روايات

رواية فطنة القلب الفصل الثامن 8 بقلم سلمى خالد

رواية فطنة القلب الفصل الثامن 8 بقلم سلمى خالد

رواية فطنة القلب الجزء الثامن

رواية فطنة القلب البارت الثامن

رواية فطنة القلب الحلقة الثامنة

فِطْنَة اَلْقَلْبِ
«قطوف الياسمين»
بقلم سلمى خالد ” سماسيموو
سبحانك اللهم بحمدك سبحان الله العظيم
الفصل الثامن
(اُورْكِيدَا)
تجاهلت حديثه وانطلقت نحو يده لتراها، ولكن ابعدها مازن يتمتم بلهجةٍ عنيفة وسط نظراتها المندهشة:
_ هو مش أنا بضحك على خالي.. وأنا برضو اللي جابرك على عيشتك.. وأنا اللي غدار وخاين.. عايزة إيه مني!
نظرت له قطوف ببعض التوتر، ولم تجيب في حين كانت نظرات مازن حادة قاسية، أردف بنبرة حدة كي ينهي الحديث:
_ بصي يا بنت العطار… عيشتك معايا لا أنا اللي فرضتها عليكي ولا أنا اللي اتحايلت على خالي ابقى معاكي.. الحياة بينا مستحيلة… أنتِ عايشة هنا بكرامتك وأنا عايش هنا لأسباب تخصني.. السنة تخلص وهنطلق عشان ورثك ميروحش.
تفاجأت قطوف من كونه لا يريد ورثها، وأن من الأفضل له أن يطلقها كي يأخذ مالها، ولكنه فعل العكس، ازدردت لعابها ثم قالت بتوتر:
_ طب ايدك بتنزف!
ابتسم بسخرية، ثم قال:
_ لا كتر خيرك أنا عارف اعالجها إزاي.
امسك بتلك القماشة، ثم لف بها يده، كادت أن تساعده ولكنه غادر المكتب متوجهًا نحو أقرب مشفى فهذا الجرح قوي للغاية ويحتاج لعناية فائقة.
شعرت قطوف بحيرةٍ شديدة، ماذا تفعل! اتبقى مكانها أم تذهب خلفه! وأخيرًا قررت أن تبقى ولكن ستنتظره حتى يعود.
***
انتهى مازن من علاج يده وأخبره الطبيب بالاهتمام بمستوى السكر لديه كي يتم إلتئام الجروح بسرعة، ولكن بدأ يشعر بتعبٍ شديد يغزو جسده.
ترجل من السيارة يتوجه نحو الداخل، ولكن تعجب من وجود نور الردهة لايزال مشتعل، فتح باب المنزل ودلف للداخل ليجد قطوف تجلس على الأريكة تنتظره، رمش بأهدابه عدة مرات في ذهولٍ، هل انتظرته ليعود، كاد يجن من طريقتها ولكنه لا يعلم أيتركها مكانها أم يذهب إليها!
تأوّهت قطوف وهي لا تزال نائمة، فأشفق عليها مازن وترك حقيبة الدواء وتقدم منها يقيظها فلم تكون هناك فائدة، حاول مجددًا ليجدها تتلفظ بكلماتٍ غير مفهومة، ليتمتم بسخرية:
_ سبحان الله نايمة ومش دريانة بالدنيا.. ونومك اتقل من نومي.
لم يستطع ايقاظها فلم يجد طريقة سوى حملها، تطلع ليده المجروحة وتنهد قليلًا، ثم وضع يده أسفل قدمها والأخرى أسفل ظهرها، ثم حملها بخفةٍ، نظر لملامحها فوجدها لا تزال تغفو، صعد بها نحو غرفتها وما أن وصل حتى وضعها ولكن وجدها تتشبث به بقوةٍ لا تأبى أن تتركه، حاول فك يدها عنه ولكن دون أن تشعر فكانت تتمسك بقوة، زحفت ابتسامة صغيرة على شفتيه فلم يتشبث به أحد هكذا من قبل، نظر لوجهها القريب منه، ثم همس بهدوء:
_ قطوف… أصحي يا قطوف..
أعد الهتاف باسمها عدة مرات حتى استجابة له، ففتحت عينيها ولكنها كانت بين الوعي واللاوعي، فهمس مازن بصوتٍ حنون:
_ فكي ايدك عشان تنامي.
أغمضت عينيها ثم رددت بصوتٍ ناعس للغاية:
_ هتسبني.. لاء.. بخاف.. اقعد وحدي.
تعجب مازن من حديثها، وأردف بدهشة:
_ يا بنتي أنتِ لو شاربة حاجة مكنتش هتقفشي كده.. دا أنتِ لفة ايدك على رقبتي ولا كأنها كلبش.. بت يا قطوف فوقي.
لم تستجب له، وغطت بنومٍ عميق، في حين أمسك مازن بوسادة جواره ووضعها بينهما كي يبعد قطوف عنه وبالفعل استطاع ابعدها لتمسك قطوف بالوسادة تحتضنها بقوةٍ، دُهش مازن من طريقتها ولكنه ابتسم وبدأ يتخيل شكل قطوف عندما إذا علمت ما فعلته.
***
بالاسكندرية..
هبطت ياسمين أعلى الدرج، تسرع بخطواتها كي تلحق بتلك السيدة، وما أن اوقفتها حتى قالت:
_ طنط زينب.. طنط زينب.
استدارت تلك السيدة المسنة لها، وما أن رأتها حتى ابتسمت تردد بهدوء:
_ عاملة ايه يا بنتي؟
منحتها ياسمين ابتسامة صغيرة ثم قالت:
_ الحمدلله كنت عايزة اسأل حضرتك على حاجة!
ركزت زينب انتباهها لها، في حين أكملت ياسمين بحرجٍ:
_ تعرفي طريق شغل عشان مش هقدر اقعد كتير من غير شغل؟!
نظرت لها قليلًا، ثم بدأت تفكر وهي تردد:
_ تلاقي فين شغل يا زينب.. تلاقيه فين يا زوزو.. اه افتكرت بصي يا بنتي في شركة اسمها **** كانت طالبة محاسبين فيها.. روحي شوفيها واللي فيه الخير ربنا يقدمه.
ابتسمت لها ياسمين برقةٍ، ثم قالت:
_ شكرًا بجد يا طنط.
:_ العفو يا حبيبتي.. أنتِ زي بنتي.
قالتها زينب بهدوءٍ، في حين تساءلت ياسمين بفضولٍ:
_ هو حضرتك صاحية لحد دلوقتي ليه دا الساعة دخلت على اتنين؟!
منحتها بسمة صغيرة قبل ان تجيب:
_ مفيش مستنية جمال.. ابني كان مسافر وجاي النهاردة بليل.
حركت رأسها في هدوء، في حين اتى شاب غريب من الخارج يحمل حقيبة ضخمة، يقترب من السيدة زينب يتمتم بهدوء:
_ وحشتني يا أمي!
تهلل سرير تلك السيدة وبدأت باحتضان جمال بقوة، تتمتم بكلماتٍ سعيدة:
_ نورت اخيرًا بيتك يا نور قلبي… حمدلله على السلامة!
ظلت ياسمين تراقب هذا المشهد المحبب لقلبها، في حين ابتسم جمال لها، ولكنه لاحظ ياسمين ظل يحدق بها في قوةٍ، ليتسأل يقترب منها شيئًا فشيء:
_ مين دي؟!
اجابته زينب ببسمة عريضة وهي تمسك بيد ابنها:
_ دي ياسمين المستأجرة الجديدة يا بني.. جت بقالها يوم كده.. وكانت بتسأل على شغل ودلتها… دا جمال ابني اللي حكيت عنه.
شعرت ياسمين بحرج شديد، في حين قدم جمال يده قائلًا ببسمة غريبة:
_ ازيك.. أنا جمال.
توترت ياسمين بشدة، لتردف وهي تتراجع:
_ أنا آسفة مش بسلم على رجاله.. حمدلله على السلامة وعن اذنكم.
تركتهما تغادر المكان، في حين ظل جمال عينيه تتعلق بها حتى اختفت، نظرت له زينب ببعض الضيق قائلة:
_ جمال.. دي مش مراتك اللي ماتت.. صحيح فيها شبها منها ومن طريقة مراتك بس الاتنين عكس بعض.
حرك جمال رأسه في هدوءٍ، دون أن يظهر ما يدور برأسه فقد أصبح بارعًا في اخفاء تعبيرات وجهه، تمتم بنبرة متعبة:
_ طب يلا عشان ارتاح لحسن جاي هلكان.
****
صباحًا..
كان مازن يجلس على الطاولة كعادته الصباحية، ولكن اليوم غير باقي الأيام فهو يوم الجمعة يستيقظ به مبكرًا، يتناول قدح الشاي بحليبٍ، ولكن تلك المرة يمسك بأوراق عمله يراجعها، حتى أتاه اتصل من محمود فأجاب سريعًا:
_ ايوة يا محمود وصلت لحاجة!
:_ في حد بيصرف الفلوس من ماكينة باسكندرية.
قالها محمود بهدوءٍ، في حين تنهد مازن براحة ثم قال:
_ طب حاول تعرف المكان فين وتعين حرس على البيت وتأمنها كويس.
:_ تمام يا مازن.
أغلق محمود بعد أن قال تلك الجملة، في حين ابتسم مازن ببعض الراحة أنه اخيرًا استطاع أن يعلم مكان ياسمين ليس بشكلٍ محدد ولكنه علم موقعها.
هبطت قطوف من الدرج وهي تتحدث لذاتها تتذكر هل حملها مازن وتشبثت به أم هذا حُلم! رأته يجلس على الطاولة ويده لا تزال ملفوف، تنهدت ببعض الضيق من ذاتها ثم تقدمت نحوه قائلة بنبرة تحمل القليل من التوتر:
_ هو الدكتور كتبلك دوا؟!
:_ آه.
قالها دون النظر إليها، في حين اكملت قطوف:
_ طب قالك هتاخده امتى؟!
زفر مازن قليلًا، ثم قال ببعض الضيق:
_ قالي تلت مرات في اليوم قبل الأكل.. في أي اسئلة تانية ولا أكمل شغل؟!
رمقته بنظرة غاضبة، تردف بنبرة متعصبة:
_ أنا غلطانة إني فكرت اسألك.. ان شالله تتفلق أنا مالي.. كفاية إني عايشة مع مجنون زيك كل شوية يفتح ايده.
:_ دا ارحم ما افتح دماغك ونخلص!
قالها ببرودٍ دون أن يتطلع إليها، شهقت قطوف بقوة، تغمغم بصوتٍ حاد:
_ تفتح دماغ مين.. دا أنا ممكن اعمل منك بُفتيك لو فكرت تهوب جنبي.
نهض مازن فجأة وتقدم منها بلمح البصر يقف أمامها مباشرةً لا يفصل بين وجهه ووجهها سوى مسافة صغيرة، تمتم مازن بصوتٍ هادئ يتطلع لحدقتيها بقوة:
_ اتفضلي اعمليني بفتيك.. أنا قدامك اهوه.
توتر قطوف بشدة، انفاسه التي تلفح وجهها جعلتها تخشى قربه أكثر، حاولت أن تبتعد ولكن أمسكها مازن من ذراعها لتسقط عليه تستند بيدها على كتفه، فأردف مازن بصوتٍ رخيم:
_ مش من شوية بتقولي لو هوبت جنبك هتعمليني بُفتيك..أنا اهوه شديتك لحد ما بقيتي جوا حض..
صرخت قطوف به في غيظ قائلة:
_ اسكت.. أنا ساكتة عشان ايدك.. لكن تزود فيها هتعصب عليك.. وأنت واثق إني لو عايزة اضايقك هضايقك.
نظرة التحدي ملأت حدقتيها، في حين بقت نظرات مازن متعلق بخاصتها، تركها فجأة واستدار يغادر المكان، في حين نظرة قطوف لموضع اختفاؤه ثم تنهدت بتوتر، تضع يدها على قلبها ببعض الخوف، تتمتم بتعجب:
_ أنا مالي بقيت بخاف ابصله كتير ليه؟ وبتوتر من كلامه ليا؟
حركت رأسه تنفض تلك الأسئلة من رأسها، وتطلعت نحو الطاولة لتجد بها أوراق عديدة، اخذها الفضول لتراها وبالفعل ما أن نظرت بها فلم تفهم شيئًا واحدًا، قطبت جبينها بشدة ثم قالت:
_ هما بيفهموا الشبكة العنكبوتية دي إزاي!
:_ لو عايزة افهمك معنديش مانع.
قالها مازن يعود لها يجمع تلك الأوراق، في حين تراجعت قطوف تحرك رأسها في نفي، تتمتم بصوتٍ مقتضب:
_ لاء شكرًا وقت ما أحب أفهم مش هحتاجك.
صمت مازن دون أن يحدثها، في حين اكملت قطوف بفضولٍ:
_ النهاردة الجمعة هو..
قاطعها في الحديث تاركًا إياها يدلف لغرفة المكتب، في حين تهجمت ملامح قطوف بشدة، تسبه في سرها، وما هي إلا دقائق حتى خرج مجددًا يجيبها متجهًا نحو غرفته:
_ النهاردة الجمعة وفي خطبة ورايح ليها.
انهى حديثه وأغلق الباب، في حين اشاحت قطوف وجهها بغضبٍ تتوجه نحو المطبخ كي لا تفقد اعصابها، فهذا البرود لا تطيقه وهو يفعل معها ما يثير غضبها بأقل من دقيقة.
***
هبطت مريم من المنزل كي تشتري بعض الأغراض المنزلية الشهرية، كادت أن تفتح باب السيارة ولكنها تفاجأت بورقة صغيرة موجودة، مدت يدها تنتشلها من اعلى السيارة وما أن فتحتها حتى وجدت..
( أنتِ هلالٌ في سمائهم، ولكنكِ بدرٌ في سمائي)
ياسين العطار.
ابتسمت مريم من كلماته، شعرت ببعض السعادة من رسالته ولكن يجب أن تخفي هذا كي ترى هل سيفعل المستحيل كي يصل لها أم لا!
****
جلس مازن بالمسجد، يستمع للشيخ وهو يلقي خطبته حتى تركز سمعه على حديث الشيخ قائلًا:
_ أحيانًا كده بتبقى في خيارين من الست أما تلاقي مراتك ساعة راضية عنك وأكل ومحمر ومشمر واحيانًا تمشيها عيش وحلاوة وكأنك بسجن… طب ليه هنا عملت محمر ومشمر وليه هنا عيش وحلاوة.. في أسباب كتير أوي أولها أن الست عندها العذر الشرعي بتاعها ودا بيعمل قلبان في الهرمونات بتاعتها ومن رحمة ربنا علينا تلاقي عند الانسان هرمون السعادة.. الهرمون دا لو قل تنكد عليك عشيتك.. ولو زاد فتلاقيها طايرة من الفرحة وكويسة… شوف أنت بقى قاعد عادي وهي بقى في هرمونات عاملة تطلع وتنزل.. دا حاجة من الحاجات اللي بتأثر عليها… نيجي بقى لدورك أنت يا حضرة الزوج.
تركز سمع مازن على حديثه، في حين استرسل الشيخ حديثه قائلًا:
_ أنت بقى مثلا تروح للبيت وهي تعبانة من شغل البيت وملحقتش تحضر الغدا.. فحضرتك شايل هم برة تيجي تطلعه على مراتك اللي هي برضو تعبانة زيك… هتقولولي أنهم قاعدين في البيت… هرد عليك واقولك تعالى أنت وصحابك اقعدوا في بيت وخلي واحد بس يروق وينضف ويطبخ للكل.. شوف هتقدر ولا لاء وهتستحمل اسبوع كامل بتعمل كده ولا لاء.. الست ربنا خلق قوتها كده تشيل مسؤولية البيت وتراعيك.. ضعيفة مهما قويت… انما أنت الراجل خلقك قوي عشان تحميها وتبقى امان ليها… دور الراجل في حياة أي ست أنه يساعد مراته ويقف بضهرها مهما كان شغلها.. القليل تشوف كبير وتفتخر بيها.. عشان لما يجي الوقت اللي تقع فيه هي هتقويك من القوة اللي كانت عندك ودعمتها بيها… الموضوع أطول من كده يا اخواني بس هنكتفي لحد كده.
انتهى الشيخ من إلقاء خطبته، ونهضوا جميعًا للصلاة، وما أن انتهوا حتى تقدم مازن من هذا الشيخ يردد:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. كنت عايز أسألك يا شيخنا!
توقف الشيخ متبسمًا، يردد بنبرة هادئة:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. اتفضل يا ابني.
نظر له ببعض الحرج، ثم تمتم:
_ هو لو أنا ومراتي اتجوزنا تحت ظروف ما وهي وافقت وأنا وفقت بس لا هي بتحبني ولا أنا وهي دايمًا وبتتعامل معايا وكأني عدوها يبقى الحل في ايد مين؟!
ابتسم الشيخ بهدوءٍ، ثم قال وهو يربت على كتفه قائلًا:
_ في ايدك برضو..
نظر له بدهشة في حين أكمل الشيخ بتبسم:
_ وفي ايدها.. بص يا بني أي انسان في علاقة مع الانسان التاني أي كان نوعه إيه سواء ست أو راجل والطرفين شدوا سوا ومحدش رخى الحبل هتلاقي الاتنين خسروا بعض.. لكن احيانا كده تلاقي زوج هادي أوي يتجوز واحدة عصبية وبتزعق من أقل حاجة وتلاقيهم كملوا سوا طب ازاي.. تلاقي بيقولك لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع.. يعني لولا اختلاف ذوقنا وطبعنا كنت البنات كلها بارت.
ضحك مازن على حديثه، في حين أكمل الشيخ ببسمة طيبة:
_ خُلاصة الكلام.. الست مهما عملت ومهما حصل منها لو لقت فيك الحنان اللي مش هتلاقي في حد هـ توهب حياتها وعمرها كله ليك.. إنما لقت العكس يا هتعيش مضطرة يا هتسيبك ومش هتكمل..
حرك مازن رأسه في هدوء، وتركه الشيخ مغادرًا، في حين انطلق مازن عائدًا للمنزل ولكنه وجد مشتل للزرع لا يزال يفتتح جديدًا، توقف عنده قليلًا وتذكر زرعة الأوركيدا، فقرر الدلوف له، وبالفعل دلف له ليجد صاحب المحل يستقبله بحبورٍ، تمتم مازن:
_ في زهرة الأوركيدا؟!
ابتسم باتساع يردد:
_ أيوة يا فندم.. لحظة واحدة اجبهالك ولو احتاجت اي زهور أو نوع زرع قولي عليه ولو مش موجود اجيبه خصوصي لحضرتك.
ابتسم مازن بلطفٍ، يتمتم:
– تسلم يا غالي، عايز بس الزهرة دي .
حرك الرجل رأسه وبقى مازن ينتظره حتى احضر له هذه الزهرة، انطلق مازن عائدًا للمنزل ولكن يبتسم بسعادة، فهذه الخطبة ساعدته كي ينسى غضبه من قطوف.
وصل للمنزل في سرعة، يضع هذه الزهرة بالمكان المخصص لها، ثم دلف للمنزل يبحث بعينيه عنها، فلم يجدها علم أنها بالغالب ستكون بورشتها وبالفعل انطلق هناك وما أن دلف حتى وجدها تستلقي على ظهرها تفعل شيئًا بالسيارة، حمحم مازن قائلًا:
_ قطوف.
رجعت قطوف بالعجلة تنظر لمازن قائلة بتعجبٍ:
_ مالك؟ محتاج حاجة!
نفى حديثه مرددًا:
_ لاء، بس عايز تشوفي حاجة.
تنهدت قليلًا، وقررت الذهاب معه لعله يكن أمرًا هام، نهضت معه تسير نحو الحديقة المرافقة للمنزل، حتى وصلت للزهور، ابتسم مازن باتساع في حين نظرت له قطوف بضيق قائلة بنبرة مختنقة:
_ يا ياض اخلص ورايا حاجات عايزة اخلصها في العربية بقى!
عبست ملامحه فجأة قائلًا:
_ ياض.. اتصدقي أنا غلطان إني بعبر واحدة بالشحم.. الناس تعيش مع بني آدميين وأنا عايش مع واحدة بتتغذى على الشحم العربيات.
تهجمت ملامحها بغضبٍ، وكادت أن تتحدث ولكن امسك مازن وجهها بيده السليمة ضاغطًا على وجنتيها، ثم ادار رأسها نحو الزهرة لتتسع عين قطوف بسعادة قائلة بصوتٍ مضحك بسبب الضغط:
_ دي زهية ( زهرة) الأويكيدا( الأوركيدا).
تركها مازن يضحك بخفةٍ، في حين ركضت قطوف نحو الزهرة تردد بنبرة مبتهجة:
_ اخيرًا جيتي.. طلبتها من ياسمين عشان تجبها لان لفيت كذا مشتل وملقتش.. وطلبت منها وهي رايحة الجامعة تجبهالي عشان مش لقيها بالمنطقة هنا.. شكرًا يا مازن.
ابتسم لها يتأمل ملامحها السعيدة، يدها التي تنغرس بالطين كي تصنع مكانًا لهذه الزهرة الجميلة، شعر بأنه يشتم السعادة، فلم يهمس سوى بـ:
_ وكأن سعادتك هي عبق زهوري.
انتهت قطوف من وضعها وترسيخها بالتربة، ثم وقفت أمام مازن مردفة بامتنان شديد لأول مرة يراه به:
_ شكرًا يا مازن حقيقي أنا فرحانة أوي بالزهرة دي وأنت كملت حياتي بجد.
يعلم أنها تقصد الزهور، ولكن تلذذ سمعه من تلك الجُملة، ليردف بهدوءٍ:
_ العفو يا قطوف.
دلفت للداخل كي تغتسل من الطين والشحم، في حين جلس مازن بالمكتب كي ينهي عمله، وبقى منكب على الأوراق يخشى أن يفعل خطأ واحدًا فيخسر مال ويحاسب عليه فليس ماله كي يتصرف فيه.
مرت ساعات حتى طرقت قطوف على الباب، سمح لها مازن بدلوف لتهتف بنبرة سعيدة:
_ أنا عملت غدا.. تعالى عشان تاكل.
تعجب قليلًا من طريقتها السعيدة، ولكنه قال ببسمة عريضة:
_ بركاتك يا شيخنا.
قطبت جبينها بتعجبٍ، في حين نهض مازن من مكانه قائلًا ببلاهة:
_ متخديش في بالك.. يلا.
سار معها نحو الطاولة ولكن جحظت عينيه بصدمةٍ، فجميع الأطعمة الممنوع منها موضوعة على الطاولة، جلست قطوف ولكنها نظرت لمازن بدهشة قائلة:
_ يلا يا بني ناكل.
جلس مازن على الطاولة، ينظر لقطوف التي تضع له طبق معكرونة بالبشاميل، فهمس بسره:
_ طلعت فشينك يا شيخنا.
وضعت له قطوف الطبق متمتمة:
_ كُل وقول رأيك.
حرك مازن رأسه وبدأ بتناول شوكة صغيرة، ثم قال ببسمة باهتة:
_ حلو ما شاء الله.
اتسعت ابتسامتها ثم قالت:
_ طب خلص الطبق كله بقى.
ابتسم بتوترٍ، وبدأ بتناول الطبق في حين بقت قطوف تنظر من حين لأخر للطبق الخاص به في سعادة، تتمتم بنبرة متحمسة:
_ دي أول مرة أعمل فيها بشاميل تعرف كده!
أحب مازن حديثها فتمتم قائلًا وهو يجاري حديثها باستحسان:
_ بجد! طب عملتي أكل قبل كده ولا دي أول مرة؟!
لم تشعر قطوف بذاتها فقط بدأت تروي له عن تاريخها بدلوف المطبخ وأنها كانت تفشل في بعض الأحيان ولكن بتدريب استطعت صنع بعض الأكلات، و كلما توقف مازن عن تناول طبقه اشارت له قطوف بأن يتناوله حتى ينتهى من الطبق او بمعنى صحيح من نص الصينية.
انتهت قطوف من الحديث، ونهضت من مكانها تتسأل قائلة:
_ اعملك شاي؟!
ابتسم مازن ببعض التعب، يردف:
_ آه ياريت.
كادت أن تغادر ولكن عادت تسأل ببعض الفضول الذي أصبح يحفر طريقًا يجمعهما:
_ هو أنت ليه بتشرب الشاي بدون سكر أو لما تحط سكر بيبقى نص معلقة؟!
بدأ يشعر بتشوش الرؤية، ولكنه حاول أن يقاوم يجيبها بوهنٍ:
_ السكر مش حلو عامة للجسم وأنا بحاول احافظ على صحة جسمي.
اقنعتها تلك الاجابة وغادرت للمطبخ، في حين انطلق مازن سريعًا كي يأخذ الحقنة، و ما أن فتح الخزانة حتى وجدها فارغة ولم يجد حقنة الانسولين الخاصة به، اشتد الألم به وأصبح غير قادرًا على الوقوف!

يتبع…

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية فطنة القلب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى