روايات

رواية غوثهم الفصل الرابع والأربعون 44 بقلم شمس محمد

رواية غوثهم الفصل الرابع والأربعون 44 بقلم شمس محمد

رواية غوثهم الفصل الرابع والأربعون

رواية غوثهم البارت الرابع والأربعون

رواية غوثهم
رواية غوثهم

رواية غوثهم الحلقة الرابعة والأربعون

“رواية غَـــوثِـهِـمْ”
“الفصل الرابع والأربعون”
“يــا صـبـر أيـوب”
__________________
ربي جئتُكَ عن حالى كما الغريب
أود منك الرحمة وأنتَ للسائل مُجيب
اسألك وإن كنتُ لا استحق سؤالك
لكنكَ الرحمٰن ولروحي الحبيب
ربي أعوذ بكَ مني فإني عَدوي
فأعني على نفسي إن حالى لغريب
وأنتَ يا عظيم..
أنتَ يا عظيم للسائل مُجيب
وفي القلب يسكن حُبك يا حبيب.
_”غَـــوثْ”
__________________________________
بدأت القصة من وصفٍ غريب،
ذاك الوصف الذي تم به وسم الغريب
أنا من لا تعرفه بلدة ولا يرجع له وطنٌ ولا يقربه حبيب
أنا من تغربتُ عن حالي حتى أصبحت عن نفسي كما الغريب، أنتظر شروق الشمس في وطني
وأنتِ يا كُلي بكل وطني، فأنتِ الهوية في حين كوني الغريب، وكما قِيل في سالف الزمان:
“إذا أتاك غريبٌ، فأكرمه
ومن وصالك لا تحرمه”
وكما أخبرني والدي ذات مرةٍ:
“نُكرم غريبنا بالوصال”
فأين منكِ الكرمِ وأين في قُربكِ الوصال؟.
<“هدفٌ رائع، لم يَمُس مرمانا”>
_أخبارك إيه ؟؟ أحسن؟.
كان هذا سؤال “إيـهاب” لـ “سراج” الذي أومأ له بصمتٍ على عكس ما يشعر به، وعلى الرغم من شكوك “إيـهاب” إلا أنه قرر أن يصمت عن الأسئلة تمامًا،
وعلى جهةٍ أخرى في إحدى البنايات القريبة من محل وقوفهم كان هناك من يراقبهم، ويراقب تجمهرهم سويًا وما إن اجتمعوا مع بعضهم بدوا له وكأنهم صيدٌ سمينٌ، لذا شد أجزاء سلاحه ثم أطلق العيار الناري وهو يبتسم بثقةٍ لتصيب الرصاصة هدفها وسطهم.
أصاب الهدف وفعل ما طُلِبَ منه بالحرف بعدما أصاب العيار الناري وجهته المُرادة ثم أخرج هاتفه وهو يقول بثقةٍ:
_اللي أنتَ عاوزه حصل يا “ماكسيم”.
أغلق الهاتف بعد جملته وهو ينظر لهدفه، فياترى أيٍ منهم هدفه وأيٍ منهم المُراد وأيٍ منهم صاحب الهدف ؟ لم يهمه هو أراد فقط أن يرسل لهم رسالةً ثم نزل وترك مكانه بعدما تمم على حاجتهِ.
في الأسفل سادت حالتي الهرج والمرج في الأجواء بعد صوت الطلقة التي ضُرِبَت بجوار الشباب ولم تُصب أيًا منهم بل فقط خدشت جسد “إسماعيل” تحديدًا بمنطقة الكتف، جرحٌ لم يكن عميقًا وكأن العيار الناري خُصِصَ فقط لهذه الحالة.
كان “إيهاب” حينها كما المجنون وهو يرى دماء أخيه وكفَ عقله عن استيعاب الموقف بل كل ما ظهر أمامه هو صورة أخيه بالدماء وهو يتفحصه حتى نطق “إسماعيل” يُطمئنه بعدما لاحظ توتره للمرةِ الأولى منذ صغرهما:
_أنا كويس، والله كويس متقلقش.
رفع “إيـهاب” عينيه من على موضع الجرح ثم استقر بنظراته المُشتتة على وجه أخيه وهو يقول بنبرةٍ مُحشرجة:
_بجد !! حاسس بوجع طيب ؟؟.
حرك الأخر رأسه نفيًا ورغمًا عنه ابتسم بحبٍ وبمشاعرٍ استثارت بداخله فور رؤيته لحب أخيه المُتصلد، ولم تزداد مشاعره إلا تحركًا بعد عناق “إيـهاب” له مُربتًا فوق ظهره وضربات قلبه ترتفع بخوفٍ شديد على “كنزه” كما كان يُدعى في صغره أن “إسماعيل” هو كنزه في رحلة الدنيا، بينما “سراج” رفع عينيه سريعًا يراقب المكان حوله بنظراتٍ ثاقبة يحاول التوصل إلى المكان الذي انطلق منه العيار الناري، لكن بدونِ جَدوىٰ لم تلتقط عيناه أي شيءٍ ولوهلةٍ شردَ في الفاعل لكنه خرج على صوت “مُـحي” وهو يهتف في الحشد المُجتمع بملء صوته:
_خلاص يا جماعة، يلا كل واحد يرجع مكانه، دا سوء تفاهم بس مش أكتر، يلا يا جماعة اتفضلوا تاني، عندي أنا دي.
بدأت الناس تعود إلى أماكنها فلاحظ “مُـحي” فتاةً تقف بجسدٍ يرتجف من الخوف والزعر يبدو جليًا على ملامحها، فاقترب منها يقول بُلطفٍ في محاولةٍ منها لتهدئتها:
_متخافيش، دا ظرف طاريء أهم حاجة إنك متخافيش.
هزت رأسها بذعرٍ عدة مراتٍ خلف بعضها توميء له وقبل أن يعيد كرة الحديث من جديد وجد “إيـهاب” يسحبه من مرفقه كما تُجَر الماشية لساحة القتال وهتف فيه بنبرةٍ محتدة:
_يمين بالله لو ما فوقت معايا أنا هولع فيك،
اللي حصل دا مش سهل ومش هيعدي كدا، ركز علشان لو جت فيك مرة مترجعش تزعل يا حيلتها.
كان “إيهاب” في أوج غضبه وهو يحدثه، لم يظهر خوفه على البقية بل كان الحديث في مجمله هكذا، بينما “مُـحي” راقب تحرك “إيـهاب” من أمامه ثم التفت من جديد فوجد الفتاة ربما تكون غادرت المكان، لذا زفر بحنقٍ شديد وهو يقول بغيظٍ:
_ضيع المصلحة بوشه الفقر.
في مكانٍ أخرٍ أوقف صاحب العيار الناري دراجته النارية في الشارع الخلفي _شبه النائي_ واتضح ذلك من ظلامه وفراغه من العابرين، فنزل الأخر من السيارة يسأله بلهفةٍ:
_ها !! زي ما طلبت؟؟
أومأ له وهو يقول بنبرةٍ هادئة كما برود ثباته القاتل:
_بالحرف، يدوبك بس لمست جسم “إسماعيل”، قولتلك نخليها بجد علشان يخافوا شوية، قولتلي لأ، مش فاهم لازمته إيه جو المسلسلات الهابطة دا.
رمقه “ماكسيم” باشمئزازٍ من طريقته وبدل ملامحه إلى الملل من تفاهة تفكير الأخر وهو يقول بلهجةٍ مصرية غير مُتقنة:
_افهم يا “مُنذر” دلوقتي كل واحد فيهم ليه نقطة ضعف، وكل واحد فيهم لازم يتقرص علشان يخاف، يعني “سراج” بخلاف بنت أخته بس البنت اللي كان بيحبها دي نقطة ضعفه الوحيدة، و زيه كمان “إيهاب”، رغم قوته وشدته بس بيحب أخوه أوي وعنده استعداد يقلب الدنيا علشانه، وبعدها جت “سمارة” الشرقية اللي قدرت تبدله وتبقى نقطة ضعف ليه أكبر من أخوه، و “إسماعيل” بقى !! روحه في أخوه هو كمان، مبيتنفسش غير بأخوه، ولما “سراج” استدرجه المرة الأولى لما أخوه كان مسجون، قاله إن “إيهاب” هيخرج لو عمل كدا، فهمت ؟؟.
نظر له مساعده بحيرةٍ تنطق بتساؤلٍ غير منطوقٍ، فالتقط الأخر نظراته المُستفسرة وهتف بتفسيرٍ ينبع عن ثقةٍ في التفكير ودهاءٍ في اللعب ومكرٍ في الفعل:
_”إسماعيل” بخلاف الموهبة الجميلة اللي عنده، بس هو زي خريطة، خريطة السمان كلها محفورة في راسه، عارف كل بيت بتاريخه بكل حاجة فيه، ولما درس الموضوع دا بقى مفيش منه اتنين، لما نضغط عليه بأخوه هيوافق، و “سراج” هو الوسيط، واد بتاع كلام يقعد مع صاحب البيت خمس دقايق، الدقيقة السادسة يكون العقود اتمضت كمان، بس لما حب خاب، كلهم عندهم نقطة ضعف واحدة وهي الحب، إلا “يوسف” الوحيد اللي ملهوش مالكة.
اتضحت الحيرة جليةً على ملامح الأخر وبدا مُستنكرًا لما يُلقى على سمعه وسأل بنبرةٍ تغلفها الحيرة:
_”يوسف” !! دا هينفعك بإيه أصلًا؟؟.
ابتسم “ماكسيم” بأعين نطقت بخبثٍ لم تشوبه شائبة براءة قط، بل ازدادت قتامتها وهو يهتف بنفس المكر:
_”يوسف” قوي وصاحب سُلطة، شخص صوته من دماغه، هما كمجموعة رائعين، ناس زي دي تربية “نَـعيم الحُصري” قوة بدرجة امتياز كمان، مشكلتي إني مش لاقي نقطة ضعف لـ “يوسف”، قوته مُرعبة دا لو أقنع أي حد أنه يسيب بيته محدش هيقوله لأ، غير كدا صاحب نفوذ وعنده راس مال قوي، يعني محدش هيسأله عن حاجة، فهمت يا “مُنذر” ؟؟.
أدرك مقصد الأخر وفهم تفكيره ولم ينكر إعجابه بمدى تفكير الأخر، على الرغم من كونه مساعده الأمين وبمثابة ذراعه الأيمن، لكنه في كل مرةٍ يُذهل بقدر الأخر في التفكير، لذا حرك رأسه موافقًا وهتف بنبرةٍ مؤكدة:
_وأنا معاك في أي حاجة يا “ماكسيم”.
ابتسم الأخر له ثم مد ذراعه أمامه بورقة مالية أو كما يُقال “شيك مصرفي” التقطه الأخر بثباتٍ وهو يراقب تحرك الأخر نحو سيارته يلج داخلها بنفس غرور شخصيته كما نزل منها، بينما الأخر راقب المبلغ المكتوب ثم ركب دراجته النارية وعاد كما كان بفراسة الصياد الماهر.
__________________________________
<“عَصفورٌ وُضِعَ فِي خَانةِ اليَكَ لِيُكسر جناحه”>
وقفت بخوفٍ بلغ أشده بداخلها وكأنها ترتجف كما الفرخ المُبتل في ليالي الشتاء أسفل المطر بدون مأوىٰ، لكن الخارج عكس كل هذا تمامًا، لاحظت نبرة عمها المُحتدة وكأنها مُتهمة تُلقىٰ عليها التُهمِ:
_نعم ياعمي ؟ حضرتك بتكلمني كأني مُتهمة، وإيه الطريقة دي ؟ أظن أنا جاية من برة كنت في مشوار، خير إن شاء الله.
هتف عمها الأخر بنبرةٍ جامدة تهكمية ردًا عليها:
_كل خير إن شاء الله، حضرتك كنتي فين؟.
رغم أن طريقته غريبة لم تُدخل الراحة لقلبها لكنها استعادت ثباتها وهي تقول بنبرةٍ قوية نبعت عن حقها:
_ كنت في مشوار مع ولاد عم “عبدالقادر العطار” أستاذ “أيـهم” و ابنه الصغير “إيـاد” ومعانا “آيات” أخته كمان، خير وإيه سبب السؤال إن شاء الله ؟؟.
تدخل “بهاء” ينطق بتهكمٍ ردًا عليها ومُضعفًا من موقفها:
_ولاده برضه ؟؟ ولا ابنه وحفيده يا مدام يا محترمة؟.
لاحظت رميه لها بحديثٍ وقح يتوارىٰ خلف كلماته المسمومة بأفكارٍ مشوهة:
في إزاي تقول كدا ؟؟ أحترم حدودك يا “بهاء”، قصدك إيه بكلامك دا ؟؟ شكلك نسيت نفسك ونسيت أنتَ بتكلم مين؟.
أبتسم بسخريةٍ وهتف يُزيد من شرارة الموقف:
_أنتِ اللي ناسية نفسك، سارحة ورا ابن “العطار” ومع العيل الصغير وناسية اللي عليكِ، ناسية إنك هنا شايلة مسئولية أبوكِ ودا كان قرارك، إنما نيجي نزوره نلاقيه تعبان وحضرتك برة ونسأل يقول أصلها خرجت؟!! لو مش مقدرة اللي عليكِ يبقى سيبيه لحد قده.
برقت نظراتها وكأن بؤبؤاها توقفا عن الحركة تمامًا لا تُصدق أنه يتهمها صراحةً في شرفها بدون أي مراعاة لها ولرابطة الدم بينها، وبدلًا من الدفاع عنها من قِبل أعمامها ووالدها تلقت الصدمة على هيئة صمتهم فالتفتت لوالده تسأله بنبرةٍ مُحتدة اتضح بها القهر وهي تُعاتب عمها بقولها:
_أنتَ مش هترد على ابنك يا عمي ؟! ماترد على البيه، نسي أني بنت عمه ونسي أخلاقي وشرفي، لو حضرتك مش هترد هرد أنا، علشان واضح كدا إن الأصول هنا بعافية.
وقف عمها واقترب منها يقف بثباتٍ يُكمل ما بدأه ابنه وهو يقول بتهكمٍ وطريقة حديثٍ لا تليق بقرابته معها وكأنه أحد الغُرباء ينهش في لحم الغريب:
_لأ هو دمه حُر بيتكلم صح، أنتِ اللي ناسية نفسك وناسية وضعك إنك مُطلقة وإنك ست مش حُرة نفسك وكل خطوة محسوبة عليكِ، سرمحة فارغة وبجاحة مش عاوزين، كفاية فضايح لحد كدا، أظن لحد ما اتطلقتي والكل كان بيتفرج علينا بسبب اختيارك الزفت دا، دلوقتي بقى ماشيالي من دماغك والكل بيتكلم عن الراجل اللي بييجي هنا وتقعدوا مع بعض عيني عينك في المكتب ولا عاملة حساب لحد !! لو كان أبوكِ دلعك فأنا أخوه الكبير وهقطم رقبتك.
نزلت الصدمة على رأسها كوقع مصيبة الطوفان على أهل القرية الآمنين، لذا لم ترد ولم تُعلق أو حتى تُجادل بل نزلت دموعها وحركت رأسها بآلية شديدة تطالع والدها وتستنجد به أن يتدخل فوجدته يقول بخضوعٍ لأخوته كأنه يتعمد كسرها:
_عمك معاه حق، وفتحلي عيني عن اللي ماكنتش شايفه، خروجك و مرواح بيت العطار غلط، وعلاقتك بابنه غلط حتى الواد الصغير برضه شغلك معاه غلط، اسمعي !! من دلوقتي ملكيش شغل غير في مدرستك وبس، ووجودك هنا تحت عيني بحدود يا كدا يا توافقي على الجواز من “بهاء” على الأقل لو حصل و اتكلت على الله يبقى ليكِ راجل من بعدي يقفلك.
هُنا فقط اشتعل لهيب الغضب بداخلها وأشارت على عمها وابنه المجاور له وهي تصرخ بنبرةٍ عالية تُدلي بمقدور قهرها منهم حينما قارنت الدموع قولها:
_ودول هيحافظوا عليا !! اللي واقفين يقطعوا فيا قصادك هيراعوني؟؟ اللي كل همه الشغل والمحلات والفلوس هيفرق معاه بنتك !! أخوك اللي عاوز يكبر عيلته، هيوافق بواحدة مبتخلفش ؟؟ مش دا اللي مراته لما عرفت بموضوع خلفتي شمتت فيا وقالت الحمد لله إننا مخدنهاش، هي ناقصة واحدة معيوبة؟! ما ترد اللي عاب في بنتك وأنتَ موجود هيصونها وأنتَ مش هنا ؟!.
خرج الحديث منها بهيسترية لم تقو على احتوائها أو السيطرةِ عليها، وكأنهم أخرجوا الكتمان من داخلها بعدما حبسته في قلبها أيامي وليالي طوال يُرافقها الوجع والقهر، وعائلتها هي أول من طعنت جرحها، وقد تحدث عمها الثاني بقوله مُشفقًا عليها:
_يابنتي إحنا خايفين عليكِ أنتِ، الناس مبترحمش وأنتِ عارفة الكلام اللي بيتقال، أنتِ طول فترة جوازك محدش كان عارف عنك حاجة وفجأة كدا ظهرتي في السوق مع أبوكِ وفي شغلك في المدرسة وحكاية ابن العطار دي بوخت الدنيا، دا جاي موصلك لحد هنا عيني عينك !! كل دا مش غلط يا حبيبتي ؟؟ مش عاوزين حد يقطع في فروتك.
مشاعر جديدة قاتلة تُضاف إليها، فزاد وجعها وهُم يخبرونها بما عاشته وكأنها ارتكبت جُرما في حقهم حتى قبل نفسها، فكيف تخبرهم أن علاقتها بهذا البيت أصبحت احتياجًا لها وليست رفاهية، كيف تخبرهم أن الصغير هُناك في نظرها كونًا بأفراده، كيف تخبرهم أن “أيـهم” وحده يُطمئنها أنها لازالت أنثىٰ كما غيرها دون أن يعيبها أي شيء، كيف تخبرهم أنها هُنا مقتولة وسطهم دمائها تنزف بداخل جسدها، وكيف تخبرهم أنها حُرِمَت من نعمةٍ تتوق إليها نفس كل امرأةٍ ؟؟ لم يفهم عليها أحدهم لذا تحركت من المكان نحو الجهة الأخرى تدخل غرفتها وهي تبكي دون أن تعطيهم أي رد على حديثهم الفارغ وهذه المرة كما غيرها لم تمتد الأيدي للمسح على ظهرها أو حتى احتوائها وكأن العالم مبتور الأزرع.
كان “أيـهم” جالسًا برفقة شقيقته شارد الذهنِ في مقابلة والدها له وفي نظرات العائلة الغريبة التي رموها به، فمنهم من طالعه بحقدٍ ومنهم من طالعه بعتابٍ وبين هذا وذاك نظرة والدها لم ولن ينساها وكأنه مراهقٌ رآه والد حبيبته وهو يختلس الوصال منها، وقد لاحظت “آيات” تهجم ملامحه فسألته بحيرةٍ من تبدل حاله هكذا في غضون ساعتين تقريبًا:
_مالك يا “أيـهم” ؟؟ مش كُنا كويسين وبنضحك وعمال تهزر مع “إيـاد” ؟؟ حصل إيه خلاك تزعل كدا ؟؟ حد ضايقك أو “نِـهال” حصل حاجة في بيتهم ؟؟.
زفر بقوةٍ ما إن انتبه لحديثها وحرك رأسه يطالع ابنه الذي يلعب بزاوية الأطفال ثم قال بنبرةٍ هادئة لم تفارقها خيبة الأمل أو لربما يُخالطها بؤسٌ:
_مش عارف بس هقولك، حاسس كدا إن فيه حاجة غلط، وحاسس أني اتسببت في مشكلة من غير ما أحس، علشان كدا حاسس بالذنب أو يمكن حاسس أني عكيت الدنيا.
بأعين مُترقبة ونظراتٍ تنطق بقلقها انتظرت منه “آيات” التكملة خاصةً حينما أكد بحديثه أن هُناك ما يُزعجه، فيما استطرد هو حديثه يسرد عليها الموقف ونظرات رجال عائلتها ونبرة والدها التهكمية ثم قال بنبرةٍ حائرة:
_أنا محصلش مني أي حاجة ولا هي نفسها بتدي لحد مساحة يتخطى أي حدود معاها، مجرد علاقتها بـ “إيـاد” علاقة مهمة ليها وهي حاسة أنه بيعوضها عن حاجة مش عندها وهي محتاجة ليها، علشان كدا بتعمد يقربوا من بعض، خصوصًا إن “إيـاد” نفسه بيفرح معاها، خايف نكون ورطناها في حاجة وهي ملهاش ذنب.
تنهدت “آيات” بعمقٍ ثم قالت تُطمئنه بِلُطفها المعتاد:
_مش عاوزاك تقلق خالص ولا تشيل هم التفكير، أنتَ بتقول إن والدها تعب فجأة وأخواته راحوله كلهم، عاوزهم يستقبلوك بالأحضان طيب؟؟ أكيد متوترين وأكيد برضه بنتهم كانت معاك يعني موقف مش ألطف حاجة، متقلقش، وتفائل بالخير.
زفر مُطولًا وهتف بنبرةٍ يائسة يعبر عن لسان حال قلبه:
_للأسف مش قادر، أنتِ مشوفتيش بصتهم ليا كانت عاملة إزاي، كأني عدو ليهم وقاتل قتيل في عيلتهم، علشان كدا مقدرتش حتى أعرض مساعدتي وانسحبت من قدامهم، بصراحة حاسس إنها وقعت في مصيبة بسببنا.
حركت رأسها نفيًا بسرعةٍ ثم وضعت كفها على كفه بحركةٍ تلقائية عند تشديد أزر الآخرين والتهوين عليهم:
_بس دا غلط، التشاؤم وسوء الظن دا كبير أوي وعذاب لنفسك، ربنا سبحانه وتعالى بيقول في حديثٍ قُدسي لتصحيح مفهوم حُسن الظّن بالله تعالى:
قال الله تعالى في الحديث القدسي:
“أنا عند ظَنِّ عبدي بِي”
وقد قال الحافظ ابن القيم ـ رحمه الله ـ :
أي: يظن أن الله تعالى يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعْدَه، ويقبل توبته وأما المُسيء المُصرّ على الكبائر والظُلم والمخالفات؛ فإن وحْشَة المعاصي والظُلم والحرام تمنعه من حُسن الظن بِرَبِّه.
قال الحسن البصري ـ رحمه الله:
“إنّ المؤمن أحسن الظن بِرَبِّه فأحْسَن العمل وإن الفاجر أَساء الظَّن بِرَبِّه فأساء العمل.
وقال الشيخ ابن_عثيمين ـ رحمه الله ـ :
حُسن الظّن بأن يوجد من الإنسان عمل يقتضي حُسن الظّن بالله ـ عزّ وجلّ ـ ، فمثلًا: إ
ذا صليت أحسن الظّن بالله بأن الله يقبلها منك، إذا صُمت فكذلك، إذا تصدقت فكذلك، إذا عملت عملًا صالحًا أحسن الظّن؛ بأن الله تعالى يقبل منك،
أما أن تُحسن الظّن بالله مع مُبارزتك له بالعصيان فهذا دأب العاجزين، ونفس الحكاية كل حاجة في حياتنا، يعني نتفائل بما هو خيرٌ لنا، ودا لأن ربنا يريد لنا الخير بطريقةٍ أو بأخرى، يعني أكون عارف إن كل اللي حواليا خير حتى لو مش فاهم، وبرضه أحسن الظن بربنا، دا سبحانه وتعالى قال:
“فَما ظَنكم بِرب العالمين”
أبتسم لها بعينيه وهو يرى الطمأنينة تسري بجسده كما يسري مفعول الدواء في الجسد مُنهيًا على الأمراض التي تشعبت خُبثًا في الأوردة، وهكذا تشعب البؤس يتمكن من كل خلاياه لكن حديثها بمثابة المضاد لهذا المرض الخبيث لذا شعر باستقرارٍ نفسي يسكنه وهدأ من قلقه وبداخله يتمنى أن تكون ذاكرته هي التي تخونه وهم فقط قلقوا بسبب مرض والدها وليس لعداءٍ شخصي معه.
__________________________________
<“أناسٌ لم تنس وعودها، وأناس تهرب من عهودها”>
أوقف”يوسف” سيارته أمام بيت “عادل” والد “نور” وبجواره كان يجلس “أيوب” الذي تحمس كثيرًا لرؤية هذا الرجل الذي ظهر له في معتقله كما طوق النجاة يمد يده له ليتشبث بها ويستند عليه من بعدما استند قلبه على سلاح الدعاء، وما إن توقفت السيارة التفت برأسه فوجد “يوسف” يقول بنبرةٍ هادئة:
_ هو دا البيت وعامةً يعني هو هِنا مش في شغله، جاهز ننزله ولا تستنى أنزل كدا أقوله ؟؟ يمكن تكون مكسوف منه
ابتسم “أيوب” له ثم أخذ علبة الحلوى والهدية التي جهزها بنفسه لـ “عادل” ثم فتح باب السيارة يخرج منها وخَلفه في حركته “يوسف” الذي تجاهله تمامًا وما إن جاورا بعضهما في الوقوف قال “يوسف” بنبرةٍ تحمل السخرية على ما يحمله “أيوب” في يده:
_أنتَ ماسك إيه يا “أيـوب” ؟ أنتَ جاي طالب القُرب ؟.
تنفس “أيـوب” رغمًا عنه ثم قال بنبرةٍ تشبه هذه الأخرى التي يتحدث بها “يوسف”:
_طالب القُرب !! الله يسامحك يا سيدي، أنا جايب حلويات علشانه وجايب طقم فُخار علشان يشرب فيه الشاي أو القهوة، حاجة كدا صنع إيديا، وهو لما عرف قالي إنه نفسه في حاجة زي دي.
رفع “يوسف” حاجبيه بسخريةٍ وهتف يُقلل منه بنبرةٍ أخرجها تمازحه حين هتف:
_جايب للراجل قُلل !! وفرحان أوي بنفسك؟
رد عليه “أيوب” بضيقٍ وهو يرد عليه بنفس طريقته:
_ما أنتَ جاهل هرد عليك بإيه يعني؟ دي صنعة قديمة مش أي حد يعملها ولا يشتغل فيها ويكون ممتاز في صنعته غير اللي بيحبها، وأكيد برضه مدوقتش حاجة في الفُخار وياريت متتريقش على الفُخار بتاعي علشان بتقمص.
ضحك “يوسف” على طريقته وكذلك “أيوب” أيضًا ثم اقتربا سويًا من البوابة الحديدية القصيرة التي فتحتها مدبرة منزل “عادل” وقد حدثها “يوسف” عنهما وعن هويتهما فدلفت هي وهما خلفها حتى وصلا لبهو البيت وجلسا بجوار بعضهما، يشبهان النار بجوار الثلج أو لربما الشمس بجوار القمر، صورتهما غريبة معًا لكن هناكَ رابطٌ غريبٌ بينهما.
خرج “عـادل” من غرفة مكتبه بسرعةٍ كبرى خاصةً حينما علم أن “أيـوب” في بيته، لم يصدق سمعه حينما أخبرته مدبرة بيته لكن عند خروجه ووقوع بصره عليه انفلجت شفتاه عن بعضهما ببسمةٍ مُرحبة ثم أقترب منه وهو يقول بنبرةٍ يملؤها الحبور:
_يا أهلًا وسهلًا بيك، البيت نور والله.
ابتسم له “أيوب” وهو يقول بلباقةٍ ردًا على تحيته:
_البيت منور بحضرتك، ربنا يجعله عامر بالإيمان.
وقف “عـادل” أمامه بعينين تنطق كلتاهما باعجابها صراحةً بهذا الشاب الخلوق وبدعوته، وقد تحرك ورحب بـ “يوسف” وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_نورت البيت يا “يوسف”.
رد عليه الأخر بنبرةٍ عادية بينما الأخر أشار لهما وأجلسهما ثم جلس مقابلًا لهما ينظر لـ “أيوب” ويرحب به وكذلك مع “يوسف” وسأل عن الزيارة بوجهٍ بشوشٍ جعل “يوسف” يُقسم أنه يراه هكذا لمرته الأولى في حياته، فيما رد “أيوب” بنبرةٍ فرحة يجاوبه:
_أنا آسف طبعًا أني جيت فجأة كدا من غير سبب أو سابق إنذار، بس حبيت أنه تكون مفاجأة لحضرتك يعني دا كان كلام مقابلتنا، وجيبت لحضرتك حاجة أتمنى تعجبك.
تقدم بجسده منه وهو يعطيه الهدية ثم نطق مُفسرًا ومردفًا:
_دا طقم فُخار للشاي والقهوة، صنع أيدي كله أتمنى يعجب حضرتك ويبقى ذكرى حلوة بينا.
ابتسم “عادل” بسعادةٍ غريبة عليه ثم قال بنبرةٍ يملؤها الشجن:
_منكرش إن دي أحسن هدية جاتلي بعد رحلة العُمرة اللي “نور” بنتي طلعتهالي، تسلم ايديك ودا شرف كبير ليا أوي إنك تهاديني بحاجة صنع ايديك، شكلك حبتني أوي.
ضحك “أيوب” له وهتف مؤكدًا حديث الأخر:
_مع حضرتك حق، أنا فعلًا حبيتك جدًا وقلبي ربنا يشهد عليه باللي فيه لحضرتك، وعاوز أقولك يشرفني إنك تعتبرني ابنك وفي أي وقت هتلاقيني عندك وقت ما تؤمرني هتلاقيني عندك.
أبتسم له “عـادل” ثم سأل “يوسف” عن أحواله ودارت بينهما الأحاديث حتى مع مرور الوقت نسىٰ “عـادل” مركزه وتحفظه وظهر الود عليه في محادثته لهما حتى تحدث معهما “يوسف” هو الأخر _رغم دهشه_ لكنه أدرك أن هذا ماهو إلا تأثير “أيـوب” وتأثير وفائه بالوعد.
__________________________________
< تظنه من فرط قوته صاحب الحق، وفي الحق هو جاني>
جلس “وجدي” في شقته يشعر بالغضب مما تعرض له ليلًا على يد “يوسف” المعتدي عليه في عقر داره، وبجواره “نشوى” شقيقته التي جلست تهز جسدها بانفعالٍ وتشنجٍ واضحٍ ثم هبت كما الرياح المُحملة بالأتربة وهي تقول بصوتٍ عالٍ:
_يعني إيه يا “وجدي” ؟؟ خدت الشقة وعدناها وقولنا مش مهم شوية وهنطفشها منها، وحقينا نفسنا لحتة عيلة زي دي وقولنا وماله أهو كله بيعدي، إنما ييجي الصايع بتاعها دا يتهجم عليك بليل عيني عينك كدا يبوظ وشك ؟؟ ليه إن شاء الله فكرانا هفية ؟؟ مش ماليين عينها ولا إيه بالظبط.؟
كانت تتحدث بصوتٍ عالٍ خشن لا يتناسب مع أنوثة المرأة، فيما نطقت زوجة أخيها بتهكمٍ وهي ترمق زوجها بحسرةٍ:
_أهدي يا حبيبتي، هدي نفسك، دا أخوكِ نفسه متعصبش كدا، دخل الراجل علم عليه وخرج تاني عيني عينك زي دخان السيجارة، أهدي يا حبيبتي.
رمقها زوجها بشررٍ ثم هتف يهددها بصراحةٍ دون أن يراعي مشاعرها أو حتى يفكر في عواقب حديثه المُسيء:
_عاوزك تحلوي كدا كتير علشان طلاق تلاتة منك لو ما كتمتي صوت أمك دا لأكون متجوز عليكِ الليلة دي، ولا هيفرق معايا عيالك ولا حد.
رفعت حاجبها وهي تقول بطريقةٍ سوقية:
_روح يا حبيبي، القلب داعيلك كمان بس قبلها عاوزة فلوس الوصولات اللي ماضيها على نفسك وحق دهبي اللي ماضي عليه وحقي ومُستحقي وأمشي يا بابا.
اسكتته !! لا بل أخرسته تمامًا، لذا زفر بقوةٍ يستغفر ربه بينما هي ابتسمت بتهكمٍ ثم قالت بنبرةٍ فاترة وكأنها لا تكترث بما يدور حولها:
_أنا شايفة إننا نسيبنا منها هي وأمها، كدا كدا الشقة مقفولة وهي مش هتيجي هنا تاني ولو جت إحنا كفاية عليها، ولا نسيتوا إنها خارجة من هنا بفضيحة هي وأمها ؟؟ يعني تيجي حبيبتي تنور، بس لو فضلت ساعتين على بعض هنا يبقى بحق، دا نسوان الحارة يكلوها.
لمعت عينا “نشوىٰ” ببريقٍ وكأنها وجدت ما يروقها أو يُبرد نيرانها وتحركت من محلها وهي تقول بآسفٍ:
_طب عن اذنكم بقى هروح أجيب خضار من تحت علشان غدا بكرة، فوتكم بعافية وأنتَ يا “وجدي” اسمع مني وروح للحج وعرفه البيه عمل إيه، هو أكيد هيلم الدنيا دي كلها ويتصرف يا إما ييجي يحكم بحق ربنا بينا وبينها وهي وأمها.
لوح له بكفه وكأن هموم الدنيا بثقل الجبال تجثو فوق كتفيه بينما هي تحركت من محلها ثم نزلت من البيت بأكمله تدخل محل الخضروات الذي يقع في وسط الحارة وما إن رأتها صاحبة المكان وقفت ترحب بها وهي تُقبلها على كلا خديها وقالت بنبرةٍ مُزيفة في جهلها بالأمر:
_ياختي خير حصل إيه خلى الحج “عبدالقادر” ييجي لحد هنا بابنه والجدع اللي كان معاه ؟؟ هي مقصوقة الرقبة عملت حاجة هناك ولا إيه ؟؟.
أخرجت “نشوى” زفيرًا قويًا ثم مصمصت شفتيها بغلبٍ على أمرها وكأنها امرأة مكسورة الجناحين على عكس طبيعتها:
_آه…أقول إيه بس ؟؟ ياختي دي مننا برضه يعني مهما أخرج داخل عِبنا تاني، البت البجحة ياختي جت البيت تبجح وتشوط في الكل ولا عاملة اعتبار لحد وشتمتني وشتمت عمها وغلطت في جدها كمان، وقال إيه عاوزة حقها، ياختي الدم غِلي في عروقي لقيتها بتهجم عليا دافعت عن نفسي وأنا بهجم عليها، تروح البت تفتري علينا وتاخد مفتاح الشقة ومش بس كدا !! تبعت الواد اللي كانت ماشية معاه يضرب عمها !! دي لو بنت حرام متعملش كدا أبدًا.
شهقت المرأة وسحبت سترتها تفتل في عِبها وهي تقول بطريقةٍ أشبه بطريقة الدراما أو ما شابه هذا:
_يلهوي ياختي !! الشر برة وبعيد اللهم احفظنا منها ومن صنفها دا كله، هي ياختي بت من يومها مش سالكة كدا ورافعة مناخيرها في السما على الكل، ألا قوليلي ياختي مين الجدع اللي كان مع الحج وابنه الشيخ دا ؟؟ تبعهم؟.
لوت فمها وحركت كفيها بحركةٍ سوقية وهي تُضيف بنبرةٍ غلفها اللؤم وهي تطعن في شرف ابنة أخيها:
_ماهو دا ياختي الجدع اللي كانت ماشية معاه قبل ما تتجوزوا، بس نقول إيه ؟؟ الله يرحمه أخويا كان أهبل وبيتضحك عليه بكلمتين، دلعها هي وأمها وأهو اتكل وسابلنا الهم، المهم ياختي هاتي الحاجة اللي قولتلك عليها خليني أجهز أكل بكرة.
تحركت المرأة بجسدها الممتليء تأتي لها بالخضار الذي سبق وتم تنظيفه وتجهيزه وأعطت لها الحقائب بينما الاخرى ودعتها بعدما انتهت مهمتها الأساسية هنا، غير هذه الخاصة بحمل الحقائب، أما الأخرى فلوت فمها ثم أخرجت هاتفها تطلب رقم إحدى نساء الحارة وما إن وصلها رد الأخرى قالت هي بلهفةٍ:
_اسكتي ياختي مش عرفتلك اللي حصل في بيت “عـابد” ؟؟ دا طلع فيه حوار فعلًا مش زي ما كنا فاكرين أنهم هيتصالحوا، البت اللي تنقصف رقبتها ام عين مكشوفة منها لله، هقولك ياختي.
بدأت الحديث عن شرف فتاةٍ دون أن تراعي حُرمة البيوت وأسرار نسائها وما يتوجب على المرء أن يفعله وكأن البشر نسوا دينهم وأموره وتعاليمه وأصبح الخوض في الأعراض أسهل ما يفعله الأخرون، فلو علمت هذه أو غيرها أو غيرهم وغيرهم عاقبة الأمر لتمنوا أن تسكت ألسنتهم طيلة العمر، لكن هذه هي طبيعة البشر يأتي الإدراك متأخرًا وفي نهاية الأمر يُقال أنه أتى متأخرًا خيرٌ له من أن لا يأتي إطلاقًا.
__________________________________
<“نطمئن لمن يشبهوننا، وكأن الأرواح تتلاقى”>
فوق سطح البيت جلست “عـهد” برفقة أمها وشقيقتها يتناولون طعامهن مع بعضهن في هذه الأجواء الرائعة وقد تحسنت “عـهد” عن الأمس بكثيرٍ وهي تشعر بقوةٍ لا تعلم مصدرها من هو أو تتعمد عن قصدٍ تجاهل مصدرها، وعند تحرك طيفه في خيالها قلبها يتحرك وسارت قشعريرة في جسدها تتذكر حديثهما معًا بالأمس.
أخرجت هاتفها تفتح موقع “تويتر” منذ فترةٍ طويلة لم تتردد عليه وأول تغريدة قابلتها عليه ترجع لـ “يوسف” وهي الجملة الخاصة بليلتهما في الأمسِ حيثُ كتب:
_”الـشبيه لِـشبيههِ يَـطمئن”
وضعت قلبًا على منشوره وهي تبتسم بدون سببٍ ثم قررت أن تتفحص حسابه الخاص وهي تبتسم أيضًا لتقابلها منشورات متنوعة تجعل ردود أفعالها متباينة بشكلٍ غريبٍ، تارة تضحك وتارة أخرى تبتسم وتارة تشعر بالحزن لكن لم تُبدي إعجابها سوى بكلماته الوقحة حينما كتب عبر “تويتر”:
_الرد على السفيه بيفخم ويعلي فيه.
ضحكت رغمًا عنها وقامت بحفظ المنشور ثم تابعت سيرها في حسابه الشخصي لتقابلها أخرى من نفس القبيل غالبًا:
_محتاجين ننشر ثقافة إن عدم الرد على قلة أدبكم مش غلط مننا، قد ما هو استخسار للطاقة مع أشكالكم.
ضحكت أيضًا وقامت بحفظ الجملة لتقابلها أخرى جعلتها تُبدي إعجابها بمدى وقاحة كلماته التي تخلو من أي أدبٍ:
_ثلاثة لا تلتفت إليهم مهما علا صوتهم، الكلب إذا نبح، والحمار إذا نهق، والسفيه إذا تكلم.
حفظت المنشور أيضًا ثم نزلت من جديد ليقابها المنشور الذي دَونه ثاني أيام عقد قرانهما حينما أعلن خيانته للعهد واقترانه بـ “عـهد”:
_”قد سبق وقطع القلب العهد، لكنه خائن خان هذا العهد”
وقفت عند هذه الجملة تقرأها مرة وثانية وثالثة بشيءٍ تحرك داخلها، ثم عادت لتاريخ عقد القران وتأكدت أنه يقصد زواجها منه، فأي عهدٍ هذا الذي خانه ؟؟ ولماذا ؟؟
فجأة صدح صوتٌ مرح يدخل للسطح ظهر من “أسماء” التي دلفت تضحك بسعادةٍ وهي تقول لـ “عـهد” ووالدتها التي كانت ترتشف الشاي وتشاهد المسلسل مع صغيرتها:
_اسمحولنا كدا نيجي نرخم عليكم ؟؟
اعتدلت “مَـي” في جلستها وكذلك “عـهد” التي أغلقت الهاتف تستقبل نساء عائلة “يوسف” مع بعضهن حتى جلست بجوارها “غالية” ثم سألتها باهتمامٍ:
_أنتِ كويسة ؟؟ طمنيني عنك دلوقتي.
أومأت لها ثم نطقت بخجلٍ منها:
_أنا كويسة الحمد لله وشكرًا لحضرتك أوي.
ابتسمت لها “غالية” ثم ربتت على كتفها فيما قالت “ضُـحى” بحماسٍ شديد:
_بكرة الجمعة إجازة مورناش حاجة، يبقى نسهر ونلعب وأنا قولت لـ “عُـدي” وهو جاي يجيب حاجة حلوة معاه و لب، لحد ما “يوسف” ييجي هو كمان، اتفقنا ؟؟!.
وافقوا جميعًا على الحديث ثم بدأوا في جلستهم سويًا المرحة وقد تناست “عـهد” أمسها بأكملهِ وكأنها ولدت اليوم وهي تجلس برفقة الإثنتين ومعهما “وعـد” أيضًا.
في الأسفل توقفت سيارة “يوسف” أمام البناية ليتفاجأ بمحل “سعد” مُنيرًا والآخر يجلس أمامه بثقةٍ وثباتٍ كأنه لم يفعل أي شيءٍ وقد جلس “أيوب” بجواره وفور وقوع بصره على غريمهما، ضاق صدره وبهتت ملامحه وبدا كأنه يرى شيئًا شنيعًا، أما “يوسف” فنطق بتعجبٍ من قدر وقاحته:
_أنا في حياتي مشوفتش وقاحة كدا، الواد دا معندهوش دم خالص ؟؟ مبيحسش ؟؟ جاي لحد هنا تاني برجله وفاتح محله عيني عينك ؟؟.
هدأه “أيوب” بقوله الثابت مثله تمامًا:
_عاوزك متنفعلش ولا حتى تديله أي إهتمام، هو دلوقتي لما يشوفنا مع بعضنا هيقلق ويرمي كلام خايب زيه، عاوزك بقى متشفوفش وشه خالص، تمام ؟؟
لم يقتنع “يوسف” بهذا بل سكت ونزل من السيارة وكذلك “أيوب” الذي تجاهل “سـعد” تمامًا بينما الأخر ما إن وقع بصره عليهما يخرجان من سيارةٍ واحدة ابتسم بتهكمٍ وقال بنبرةٍ ساخرة أو لربما تهكمية يُلقي بحديثه كما النساء:
_على رأي المثل اتلم تنتون على تنتن.
رفع “يوسف” حاحبيه بشرٍ يُنذر عن بدء تفاقمه وقد حرك رأسه نحو “أيـوب” الذي هز رأسه نفيًا وكأنه يذكره بحديثه الذي قاله بداخل السيارة، فزفر “يوسف” مُطولًا ثم قرر أن يلج داخل بنايته فرفع “سعد” صوته يضيف بنفس الطريقة:
_هترد تقول إيه يا تفاح، ما خلاص اللي راح راح.
أغمض “يوسف” جفنيه ثم التفت يقول بنبرةٍ جامدة ردًا على حديث الأخر:
_بالظبط، أديك قولت أهو هيرد يقول إيه ؟؟ ماهي خلصت خلاص واللي عينك عليه مبقاش ليك، يعني الرد عليك خسارة فيك بصراحة.
ابتسم “سـعد” وقرر أن يستعيد وقاحته مرةً أخرى بحجةٍ ظنها قوية وهو يرد على حديث “يوسف”:
_ما تقول إنك مش عاوز ترد علشان معندكش حاجة تقولها ؟؟ يعني هترد تقول إيه ؟؟ أنا حرامي وخدت حاجة مش بتاعتي؟.
تنهد “يوسف” وجاوب بثقةٍ لم تليق بسواه:
_إحنا فعلًا محتاجين ننشر ثقافة إن عدم الرد على قلة أدبكم مش غلط مننا، قد ما هو استخسار للطاقة مع أشكالكم.
التفت بعد جملته فوجد “أيوب” يبتسم له بينما تحرك يقف مجاورًا له وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_اتفضل يلا أمشي، وخلي بالك علشان الزبالة مالية الطريق، حاسب تخبط في حاجة فيهم، في رعاية الله.
تحرك “أيوب” وهو يضحك رغمًا عنه بسبب حديث “يوسف” الذي تعمد إيصاله إلى “سـعد” فيما تحرك “يوسف” نفسه لداخل البناية يصعد إلى السطح بعدما أخبرته والدته في رسالةٍ أنها تنتظره في الأعلى برفقة زوجته وأسرتها.
فتح “يوسف” باب المصعد فوجدها أمامه وكأنها تنتظره أو هكذا يصور له عقله، أما هي فتذكرت مكالمته لها فسألته بسخريةٍ مرحة:
_أهلًا وسهلًا بسيادة الجزار، ها فتحت كرش كام واحد؟؟
ضحك لها وهتف بقلة حيلة ردًا عليها:
_للأسف ملحقتش، بس على مين مش هسكت، المرة الجاية هصورلك صوت وصورة، تحبي تشوفي حصري بعينك ؟؟.
ازداد صوت ضحكتها فسألها هو باهتمامٍ عن سبب وقوفها:
_واقفة هنا ليه؟ مستنياني؟
كان مراوغًا في حديثه مما جعلها تقول بنفيٍ تام:
_مين دي ؟؟ لأ طبعًا أنا نازلة أجيب مياه ساقعة، هقف استناك بإمارة إيه يعني؟؟.
ارتفع حاجباه يستنكر ما تفوهت به ثم رفع كفه يشير نحو وجنتها وهو يقول غامزًا بحديثٍ ازداد مراوغة:
_بأمارة إن الشبيه لشبيههِ يطمئن، ولا إيه يا شبيهي؟؟
تضرج وجهها بحمرةِ الخجل لكنها تذكرت أكثر الردود مناسبة لهذا الموقف فتصنعت ثباتًا لم تملكه من الأساس:
_مش هرد عليك، علشان الرد على السفيه بيفخم ويعلي فيه
اتسعت عيناه بدهشةٍ وفرغ فاهه لم يتوقع إنها تنطق جملته أمامه، فيما شهقت هي بتلقائيةٍ بعد جملتها وبدت أمامه كما الأبله وهي تردد جملته، وقد ازداد توترها حينما اقترب منها بوجهه يتفحص وجنتها المضروبة بالأمسِ ثم سألها بنبرةٍ خافتة أصابت ثباتها في مقتلٍ:
_وشك عامل إيه دلوقتي؟؟ أحسن؟
حركت عينيها لتتلاقىٰ بعينيه وقد هزت رأسها تؤكد لها جوابه عما يستفسر عنه، فلثم هو وجنتها بحركةٍ لم تتوقعها هي تمامًا ثم قال بعبثٍ بنفس النبرة التي تحدث بها ويكاد يجزم أن قلبها صوت ضرباته وصله لأذنه:
_ألف سلامة.
تركها تقف محلها ثم دلف للداخل بثباتٍ وكأنه لم يفعل أي شيءٍ أو يقترب منها، أما هي فلم تعلم أين نفورها من الرجال وأين خوفها من هذا القرب، يبدو أنه حالة استثنائية من بين الجميع لكن ما هذا !! لثم وجنتها بحقٍ، دون أن يستئذن حتى صاحبة الشأن ؟! ظلت محلها مصدومة ومذهولة ومضروبة فوق رأسها حتى وصلها صوته متعجبًا منها ومن وقوفها وكأنه تعمد مراقبتها:
_أنتِ لسه واقفة !! تحبي أجي؟
شهقت من جديد ودلفت المصعد بسرعةٍ كُبرى خوفًا من تنفيذ ما قاله حتى أن طريقتها جعلته يضحك عليها من قلبهِ ثم ولج للداخل يجلس في انتظارها حتى تستعيد هي ثباتها وتصعد من جديد لهم.
وصل “أيوب” محله وأخذ الصندوق الخاص بزوجته وابتسم برضا مُستحسنًا صناعة يديه ثم تحرك من المحل عائدًا حيثُ بنايتها التي تقطن بها في حارتهم متجاهلًا “سـعد” الذي يراقب تحركاته وقد ولج للداخل وأخرج هاتفه يتصل بها حتى تقابله.
في الأعلى كانت تجلس برفقة شقيقها بعدما غاب عنها طوال اليوم، لذا جلست بجواره تستغل غياب زوجته حتى تعود لهم من الأسفل وقد صدح صوت هاتفها برقم زوجها فأشار لها “يوسف” على الهاتف لتنسحب هي من جواره وتجيب بخجلٍ وصوتٍ مهتزٍ:
_السلام عليكم ورحمة الله، نعم يا “أيوب” ؟؟.
انكمشت ملامحه بحيرةٍ من طريقتها التي تتحول بين ليلةٍ وضحاها وكأنها تصبح أخرى غير التي تزوجها، لذا قال بسخريةٍ يُقلد طريقتها معه بالأمسِ:
_إيه دا !! مبنقولش كدا يا عم أنتَ، نسيتي؟
أصدرت صوتًا من فمها يدل على الضجر فيما ضحك هو ثم قال بنبرةٍ هادئة يطلب منها بأدبٍ:
_طب ممكن تنزلي ؟؟ قدام باب الأسانسير.
قبل أن تسأله من جديد أو تتعجب من مطلبه أضاف مُكملًا على حديثه السابق وكأنه تيقن مما تفكر به:
_من غير ما تسألي، انزلي هتلاقيني واقف.
أغلق بعد جملته فيما استأذنت هي من الجالسين وتحركت للخارج وبعد مرور ثوانٍ معدودة خرجت من المصعد فوجدته يقف أمامها مُبتسمًا، أما هي فخجلت من نفسها وهي ترتدي اسدالًا قديمًا لم تكبد نفسها حتى عناء تغييره، بينما هو ابتسم لها ثم تحرك الخطوات الفاصلة بينهما وهو يقول بمشاكسةٍ:
_أنا طول عمري عارف إنها نحنا والقمر جيران، أول مرة أشوف دا بعيني بصراحة يعني.
ضحكت رغمًا عنها من مغازلته لها فيما زفر هو ثم مد يده بالصندوق لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة كحال طبعه:
_دي حاجة بسيطة إن شاء الله تعجبك، دا عبارة عن صندوق هتلاقي فيه كل الحاجات الأساسية اللي المفروض المسلم يمشي عليها، ومعاه كمان دفتر تسجيل لكل حاجة، وكل الأدوات اللي تلزمك هتلاقيها هنا، وفيه مصحف بالتفسير، طالما عاوزة تكملي الطريق معايا يبقى واجب عليا أنا اللي أمد أيدي علشان أنتِ سبب دخولي الجنة إن شاء الله، اتفقنا ؟؟.
لمعت العبرات في عينيها تأثرًا بما أخبرها به ولمعت بوميضٍ لامعٍ يشبه ذاك البعيد اللامع في السماء ليلًا أما هو فتحرك نحوها أكثر ثم رفع إبهامه يُزيل العَبرات العالقة في أهدابها وهتف بنبرةٍ هادئة:
_ربنا يبارك فيكِ ويجعلني خير الزوج الصالح ليكِ، ويجعلك خير الزوجة الصالحة ليا، يلا اطلعي وأنا لما أروح ه‍كلمك، بس ردي بلاش هطل إمبارح دا يتكرر يعني.
ضحكت من بين دموعها فيما تحرك هو يعود إلى الخارج فأوقفته حينما هتفت بنبرةٍ مبحوحة من بكائها:
_”أيــوب” !!.
التفت لها برأسه يستفسر منها بنظراته فوجدها تقول بنبرةٍ باكية تخبره بما جال بفكرها صراحةً بدون أي تزييف:
_أنا مشوفتش بابا طول عمري، بس حاسة إنه كان شبهك أوي، حاسة أنه كان زيك، ومتأكدة إنه لو كان عايش أكيد كان هيفرح إن بنته بقى نصيبها الشيخ “أيـوب”، يا بخت ناسك بيك.
رغم دهشته من حديثها إلا إنه استشف الحزن في نبرتها فقرر أن يمازحها بقوله المرح الذي يتنافى مع طريقته الجدية:
_والأسطى “أيوب” بتاع القُلل بيقولك أهلًا بيكِ كل ناسه.
تحرك من المكان بينما هي ضحكت على قوله ثم صعدت من جديد إلى السطح تجتمع مع عائلتها بعدما دلفت الشقة تضع بداخل غرفتها ومن ثم توجهت إلى الأعلى بفرحة طفلة صغيرة حصلت على ثيابها الجديدة لترتديها في أوج لحظات سعادتها وكل ما عليها فقط أن تنتظر عشية العيد لتنتشر فرحتها كما انتشار الصبية في الشوارع يعلنون بهجتهم.
دقائق أخرى مرت عليهم تلاها صعود “عُـدي” إليهم بالأشياء التي طلبتها شقيقته منه ثم ألقى عليهم التحية وجلس بجوار “يوسف” ورفع ذراعه يضع الأشياء على الطاولة وهو يقول بنبرةٍ مـنهكة:
_طلعوا عين أهلي النهاردة كأنهم بينتقموا مننا، ضهري اشتكاني وقال بكاني.
ضحكوا عليه وعلى سخريته فصدح صوت هاتفه من جديد وحينما أخرج الهاتف زفر بقوةٍ عند وقوع بصره على اسم المتصل، ثم قال بضيقٍ من المتصل:
_يلهوي !! حِلي عيني ياستي بقى.
توجهت الأبصار بأكملها نحوه فيما سألته والدته بتعجبٍ:
_مين يالا ؟؟ أوعى تكون بتكلم بنت من ورايا.
تدخلت “ضُـحى” تقول بسخريةٍ:
_بنت !! واحدة بس، دا بيكلم طقم العمل كله.
رفع حاجبيه فقالت هي بنبرةٍ ضاحكة ترجع عن حديثها:
_لأ والله الواد دا محترم بيكلم رجالة بس.
أمسك زجاجة المياه يهددها بقذفها في وجهها فضحكت هي و “قـمر” و “عـهد” أيضًا ليصدح صوت الهاتف من جديد فزفر هو مُطولًا ثم سأل شقيقته بنبرةٍ جامدة:
_”ضُـحى” هو أنتِ لما “ميار” كلمتك رديتي عليها صح ؟؟
حركت رأسها موافقةً حينما سألها عن خطيبته السابقة فسألها بنفاذ صبرٍ حينما جاوبته:
_طب ليه يا بنت الناس ؟؟ أنا ما صدقت أخلص منها، تيجي أنتِ تردي عليها، طب ما أنتِ قبل كدا قولتي إنك مش عاوزة تعرفيها تاني، أهيه رجعت تاني تصدعني من ساعة ما عرفت أني نقلت هنا.
سألته “غالية” باندفاعٍ بعدما استمعت لحديثه:
_وهو أنتَ هترجعلها !! بعد اللي هي عملته معقول ؟؟.
حرك رأسه ينظر لعمته وقال بثباتٍ ينبع عن إصرار المرء فيما يخص كرامته وكرامة أحبائه:
_متسحيل يا عمتو، دي إنسانة قليلة الأصل، واحدة حطت مستقبلها معايا في كفة قصاد شقة وشغلانة حلوة في كفة تانية، غير كدا اتكلمت على وجودك معانا، وغلطت في “قـمر” دا أنا راجل مش مظبوط لو دا حصل.
انتبه “يوسف” لما قِيل وخاصةً عند ذِكر شقيقته و والدته فسأله بتأهبٍ كمن ينتظر فريسته لكي ينقض عليها واتضح هذا من خلال حركة جسده للأمام عند سؤاله:
_مالها الحلوة ؟؟ عملت إيه تاني كدا؟؟.
_أوبا !! الله يرحمها كانت بنت حلال والله
كان هذا قول “ضُـحى” التي نطقت بسخريةٍ ردًا على سؤاله وكذلك انتبهت له “عـهد” فيما سكت “عُـدي” وهو يطالع “قـمر” التي هزت رأسها بنفيٍ تمنعه من الحديث وقد لاحظ “يوسف” نظرتها فرفع حاجبيه يسألها مستنكرًا:
_أنتِ مش عاوزاه يقولي ؟؟ بتدافعي عنها؟.
ازدردت لُعابها فتدخلت “ضُـحى” تقول بسرعةٍ:
_روق نفسك يا كبير عندي أنا، بص دي كانت خطيبة “عُـدي” بس كانت بت صفرا هي وأمها، وكانت حاطة عينها على الشقة اللي عمتو كانت قاعدة فيها وقالت لـ “عُـدي” بدل ما نجيب مكان إيجار يتجوز فيه، هي بقى قالت نشوف مكان لعمتو تقعد فيه وهي تسكن في البيت عندنا، وكانت بتكره “قـمر” علشان “عُـدي” قريب منها، بسببها أصلًا “قـمر” خاصمت “عُـدي”.
حرك “يوسف” رأسه لشقيقته يسألها بنظراته لكنها ارتبكت وخشيت أن يتحدث أو يوبخها أو لربما يجاوب هو على المكالمة يوبخ الفتاة، فأتتها النجدة على هيئة صوت هاتفه الذي جعله يتحرك من محله يجاوب على المكالمة التي اتته من “إيـهاب” وفور رده على المكالمة وإخبار الأخر له بما حدث علا صوته تلقائيًا حين هتف:
_يعني إيه يا “إيـهاب” !! إزاي يعني “إسماعيل” يتضرب عليه نار وتقولي جت سليمة، هي هبت منك ولا إيه ؟؟ اسبقوني على هناك يا عم وأنا هاجي، سلام يلا.
أغلق المكالمة والتفت ينظر خلفه فوجد الأنظار بأكملها تستقر عليه فقال هو مفسرًا بنبرةٍ استعادت هدوئها لكي يطمئنهم:
_متقلقوش، هروح وأجي تاني علطول، عدت على خير.
لم يترك لهم الفرصة بل ركض من محله وخلفه كان “عُـدي” الذي عرض عليه أن يرافقه لكن الأخر رفض وطلب منه أن يبقى بجوار أسرته فهم أهم مما هو فيه، بينما في الداخل لم تعلم “عـهد” لما حاوطها القلق وخشيت أن يصيبه مكروهٌ لذا ازدردت لُعابها وهي تتضرع بقلبها أن يعود كما ذهب.
__________________________________
<“الخير على قدوم الواردين”>
بداخل محل “عبدالقادر” كان “ملاك” يرافقه طيلة اليوم وقد أتى “بيشوي” يجلس معهم ومعه “تَـيام” في جلسةٍ مرحة مُحببة إلى القلب زادت الضحكات بيها حين هتف “ملاك” يسخر من “تَـيام” بقوله:
_بقى أغيب عنكم فترة أرجع ألاقيك بتجوز بنتك لعلاء الدين
رد عليه “عبدالقادر” بنبرةٍ ضاحكة:
_مفيش حاجة بتفضل على حالها، هو أنا يعني هلاقي جوز بنت أمرمطه زيه فين؟؟ عاوزه بس يقولي لأ في مرة.
_طب لأ بقى.
هتفها “تَـيام” يُعاند حماه “عبدالقادر” الذي رفع حاجبه مُحذرًا له فتراجع الأخر متقهقرًا بقوله:
_أقصد، لأ لا عيشت ولا كنت يا حمايا، أنا أقدر؟؟.
ضحكوا له وعليه معًا في آنٍ واحدٍ فيما ربت “عبدالقادر” على ركبته وهو يهتف بصدقٍ وبنبرةٍ مُحبة:
_بس كلمة حق في حقه عليا، أنا مش هلاقي راجل لبنتي يصونها ويحبها ويكون مسئول زي “تَـيام” كدا، تربيتي دا
أبتسم له “تَـيام” وكذلك “بيشوي” الذي فاجئه “عبدالقادر” بقوله بنفس النبرة التي تملؤها العاطفة:
_وبرضه “بيشوي” راجل ومسئول وفي ضهري، ميتخيرش عنه حد من تربيتي، و “جابر بقى خسر كتير أوي يوم ما فكر أنه يخسر “بيشوي”.
غمز له “بيشوي” وهو يقول بثقةٍ يمازحه:
_سيبك منه، كفاية أني كسبتك أنتَ.
في هذه اللحظة دلف “أيوب” يُلقي عليهم التحية بقوله:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عم ملاك حبيبي.
وقف له “ملاك” يحضنه وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة نطقت وأعربت عن فرحتها به وبرؤيته أمامه بكل خير:
_شيخ “أيوب” حبيبي وحبيب قلبي، إيه يا عم متكبر علينا ليه كدا؟؟
ضحك له وهو يقول بنبرةٍ هادئة وبأدبٍ:
_أنا مقدرش على زعلك، أول ما عرفت إنك هنا خلصت كل حاجة ورايا وفضيتلك نفسي، هييجي أعز منك يعني علينا؟.
ربت على كتفه باستحسانٍ فوصلهم في هذه اللحظة صوتٌ يقول بنبرةٍ جامدة وهو يلقي التحية:
_السلام عليكم، ازيك يا حج.
التفتوا لصاحب الصوت الذي لم يكن سِوىٰ “وجدي” الذي وقف بهيئةٍ جامدة تتنافى مع كدمات وجهه والضربات المستقرة على ملامحه وقد أتى إلى هنا ليقوم بتفجير قنبلته في وجوههم وهو يرى الفزع باديًا على ملامحهم جميعًا وكأن ما أتىٰ إلى هنا لأجله يتم كما أراد هو، لم يرد الخير بتاتًا فأي خيرٍ هذا وإن كان هو مصدر الشر.
__________________________________
<“المفاجأة كما الصفعة كلاهما يُنفذ ضربته”>
في بيت “الراوي”
أسدل الليل ستائره بالكامل لتظهر عتمته وتغطي الجميع، و
بمنطقة الزمالك تحديدًا بحديقة البيت جلست “مادلين” تتحدث في الهاتف وهي تقول بنبرةٍ عملية مع من تحدثها:
_متقلقيش يا “رهف” أنا براجعه وهظبطه، الملف قصادي وكل حاجة محوطة بيرفيكت، حقيقي مجهودك باين أهو ودلوقتي اتأكدت إن “يوسف” كان عنده حق يحط كامل ثقته فيكِ أنتِ، بجد أنا مبهورة.
على الجهة الأخرى تنهدت “رهف” بعمقٍ ثم ردت عليها بحماسٍ شديد عاد لها من جديد:
_ليه فضل كبير عليا، علشان كدا أنا بدي الشغل كل طاقتي، أتمنى يعني أني أقدر أساعد لو بجزء بسيط، كفاية اللي هو فيه، وكفاية إنه لحد دلوقتي تايه وسط كل حاجة عنده.
ابتسمت “مادلين” ثم استأنفت معها الحديث عن العمل وتممت على كافة شيءٍ ثم أغلقت المكالمة ونظرت في ساعة يدها لذا أغلقت الحاسوب الخاص بها وكذلك الملفات ثم سحبت هاتفها وتحركت من محلها برشاقةٍ وهي تلج لغرفتها.
وقفت “شـهد” تراقب تحركاتها ثم اقتربت من مكان عمل الأخرى وفتحت الملف المذكور الذي قامت “رهف” بعمل كافة الأمور بكل جهدها لتقدم هذه الفكرة في عملها عن طريق “يوسف” وهذا ما جعل الأخرى تشعر بحقدٍ كبير تجاهها لذا قامت بأخذ الملف وهي تشعر بلذة الانتصار على غريمتها التي لم تضعها في مكانة الرؤية من الأساس.
في منطقة “نزلة السمان”
وصلوا الشباب إلى هناك مع بعضهم ورافقهم “سراج” هو الأخر بينما “نَـعيم” وصلته الأخبار حتى عقر داره وجلس في انتظارهم بفارغ الصبر ولم تهدأ نيران قلقه سوى برؤيتهم يدخلون بيته، حينها فقط حرر أنفاسه المحبوسة ووقف بهيبته الطاغية ينتظر قدومهم إلى مكانه وما إن اقتربوا منه تحرك هو نحو “إسـماعيل” الذي مازحه بقوله:
_أوعى بقى تلطشني بالقلم زي الأم اللي عيلها تاه منها ولقته، أنا معملتش أي حاجة على فكرة وجايلك مضروب.
ضحك له “نَـعيم” ثم احتضنه بين ذراعيه يُعطيه مشاعر جديدة عليه أو لربما لم يتذوقها من الأساس وهي حب الأب، هل يكون بهذا الدفء وهذه الحماية، أم أن الأب يعطيهما أكثر من ذلك أم أن “نَـعيم” حاول أن يغدقه بكليهما ؟؟
ابتعد عنه “نَـعيم” يتفحصه ويسأل بنظراتٍ تنطق بقلقها عليه فتدخل “إيـهاب” يطمئنه بقوله:
_متقلقش دا جرح سطحى كل غرضه تهويش مش أكتر، لكن ابنك راجل وزي الفل محصلهوش حاجة يا حج، دا عيار يدوش بس.
رفع “نَـعيم” صوته قائلًا بنبرةٍ جامدة وكأنه يرفض التعبير عن هذه الفكرة بهذه الطريقة:
_لأ، العيار اللي يفكر يقرب من اللي ليا أنا أكتم صوته خالص، المفروض استنى الكلام دا حصل تاني؟؟ أقعد حاطط أيد على أيد ؟؟ لازم صرفة كدا مش هينفع، وسكوتك يا “إيهاب” مش عاجبني.
تنهد “إيهاب” مُطولًا ونظر في أوجه الشباب وهو يقول بنبرةٍ هادئة تخالف طبعه وتنافي صفاته الحادة في التعامل في مثل هذه الأشياء:
_يا حج يعني هعمل إيه ؟؟ قولتلك كل حاجة عدت على خير الحمد لله، أتطمن أنتَ بس.
لاحظ بعينيه زوجته التي كانت تقف على بعدٍ منهم ولاحظ هو خوفها وتتوقها للاطمئنان عليه بعدما وصلهم الخبر، فعاد ببصره إلى “نَـعيم” وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_عن إذنك، هروح أشوف مراتي وراجعلك.
تحرك من المكان نحوها فيما اطمئن “نَـعيم” على الأخريْن وقد كان حينها “سراج” يشعر بذنبٍ غريب يقتل روحه كما أنه خجل من وقوفه بهذا البيت وأراد الرحيل لاذًا بنفسه قبل أن يفتته الذنب، لكن صوت “نَـعيم” الذي قال بنبرةٍ قوية لا تقبل أي مناقشات:
_هتبات هنا الليلة دي، “جودي” معانا والبيت مليان أوض، الليلة دي وغيرها مش أمان عليك وعلى العيلة اللي مسئولة منك، مفهوم يا “سراج” ؟؟.
حرك رأسه موافقًا فأشار لهم “نَـعيم” نحو الداخل ورافق إشارته هذه قوله بصرامةٍ:
_جوة اتفضلوا، كلوا لقمة وناموا وبكرة ربنا يحلها إن شاء الله، يلا معاهم يا “مُـحي” واقفل تليفونك واتخمد، حريم السلطان بتوعك مش هيخلصوا من ليلة واحدة بس.
ضحك “مُـحي” والأخران أيضًا ثم دلفوا للداخل مع بعضهم، بينما “نَـعيم” وقف ينظر في أثرهم بخوفٍ ورجفة قلبه تنطق بلسان حاله المذوعور، لكن هيبته الطاغية فرضت عليه الجمود.
أقترب منها “إيـهاب” فوجدها ترتمي بين ذراعيه بخوفٍ وهي تتشبث به وكأنه أوشكت على فقد أمانها إلى الأبد، لذا طوقها هو بكلا ذراعيه وقال بنبرةٍ رخيمة يُطمئنها ويزيل قلقها الغير منطوق لكنه فسره من رجفة جسدها:
_متخافيش، أنا زي الفل وكلنا بخير، بلاش تخوفي نفسك.
ابتعدت عنه تقول بنبرةٍ باكية من فرط ذُعرها:
_ إزاي بس !! دول قالوا إن حد ضرب نار عليكم، طب أفرض جت فيك ولا في أخوك، والله بخاف عليك وماليش غيرك، علشان خاطري خاف على نفسك، أنا والله ماليش لازمة من غيرك.
ابتسم بحزنٍ لها ثم هتف بقلة حيلة ردًا عليها بنبرةٍ أعربت عن حزنه:
_نصيبك كدا يا بنت الناس، مش بأيدي أني أكون بتاع مشاكل بس هي حطاني في دماغها، وأنا مش هقدر أسكت وكل اللي عليا أقولك ادعيلي يا “سمارة”، إن كنت غالي عليكي بجد يبقى ادعيلي ومتزعليش نفسك وأنا أوعدك هجيلك، حتى لو بودع وأخر نفس هيخرج مني، يبقى هودع وأنا معاكِ.
ارتمت بين ذراعيه من جديد بخوفٍ ازداد عن سابقه فيما قرر هو أن يخرج ضعفه ويظهره في تشبثه بها حتى بدا كما الطفل الصغير بين ذراعي أمه يحتمي فيها من قبيلةٍ بأكملها تبحث عنه هو ليلقىٰ حتفه على أيديهم.
وصل “يوسف” إلى البيت أخيرًا لكن وصوله أتى متأخرًا حيث ناموا جميعًا ولم يبق سِوىٰ “نَـعيم” و معه “إيـهاب” الذي جلس شارد الذهنِ فيما مر عليهم، ومع قدوم “يوسف” الذي دلف بأعصابٍ تالفة وشبه متآكلة يستفسر عما حدث، حينها أخبره “إيـهاب” بما صار بعدما سرد عليه الموقف بأكملهِ.
زفر “يوسف” وقال بنبرةٍ جامدة يستفسر منهما:
_إيه العمل يعني ؟؟ هنسكت؟
وقف “نَـعيم” يستند على عصاه وهو يقول بنبرةٍ هادئة وقد غلبه النوم وربحت عليه قلة الحيلة حتى مقت شعوره بقلة الحيلة واتضح هذا من خلال قوله:
_العمل عند ربنا هو ولي المؤمنين، تصبحوا على خير.
تركهم ورحل للداخل يهرب من شعوره بالعجز، بينما “إيـهاب” انتظر تحركه ثم التفت لـ “يوسف” الذي بدا مدهوشًا مما يصير حوله وقبل أن يتحدث معه وصله اشعارٌ عبر هاتفه جعله ينتفض من محله ثم قال بنبرةٍ خشنة لـ “يوسف” وكأنه يأمره:
_تعالى معايا.
تحرك خلفه بصمتٍ فوجده يقوم بتشغيل الدراجة النارية فركب خلفه “يوسف” بصمتٍ بالرغم من الشكوك التي تساوره في مشوارهما هذا لكنه صمت كما التزم الأخر بالصمت، وبعد مرور دقائق قليلة أوقف “إيـهاب” الدراجة على الطريق مقابل دراجة نارية أخرى، فنزل هو من دراجته وخلفه “يوسف” الذي ابتسم بسخريةٍ.
نزل الفرد الأخر من دراجته التي تقابلت مع دراجة “إيـهاب” ثم خلع الخوذة الخاصة به وابتسم وهو يقول بشقاوةٍ مرحة:
_وحشتني يا “عـمهم” ولا أقولك يا ابن عمي؟؟
ابتسم له “إيـهاب” وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_وحشتني أكتر يا “مُنذر” الله ياخدك يا شيخ وياخد أيامك.
ضحك الأخر واقترب منه يعانقه فيما ضحك “يوسف” لهما وهو يرى عناقهما سويًا وكأنهما أخوان فرقت الدنيا بين دروبهم، أو لربما اختار كلاهما الطريق بناءً على رغبته هو لتتلاقى بهما السُبل من جديد.

يتبع….

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية غوثهم)

زر الذهاب إلى الأعلى