني، دي خسارة فيها يكون عندها ابن زي دا، واحدة أنانية وطماعة عاوزة كل حاجة في الدنيا ليها، يبقى احرمها من النعم دي علشان تعرف قيمة اللي كان عندها.
سأله “أيوب” باهتمامٍ:
_معني كدا إنك هترجعها تاني لما الدنيا تهدا شوية بينكم ؟؟ صح؟
حرك رأسه نفيًا ثم نفى قول أخيه تمامًا بقوله:
_لأ مستحيل، أنا ماصدقت أخلص من العلاقة دي وهي عاملة زي الحِمل على كتافي، اللي برميه باليمين عمري ما هاخده بالشمال.
تنهد “عبدالقادر” ثم تحدث بلباقةٍ:
_أنا عمري ما جبرت حد فيكم على حاجة، وعمري ما اتدخلت في اختيار حد منكم، بس لو دا هيتكرر تاني، أظن من حقي أتدخل و أوقفه.

 

حرك رأسه موافقًا فقال “عبدالقادر” بثباتٍ:
_اتفضلوا يلا كل واحد فيكم يروح يشوف بيعمل إيه، وبكرة عاوزكم بدري علشان عربيتين رخام طالعين، تمام ؟؟
حركا رأسيهما بموافقةٍ ثم قاما بتوديعه ورحلا من جديد بينما هو نظر في أثرهما في تنهد بعمقٍ مغلوبًا على أمره.
_________________________
عاد “يوسف” إلى منطقة الزمالك بعدما شعر بنشوة الانتصار لو قليلًا، بعدما أوصل جزءًا من معاناته لـ “سامي”، لذا يرى الآن أنه يحق له أن يدخل البيت بل و بسعادةٍ لا يدري سببها، رؤية الأخر ذليلًا بين يديه لم يقو حتى على التوسل له، جعلته كما الطير المحلق في السماء.
جلس في ردهة البيت الواسعة يراقبه بنظراته، حيث قضى ليلته بالأمس في منطقة نزلة السمان، ذلك البيت الذي عاش به أصعب الأيام وتعامل به كما الحيوانات، حتى أصبح بربريًا معهم، همجيًا إذا أرادوا، تُصاب كرامتهم كل يومٍ بحديثه اللاذع.
تحرك من الردهة نحو الأعلى حيث سطح البيت أو ما يطلق عليه “الروف” مكانه المفضل الذي يشعر فيه بالحُرية، كان يركب دراجته به يدور بها في المكان حتى في شبابه.
وصله بخطواتٍ متريثة سُرعان ما تحولت إلى واسعة حينما رآها هي تقف بجوار الدراجة في مكانه المفضل بجوار أشياءه.
بدلًا من أن يُظهر غيظه لها وأنها استطاعت أن تثير اهتمامه، رفع صوته يدندن بسخريةٍ:
_اعذريني يوم زفافك مقدرتش أفرح زيهم، مخطرش أبدًا يوم في بالي أني أبقى واحد منهم.
التفتت له بعينين مُتسعتين سكنت بهما الدهشة، بينما سألها هو بسخريةٍ:
_مش دا اللي نفسك تسمعيه وهتموتي و أقولهولك ؟؟ عاوزاني اوريكي نفسي وأنا مكسور من بعدك ؟؟
تحدثت بنبرةٍ جامدة وهي تقول:

 

_ملكش حق تتكلم عن الوجع بعد اللي عملته، جيت فرحي وحضرته و وقفت زيك زي كل الناس الفرحانة كأنك ما صدقت تخلص مني، كنت أنا مقهورة في فرحي، وأنتَ بكل قسوة بتضحك كأنك مش همك.
ابتسم لها وهو يؤكد قولها هاتفًا:
_أنتِ فعلًا مش هماني، ولا فارقة معايا، طلعيني من دماغك أحسنلك، علشان ترتاحي بس شوية، لكن أنا ؟؟ مشوفتش الراحة غير في بُعدك.
همت بالنطق وهي تقول باكيةً:
_أنا….
قبل أن تُكمل حديثها قام هو ببتر حديثها بعدما رفع صوته قائلًا:
_أنــتِ إيه اللي طلعك هنا ؟؟ هــا بتلعبي في حاجتي ليه ؟؟ غوري من وشي بدل ما أكسرهم فوق دماغك….غــوري !!.
اجفل جسدها من حديثه و طريقته لذلك ركضت من أمامه، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم حلس على المقعد فلم يقوى على استماع حتى صوتها بعدما وقفت بكل قسوة تُفضل الأخر عليه و تطعنه أمامهم جميعًا لتصبح سكينتها هي الضربة التي أودت بحياته.
كان يقدم لها حياته على طبقٍ من الذهب، ففضلت عليه فُتات اهتمام الآخرين، وضع لها الأمان في كفها لتقبض عليه، وما إن استقرت الطمأنينة في قلبها و اشتد أزرها، قامت باختبار تلك القوة عليه، حتى هُزم ممن أقام الحروب لأجلها.
عاد بذاكرته ليوم زفافها، ذلك اليوم الذي أقسم فيه لنفسه أن يظهر لهم شامخًا مرفوع الرأس.
(قبل موعد زفافها بيومٍ)

 

كان “يوسف” في منطقة نزلة السمان بعدما قرر الهروب منهم جميعًا، أشعل العديد من السجائر حتى امتلأت أرضية الغرفة و كذلك سلة المهملات وماحولها، دلف “إسماعيل” له في الغرفة وما إن رأه بذلك الوضع قال ينهره بقوله:
_هتموت نفسك يابني أدم أنتَ !!
رفع “يوسف” رأسه له يحذره بنظراته ثم أنزلها من جديد يسحب هواء السيجارة، فسأله “إسماعيل” بتعجبٍ:
_مش قولت إنها مش فارقة معاك ؟؟ عامل في نفسك كدا ليه ؟؟ ها ؟؟
رد عليه بنبرةٍ جامدة حاول إخفاء ألمه بها وقد أتعبته قساوتهم
_مش علشانها هي، علشاني أنا، البيه عمل فرحه في أجازتي علشان يقولي اللي كنت هتعمله في شهور أنا خدته في أسبوعين، علشان دي اللي كنت بضحي بصحتي كل يوم و راحتي علشانها هي متبقاش مخنوقة، وفي الآخر اختارت اللي معاه، وقفت بكل جبروت تقولي هتجوز “نادر”، اختارت واحدة محدش طايقه في الدنيا غير أبوه حتى أمه بتندم على خلفته ساعات.
نظر له “إسماعيل” بقلة حيلة و شفقةٍ ثم ربت على ظهره، والأخر يجلس على الأريكة، فدلف لهما “نَـعيم” يقول بنبرةٍ هادئة:
_”شهد” تحت وعاوزة تقابلك.
هب منتفضًا ما إن وصل اسمها إلى سمعه، ثم تشدق بنذقٍ:
_بتقول مين تحت ؟؟

 

لم يجاوبه “نَـعيم” بل صمت تمامًا واكتفى بالنظر له، فتحول “يوسف” في ثوانٍ وتحدث بنبرةٍ جهورية تهدجت من فرط انفعاله:
_ جاية ليه ها ؟؟ جاي تبرر ولا جاية تعزمني على فرحها ؟؟ خليها تغور بكرامتها بدل ما أنزل أمسح رمل السمان كله.
تحدث “نَـعـيم” بثباتٍ:
_اهدا !! أنا كدا كدا مش عاوزك تنزل ليها ولا عاوزك تشوفها، أنا بس جاي أعرفك يمكن يكون في سبب على أخر لحظة يغير كل حاجة.
ابتسم بسخريةٍ ثم أشار نحو موضع قلبه وهو يقول بوجعٍ:
_واللي هنا مين هيغيره؟؟
تنهد “نَـعيم” ثم استند على عصاه الخشبية وقال مؤكدًا على الأخر:
_”إسماعيل” !! “يوسف” مينزلش تحت ولو حصل إيه مفهوم ؟؟.
تحرك بعد حديثه، بينما “يوسف” ضرب الطاولة الموضوعة بجواره لتسقط بكل ما عليها، بينما “إسماعيل” تنهد بيأسٍ ثم وقف يتابعه.
نزل “نَـعيم” لها فكانت توليه ظهرها وهي تبكي أمام باب الاسطبل، فسألها هو بنبرةٍ خرجت منه قاسية:
_خير جاية هنا ليه ؟؟ أظن مبقاش فيه حاجة تربطك بينا هنا بعدما قطعتي حبال الود.
التفتت له تسأله بلهفةٍ:
_”يوسف” فين يا عمو ؟؟ بقالي كتير بحاول أوصله مش عارفة، طمني و قولي أنه عندك هنا.
جاوبها بثقةٍ و عزة:
_”يوسف” ملهوش مكان تاني غير هنا، علشان دا ملكه، يعمل فيه ما بداله ومع ذلك عمره ما قبل شفقة ولا مساعدة من حد، بيكافح بنفسه و لنفسه ولغيره كمان، بس مش كله يستاهل.
ابتلعت تلميحه عليها، قم اقتربت خطوةً منه وهي تقول بنبرةٍ باكية:
_عاوزة أشوفه أنا عارفة أنه متضايق دلوقتي لازم اتكلم معاه، صدقني لازم.

 

أتى من خلفها يقول بثباتٍ:
_لأ مش متضايق ولا حتى فارق معايا، أنتِ اللي مصممة تحطي نفسك في مكانة أنا مش حاطك فيها، قولي اللي عاوزة تقوليه.
ظهر التبرم و السخط على وجه “نَــعـيم” بينما هي تسمرت أمامه، وقبل أن تنطق اوقفها هو بسخريةٍ يقول:
_استني علشان شوفت الحتة دي في ١٠٠ فيلم عربي قبل كدا، هتعيطي وتقوليلي غصب عني ؟؟ ضغطوا عليا، وبابا والعيلة هيقطعوا علاقتهم بيا، ولا هتقوليلي عملت كدا أحميك منهم، أصلي خوفت عليك ؟؟ فــوقـي، أنـتِ طماعة، لما جبوهالك بالعقل مشيتي وراهم، إيه اللي هيخليكي تضحي مع واحد معندوش أي حاجة، وتسيبي واحد عنده كل حاجة ؟؟ أنا كنت عارف إنك محبتينيش وأنك حابة الحياة معايا مش أكتر علشان كدا بقولك امشي من وشي لو عندك كرامة.
اتسعت عينيها و انهمرت دموعها في الحال، بينما هو اقترب منها الخطوات المتبقية ثم نطق بثباتٍ:
_و يؤسفني أقولك إن اللي شوفتيه معايا دا نقطة في بحر حب “يوسف” لما يحب بجد، بكرة تشوفي اللي أنا هحبها بجد، يلا مع السلامة علشان تلحقي فرحك.
ردت عليه بثباتٍ:
_كدا أنتَ مدتنيش فرصة حتى أوضحلك أو اتكلم أوضح موقفي.
التفتت حتى تغادر من أمامه فأوقفها بنبرةٍ جامدة:
_”شــهد”
ما إن نطق اسمها أغمضت جفونها تُكبح جماح عبراتها، بينما هو اقترب منها و وقف مقابلًا لها يقول بنبرةٍ جامدة:
_ صحيح النهايات أخلاق، بس محسوبك بقى معندهوش أخلاق ولا شاف تربية.

 

رفعت عيناها نحوه بعد حديثه، فبصق في وجهها بجمودٍ حتى اتسعت عينيها بصدمةٍ و ذهولٍ من فعله، بينما هو أولاها ظهره ثم تركها خلفه دموعها تمردت وأعلنت العصيان وهي تراه يعود للداخل دون حتى أن يقف لو لبرهةٍ أو يلتفت، بينما “نَــعيم” ظهر الأسف في نظراته فبكت هي بحرقةٍ ثم رحلت من المكان تركض حتى وصلت لسيارتها وأغلقت بابها على نفسها.
صعد “نَـعيم” خلفه فوجده يقف في غرفته أمام الشرفة يتابعها بنظراته، فوقف خلفه يسأله بنفاذ صبرٍ:
_ليه يابني ؟؟ نزلت ليه.
ضغط على جفونه ثم سحب نفسًا عميقًا داخل رئتيه والتفت له يقول بنبرةٍ مُحشرجة:
_علشان مصعبتش عليها يا حج وهي شايفاني صعبان عليا نفسي، علشان وقفت قدامي بكل قسوة وعينها في عيني كأني أنا اللي غلطان، علشان حتى لو ملناش نصيب مع بعض مش دي النهاية اللي استهالها بعد كل حاجة عملتها علشانها.
اقترب منه “نَـعيم” يضع كفه على كتفه ثم قال بثباتٍ و شموخٍ كعادته:
_لما جيت هنا أول مرة كان كفك لسه ناعم و قلبك أبيض، لما جيت تاني مرة كانت الدنيا دوقتك قساوتها، ساعتها قررت أني اربيك تربية الخيول، شامخ عزيز رافع راسك لفوق متتحنيش لمخلوق زيه زيك مهما كان عزيز عليك، وقوفك قصادها النهادرة عرفني إنك خيل أصيل، إن جت عليه الدنيا عمري ما ينحني، بس عاوزك تفتكر إنك إنسان ليك حق تزعل و تغضب و تتعب كمان، أوعى تكبت دا جواك.
تنفس “يوسف” بحدةٍ فيما ضمه “نَــعيم” إليه يربت على ظهره.
في اليوم التالي المخصص لزفافهما، في وسط النهار، كان “يوسف” واقفًا وسط الخيول يتابع عمل الرجال في تنظيف الإسطبل، فاقترب منه “إسماعيل” يمد يده له بكوبٍ من الشاي، فامسكها منه “يوسف” ثم طالع الذي لكمه بالأمس حتى ينزل بعدما منعه “نَـعيم” ثم هتف معتذرًا:

 

_متزعلش مني علشان وشك دا.
رد عليه الأخر بلامبالاةٍ:
_واخد على قلة أدبك عادي.
ضحك “يوسف” رغمًا عنه ضحكة خافتة وقد صدح صوت هاتفه برسالةٍ وصلته للتو، فأخرج هاتفه يطالع تلك الرسالة ليجدها صورةً لِـ “نادر” اثناء تجهيزه للزفاف وكتب معها:
_SOON.
تنهد “يوسف” بعمقٍ ثم أغلق الهاتف وألقى الكوب أرضًا ثم تحرك من المكان للداخل فخلفه “إسماعيل” بلهفةٍ وقد استمع “نَـعيم” لصياح الأخر فتبعهما نحو الداخل حيث ردهة البيت الواسعة، توقف حينها “يوسف” يتنفس بحدة وهو يفكر هل يجعل ذلك الفرح ينقلب إلى عزاءٍ للمرحوم _إن شاء المولىٰ _ “نادر” أم يتجاهل كل شيءٍ وكأن شيئًا لم يكن ؟؟
وصل خلفهما “نَـعيم” فسأل بنبرةٍ جامدة أقرب للانفعال:
_حصل إيه تاني ؟؟ اوعوا تكونوا اتخانقتوا سوا يا “إسماعيل”.
حرك رأسه نفيًا بينما التفت له “يوسف” يقول بنبرةٍ جامدة:
_بص ابن الـ*** باعتلي إيه ؟؟ يعني مش كفاية اللي هو عامله؟؟ بعتلي يقولي أنا النهاردة باخد مكانك للمرة اللي فشلت في عددها.
اعتلى الضيق ملامح “نَـعيم” و خرج من داخله ليتضح في نبرته قائلًا:
_”إسـمـاعـيل” تروح تهد المعبد على دماغ صحابه، تقلبلي الفرح دا مَيتم، عاوز المحروس يدخل الفرح متشال مرابعة، لو حد وقف في وشك دوسه وأنا هنا.

 

قبل أن يتحرك “إسـمـاعيل” التفت “يوسف” يوقفه بقوله:
_استنى يا “إسماعيل”، لأ يا حج، متعملش كدا، كدا بتقولهم برافو عليكم عرفتوا تدمروا “يوسف” صح، كدا وجعتوه، كدا بتقولها هي أني لسه باقي وعاوزها، ودا لو على رقبتي مش هيحصل.
تحدث “إسـمـاعيل” بنبرةٍ هادئة:
_طب و العمل ؟؟.
انتبه له ثم أقترب منه يقف أمامه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_عاوزك تحضرلنا بدلتين حلوين و العربية تتغسل غسلة مُعتبرة، الساعة ٨ بالدقيقة هنكون هناك.
سأله “نَـعيم” من خلفه:
_ناوي على إيه يا “يوسف”؟
تنفس الصعداء ثم قال بغموضٍ:
_ناوي أعمل الواجب يا حج.
الساعة ثامنة إلا دقيقتين مساءًا توقفت سيارة “يوسف” أمام قاعة الزفاف التي من المفترض أن يُقام بها زفافه هو على نفس العروس، لكن لتدابير الحياة حسبةٌ أُخرىٰ لم ولن يفهمها هو.
نزل من السيارة يرتدي حِلة باللون الأسود و في يده باقة الزهور الفاخرة، و بجواره “إسـماعيل” يقترب منه حتى دلفا القاعةِ سويًا، فتقابل على بابها مع “عاصم” و “حكمت” فنظر كليهما له بازدراءٍ، بينما هو ابتسم لهما، فسأله “عاصم” بسخريةٍ:
_غريبة جاي كدا عادي ؟؟ قولت مش هتقدر تعتب هنا علشان كدا ممنعتش دخولك، قولت مش هتيجي.

 

رد عليه بثباتٍ يمتزج بالوقاحة:
_ليه هي كانت قاعة زفاف أمك ولا إيه ؟؟.
ظهر الشرر في نظرات “حكمت” من فرط وقاحته، بينما “عاصم” قبل أن يقترب منه أتى “سامي” و معه “نادر” ابنه وما إن أبصره في المكان سأل بدهشةٍ:
_بتعمل إيه هنا ؟؟ محدش عزمك.
تحدث “نادر” ببرودٍ يقصد إثارة استفزازه:
_خليه يا بابا، طبيعي ييجي يحضر مش أخو العريس و هيكون عم عيالي ؟؟.
انتبه له “يوسف” فابتسم بثقةٍ يقصد قوله الآتي لذلك نطقه بدون تمهل:
_و خالهم كمان، ماهي العروسة عِشرة عمر برضه مش معرفة يوم والسلام .
هم من أرادوا اللعب بالنار وهو أمهر اللاعبين بها، كلما أردت إحراقه تفاجئت به يغوص في تلك النيران كما السباح في المياه، ثم يخطفك جولة وسط تلك النيران، تصبح أنتَ المُتأذي الوحيد بها.
قبل أن يقترب منه “نادر” يبدأ التشاجر معه أوقفته “حكمت” بقولها وهي تتابع نظرات الناس حولها:
_بس !! الناس بتبص علينا عيب كدا، منظرنا هيبقى وحش ومش عاوزة حد يتكلم، تعالى جوة يلا.
سحبت “نادر” من أمامهم، بينما “يوسف” دلف لقاعة الزفاف بشموخٍ و يجاوره “إسماعيل”.

 

بعد مرور دقائق نزلت العروس من الدرج أعلى القاعة و نزل “نادر” من الجهة الأخرى ليتقابلان في المنتصف ويمسك يدها يُقبلها أمام الجميع ومنهم “يوسف” الذي استمع لصوت القبضة التي تعتصر قلبه وهو يرىٰ الأخر يتمتع بكافة حقوقه حتى حق قلبه.
نزلا حتى نهاية القاعة وهي تبتسم بوجهٍ مقتضبٍ حتى تقابلت نظراتهما سويًا، فاتسعت عينيها لا تصدق أنه هنا، يقف أمامها كما البقية، أدركت في تلك اللحظة خطئها ولكن قد سبق السيف العزل.
وصل المأذون للقاعة فتحدث “سامي” بلهفةٍ بعدما رأى نظراتها له:
_يلا يا جماعة علشان كتب الكتاب، اتفضلوا اقعدوا، اتفضل يا مولانا.
جلس المأذون حيث أشار الأخر و على يمينه “نادر” و على يساره “نزيه” والد العروس فتحدث المأذون مُستفسرًا:
_الشهود فين يا جماعة.
اقترب “يوسف” ببطاقته الشخصية يجلس على المقعد المجاور لـ “نادر” وهو يبتسم بثقةٍ و جلس “إسماعيل” على المقعد المجاور لـ “نزيه” ومعه بطاقته وهو يقول بسخريةٍ:
_اتفضل يا مولانا بطاقة نضيفة وكله تمام، كان فيه محضر بس خلصناه الحمد لله، حاجة نضيفة.
تسبب في احراجهم، لذلك ضحكوا رغمًا عنهم على سخافته، بينما “شهد” رفعت عيناها تسأله بنظراتها هل ما تراه صحيحًا ؟؟ يشهد على عقد قرانه على غيره؟ هل سيستطع فعلها بكل قسوة؟؟
التفت ينظر لها بسخريةٍ وكأنه يقول لها أنها من سبقت وأخرجت قسوته، فلا يجب أن تلومه هو بعدما خانت الوعود التي قطعتها له.

 

بدأ المأذون عقد القران وسط النظرات الساخطة والناقمة و الحاقدة، والآخرى المرتخية لكل ما يصير حولها، لكن السؤال هنا هل بين ليلةٍ وضحاها ينقلب كل شيءٍ رأسًا على عقبٍ، تتبدل أدوار المسرحية ليصبح بطلها خارج إطار التصوير، وأخرٌ له دورًا ثانويًا يصبح الشخص الرئيسي؟؟ خذلانه عند إعلانها زوجة لِـ “نادر” كمن ركض خلف حلمه وما إن أوشك على إمساكه التفت ذلك الحلم ليُعلن نفسه كابوسًا يقارنه في كل ليلةٍ.
انتشرت المباركات و التهنئة بينما هو تنهد بعمقٍ ثم التفت يبارك لهما بنظراتٍ خاوية وتحرك بعدها خارج القاعة يتنفس الصعداء فاقتربت منه صديقتها في الخلف تقول بنبرةٍ حزينة:
_”يـوسف”
التفت لها فابتسم بهدوء ثم قال:
_ازيك يا “نور” عاملة إيه ؟؟
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بلهفةٍ:
_مش جاية أبرر حاجة ولا ادافع عنها بس أنا جاية علشانك، أنتَ كويس ؟؟
رد عليها بهدوء:
_أنتِ شايفة إيه ؟؟
تنهدت بعمقٍ ثم قالت:
_شايفة إنك زعلان ودا حقك، مش هقدر أقولك متزعلش نفسك، بس إن شاء الله ربنا يكرمك في مكان تاني بظروف تانية محدش عارف.
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم لها، فسألها بسخريةٍ:
_دا اللي كنت بتحبيه من وانتم صغيرين ؟؟ ذوقك وحش اوي.

 

مسحت دموعها ثم قالت بقلة حيلة:
_الحمد لله إن محدش عارف غيرك، بس صدقني من بدري وهو مش في دماغي أصلًا، لو زعلانة أنا زعلانة على نفسي.
لاحظ اجتماع الشباب بالداخل، فمد كفه لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_تعالي بقى نرقص رقصة الوداع.
ابتسمت له من بين دموعها ثم مدت له كفها ليقبض عليه، ثم دلف لساحة الرقص يرقص معها و “شهد” عينيها تتابعه فيبدو أنه تفنن في تعليمها الانتقام لنفسه.
بينما هو تجاهلها تمامًا و أمعن كامل تركيزه مع “نور” حتى نهاية الرقصة، فتركها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_معلش بقى استغليتك، مبعرفش أكدب على حد.
حركت رأسها موافقةً وهي تبتسم له ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
_ولا يهمك، عارفة المهم انك تكون ارتاحت شوية.
ابتسم بسخريةٍ ثم مد يده لها يقول بنبرةٍ هادئة:

 

_مع السلامة يا “نور” أشوف وشك على خير مع واحد يستاهلك بجد مش واحد زي “نادر”.
حركت رأسها موافقةً فتحرك هو نحو “إسماعيل” ثم أشار له حتى تبعه الأخر و رحلا سويًا من المكان، تاركًا “شهد” خلفه تتأكل من الغيظ بعدما حضر زفافها وشَهد على عقد قرانها !! قوته وصلابته تخبرها إنها مهما فعلت لن تستطع التغلب عليه مهما حدث، فبدت هي الجانية وهو من تحرر من قيدها.
( عودة إلى الوقت الحالي)
خرج “يوسف” من شرود على وقوف “عاصم” أمامه فوق سطح البيت، فابتسم بسخريةٍ ثم أرجع ظهره خلفًا وأخرج سيجارته يُشعِلها وهو يقول:
_خير يا عمو ؟؟ جاي تطمن عليا؟
رد عليه الأخر بتهكمٍ:
_بإمارة إيه إن شاء الله؟؟
حرك كتفيه ببساطةٍ فصعد في تلك اللحظة “فيصل” وهو يقول بصوتٍ عالٍ:
_يا بشمهندس “يوسف” جيبت لحضرتك الأكل أهو اتفضـ….
بتر حديثه حينما رآى “عاصم” أمامه، فدلف بخوفٍ يضع الطعام أمام “يوسف” فتحدث بنبرةٍ هادئة متجاهلًا عمه:
_تسلم إيدك يا غالي، تعالى بقى كُل معايا و شجعني يلا.

 

وزع “فيصل” نظراته بينه وبين عمه ثم نطق بتلعثمٍ:
_تـ…تسلم يا حبيبي، سبقتك، ممكن “عاصم” بيه يقعد ياكل معاك.
ابتسم “يوسف” بسخريةٍ ثم فتح الحقيبة البلاستيكية وهو يقول بتهكمٍ:
_يا راجل ؟؟ بقى دا أكل يليق بـ “عاصم” بيه ؟؟ دا يوم ما يحب ياكل حاجة، بياكل مال اليتيم.
استشاط “عاصم” من الغيظ وبدا كأنهما في حلبة مصارعة، فتحرك “عاصم” من أمامه بخطواتٍ واسعة ليوقفه “يوسف” بقوله:
_”عاصم” بيه ؟؟
التفت له، فرمىٰ له “يوسف” زجاجة مياه بلاستيكية التقطها الأخر بسرعةٍ، ليغمز له “يوسف” وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_دا علشان تعرف تبلع ورثي اللي كلته.
ضغط “عاصم” على الزجاجة ثم ألقاها له من جديد متعمدًا اصابته بها، لكن الاخر أخفض جسده لليسار حتى مرت الزجاجة من فوقه، واصطدمت بحامل الزهور خلفه، فازدادت ضحكات “يوسف” وهو يقول:
_معلش بقى العضمة كبرت، إلا قولي صحيح، “مادلين” مراتك عاملة إيه مش باينة بصحيح.
التفت له “عاصم” يقول بضجرٍ:
_مالكش دعوة، خليك في حالك، أنا عمري سألتك كنت فين وبتعمل إيه؟؟

 

رد عليه “يوسف” بنفس طريقته:
_و أنـتَ مــال أمــك؟.
تحرك “عاصم” من أمامه يضرب الأرض بخطواتٍ واسعة، جعلت “يوسف” يتنهد بعمقٍ ثم رفع رأسه لـ “فيصل” يقول بسخريةٍ:
_قول للمدام بقى متجيبش مسحوق للمسح، أنا هنا همسحلك بكرامة اللي خلفوهم البلاط.
ضحك “فيصل” ثم تحرك من أمامه بعد ربت على كتفه، فنظر “يوسف” للطعام بشهيةٍ مفتوحة وهو يقول:
_الواحد على كدا يرن “سامي” علقة كل يوم علشان نفسه تتفتح كدا..
_________________________
في اليوم التالي في حارة العطار وتحديدًا بداخل بيته.
جلست “آيات” بجوار “إياد” و “أبانوب” و “كاتي” ذلك الصغيرين أبناء شقيقة “بيشوي” تتابعهم بنظراتها ولا شك أن الحزن بدا واضحًا على ملامح وجهها، كانت تجلس بشرودٍ وهي تفكر في موعد الزفاف الذي التغى بعدما شارفت على التجهيز لذلك اليوم كغيرها من الفتيات، حزنها أكثر بسبب عدم تمسكه بها، كانت تنتظر منه اثباتًا واحدًا يقول من خلاله أنه حقًا يحبها هي لشخصها، لكن كل ذلك لم يحدث.
صدح صوت جرس الباب فانتبهت هي له وأن الباب لم يُتفح حتى الآن لذلك تحركت والصغار يلعبون مع بعضهم في الحديقة، بينما هي دلفت للنصف الأخر من البيت تفتح الباب بعدما وضعت خمارها.
تفاجئت بـ “مهرائيل” أمامها و “مارينا” شقيقة “مهرائيل” فتحدثت الأولىٰ بحنقٍ:

 

_جيبتلك أختي أهو و معايا ولسه الباقيين جايين علشانك، أقسم بالله هنروق عليكِ، سيبيلنا نفسك بس.
نظرت “آيات” لهما ببلاهةٍ، فدلفت “مارينا” تقول بنبرةٍ هادئة:
_زعلانة ليه بس ؟؟ مش حرام الوش دا يكون زعلان، صدقيني هو اللي خسران، مين يطول “آيات” و قلبها الجميل.
ابتسمت لها “آيات” فدلفت “مارينا” تحتضنها، و وقفت “مهرائيل” تتباعهما بحبٍ وهي تقول:
_قوليلها الخايبة دي.
بعد مرور دقائق قليلة ارتفعت صوت غناء الفتيات و تصفقياتهن، و الصغار معهن و جاورتهم “وداد” مدبرة البيت حتى انتبهت لصوت الباب يُفتح، فانسحبت من وسطهم، لتتقابل مع “أيوب” في الخارج فسألته بتعجبٍ:
_خير يا أستاذ “أيوب” فيه حاجة
ابتسم لها ثم أردف مُفسرًا:
_لأ أبدًا جاي بس أغير هدومي ورايح محل المُعز، عاوزة حاجة من هناك ؟؟.
حركت رأسها نفيًا وهي تبتسم له بينما هو التقط بسمعه أصوات الغناء و التصفيقات، فسألها بتعجبٍ:
_هو فيه حاجة جوة في الجنينة؟
ردت عليه بنبرةٍ ضاحكة:
_لأ أبدًا، دي الآنسة “مهرائيل” و أختها الله يكرمهم جُم يهونوا على الآنسة “آيات”، تحب أقولهم إنك هنا ؟؟
ردعها عن الحركة وهو ينطق بلهفةٍ:

 

_لأ لا بلاش، خليهم يفرحوا بلاش تنكدي عليهم، عن اذنك هطلع أغير هدومي ومتعرفيهمش أني هنا علشان يكونوا على راحتهم، تمام ؟؟.
حركت رأسها موافقةً فيما صعد هو نحو الأعلى حيث غرفته في شقة والده لكي يُبدل ثيابه، فصدح صوت هاتفه برقم فتاةٍ جعلته يرد بلهفةٍ يقول:
_أيوا يا آنسة، خير حصل حاجة؟؟
ردت عليه بنبرةٍ أقرب للبكاء:
_أنا كلمتك يا أستاذ “أيوب” علشان عارفة إنك هتحميني، “سعد” اتعرضلي تاني والمرة دي هددني أنه لو موافقتش ارجعله هيرمي في وشي مية نار زي ما حصل قبل كدا، أنا خلاص تعبت.
تنهد بضجرٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_هدي نفسك يا آنسة و متقلقيش، النهاردة إن شاء الله حقك هيرجع واط أنا بنفسي اللي هرجعهولك قدام حارة العطار كلها، اتفقنا ؟؟
ردت عليه بنبرةٍ ظهرت بها الراحة:
_اتفقنا، ربنا يكرمك إن شاء الله و اشكرلي الحج “عبدالقادر”.
أغلقت معه، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم قال بضيقٍ:

 

_ضاقت بيك الدنيا يا حج علشان تديها رقمي ؟؟.
_________________________
في حارة العطار تحديدًا شقة والدة “تَيام” كانت والدته تقوم بسرد الأرز تنتقي منه الفاسد، بينما هو اقترب منها يقول بنبرةٍ هادئة بعدما فكر في الموضوع:
_معلش يا ماما عاوز اتكلم معاكِ في حاجة مهمة، ينفع ؟؟.
حركت رأسها موافقةً وانتبهت له، فيما قال هو بثباتٍ:
_أنا هسيب الشغل عند الحج “عبدالقادر” مش هقدر أكمل معاه، وأنا عاوز اتجوز بنته، نفسي مش جايباني أعملها دي.
تنهدت بضجرٍ ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
_طب و العمل ؟؟ هتروح فين يعني لما تسيبه ؟؟ دي الناس كلها عارفة أنه بيعاملك زي ابنه، وأنك واحد من عياله، ليه كدا تزعله منك ؟؟.
جاوبها مُفسرًا بنبرةٍ هادئة:
_علشان أقدر أطلبها منه، هسافر حوالي سنة كدا وأرجع أطلبها، أنا خلاص بجهز الورق.
انتبهت له و لمعت العبرات في عيناها وهي تقول بصوتٍ متهدجٍ:

 

_اخس عليك يا “تَـيام” كدا عاوز تسافر وتسيبني لوحدي ؟؟ هونت عليك إنك تمشي و تسيبني.
اقترب منها يحتضنها وهو يقول بأسفٍ:
_عمرك ما تهوني عليا أبدًا يا “نجلاء” بس أهو حل مؤقت ومش هاخد أي خطوة غير لما أرجع للحج الأول، بس اكيد مش هقوله على موضوع بنته دا، ماشي ؟؟
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة فقبل هو رأسها ثم احضتنها من جديد.
“في محل العطار الرئيسي”.
كان “عبدالقادر” يرتدي نظاراته الطبية الخاصة بالقراءة، فدلف له “تَـيام” يُلقي عليه التحية، فاعتدل الأخر في جلسته وخلع نظاراته وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_قولت هروح أغير وأرجع تاني اتأخرت ليه يا أستاذ ؟؟.
رد عليه بحرجٍ منه:
_معلش بس كنت بظبط حاجة كدا و مستني مكالمة مهمة، خلصتها وجيت يا حج.
ابتسم “عبدالقادر” بسخريةٍ وهو يقول:
_مكالمة “ممدوح” علشان ورق السفر ؟؟

 

اتسعت عينيه بدهشةٍ فيما قال “عبدالقادر” بثقةٍ:
_مشكلتكم كلكم محدش فيكم عارف أني فاهمكم كلكم، عاوز تسافر ؟؟ خلاص هونا عليك كلنا ؟؟ بلاش أمك نفسها هانت عليك؟؟
تنهد “تَـيام” ثم جلس أمامه يقول بنبرةٍ مُتخبطة:
_أنا مش عاوز أسافر طمع، عاوز أسافر علشان أكافح بنفسي، عاوز أعمل اسم ليا كبير يليق بكل اللي يعرفني، صدقني مش طمع والله العظيم.
ابتسم له “عبدالقادر” ثم قال بثقةٍ وشموخٍ:
_عارف أنه مش طمع، بس عبط، أنتَ عبيط، فاكر إن الإنسان بفلوسه واسمه، ونسيت إن أهم حاجة أدبه و علاقته بربنا، مين قالك إنك متليقش ؟؟ أنتَ تشرف أي حد، ولو عندي شك فيك إنك ملاوع أو حتى طماع، كان زماني طردك من هنا، بس كل الناس عارفة إنك من عيلة “العطار” يعني معاك خِتم النسر بحاله.
ابتسم له “تَيـام” ثم قال بنبرةٍ متأثرة من حديث الأخر:
_ربنا يخليك لينا يا حج.

 

قبل أن يرد عليه دلف أحد الرجال وهو يقول بتوترٍ:
_مساء الخير يا حج، أنا المحامي اللي “شكري” أخو مدام “أماني” كلمني علشان أرفع قضية على الأستاذ “أيهم”.
انتبه له “عبدالقادر” و كذلك “تَـيام” الذي ظهر على وجهه الاندهاش مما وصل لسمعه.
بعد مرور دقائق دلف “أيهم” و معه “بيشوي” للمحل بعدما أرسل لهما “عبدالقادر” يريدهما في مقابلةً هامة، فتحدث “بيشوي” بتعجبٍ:
_خير يا حج ؟؟ فيه إيه؟؟
رد عليه بقلة حيلة:
_اقعدوا بس، علشان عاوزكم ضروري.
جلس “بيشوي” و “أيهم” بجواره فأشار “عبدالقادر” للمحامي ليتكلم، فحرك الأخر رأسه موافقًا ثم بدأ حديثه بأسفٍ يقول:
_للأسف الأستاذ “شكري” كلمني النهاردة علشان أقابله ولما اتقابلنا قالي ارفع قضية نفقة الزوجة على الأستاذ “أيهم” أنه مبيصرفش عليها وأنه سايبها في بيت أهلها و قالي لو يعمي ينفع أرفعله قضية حضانة، علشان ياخدوا منه “إياد” بالقانون.
انتصب “أيهم” في وقفته كما المضروب فوق رأسه، فيما جاوره “بيشوي” وهو يقول مندفعًا بنبرةٍ جامدة لأجل رفيقه:
_مين دا اللي مبيصرفش عليها ؟؟ حتى وهي غضبانة مصروفها بيروحلها أنا بأيده بنفسي كل يوم وببعته ليه وللحج، هيكدبوا الكدبة و يصدقوها ؟؟؟.

 

اقترب “أيهم” يمسك تلابيب المحامي وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_أقسم بالله لو فكرت تعمل حاجة من دي لأكون جايب راسك بأيدي معلقها هنا، فاهم ؟؟
_”أيـــهــم” !!
صرخ بها “عبدالقادر” بنبرةٍ جامدة جعلت قبضتاه يرتخيان عن الأخر، فيما قال “عبدالقادر” بأسفٍ للأخر:
_معلش يا فندم، هو بس انفعل شوية علشان اللي حصل واللي سمعه، وأكيد حضرتك مش هتعمل حاجة.
رد عليه بلهفةٍ:
_يا حج لو عاوز أعمل كنت روحت من غير ما أجي هنا، بس حضرتك صاحب فضل عليا وعلى أبويا بعد ربنا، علشان كدا جيتلك أبلغك.
تحدث “تَيـام” في تلك اللحظة بقوله مُتلهفًا:
_لو كلامك بجد يبقى تسمع كلامي في اللي هقوله ليك، كدا كدا هما عارفين إنك مش هترفع القضية ولو رفعتها هنخاف على سمعتنا و ساعتها هندفعلهم فلوس، كلمه وقوله يجيب أخته وييجي هنا، دا بعد اذنك يا حج طبعًا.
حرك رأسه موافقًا، فيما نطق “أيهم” بنبرةٍ جامدة:
_لو جت هي ولا أخوها قدامي أنا هموتهم، سامعين؟؟

 

تدخل “بيشوي” يقول بنبرةٍ عالية يردع بها الأخر عن ما يريده:
_ ما كفاية واهدا شوية، قولنا هنتصرف ومحدش هيعمل حاجة ليك ولا حتى لابنك.
أشار “تَـيـام” للمحامي حتى يتحدث مع الآخر فأمتثل لمطلبه بتوترٍ.
كانت الأجواء مشحونة بعد تلك المكالمة، والتوتر يسود الموقف، حتى دلف “شكري” بشقيقته وهو يقول بطريقةٍ خَشِنة:
_سلام عليكم، خير يا حج؟؟
أقترب منه “أيهم” يسأله بجمودٍ:
“وهييجي منين الخير يا وش الفقر أنتَ وأختك ؟؟ عاوزين ترفعوا عليا قضية ؟؟ أنا مبصرفش عليكِ ؟؟ أنا ؟؟ بس هقول إيه ؟؟ قليل الأصل لا بيتعاتب ولا بيتلام، في أول بيعة تقابلك قوله سلام.
أخفضت رأسها للأسفل، فسألها “عبدالقادر”:
_أنا هسألك في كلام تقفي تتحاسبي عليه إن كدبتي فيه، ابني دا مبيصرفش عليكِ ؟؟ ومليش دعوة بأهلك كدا كدا دي حاجة مننا لله، أنا بتكلم عليكِ عمره بخل عليكِ بحاجة قبل كدا.
حركت رأسها نفيًا بخزيٍ منهم، فقال “عبدالقادر” بنفس الجمود:

 

_يبقى حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ طالما بتتبلي علينا، بالنسبة بقى لموضوع الحضانة دا تنسيه تمامًا وأنا هكتفي بس إنك تيجي تزوريه في البيت عندنا، لكن يروح بيتكم مستحيل يحصل.
تحدث “شكري” بطريقةٍ سوقية:
_يعني إيه يا حج ؟؟ هتحرموا أختي من ضناها، طب وحقها فيه؟؟
تحدث “تَـيام” بثباتٍ بعدما تدخل في الحديث:
_أختك بنفسها اللي اتنازلت عن حقها فيه، مش منطقي يعني تيجي دلوقتي تطلب ابنها.
رفع “شكري” رأسه يقول بهدوء:
_خلاص اللي مش بايع يشتري.
تحدث “أيهم” بجمودٍ:
_نـعـم !! يعني إيه؟؟.
التفت له يقول بثباتٍ:
_شوف هتدفع كام وتاخد “إياد” ليك ومبروك عليك يتربى في عزك.
يبدو الحديث كما إلقاء الجمر على الأجساد، انصدم “أيـهم” والتفت لها ينتظر منها أن تنفي قول أخيها لكن نظرتها قالت إنها موافقة على ذلك، لذا وقف أمامها يسألها بضياعٍ:

 

_الكلام دا أنتِ موافقة عليه؟؟
لم تقو على مواجهته أو حتى النظر له، بينما هو سألها بجمودٍ:
_ردي عليا ؟؟ الكلام دا صح؟؟
لم تنطق أيضًا فرماها هو بنظراتٍ ناقمة ثم قال بثباتٍ:
_شوف عاوز كام علشان مشوفش أشكالكم دي تاني.
تحدث “شكري” بثباتٍ لم يكن بمحله:
_نص مليون جنيه ومبروك عليك “إياد” خلاص مش كدا يا “أماني”
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة، فوصلهم صوت تكسير الزجاج على الأرض ولم يختلف كثيرًا عن صوت التكسير في قلب الصغير “إياد” الذي رأى والدته تتخلى عنه مقابل المال، فنزلت دموعه على الفور وركض من المكان بعدما تشوشت الرؤية أمامه دون أن يستمع لصوت ندائهم المتكرر و صرخاتهم باسمه.
_________________________

 

“في منطقة الزمالك”
جلس “يوسف” يتصفح هاتفه و خاصةً موقع “تويتر” المفضل له فجال بخاطره جملةٌ فتح خانة التجديدات ليكتبها، تنهد بعمقٍ ثم كتب:
_طلعت مش مسألة خير وشر، كل اللي أمنتلهم سابوني في عرض البحر.
أنهى كتابة تلك الجملة وبعد مرور دقائق وصله تعليقٌ عبر ذلك التطبيق من أحد أصدقائه اللذي يُدعىٰ “ياسين الشيخ” كاتبًا:
_والله ؟؟ طب تمام المرة الجاية بايدي دي هرميك في وش الموج.
ابتسم “يوسف” ثم كتب له في التعليقات:
_متظلمنيش، أنا بقول كل اللي أمنتلهم، أنا أنتَ لسه مأمنتش ليك.
وصل التعليق للأخر فكتب له:
_مش أنا اللي هرد عليك، أنا هجيب حد تاني يرد عليك، أظن عارف لو هو رد هيقولك إيه ؟؟.
ارتفع صوت ضحكاته لأول مرّة في ذلك البيت منذ وصوله إلى هنا فانتبهت له “شهد” التي كانت تتحدث في هاتفها بينما هو قبل أن يكتب من جديد وصله صوت عمته وهي تقول بنبرةٍ أقرب للصراخ:
_”سامي” !! مين عمل فيك كدا.
فهم مقصد حديث عمته لذلك تشكل العبث على ملامحه وأغلق هاتفه يضعه في جيبه فاقتربت “شهد” من “سامي” تسأله بتعجبٍ:

 

_مالك يا عمو ؟؟ مين عمل فيك كدا ؟؟ حد اتعرضلك ؟؟
قام “يوسف” بثقةٍ يضع كفيه في جيبي بنطاله، فيما نطق الأخر وهو ينظر له بشرٍ و وجهه تُغطيه الكدمات:
_تــور…..اللي اتعرضلي كان تور.
رددت “فاتن” خلفه بتعجبٍ:
_تور ؟؟ وهو التور جالك منين إن شاء الله ؟؟ تلاقيك مسكتله حاجة حمرا.
تدخل “يوسف” يقول بسخريةٍ مرحة قاصدًا إثارة استفزاز الأخر:
_أو كان لابسله حاجة حمرا، محدش عارف.
التفت له “سامي” يقول بضجرٍ وقد فاض به الكيل:
_طب والله كويس أنه معترف أنه تور.
اقترب منه “يوسف” أمامهما يغمز له ثم قال بمراوغةٍ:
_مش أحسن ما يعترف أنه كان لابس حاجة حمرا ؟؟.

 

صدح صوت جرس الباب ففتحته مدبرة البيت لتطل منه امرأةٌ في غاية الجمال، جسدها ممشوقًا، خصلاتها صفراء مموجة لم يبدو عليها السن كأنها في العقد الثالث من عمرها، بل في الحقيقة هي في أواخر العقد الرابع، دلفت لهم تسحب حقيبة سفرها خلفها.
انتبه لها الجميع، بينما هي ما إن أبصرت “يوسف” أمامها قالت بنبرةٍ جامدة:
_أنتَ إيه اللي جابك هنا تاني؟؟ مش كنا خلصنا منك خلاص؟؟
التفت لها يقول بتبجحٍ:
_وأنـتِ مـال أمـك؟؟.
صرخت بغيظٍ منه، بينما هو نظر لها بسخريةٍ، حتى قالت بنبرةٍ جامدة وطريقةٍ مُتعالية:
_ياريت تحترم الفرق ما بينا وتعرف أني مرات عمك، وكل واحد رده بيعبر عن بيئته وأتمنى يعني أنك ترد عليا باحترام لو شوية.
هل تقصد إهانته وتهين بيئته و تربيته ؟؟ إذا كانت تقصد ذلك فعليها بتحمل النتيجة، لذلك وقف أمامها كما يُقال العين بالعين ورفع رأسه يقول بسخريةٍ:
_تتمني أرد عليكِ باحترام ؟؟ والله مش ذنبي إنك شخصية مُهزئة محدش اخترمك قبل كدا لدرجة خليتك تتمني حد يحترمك، ومع ذلك ليكِ مني كامل الاحترام والتقدير مهما كان أنتِ مرات عمي ونفسك حد يحترمك.
طريقته الواثقة وحديثه المُقنع الباهر في سحب الكرة لملعبه، و تحويل الأمور لصالحه مهما كان الأمر تجعل من يقف أمامه يتراجع عن محاولة استفزازه متقهقرًا حتى يحافظ على كرامته لو بجزءٍ إذا بقى في قاموسهم مُصطلح الكرامة.

يتبع….

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية غوثهم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى