روايات

رواية غوثهم الفصل الخامس والأربعون 45 بقلم شمس محمد

رواية غوثهم الفصل الخامس والأربعون 45 بقلم شمس محمد

رواية غوثهم الفصل الخامس والأربعون

رواية غوثهم البارت الخامس والأربعون

رواية غوثهم
رواية غوثهم

رواية غوثهم الحلقة الخامسة والأربعون

“رواية غَـــوثِـهِـمْ”
“الفصل الخامس والأربعون”
“يــا صـبـر أيـوب”
__________________
كونوا على الله الكريم حياتكم متوكلين
فهو الذي كفل العباد برزقهم دنيا ودين
لكنه بالسعي تكتمل الحقائق واليقين
هذا طريق المؤمنين العاملين المخلصين
فإذا توكلتم عليه ستسعدوا في الآخرين
وسترزقون بيومكم رزق العباد العاملين.
_”محمد عمران”
__________________________________
إذا كان فاقد الشيء هو أحق من يُعطيه،
فماذا أعطيكِ عند فقداني لقلبي؟
وكيف أمدُكِ بما ينقصني إن كنت فقدت نفسي؟
لذا وعملًا بالمقولة إن كان يتوجب عليَّ فعل أي شيء، فحتمًا سأعطيكِ نفسي،
فإن كان فاقد الشيء هو أحق من يُعطيه فهو أيضًا أكثر الناس علمًا بمرارة فقدانه،
وأنا من بعد كُربة فقداني لحالي يمكنني القول أنكِ أكثر الناس حقًا بقلبي وبما فيه، قلبي وإن كان مفقودًا مني فمعكِ أنتِ ومن بين الجميع قُرِنَ بشبيهه، وعملًا بمقولة “الطيور على اشكالها تقع” فأنا قلبي من بين الجميع اصطفاكِ وبعدما خفى نفسه عن الجميع هتفها لي بكل قوةٍ، أنه من بعد فقدانه لنفسه وجده ذاته فيكِ أو لربما تحرك حيث أرشدته السُبل أو لربما الراشد هُنا هو عيناكِ.
<“أنا وابن عمي معًا على كل غريب”>
تحرك خلفه بصمتٍ فوجده يقوم بتشغيل الدراجة النارية فركب خلفه “يوسف” بصمتٍ بالرغم من الشكوك التي تساوره في مشوارهما هذا لكنه صمت كما التزم الأخر بالصمت، وبعد مرور دقائق قليلة أوقف “إيـهاب” الدراجة على الطريق مقابل دراجة نارية أخرى، فنزل هو من دراجته وخلفه “يوسف” الذي ابتسم بسخريةٍ.
نزل الفرد الأخر من دراجته التي تقابلت مع دراجة “إيـهاب” ثم خلع الخوذة الخاصة به وابتسم وهو يقول بشقاوةٍ مرحة:
_وحشتني يا “عـمهم” ولا أقولك يا ابن عمي؟؟
ابتسم له “إيـهاب” وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_وحشتني أكتر يا “مُنذر” الله ياخدك يا شيخ وياخد أيامك.
ضحك الأخر واقترب منه يعانقه فيما ضحك “يوسف” لهما وهو يرى عناقهما سويًا وكأنهما أخوان فرقت الدنيا بين دروبهم، أو لربما اختار كلاهما الطريق بناءً على رغبته هو لتتلاقى بهما السُبل من جديد، إن السُبل حكمت لهما بلقاءٍ جديدٍ من بعد فراقٍ دام لكثيرٍ وكثيرٍ.
ابتعد عنه “إيـهاب” بعينين ترقرق بهما الدمع وكأن عمرٌ كامل يمر أمام عينيه وصوت طفولته تصدح في رأسه وصوت ضحكاته ولعبه بين الأزقة مع أبناء الحارة، كل هذا ذهب في لمح البصر، بمجرد طرفة عينٍ اختفت الحياة الجميلة ولم يبقى سِوىٰ الألم الذي وُلِدَ من رحم المُعاناة، لذا هتف بنبرةٍ تملؤها العاطفة المقتولة:
_أخبارك إيه طمني ؟؟ أنتَ كويس ولا ابن ***** دا مزعلك؟ قولي وأنا أجيب كرشه دلوقتي علشان أخلص منه ومن صنفه.
ابتسم له “مُنـذر” وهو يقول بشقاوةٍ غامزًا له:
_عيب عليك دا أنا أتعب بلد بزيها كمان، هييجي الملون دا يشوف نفسه عليا، أتطمن أنا تمام أوي، قولي بس “إسماعيل” عامل إيه ؟؟ أكيد محصلوش حاجة صح؟؟.
أومأ له مؤكدًا بصمتٍ فأطلق “مُـنذر” أنفاسه المحبوسة ثم اقترب من “يوسف” يحتضنه وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة جمعت بين التهليل والترحيب ويخالط كليهما المرح:
_ابن الراوي قاهر قلوب العدارة، وحشتني ياعم.
ضحك الأخر وربت على ظهره وهو يرد عليه بنبرةٍ اختلط بصوت الضحكات:
_أكتر يا حافي، يا رب تكون عقلت بس.
ابتعد الأخر عنه وهو يضحك بضحكاتٍ إن أوحت بشيءٍ فهي توحي بنفيه للجواب الذي يستفسر عنه الأخر، فيما قال “إيـهاب” بنبرةٍ جامدة وعيناه تجول بالمكانِ وكأنه يشبه الصقر في مراقبته بنظراته الثاقبة:
_طب يلا المكان هنا مش أمان، عاوزين مكان تاني نقعد فيه نتكلم وتفهمنا كل حاجة، واخد بالك ؟؟ كل حاجة يا “مُنذر”.
تدخل “يوسف” بدلًا عنه يرد عليه بقوله الذي بدا وكأنه يقترح عليهما:
_طب تيجوا معايا جنة “الراوي” ؟؟ أظن هناك آمن.
بعد اقتراحه امتزجت نظراتهم مع ببعضهم بسؤالٍ كان جوابه الموافقة ثم تحركوا كما تقابلوا مع بعضهم في مكانٍ يقع بنفس المنطقة، لكنه يرجع في ملكيته إلى “يوسف”، هذا المكان الذي سكن فؤاده وسكن فيه فؤاده، قاد “إيـهاب” الدراجة النارية وخلفه “يوسف” الذي تأهبت حواسه إلى هذا المكان الذي يذهب إليه خفيةً في السِر.
توقفت الدراجات في نفس التوقيت أمام أرضٍ شبه نائية يتوسطها مكانٌ صُنِعَ من الحجارة البيضاء المطلية باللون البُني وتزينها الأضواء البُرتقالية ومزروعات صناعية على جانبيه، منذ الوهلة الأولى ينجح المكان في سرق الأنظار وكأن هناك بارعٌ أخرج كل موهبته في بناية هذا المكان، لكن هذه هي فقط بدايته، أما ما خفىٰ، فكان أعظم وأبرع.
أقترب حارس المكان منهم يُرحب بهم وبصاحب الأرض ثم فتحه لهم، كان المكان مُظلمًا وغريبًا لكن “يوسف” دلف إلى مقابس الكهرباء يفتحها ليُغطي الضوء على عتمة المكان الذي لم يصدق أيًا منهما ما تراه عيناه، جداريات المكان لُصق فوقها صورة “فـيروز” مطربته المُفضلة وكتب أسفل الصورة جملته المُفضلة:
_لا تسأليني كيف استهديت كان قلبي لعندي دليلي.
وجدارية أخرى فوقها صورة “ميادة الحناوي” وكتب أسفلها كلمات الأغنية التي يراها دومًا تصف حاله وحال أسرته معه:
_كان يا ما كان،
الحُب مالي بيتنا ومدفينا الحنان،
زارنا الزمان،
سرق مننا فرحتنا والراحة والأمان.
وجدارية أخرى فوقها صورة والده بعرض الحائط بأكمله تقريبًا، هذه الصورة الساكنة بين ضلوعه تحتل أوسط الفؤاد وتستوطن عقله وقد كتب أسفلها جملة من نفس الأغنية السابقة:
_حبيبي كان هنا،
مالي الدنيا عليا بالحب والهنا.
الجدير بالذِكر أن كل هذه الصور قام هو بصنعها بنفسه من خامات غريبة وفريدة بل نادرة الاستخدام أيضًا، المكان بأكمله يشبه أحد العوالم الموازية وكأن صاحبه يرجع إلى أرضٍ مجهولة، صورة والده صنعها من زجاجات البلاستيك، وصورة “فـيروز” صنعها من أوراق الشجر، والكثير في هذا المكان لم يُكتشف بعد.
الحائط الأخير الذي وقف هو أمامه بعينين دامعتين هو الحائط الذي حمل صورته مع أفراد أسرته كاملة، وحينها كتب بخط يده أكثر الكلمات الموجعة التي رآها تصف حاله من وجهة نظره:
_ليالينا، وتاهت بينا تاهت، ليالينا ليالينا
وقولنا، وقولنا نرسىٰ على مينا،
مشينا وأدينا من غير أهالينا ولا حد بيسأل فينا،
مشينا وأدينا من غير أهالينا، ولا حد بيسأل فينا،
وأتاري الدنيا غدارة، غدارة
بتغدر كل يوم بينا، غــدارة.
ابتسم بسخريةٍ لنفسه يعبر عن وجعه وهو يراقب المكان بعينيه، كل التفاصيل هُنا صنعها هو بنفسه ومحببة إلى قلبه، قلبه الموجوع من الدنيا وعائلته ونفسه، أيعقل أنه حُرِمَ من حقه وظنه حقًا ميتًا وهو في الأساس حيًا على قيد الحياة ؟؟.
أقترب منه “مُـنذر” يراقب المكان بنظراته التي نطقت بالإعجاب وهو ينطق بلسانه مُعبرًا بكل صراحةً:
_المكان هنا كل مادة بيزيد جمال، موهبتك مش منها اتنين في الدنيا دي، أي خامات تقدر ترسم بيها اللوح، مُبدع يا ابن “الراوي” وابداعك ملهوش مثيل، ماهو برضه محدش بيصنع عفش من ازايز البلاستيك.
كان يشير بقوله إلى الأثاثات التي صنعها “يوسف” بنفسه لكن الغريب هُنا أن “يوسف” صنعها بزجاجات بلاستيكية !! نعم زجاجات بلاستيكية برع في ضمها مع بعضها ليُصمم بها في نهاية الأمر مقاعد وطاولة و أريكة عريضة وارجوحة، موهبة غريبة ولدت من رحم معاناته جعلته يستغل غضبه وطاقته في هذا الإبداع الغربب والفريد وإن لم يوضع بحد المبالغة فهو نادر الوجود من الأساس.
جلس “إيـهاب” ثم نطق بأعصابٍ مشدودة وكأنه يتأهب لمعرفة كل شيءٍ وقد لاحظ وقوف الإثنين بجوار بعضهما يراقبا المكان فرفع صوته بنبرةٍ خشنة:
_يا رب نخلص من روتانا ذكريات دي ونشوف اللي ورانا إيه، خلصوا أنا دماغي هتطير مني، أنجز يا عم “يوسف”.
اقترب منه كلاهما في آنٍ واحدٍ يجلسان بجواره على المقاعد المصنوعة من البلاستيك ويضمها إطارًا خشبيًا صنعه أيضًا بنفسه، بينما “مُـنذر” أخرج سيجارته ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_هفهمك يا “عمهم”
__________________________________
<“من أتىٰ الديار بأدبهِ، يرحل منها بحقهِ>
وجوده في هذه اللحظة أمامهم لم يكن خيرًا، بل هو أتى قاصدًا الشر، يقصد أن يتفنن في قلب الطاولة عليهم وسحب الكرة لداخل ملعبه من جديد بعدما ضاعت منه كل الفُرص في إحراز الأهداف، وقد تأكدوا هم من هذا حينما تفوه “وجـدي” بنبرةٍ تهكمية يُلقي عليهم التحية وبعدها هتف بقوله:
_معلش يا حج جيتلك فجأة كدا، بس أنا جاي أشهدك وأعرفك المحروس اللي جوزته بنت أخويا عمل فيا إيه، البيه المُحترم اتهجم عليا في نصاص الليالي وضربني وفتح عليا مطوة، طالما اختارت تبقى الكبير يبقى تحكم بحق ربنا.
توجهت الأبصار نحوه واستقرت عليه، حقًا يبدو عليه الضرب والكدمات المطبوعة على وجهه وكأن هناك عصابة من عدة أفراد هاجمت طرقاته ليلًا، كل هذا فقط فعله شخصٌ واحد !! أيعقل أنه هو من فعلها؟.
أقترب منه “عبدالقادر” يسأله بنبرةٍ جامدة:
_قصدك إيه يا “وجـدي” ؟؟ أتكلم عِدل واظبط كلامك.
هتف بنبرةٍ عالية ردًا على حديث الأخر:
_أظبط كلامي !! دا اللي همك وأنا بقولك الصايع اللي ضربني يبقى جوز المحروسة بنت أخويا، يعني لو أنتَ كبير بقى زي ما بتقول أنا جاي عاوز حقي، ولا إيه يا شيخ “أيـوب” اشهد أنتَ يا بتاع الحق.
هُنا وضع “أيوب” في خانة الحق، إن كان عُرِفَ بين الناس بالعدل فليحكم وينطق بالعدل أيضًا، لذا التزم بثبات شخصه وهو يسأله بنبرةٍ قوية لا يبدو عليها أي تزعزع:
_وهو يا حج مش موجود هنا علشان أقدر أحكم، أسمع للطرفين بحق ربنا ونحكم في الأخر، لو هو اللي عمل كدا يبقى ساعتها في كلام تاني، بس عاوز افكرك إنك اللي بدأت يعني الغلط على الكفتين وميزان الحق مبيكدبش.
لاحظ “بيشوي” أن صديقه يوضع في مأزقٍ لربما يُغلق عليه الطرقات حتى يُحيد عن الحق بالرغم من علم الجميع أن صاحب الحق لازال موجودًا ومعلومًا، لذا تدخل هو يهتف بنبرةٍ جامدة كطبعه الحاد وهيبته التي ترعب كل غريبٍ عنه:
_وهو أنتَ عاوز تتهجم على مراته وتسيب حريمك عليها وييجي يبللك شربات ولا إيه مش فاهم ؟؟ راجل مراته جياله مضروبة ومتاكلة من أهلها اللي واجب عليهم يحافظوا عليها، وأنتَ جاي زعلان أنه جه خد حقها منك !! وليك عين تبجح كمان، طب يا سيدي احنا سلمناها لراجل عمل اللي عمها مبيقدرش يعمله، مرضي كدا يا حج ؟؟.
نظر له “وجـدي” بنظراتٍ حادة وكأنه لم يقو على الرد سِوىٰ بهذه الطريقة أن يطالعه فقط يخرج فيه غيظه، بينما “أيـوب” قال بنبرةٍ استعادت هدوئها:
_أنا عاوزك بس تفتكر مين اللي بدأ، علشان أنتَ من بدري طايح ومحدش واقفلك ولا حد قادر يكلمك، علشان كدا عاوزك متكبرش الموضوع أوي وكل حاجة تتحل بالعقل.
حينها قرر “وجـدي” يرفع مقدور بجاحته أكثر لعله بذلك يرهبهم وهو يَهتف بنبرةٍ عالية أظهرت قلقه:
_علشان تعرفوا أنكم بتوع كلام وبس، أهي دي ربايتك يا “عبدالقادر” أنا كنت عارف إنك هتضلل على الحق، وأنكم عملتوا الحوار دا كله من الأول علشان تلهفوا الشقة بعدها تختموني على قفايا، بس عظيم بيمين ما هيحصل واللي هيعتب البيت منهم أنا هرميه من فوقه، سامع يا “عبدالقادر” !!!
_اسمه الحج “عبدالقادر العطار” يا “وجدي” ولما تقف تتكلم معاه تتكلم بأدبك بدل ما أربيك وأعلمك تكلم أسيادك إزاي.
أتى فجأةً إلى هنا وقد سبقه صوته إليهم وما كان إلا “أيـهم” الذي استمع لإهانة والده بهذه الطريقة لذا اندفع يخرج قوله بهذه النبرة القوية وكأن الضغوطات جميعها تكالبت عليه، هو من الأساس لم يتحمل أحداث اليوم لتزداد صعوبتها بهذا الموقف، فالتفت إليه “وجـدي” بخوفٍ اتضح في نظراته خوفًا من الوقوع تحت يد “أيـهم” هذا الذي يشبه الأسود في حارة العطار، خاصةً إذا كان الموضوع يخص عائلته، ومع تحدي النظرات بينهما أخفض “وجــدي” رأسه ثم التفت إليهم يقول بتهديدٍ صريحٍ:
_أنا مش هسكت وزي ماقولت لو حد فيهم دخل البيت تاني أنا هرميه من فوق السطح، اللهم بلغت، فوتكم بالعافية.
تهكم بحديثه ثم تحرك من المكان بقوةٍ زائفة تُنافي جحوده في أخذ حقٍ لم يملكه هو ولا حتى يمته بصلةٍ، أما “أيـهم” فبعد خروجه من المكان رفع صوته قائلًا:
_الراجل دا لو محترمش نفسه وفكر يقرب من “يوسف” أو حتى “عـهد” المرة الجاية أنا هخلي “يوسف” يضربه وسط حارة العطار قدام الكبير قبل الصغير.
أقترب منه “مـلاك” يحدثه بنبرةٍ خافتة وهو يقول:
_هدي نفسك بس، أنتَ واحشني، فين ابنك.
تنهد “أيـهم” بثقلٍ ثم رحب بالرجل وحياهُ بينما الأخر ربت على ظهره وجلسوا مع بعضهم من جديد بعدما حاول “عبدالقادر” تهدئه إبنه لكن فكره انصب وتمحور حول “يوسف” الذي فعل ما يُرضيه ويرضيهم جميعًا، لكن ما سبب هذا إن كان زواجه منها مجرد إنقاذٍ لها.
في غرفة “قـمر” دلفتها من بعد نزولهم من فوق السطح بحماسٍ غريبٍ تود رؤية الصندوق وما يحتويه، فدلفت تخلع اسدالها ثم فردت خصلاتها ووقفت تتابع نفسها كفتاةٍ مُراهقة استمعت لحديثٍ معسولٍ من حبيبها.
أقتربت من الصندوق تفتحه وهي تبتسم بسعادةٍ يخالطها الخجل وكأنها تعلم بما هي قادمة عليه حتى وإن لم يكن معها هُنا، وجدت دفترًا يخص كتابة المهام اليومية في حياة المرء وتقسيم الروتين الديني بما يتوجب عليها الالتزم به، ومعه القلم الخاص به.
ووجدت وريقات صغيرة كُتبَ بداخلها أذكار الصباح والمساء وما يتوجب عليها قرائته قبل النوم وعند استيقاظها، كما وجدت مظروفًا بُني اللون مُغلق الحواف، ففتحته هي بأنامل متحمسة كما العازف الذي يُطرق الألحان بآلاته، ابتسمت فور رؤيتها للجملة التي أصبحت شبه مُعتادة حيث كتب:
_”إلى من سبق ورفضتُ القمر لأجلها”
ابتسمت “قـمر” ثم أخرجت الأخرى فوجدته دون بها خطابًا على ورقة بنية اللون حرق حوافها كما سابقتها في الخطاب الأول بنفس الأسلوب تقريبًا لكن هذه المرة كان تعبيره يلمس قلبها وكأنه يرد عليها، قرآته بعينيها أولًا وبلسانها ثانيةً وبقلبها ثالثًا وسكن الروح وحُفرَ في العقل عند الرابعة لتنخيله أثناء كتابته لها حين دون:
_بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الخلق
وخاتم المرسلين….
“أنه حديث خرج من القلب للقمر:
_لكن قبل بداية حديثي توقفت وحاولت انتقاء كلماتي،
لكن كعادتي تاهت مني الأحرف ولم تسعفني النصوص
ليزداد تيهي وأقف حائرًا، ثم أعود لُرشدي من جديد وأنا أتذكر خير الكلمات التي قالها الله سبحانه وتعالى جل علاه في كتابه الحكيم حين وضح قوة رابط الميثاق الغليظ بيننا حين قال تعالى جل جلاله:

“وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”
_حينها فقط اطمئن بالي ولوهلةٍ
استقر شتات حالي،
فأتيت إليكِ مُحملًا بالصدقِ،
ويشهد ربي على ما حمله لكِ قلبي،
أنني حين رأيتكِ علمتُ أنكِ مِني وأنك أنتِ من خُلقَت من ضلعي، وأنكِ من بين النساء من يحقَ لي أن أشاركها دَمعي، فسبحانه ربي الذي جعل في رؤياكِ دواءً لوجعي،
وسبحانه من جعل لصَوتكِ أثرًا طيبًا لسمعيِ،
وسبحانه من تجلت معجزاته في رابطٍ ميثاقه غليظًا تحاوطه المودة وتغلفه الرحمة،
وسبحانه من كَتَبَ لي أن تكوني أنتِ نصيبي،
ومن بين قلوب البشر قلبك أضحىٰ لقلبي
سكنًا وسكينة ومَسكن، فالقلب للقلب يحن ويَسكن.
مع تحيات الرجل الذي فتنته خُمرة عنييك:
“الأسطى/ “أيوب” بتاع القُلل.
ضحكت من بين دموعها ثم ابتسمت بحماسٍ أكبر وهي تعود للصندق من جديد لتبدأ في أول خطوات التغير لنفسها قبله أولًا، تود أن تامن ويهدأ بالها ويرحل خوفها، لكن نفسها الضعيفة وشيطانها يتأمران عليها، لذا عليها أن تكون قوية وتُبدل حروف كلمات الهزيمة لتتوسطها العين وتغدو صاحبة عزيمة، فإن كانت الدنيا فانية والآخرة هي دار القرار، فعليها أن تشد رحالها إلى هُناك وكأن الطرق تهيأت لها بالرفيق الصالح.
__________________________________
<“الخير في بلادي، ينتظره الأعادي>
دلف حارس الأرض لهم بحقائب المشروبات يضعها لهم ثم استأذن منهم وتحرك من جديد نحو الخارج فتولى “يوسف” مهمة إخراج واجب الضيافة فيما سأل “إيـهاب” بنبرةٍ جامدة:
_فهمني بقى واحدة واحدة كدا إيه اللي بيحصل، والزفت دا إيه اللي بيجيبه هنا تاني، مش كنا خِلصنا من بعد موضوع”إسماعيل” ؟؟ جاي ينكش تاني ليه بقى؟.
أخرج “مُنذر” زفيرًا قويًا مُعبئًا بهواء سيجارته ثم نطق يُردف لهم حقيقة الأحداث وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_”ماكسيم” عاوز يحط على الحكومة، فاكر نفسه هيعيد أمجاد التاريخ من تاني، علشان كدا رجع يحوم حوالين نزلة السمان، عاوز يلحق ينفذ فكرته قبل ما الحكومة تبدأ تنفذ مشروعها، علشان كدا بيجمع جيش رجالة قلبهم ميت، يقدر بيهم يحط على الكل وينفذوا أوامره.
جذب أنظارهما بحديثه الغريب والذي قد يبدو مُبالغًا فيه، لكنه ما إن رأى هذه النظرات التي بدت حائرة بعض الشيء أو لربما تجهل ما يُقال، ليضيف هو مُفسرًا:
_طب هوضح على حسب اللي أنا فهمته من كلامه مع الناس بتوع برة، واللي واضح إن كلهم عاوزين نزلة السمان، هتقولولي ليه، هقولكم علشان نزلة السمان دي متحف تحت الأرض، عبارة عن منطقة آثار بس، أصلها راجع لمنطقة الأهرامات، وقيمتها الأثرية مرتبطة بهضبة الأهرامات في الجيزة، لو نزلة السمان ارتبطت بالأهرامات تاني هتبقى أكبر متحف مفتوح في العالم ويبقى اكتشاف أثري كبير.
تعجب “يوسف” من الحديث وسأله بنبرةٍ مشوشة غير قادرة على الثبات أمام هذه الكلمات:
_الأهرامات ترتبط بنزلة السمان ؟؟! ليه يعني ازاي وفيها بيوت والمسافة بينهم واقعيًا غير مرمى العين يعني كبيرة؟
هتف “مُـنذر” مُفسرًا ومردفًا لقوله السابق:
_عن طريق ترعة المنصورية، دي الخطة اللي وزارة الآثار المصرية حطاها، أنهم يربطوا بينها وبين فروع نهر النيل عن طريق ترعة المنصورية، وهيتم معاها إقامة الفنادق اللي هتكون في شمال منطقة المتحف المصري الكبير وشمال شرق فنادق “مينا هاوس”، ودي هتكون أكبر منطقة سياحية اتعملت من شرق شارع الهرم لحد الغرب عند شارع أبو الهول السياحي.
تدخل “إيـهاب” يسأله بتعجبٍ ازداد ولم يقل عن السابق:
_طب والناس !! وبيوت الأهالي وازاي يعني فيها متحف مفتوح مش فاهم، عرفوا منين الكلام دا؟؟.
انتبه له “مُـنذر” وأضاف مُفسرًا من جديد:
_ماهو دا دور “ماكسيم” واللي معاه يا “عـمهم”، عاوزين قبل ما الدولة تبدأ تنفذ المشروع يكونوا فضوا نزلة السمان من الآثار اللي فيها كلها، والبيوت دي تكون بتاعتهم هما علشان يقدروا يطلبوا مبالغ كبيرة كأنهم صحاب البيوت والأراضي وقبلها يكونوا فضوا البيوت من الاثار، بس “ماكسيم” طمع أكتر وعاوز يكرر التاريخ من تاني على حساب مصر وأهلها علشان يلمع أكتر وأكتر.
سأله “يوسف” بتعجبٍ واستغرابٍ:
_إزاي بروح أمه ؟؟ إيه هياخد الناس يشغلهم فواعلية و يقول فتحت باب رزق للمصريين ؟؟ ولا يكون فاكر أنه لما يسرق الأرض هيجبي على الناس من ورث أمه؟؟
ابتسم له “مُـنذر” ثم هتف بنبرةٍ ضاحكة باستخفافٍ من الأخر _الغائب_ وكأنه يسخر منه:
_لأ يا سيدي فاكر أنه هيعيد أمجاد الحملة الفرنسية من تاني ويكتشف اللي محدش عرفه، عاوز يوصل للمعابد بتاعة أبو الهول اللي موجودة في نزلة السمان، ولو متعرفش فأحب أقولك إن نزلة السمان تحتيها معبد اسمه معبد الوادي ودا من ضمن المعابد الجنائزية الفرعونية، ومدينة العُمال وقت الحضارة الفرعونية، دول موجودين تحت منطقة نزلة السمان ويعتبروا مكون رئيسي ميقلش أهمية عن هرم “خـوفـو” ودي “إسماعيل” يشرحهالكم هو بما إنه دارس وعارف كل دا، “ماكسيم” عاوز يبدأ هو في الإكتشاف علشان اسمه يتسخر ويبقى عالم الأثار الشهير الذي وضع كافة جهوده التي أتت مثمرة في إكتشاف تاريخ الحضارة المصرية، عشم ابليس في الجنة بروح أمه.
سأله “يوسف” هذه المرة بحيرةٍ من طريقته:
_أنتَ إيه اللي خلاك تيجي من برة ؟؟ مش كنت معاه من صغرك، رجعت مصر ليه ؟؟ دا إحنا كلنا عاوزين نهرب من هنا يا عم.
ضحك “مُـنذر” بسخريةٍ وهتف بنبرةٍ موجوعة:
_رجعت علشان بلدي وحشتني، رجعت علشان هما خلوني تمثال، أبويا باعني ليهم وابن عمه “أشرف” باع عياله الاتنين، مش بالسهل عليا أني أقدر أعيش وسطهم زي العبد اللي مدفوع تمنه.
سأله “يوسف” بحيرةٍ من حديثه:
_أنا مش فاهم، أبوك باعك ليه ؟؟ يعني “إسماعيل” وفهمت أنه علشان بيعرفوا يسخروه وعلشان الحجاب مكشوف عنه، أنتَ ليه بقى ؟؟.
توقف “مُـنذر” عن الجواب وكأنه يخشى النطق بما يؤلمه فأضاف”إيـهاب” بدلًا عنه وكأنه علم ما يشعر به الأخر أو لربما تيقن منه:
_أبوه يبقى ابن عم أبويا، لما شاف الفلوس اللي كانت بتتدفع في “إسماعيل” ريقه جري وراح سلمهم “مُـنذر” خدوه ودربوه، وساعتها فرقوه عننا من صغرنا وأمه ماتت وأخوه الكبير محدش عرف عنه حاجة بس بعدها دخل السجن ومات فيه، أنا وهو و”إسماعيل” حظنا إننا وقعنا في أيد أهالي مبترحمش، علشان كدا طفحنا الدم في الدنيا دي، أصل مش كل الأبهات زي “نعيم الحُصري” و لا “مصطفى الراوي” الابهات نصهم زي “أشرف الموجي”.
في مكانٍ أخر تحديدًا بحارة “العطار”.
جلست “عـهد” في صالة الشقة تتابع التلفاز وبجوارها الهاتف الخاص بها، لم تنكر قلقها عليه خاصةً حينما علمت بأمر إصابة رفيقه فمن المؤكد أن الخطورة تحاوطه، لذا ازداد خوفها أكثر وهي تفكر فيه، ثم تعود وتستنكر هذا، لما تساورها الشكوك ولما تشعر بالقلق عليه ؟ رغبة مُلحة عليها بمهاتفته لم تقو على مجابهتها لذا زفرت بقوةٍ ثم سحبت الهاتف تطلب رقمه بدون أي تعقل منها، بالرغم انها خشيت أن تتسبب في قلقه لكن خوفها عليه أكبر من هذا.
طال انتظارها حتى يصل جوابه على مكالمتها وحينما أوشكت على الإغلاق وصلها صوته الرخيم يسأل أكثر من كونه مجاوبًا:
_ألو !! “عـهد” أنتِ معايا؟
تحرك بؤبؤاها بتيهٍ وطال صمتها كما طال انتظارها لكنها نحت صمتها جانبًا و ردت عليه بتوترٍ طغى على حديثها:
_أيـ…أيوة يا “يوسف” أنا آسفة أني بتصل في الوقت دا وخايفة أكون بقلقك بس، بس بتطمن عليك، أنتَ كويس؟ وصاحبك أخباره إيه ؟؟.
رفع رأسه ينظر في وجه الجالسين معه ثم تحرك من محله وهو يقول بنبرةٍ هادئة بعدما تخلى عن دهشته:
_أنا كويس متقلقيش، قاعد مع صحابي وجاي مش هتأخر، المهم أنتم كويسين؟ معلش معرفتش اطمنك أنا بس كلمت ماما علشان مكانتش عارفة تنام.
زفرت هي بقوةٍ بعدما اطمئنت عليه وتيقنت هي من هذا وقالت بنبرةٍ خافتة:
_الحمد لله إنك بخير، وألف سلامة على “إسماعيل”، تصبح على خير يا “يوسف” وآسفة على الازعاج.
أبتسم هو رغمًا عنه وكأن طريقتها تدفعه لذلك ثم هتف بنفس الهدوء وكأن صوتها أتاه في وقته:
_لا أزعاج إيه يا “عسولة” دا ياريت يبقى كل الازعاج ييجي عسول زيك كدا، تصبحي على خير يا “عـهد”.
أغلق معها المكالمة ثم عاد يجلس بجوار الشباب من جديد مُتابعًا الحديث معهم في نفس الموضوع السابق حتى حذرهما “مُـنذر” بقوله:
_المهم خلوا بالكم من نفسكم، يعني متعتمدوش عليا أنا بس، هو هيحطكم في دماغكم وأنا بدلت الرصاص برصاص أفلام يعني صوت بس وآخره تعويرة، إنما هو معرفش دماغه ممكن تسوحه لفين بس اللي عليا هعمله علشانكم.
حديثه وتحذيره بث القلق في نفوسهم بينما هو لم يُرد أن يُزيد اخافتهم أكثر بل سكت وقرر أن يتولى هو مهام الدفاع عنهم جميعًا وإن تطلب الأمر الدفاع عنهم بروحه، بينما هما قررا أن تستمر الحياة كما هي إلى أن يحدث في الأمور ماهو جديدٌ.
__________________________________
<“الغد أتىٰ، أين أنتَ”>
في صباح اليوم التالي خاصةً هذا اليوم الذي يُفضله “أيوب” يوم راحته وروتينه المفضل لذا أغتسل وتحمم وتوضأ ثم قام ببداية روتينه الديني المعتاد بيوم الجمعة واحياء السُنن عن الحبيب”محمد”ﷺ، ثم فتح هاتفه وخاصةً صفحة “غـوث” الدينية التي يتولى هو مهام النشر بها، ثم قام بتنزيل الروتين وما يتوجب على المرء فعله يوم الجمعة وقد كتب:
قال رسول اللهِﷺ:
“خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ”
فَاستغل خير الأيام وتقرب إلىٰ اللّٰه بإتباع سُنن نبيه ﷺ.
من سنن يوم الجمعة :-
➊ غُسل الجمعة.
➋ التطيب.
➌ لبس الجميل.
➍ التبكير لصلاة الجمعة.
➎ قراءة سورة الكهف.
➏ كثرة الصلاة على الرسولﷺ.
➐ كثرة الدعاء فـَ هناك ساعة يكون فيها الدعاء مُجابًا.
جُمعة أخرىٰ لِمَغفرة الذنوب يا رفاق.
ولا تنسَ سورة الكهف.
وكعادته أضاف بعدها من جديد الدباغة الختامية المعتادة منه في نهاية منشوراته الدينية:
_اللهم أهدنا وأهدي بنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى.
_اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد ﷺ
#غَـــوثْ
ابتسم “أيوب” برضا مُستحسنًا فعله ثم ظل يدعو الله أن يستخدمه في الخير وأن يكون سببًا في هداية الناس أجمعين وابتسم أكثر وهو يرى التعليقات الإيجابية له بالدعاء له ولأمثاله من الشباب المسلمين، وكعادته حينما يزيد أحدهم في مدحه قال بنبرةٍ هادئة:
_اللهم أغفرلي مالم يعلمون وأجعلني خيرًا مما يظنون.
تنهد بحماسٍ ثم قرر أن تبع المنشور السابق بأخرٍ عن فضل سورة الكهف يوم الجمعة وضرورة قراءتها وهي كهف ما بين الجُمعتين وقد كتب عبر صفحته الإلكترونية من جديد:
فضل سورة الكهف يوم الجمعة جاء في الحديث قوله ﷺ:
“من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضئ به يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين”
أخرجه الحاكم وصححه الألباني رحمه الله
وقت سورة الكهف يبدأ بعد صلاة المغرب من يوم الخميس.
فضل سورة الكهف: قال رسول الله ﷺ:
“مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ”
وقال رسول الله ﷺ
” من قرأ سورةَ الكهفِ في يومِ الجمعةِ أضاء له من النورِ ما بين الجمُعَتَين”
وعن أوس بن أوسٍ، قَالَ:
قالَ رسولُ اللَّه ﷺ:
« إنَّ مِن أَفْضلِ أيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعةِ، فَأَكْثِرُوا عليَّ مِنَ الصلاةِ فِيهِ، فإنَّ صَلاتَكُمْ معْرُوضَةٌ علَيَّ » فقالوا: يَا رسول اللَّه، وكَيْفَ تُعرضُ صلاتُنَا عليْكَ وقدْ أرَمْتَ؟قال: يقولُ: بَلِيتَ، قالَ: « إنَّ اللَّه حَرم عَلَى الأرْضِ أجْساد الأنْبِياءِ» .
رواهُ أَبُو داود بإسنادٍ صحيحِ.
وفيه يوم الجمعة ساعة بإذن الله يُستجاب بها الدعاء،
وقد قيل في فضل الدعاء في ساعة الإجابة،
عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النبيِّ ﷺ قال:
“يومُ الجُمُعةِ اثنا عَشرَ ساعةً، فيها ساعةٌ لا يُوجَدُ مسلمٌ يسألُ اللهَ فيها شيئًا إلَّا أعْطاه؛ فالْتَمِسوها آخِرَ ساعةٍ بعدَ العصرِ”
_اللهم أهدنا وأهدي بنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى
_اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ
#غَـــوثْ
أنهى كتابة المنشور الثاني ثم ترك هاتفه ورفع صوت القرآن في البيت من غرفته وكذلك قام بإشعال أعواد البخور، ليصبح البيت كما يُحب هو ثم استعد للذهاب إلى المسجد حتى يأم بالناس في الصلاة ويُلقي خِطبة الجمعة عليهم.
خرج من غرفته نحو الطابق الأسفل فقابله “إيـاد” الذي فرح كثيرًا بالعباءة الجديدة التي يرتديها ناهيك عن حزنه بسبب “نهال” وأنها منذ الأمس لم يعلم عنها أي شيءٍ، حمله “أيوب” على ذراعيه ثم لثم وجنته وقال بنبرةٍ هادئة:
_السلام عليكم ورحمة الله، صباح العسل على عيونك.
ضحك له “إيـاد” ثم لثم جبينه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، “آيات” لبستني العباية الجديدة حلوة صح؟؟.
حرك رأسه موافقًا لكنه لاحظ حزن الصغير وأنه على عكس عادته فقال متعجبًا من حاله الذي بدا عليه الحزن:
_أنتَ فيه حاجة مزعلاك ولا إيه ؟.
أومأ له موافقًا ثم هتف بنبرةٍ أكثر حزنًا:
_”نـهال” مبتردش عليا خالص، وامبارح مكملتش اليوم معانا، هي ممكن تكون زعلانة مني؟؟.
سأله “أيوب” بتعجبٍ من حديثه وخاصةً بسبب نبرة الصغير الذي ازداد الحزن بها:
_طب وهو حصل حاجة تزعلها إمبارح ؟
حرك كتفيه وهو يقول بحيرةٍ من الموقف برمتهِ:
_باباها تعب إمبارح وهي مشيت وبابا راح وصلها بس بكلمها مش بترد عليا خالص وهي علطول كانت بترد.
أتت “آيات” لهما في هذه اللحظة تقول بحماسٍ كبير وهي تمازحهما صباحًا:
_إيه الحلويات دي، أنا سايبة صواني البسبوسة جوة.
ضحك “أيوب” لها وابتسم “إياد” فيما سألها الأول عن يوم أمسٍ فجاوبته هي بما حدث دون أن تسرد عليه ما صار مع شقيقه حتى تتسبب في حزن الصغير، بينما الأخر قرر أن يسأل أخيه بنفسه لذا أخذ “إيـاد” معه وتوجها سويًا إلى المسجد استعدادًا لصلاة الجُمعة وفرد سجاد الصلاة في الطرقات لاستقبال المُصليين.
أما “آيات” فوقفت تنظر في أثر شقيقها بحزنٍ ظهر لأجل أخيها الأخر، هي فهمته وفهمت مشاعره، لكنها لم تملك الجُرأة في مناقشته، هي فقط لا تملك سوى الدعاء له ولابنه وأن يلطف الله بقلبه.
وقفت بشرودٍ فوجدته يظهر أمامه يسألها بنبرةٍ مقتضبة:
_صباح الخير، “إيـاد” فين ؟؟
تنهدت مُطولًا وابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_”أيوب” خده وراحوا المسجد علشان يفرشوا للصلاة، أنتَ فيه حاجة مزعلاك ولا إيه ؟؟ قولي لو فيه حاجة مضيقاك.
نظر لها وتعلقت نظراته بها وكذلك هي أصرت عليه وشجعته بنظراتها تحثه على السرد لما يحمله بداخل قلبه، لكنه لم يقوى على هذا بل لثم جبينها وهتف بنبرةٍ يغلفها الحزن:
_أنا كويس، متقلقيش نفسك أنتِ.
حركت رأسها نفيًا وهتفت بنبرةٍ حزينة لأجله:
_لأ أنتَ زعلان ومش هتقدر تخبي عليا، من ساعة طلاقك وأنتَ زعلان ومسيبتش حتى فرصة لنفسك تزعل، وأديت طاقتك كلها لـ “إيـاد” وبعدها الشغل وبعدها “أيوب” ومراته و “يوسف” اللي ظهر دا كمان، بعدها إعتقال “أيـوب” والشغل وكل دا أنتَ ساكت وعامل نفسك مش واخد بالك منه، بس واضح إن “نِـهال” بقى ليها سبب.
سحب نفسًا عميقًا ثم هتف بنبرةٍ ازداد الحزن بها وهو يرد عليها بالرغم من تعبيرها عما يشعر هو به:
_مش هكدب عليكِ واقولك أني مش زعلان، لا زعلان، زعلان من كل حاجة حواليا وأولهم نفسي اللي مش قادر أواجهها بغلطتي، بس “نهال” دي حاجة تانية معرفش إيه الصدفة اللي جمعتني بيها دي، بس شكلي برضه اتهورت واتسبب في إنها تتأذي، يلا ربنا يهون على عباده.
قال جملته الأخيرة بنبرةٍ مُثقلة بالهموم وكأنه لا يملك حيلة سوى الثبات أو التظاهر بأنه لازال ثابتًا وفي حقيقة الأمر لو اتيحت له الفُرص لوجد نفسه يصرخ وينفجر في نفسه قبلهم جميعًا، لكن بصفتهِ كبير العائلة التزم بالصمت وقرر أن يتابع دوره كما هو.
في مكانٍ أخر بحارة العطار
تحديدًا بشقة “جابر” التفوا حول طاولة الطعام وترأس “ملاك” الطاولة وعلى يساره جلست الفتيات وعلى يمينه “جابر” بزوجته فحرك هو عينيه يقرأ تعابير الجالسين ثم قال بنبرةٍ هادئة بعدما تنحنح بخشونةٍ:
_عاوزكم تجهزوا نفسكم بليل علشان فيه ناس جاية.
برزانة كلماته وهدوء حاله جذب الأنظار نحوه فأضاف هو مُفسرًا بعدما ثبت عينيه على وجه “جـابر”:
_”بيشوي” ابن “جرجس” جاي يطلب أيد بنتك مني وأنا موافق، هييجي يتأكد بس ونتفق مبدأيًا وبعدها تبقى المقابلة الرسمي، قولت أعرفكم تجهزوا نفسكم.
يبدو كأنه وسطهم من جيش العدو الذي يحالف الأعداء على أنصاره، تهجم وجهه وأظلمت ملامحه بعد استماعه لجملة خاله، على عكس زوجته وفتياتها وخاصةً “مهرائيل” التي تضرج وجهها بالحُمرة القانية وكذلك اختنقت أنفاسها لكنها انتبهت لصوت والدها حين اندفع بقوله:
_يعني إيه ؟؟ بس أنا مش موافق وممانع الموضوع دا.
ضرب خاله سطح الطاولة وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_وأنا موافق غصب عنك وعن أهلك كلهم موافق، هتعلي كلمتك فوق كلمتي ولا إيه ؟؟ مش مالي عينك خلاص؟
خجل “جابر” من نفسه فور تعنيف وتوبيخ خاله له وسط أفراد أسرته لذا تراجع متقهقرًا عن حديثه السابق بقوله:
_أنا قصدي يعني أنه أكيد شال الموضوع من دماغه وأنه خلاص شالها لأني رفضته كتير، أكيد مش هيقدر ييجي يطلبها تاني يبقى معندهوش دم بصراحة.
ابتسم له خاله بتكهنٍ وهو يضيف مُستخفًا به:
_وأنتَ كلمتك سيف يعني؟ لأ هييجي الليلة دي وبعدها هيجيب كبيره “عبدالقادر” لحد هنا ويطلبها علشان يبقى فيه راجل حاضر الكلام وكبير شاهد عليه، يعني راجل فاهم في الأصول مش عيل صغير، و”عبدالقادر” هييجي البيت هنا بعد اللي حصل زمان ها !! أظن أنتَ فاكره وهيقعد معاك في مكان واحد بس علشاني، يعني لو فكرت تقل بعقلك أنا هقل منك قصادهم كلهم يا “جـابر”.
تحرك “جابر” من محله ثم دلف للداخل بغضبٍ اتضح عليه فورًا فيما قالت “مارينا” بتشفٍ به وهي تحدث جدها:
_تصدق إنك بركة ؟؟ والله علشان لو حد غيرك كان زمانه ملبسنا السُفرة دي في وشنا، هات بوسة.
ضحك لها بينما “مهرائيل” على الرغم من سعادتها إلا إنها لم تطمئن كامل الاطمئنان لوالدها وفي قرارة نفسها تيقنت أنه ربما يفعل شيئًا يقف به ندًا أمام “بيشوي” لكنها تعود وتطمئن أن الغد الذي أخبرها به أنه شارف على القدوم قد أتى لتتلاقى سبلهما من جديد، وها هو أتى الغد فأين أنتَ؟.
_________________________________
<“إنكِ حقي وحق قلبي وحقكِ حقًا على قلبي”>
أنهى “أيوب” خطبة الجمعة في المسجد وقد جلس رجال الحارة وشبابها وصغارها حتى الخارج يستمعون لخطبته القوية، خطبة عن الأمانة والحق والدفاع عن المظلومين ونصرتهم، خطبته القوية واستدلاله بالمواقف الدينية وآيات القُرآن والأحاديث النبوية الشريفة بمثابة دروسٍ للناسِ يتعلمون منه مجانًا بما أغفلتهم عنه دنياهم.
أقام الصلاة ووقفوا خلفه في منظرٍ بديعٍ كما البنيان المرصوص وهو يقيم بهم الصلاة حتى أنهاها ثم التفت لكي يخرج من المسجد بعد خروج الناس منه وبحث بعينيه عن “يوسف” فوجده يجاور خاله “فـضل” حينها تعجل في خطواته لكي يلحق بهم حتى وصل أخيرًا إلى بنايتهم قبل أن يصعدوا إليها وفي نفس اللحظة نزلت “عـهد” من الأعلى وقد سألها “يوسف” بتعجبٍ:
_مش أنتِ إجازة النهاردة، رايحة فين ؟؟
جاوبته بقلة حيلة بعدما انتبهت له:
_رايحة السوق أجيب سمك وخضار علشان النهاردة الجمعة زي ما أنت شايف كدا.
جاوبها بنبرةٍ هادئة ردًا على ما قالته هي:
_طب اطلعي وأنا هجيبلك اللي عاوزاه، يلا.
رفعت حاجبيها باستنكارٍ لتسلطه واعطاء أوامره وقد لاحظ هو الاستنكار المُطل من نظراتها فقال بنبرةٍ جامدة بعض الشيء دون أن يعي لها:
_اطلعي الحارة كلها شباب ورجالة، هروح أنا أجيبلك اللي عاوزاه ومعايا “عُـدي” اطلعي يلا يا عسولة متعصبنيش.
همت أن ترد عليه وترفض سلطته وأوامره فاقترب منه “أيوب” يلقي عليهما التحية ثم قال بنبرةٍ هادئة بعدما استقر ببصره على وجه “يوسف” الذي طالعه بتعجبٍ:
_أنا آسف أني جيتلك كدا فجأة بس عاوز أقولك إن “وجدي” جه امبارح المحل عندنا.
تأهبت حواس “عـهد” عند سماعها لاسم عمها بينما “يوسف” لم يَرف له جفنٌ بل سأله بلامبالاةٍ:
_طب وإيـه يعني ؟؟ فيه حاجة ؟.
قوته تتنافى مع فعله وجرأته تنفي حدوث شيءٍ هكذا، فرفع “أيوب” حاجبيه يسأله بنبرةٍ مُقررة أكثر من كونها مجرد مستفسرة:
_يعني مش أنتَ اللي ضربته وعملت فيه كدا؟.
_ضــربه !!
كان هذا قول “عـهد” التي استنكرت القول وتعجبت الفعل، فنظر لها “يوسف” نظرة عابرة ثم انتبه لـ “أيوب” وهو يقول بنبرةٍ هادئة وكأنه لم يفعل أي شيء من هذا القبيل:
_آه، كنت باخد حق مراتي ولا تحب بقى اسكتله؟ هو من الأول راجل مش مظبوط ومش داخل مزاجي أنه من صنف الرجالة، خير بقى يا “أيـوب” !!
كان يسأله بنبرةٍ هجومية قبل أن يعاتبه “أيوب” الذي قال بنبرةٍ هادئة على عكس الأخر الذي وقف بأعصابٍ مشدودة وكأنه يخشى من فعلٍ أهوج يعاتبه عليه والداه:
_أنا بس عاوز أقولك إنك غلطت للأسف، لأنك ضربت واحد أكبر منك واعتديت عليه وهو أمن في بيته، إحنا خدنا منه اللي احنا عاوزينه وهو شقة والدها، لكن تصرفك غلط بصراحة.
شعر “يوسف” بالضيق أكثر من السابق فسأله بنبرةٍ عالية وهو يشعر بمدى الظلم والقهر الذي يتعرض له صاحب الحق في استرداد حقه:
_واللي هو عمله دا مكانش غلط ؟؟ هي مكانتش مأمنة ليهم وهي داخلة بيتهم؟؟ مكانتش ضعيفة وهما بيدوسوها ؟؟ أنا مش غلطان أنا كنت بجيب حق اللي هي حقي، وأنا اللي ييجي على حقي أزعله.
رمشت “عـهد” ببلاهةٍ ولم تصدق أنه فعل هذا حقًا !! ضرب عمها لأجلها ويعترف أنها حقه؟ وكل شيءٍ فعله في السابق لأجلها !! هو غريب وتصرفاته أغرب، وازدادت غرابة الموقف حين هتف هو من جديد بنفس القوة:
_أنا مُدرك أنه مبيحبهاش بس فيه قاعدة مهمة لازم الناس تفهمها وتدركها علشان كل واحد يحافظ على حدوده.
انتبه له “أيوب” أكثر من السابق فقال هو بنبرةٍ قوية:
_إنك متحبنيش دا حقك، بس إنك متأذنيش دا حقي.
تنهد “أيوب” مُطولًا ثم قال بنبرةٍ هادئة يحاول التوصل لطريقة حديث صحيحة مع الآخر:
_ودا حقك، بس أنا هطلب منك طلب، ينفع متتصرفش تاني وتسيبني أنا أتعامل من بعدك ؟؟ ممكن ؟ خلاص خدت حقك مراتك بأيدك ورديتله الضرب واتكيفت، أكتر من كدا مش هسمحلك علشان حق ربنا اللي واجب عليا اطبقه، وعاوزك تعرف أني في ضهرك ومستحيل اخلي أي حد ييجي عليك أو على اللي يخصك حتى لو أنتَ رافض وجودي.
قوة الإثنان متكافئة بالرغم من اختلاف صفاتهما وبالرغم من تنافي تطابقهما، الإثنان عكس بعضهما وشتان بينهما لكنهما رائعان سويًا، وقفت “عـهد” مدهوشة وانتبه لهما “عُـدي” الذي ترك والده برفقة الجيران وسألهما بتعجبٍ:
_مالكم !! فيه حاجة ولا إيه ؟؟.
انتبه لصوته كلاهما، وفي نفس الآن نزلت “قـمر” مع “أسماء” وما إن رأت ذويها مع بعضهم ابتهجت ملامحها فورًا وركضت الخطوات المتبقية نحوهم تلقي عليهم التحية، أما “أيوب” فتعلقت أنظاره بها ولوهلةٍ ابتسم لها حينما وجدها ترتدي ثيابًا محتشمة بالكامل، أما “يوسف” فسألها بتعجبٍ:
_رايحين فين ؟؟.
جاوبته “أسماء” التي جاورته بنبرةٍ هادئة:
_رايحين السوق نجيب الغدا تاكل سمك ؟؟
ضحكت “عـهد” رغمًا عنها حينما تبدلت ملامحه إلى السخرية، فيما سألها “أيوب” بتعجبٍ هو الأخر:
_طب و “قـمر” رايحة فين؟.
جاوبته بنبرةٍ تعانده وكأنها فهمت عليه:
_وخداها معايا علشان تشيل الحاجة، وأنا قولتلها متقولكش، وهاخد “عـهد” معايا كمان، وجو عيد الحب دا ومتخرجيش من الطُرقة من غير ما أعرف مش عندنا هنا، ابقوا أعملوه في بيوتكم يا حبايبي، يلا يا بت قدامي منك ليها.
ضحكت “قـمر” ومعها “عـهد” أيضًا فيما أمسكت “أسماء” يد كلتيهما وتحركت من المكان جاعلة الأخريْن خلفها يقفان مدهوشة حالتهما ثم نظرا لبعضهما بعضًا وسألا في آنٍ واحدٍ باستنكارٍ:
_هما مين دول !!.
ضحك عليهما “عُـدي” وكذلك هما أيضًا أما “فضل” فاقترب منهما يسأل “يوسف” باهتمامٍ:
_قولي صح “إسـماعيل” صاحبك عمل إيه ؟؟
جاوبه “يوسف” بقلة حيلة بعدما ركز ببصره مع خاله:
_كويس الحمد لله جت بسيطة، هروحله كمان شوية اتطمن عليه، وهوصله سلامك، تؤمرني بحاجة يا خالو؟؟
انتبه “أيوب” لما يُقال وقد لفت نظره اسم “إسـماعيل” ومرضه فسأله عن سبب الحديث ليجاوبه “يـوسف” بإصابة الأخر فاقترح عليه “أيـوب” بأدبٍ كعادته دون أن يبدو مُتطفلًا:
_طب ينفع أجي معاك أطمن عليه؟ يعني بما أني اتعرفت عليه وعلى الشباب هناك، على الأقل علشان ميزعلش يعني.
ابتسم “يوسف” بسخريةٍ وهتف يوضح له الأمر:
_”إسـماعيل” لو واحد زيك دخل يطمن عليه يمين بالله دا ممكن يخف من الفرحة، مش بعيد يبوس راسك، لو بتتكلم جد تعالى وخليك قد كلامك، بس متجيبش القُلل بتاعتك معاك.
رفع “أيـوب” حاجبيه ثم قلد طريقته حتى ضحك “يوسف” له ثم قلد طريقته وهو يقول بنبرةٍ ساخرة تشبه تلك التي حدثه بها الأخر بالأمس:
_نسيت متتريقش على الفُخار بتاعي علشان بتقمص.
ضحك له “أيوب” وضحك “يوسف” وكأنهما صديقان يمازحان بعضهما، أما “أيـوب” فنظر للموضوع من جهةٍ أخرى أن من يمازحه حقًا يحبه، وإن كان هذا الغامض يحبه، فحينها هو محظوظٌ بحقٍ وحتى الآن لم يعلم سبب محبته لـ “يوسف” وكيف يتحمله لهذه اللحظة دون أن ينقض عليه.
__________________________________
<“كيف نثأر من نفسنا لنفسنا ؟”>
في منطقة الزمالك جلست “مادلين” في حديقة البيت تتابع العمل المتراكم فوقها فاقترب منها “عاصم” يجلس بجوارها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_لو فاضية النهاردة تعالي معايا نخرج شوية ونتعشى برة
انتبهت له وابتسمت رغمًا عنها وهي تقول:
_دا بجد ؟! من إمتى يعني؟
جاوبها بسخريةٍ تشبه طريقتها:
_اهو نخرج من الجو الكئيب اللي هنا وبصراحة إحنا ضغطنا نفسنا الفترة اللي فاتت دي علشان كدا قولت نخرج سوى ناكل برة ونرجع تاني، تمام؟؟
حركت رأسها موافقةً وهي تضحك له فلثم هو وجنتها ثم تركها ودلف للداخل من جديد وهي خلفه تتنفس الصعداء فهي وحدها القادرة على إخراج الجزء اللطيف منه، أما “شـهد” فوقفت تراقبها باستياءٍ من تواجدها هنا بل من حُبه لزوجته لذا ابتسمت بسخريةٍ حينما تذكرت أمر العمل الذي تم إفساده.
صدح صوت هاتف “مادلين” برقم “رهف” فجاوبت على المكالمة وقد وصلها صوت الأخرى تؤكد عليها بقولها:
_آسفة أني كل شوية أذن عليكِ كدا بس أنا عاوزة أتطمن علشان أجي أخد الملف وأثبت كل حاجة عندي قبل ما “يوسف” ياخدها، ها ؟؟ كله تمام ؟؟
تذكرت أمر الملف فقالت بلهفةٍ:
_آه، طب كويس إنك فكرتيني، أنا إمبارح تممت عليه وعلى كل حاجة، أنا كمان شوية هخرج وقبلها هعدي عليكِ تاخديه مني، تمام ؟؟ متوتريش نفسك.
بحثت عن الملف وهي تحدثها حتى وجدت الغلاف بمحله السابق ثم فتحته وحينها اتسعت عيناها بدهشةٍ وهي تجد الملف خاليًا من أية معلومات بل الموضوع ورق أبيض اللون شاغر من أي كلماتٍ، فرفعت صوتها تصرخ بنبرةٍ غلفها القلق واتضح عليها الحزن:
_”رهــف” الحقيني الملف مش موجود وفيه مكانه ورق أبيض فاضي، وكل الحاجة اللي فيها المعلومات مش معاه.
دب الخوف في قلب “رهـف” وعلى الفور انقبض قلبها وهي ترى تعب الأيام السابقة يذهب سدى وأن كل المجهود التي بذلته هي ارتمى أرضًا بعدما ضغطت على نفسها حتى تقوم بوضع هذه الخطة العملية التي لم تتذكر منها أي شيء سوى أنها أصبحت سرابًا.
في منطقة نزلة السمان
تحديدًا ببيت “نَـعيم الحُصري” جلس في بهو البيت الفارغ
برفقة الشباب مع بعضهم ومن بعد ليلة أمسٍ التي مرت عليهم بخوفٍ، لذا سأل هو بنبرةٍ جامدة يوجه سؤاله إلى “إيـهاب”:
_ها يا “إيـهاب مين اللي عمل كدا ؟؟.
انتبه له بعدما وزع نظراته على أوجه البقية ثم استقر ببصره من جديد على وجه “نَـعيم” وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_معرفش، بس بنسبة كبيرة حد ليه علاقة بـزفت الطين “ماكسيم” ولو كدا يبقى لازم نخلي بالنا ونأمن نفسنا أحسن.
هتف “نَـعيم” بنبرةٍ جامدة بعدما اندفع للأمام في جلسته:
_وأنا لسه هستنى !! اللي عمل كدا يتجاب أحسنلك، بدل ما اجيبه أنا بطريقتي، وأظن عارف إن طريقتي مش هتعجب حد، ولا تكون عاوزني استنى لحد ما أخسر واحد فيكم كمان ؟؟ أنتَ خيبت ولا إيه ؟؟.
تدخل “إسـماعيل” يُهديء من روع “نَـعيم” بقوله مُشفقًا على أخيه:
_يا حج أنا كويس، والحكاية مش مستهلة ممكن يكون حد بيصطاد ولا حاجة وأظن أنتَ عارف انها بتحصل كتير، “إيـهاب” معندهوش حاجة تانية يعملها، يبقى متقلقش نفسك واتطمن.
ابتسم “نَـعيم” بتهكمٍ وهو يقول بسخريةٍ لاذعة أثناء نظره في وجه “إيـهاب” الذي يعد الدرع الحامي لهذا البيت:
_وهو عارف إن حقنا مبيباتش برة، وعارف إن اللي عمل كدا لازم يتجاب، أنا مش هستنى أخسر حد فيهم، ولا هستنى لما الفاس تقع في الراس.
تدخل “سراج” في هذه اللحظة يقول بإحراجٍ من نفسه:
_يا حج اللي حصل دا عندي أنا، فيه ناس بقالها كام يوم حطني في راسهم وأكيد أنا اللي كنت مقصود ساعتها، وللأسف هفضل كدا كتير لحد ما تيجي فيا بجد.
زفر “نَـعيم” مُطولًا ونطق بيأسٍ تمكن منه:
_اسمع ياض أنتَ !! لو فكرت تخرج عن طوعي يمين بالله لأضيعك وأرميك في الشارع من غير تعريفة واحدة وأخليك على الحديدة، عارف ليه ؟؟ علشان الفتحة الهباب دي بسببك أنتَ، وبسبب الأشكال الشمال اللي أنتَ عرفتهم وورطتنا معاك، وأنا علشان راجل محترم أبوك موصيني عليك مش هقدر أديك ضهري، فاهم !!.
توبيخه وتعنيفه وعنفه برغم حدتهم إلا أنه شعر بالفرحةِ بهم، لذا ترك محله واقترب من “نَـعيم” يقبل رأسه ثم قبل كفه وهو يقول بنبرةٍ مختنقة:
_أنا اتبهدلت من بعدك، وعرفت قيمة إني أكون هنا في حمايتك، سامحني من قلبك علشان والله ما عارف أسامح نفسي ولا قادر حتى انتقم لنفسي، أنا ضيعتني مني.
ربت “نَـعيم” على كتفه ثم هتف بنبرةٍ جامدة يزيد توبيخه:
_اللي بيسامح العباد ربنا، بس أنا اللي عليا هفضل آمنك لحد ما الحكاية دي تخلص على خير بعدها لو فضيت هبقى أسامحك، مع أني مش ناوي.
ضحك له “سراج” وهو يقول مراوغًا له:
_طب بصلي مش يمكن ملامحي الحلوة تجيبك؟؟
لكزه “نَـعيم” بعصاهِ في كتفه حتى ضحك “سراج” واحتضنه وكذلك البقية حتى سأله “مُـحي” بمرحٍ يثير استفزاز والده:
_أنتَ معندكش حد شبهك بس يكون أنثى ؟؟ عاوز من نفس الشكل بس يكون من سني، الوحيدة اللي لقيتها كدا طلعت “جودي” روحت اعاكسها قالتلي شكرًا يا “مُـحي”.
سأله “إسماعيل” بسخريةٍ:
_طب أنتَ عاوز إيه يعني؟ مش فاهمينك.
جاوبه مفسرًا وهو يشرح بكفيه معًا:
_عاوز اسمع نفس الجملة من نفس الشكل بس من واحدة أكبر، إيه اللي صعب في كلامي ؟؟ مش عارف الحريم بقى خلقها ضيق ليه، علشان نسيت اسم واحدة منهم إمبارح قفلت في وشي، والمصيبة أني مش فاكر هي كانت أنهي واحدة فيهم.
ضحكوا على حديثه مع بعضهم ضحكات يائسة كأنهم فقدوا الأمل فيه أما “نَـعيم” فقال بيأسٍ:
_يا أخي نفس أعيش لحد اليوم اللي هتعقل فيه، أحرمك من إيه تاني ؟؟ فاضل إيه أعاقبك بيه ومنفعش؟؟
هتف “إيـهاب” بسخريةٍ بعدما رأى زوجته “سمارة” تلاعب الصغيرة وتهدهدها كما لو كانت ابنتها:
_جوزه، لو عاوز تأدب راجل جوزه، زيي كدا.
ضحكوا من جديد حينما غالبًا فهموا سبب سخريته، وفي هذه اللحظة دلف “ميكي” وهو يقول بنبرةٍ مُتلجلجة وكأنه يخشى التحدث:
_يا حج !! فيه واحد برة عاوز يقابلك.
انتبهوا له فدلف خلفه “ماكسيم” وهو يقول بزهوٍ في نفسه:
_مقدرتش أقف استنى الإذن، أصلي ماليش كبير بقى.
وقف الشباب مع بعضهم بدهشةٍ من جرأته ووقاحته التي أتت به إلى هُنا وخاصةً “نَـعيم” الذي طالعه بدهشةٍ سرعان ما تحولت إلى التقزز وهو يرى الأخر في عقر داره يقف بمنتهى التبجح وقد صادف دخول “يوسف” وبجواره “أيوب” في نفس اللحظة التي التفت فيها “ماكسيم” خلفه وهو يقول بسخريةٍ:
_”چــو” !! دا أنا محظوظ إن الحبايب كلهم هنا بقى.
اندهش “يوسف” من تواجده وكذلك “أيوب” الذي نظر له “ماكسيم” يُمعن النظر في وجههِ يحاول أن يقرأ ماهيته وشخصيته التي أتضح عليها الإلتزام، وكأن اللحظة الغريبة هذه لحظة مصيرية ضيفها “أيـوب” أو لربما يكون هو عنصرًا أساسيًا بها.
_______________________

يتبع….

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية غوثهم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى