روايات

رواية بنت المعلم الجزء الثاني الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم حسناء محمد

رواية بنت المعلم الجزء الثاني الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم حسناء محمد

رواية بنت المعلم الجزء الثاني الجزء الحادي والثلاثون

رواية بنت المعلم الجزء الثاني البارت الحادي والثلاثون

رواية بنت المعلم
رواية بنت المعلم

رواية بنت المعلم الجزء الثاني الحلقة الحادية والثلاثون

حام حول فراشها بنظرات ماكرة مبتسمًا بتشفي، فقالت بسخرية وهي ترمقه بقرف :
لو خلصت لف زي الكلب قولي
تهجم وجهه بضيق وأردف باستهجان :
لمى لسانك دا أنتِ تحت ايدي
ضحكت مغمغه ببرود :
لسان بس على الفاضي
واسترسلت تسأله بحده طفيفة :
فين الدكتور الغبي اللي بيجي يتابع حالتي
قهقه الآخر وحرك رأسه مردد بتهكم :
كان زمن وجبر يا بنت عمي
تطلعت هاديه إلى تعابيره الخبيثة وهي تسأله بخشية :
يعني ايه ؟ أنت قولت أنك هتساعدني لحد ما أقولك على الشنط !!
جلس بالمقعد القريب من فراشها وهو يهتف بنبرة جعلتها تشعر بالقلق من مصيرها :
هتعرفني مكان الشنط هكمل علاجك وتقدري تقفي على رجلك محصلش هتكوني زي توفيق
تماسكت رغم خوفها وقالت بحده :
وجه اليوم اللي بتعرف تهدد فيه
لوى جانب فمه متمتم بسخرية :
أهو بحاول أتعلم منك
واستكمل حديثه بلا مبالاة :
محدش يعرف عنك حاجه ولا حد بيسأل عليكي من أساسه ولو فضلتي هنا وموتى محدش هيحس بيكي
ضغطت على شفتيها وهي تصيح بغيظ :
حسابك تقل وصدقني هتندم
ابتسم بخفة ونهض يتجه للخارج … شعرت هاديه بالاختناق قبل أن يغلق الباب عليها مجددًا، منذ مجيئها إلى هنا لم ترى بشري سواه والطبيب المتابع إلى حالتها التي ستسوء إن لم تكمل علاجها، تمضي وقتها في التخطيط للانتقام على أمل تنفيذه في يوم خروجها … إن لم تموت بسبب حالتها حتمًا ستكون الوحدة السم القاضي على حياتها ….
: ساعدني أخد حقي من اللي عمل فيا كدا وأنا أعرفك مكان الشنط
دار يرمقها بشك وهو يهتف باستغراب :
سالم سويلم !!!
حركت رأسها بالنفي وهي تردف بسخط :
دا دوره هيجي بعد ممدوح ابن عباس
” ممدوح !!” قالها بدهشة ومن ثم سألها بعدم فهم :
عباس دا العمدة ؟؟
: قصدك المرحوم اللي كان عمده
رفع حاجبيه باستغراب مغمغمًا بدهشة:
عباس مات !! اظاهر في كتير حصل وقت غيابي
ثم سألها باقتصار:
أفهم برده ايه دخل ابن عباس في كلامك ؟؟
ردت عليه بوجوم :
كان عايز يبعتني لابوه بس معرفش
ابتسم ببلاهة وهو يردد باستياء:
يا خسارة .. حرك رأسه مستكملًا بريبة:
مش هقدر أساعدك، مليش في الأذيه
وقبل أن يوصد الباب ألقى وعيده بشراسة:
بكره لو معرفتش مكان الشنط هتكون نهايتك زي توفيق
كاد أن ينفجر رأسها غيظًا من قلة الحيلة المحاصرة إليها، شعرت بالحسرة من تبدل أحوالها…. كانت الأمر الناهي، لا تكسر كلماتها، تفعل ما تشاء ولا يحلو بخاطرها، لم يتجرأ أحد على تحديها إلا وكانت تدمره بمؤامراتها اللئيمة … انقلب السحر على الساحر، وتصبح حياتها على المحك بين يدي طامع بالجشع مثلها …
؛**********
جلست على الأرض وهي تبكي بحرقة، تترجاهم بأن يخرجوا ابنها من الحبس … وقفوا العمال المسؤولين عن هدم المنزل جانبًا بعد محاولات فاشلة في إخراجها، عند إذًا أرسلوا إلى عزيز كي يأتي ويجد حل معها :
وبعدين يا أم منير قومي وسيبي الناس تشوف شغلها
حركت رأسها بالنفي وهي تتوسل إليه :
مش عايزه غير ابني
واسترسلت بشهيق :
ابني معملش حاجه عشان يتحبس، دا طول عمره في حاله
أومأ عزيز إليها مردفاً بهدوء :
عارف وهو اللي أعترف من نفسه، أنا موكله بدل المحامي اتنين ولو طلبوا كفالة هدفعها، بس سيبي العمال يبدأوا وروحي البيت اللي تبع المعلم سالم لحد ما يخلصوا
تقدمت جارتها التي كانت تتابع الحديث منذ البداية، ساعدتها على الوقوف واخذتها وهي تنصحها بترك العمال يخرجوا أثاثها، ويبدأن في بناء المنزل الذي كان في أي وقت يسقط فوق رأسها… في كل الأحوال مستقبل منير مازال مجهول، فلا داعي للخسارة أكثر من ذلك،
؛********
العاشرة صباحًا
ولج سفيان الغرفة دون أن يطرق، جال بنظره في الارجاء المظلمة، ثم اتجه يفتح الشرفة والنافذة … تسلل الضوء إلى أعين طلال الذي وضع يده على وجهه وهو يفتح جفونه بانزعاج، فرك عينيه بنعاس وهو يعتدل في الفراش، فقال سفيان بوجه متهجم :
بعتذر إني صحيتك بس ماما مستيناك على الفطار
نظر طلال إليه وهو يجاهد في فتح عينيه:
أنت بتكلمني كدا ليه ؟؟
عقد سفيان يده أمام صدره متسائلاً بجمود :
إزاي قدرت تقنعها تيجي وتقولي الفيلم دا ؟؟!
حدجه بثبات وهو يسأله بعدم فهم:
هي مين ؟؟!
لوي سفيان جانب شفتيه مغمغمًا بكدر:
بلاش تعمل أهبل عشان مش لايق عليك الدور
وقف طلال أمامه مزمجرًا بحده:
قولتلك مكنتش أعرف أنها جايه البلد أساساً عايز تصدق برحتك مش عايز أنت حر
ابتسم سيفان بسخرية بالغة، فصاح طلال بنفاذ صبر من استفزازه :
وأنا إيه هيخليني ابعتها تقول كدا
قاطعه سفيان بغضب جلي:
ليه مقولتش من البداية أن دي قصتك معها بدل ما كذبت عليا مع أنك عارف اني هساعدك
على حين غرة انتفض طلال يمسكه من قميصه وهو يهدر بانفعال ظهر على أعينه المكسوة بحمرة الغضب :
كل اللي حوليا بيموتوا قدام عيني وأنا بدفنهم بايدي، مش ناقص كلامك وبرحتك صدقت أو لا بس بلاش أخسرك أنت كمان لأني مش هستحمل يا سفيان

‏تركه بهدوء وغادر الغرفة تحت نظرات سفيان المقتضبة، لا يعلم هو الآخر صحة حسه من الحقيقة، لكنه يدرك تعابير وجه أخيه إذا كان يكذب، لا يستطيع النظر في أعين أحد إذا كان يختلق كذبة ما ، وذلك لا يتماشى مع تصرفه الآن … تنهد بصوت مسموع وخرج هو الآخر قبل أن تقلق والدتهم من تأخيرهم، لحق طلال على الدرج فقال بخفوت وهو يمسكه من معصمه :

‏آسف مقصدش أضغط عليك

‏عاتبه بنظراته وهو يردد بجمود :

‏ياريت بلاش نتكلم في الموضوع دا

‏حرك سفيان رأسه بإيجاب واتبعه للأسفل، عليه الاسترخاء فغدًا يومه مع أمل لخطوة تقدم في علاقتهم، أخذ يفكر في تحضير مبلغ المحدد للذهب، ثم يذهب لتجهيز ثيابه والتحدث مع أمل إن كان يلزمها شيء…

‏؛************

: مفيش جواز بينفع بالغصب

امتعض عبده وضرب طاولة الطعام بحده :

مش عايز أسمع كلمه في الموضوع دا

اضافة رحاب بعبوس :

بكره لما تتجوزه هتعرف إننا كنا صح لما اخترناه

رفع سالم حاجبيه باستغراب وسألها باستنكار :

ومين هيتجوز عشان يختار ؟!! إحنا اللي نختار ولا صاحبة الشأن ؟!!!

وقفت سميه تأخذ أطفال مياده وندى للداخل بعد أن احتد النقاش، بينما صاح عبده بحنق موجه حديثه إلى سالم :

متدخلش طول ما أنا عايش، لما أموت وقتها قرر بدالي
تدخلت مياده وهي تقترح بهدوء، فقد أمرها عبده بالانضمام إليهم بعد أن غادر محمود :
ممكن نتكلم مع سمر تاني ونديها فرصة تفكر براحه
أيدت ندى فكرتها مردفه بهدوء :
فعلاً هي ممكن تكون محتاجه كلام يشجعها ويوضح فكرتها الغلط عن الجواز
نظر سالم إلى ندى متسائلاً بحده طفيفة:
ودا كله يكون في يومين ؟؟!
نقل نظره إلى والده مسترسل بعتاب :
يابا سمر مش صغيره عشان تضربها وطالما مش مرتاحة يبقى مفيش حاجه تتم غصب عنها
قبل أن يردعه عبده صاحت رحاب تسأله بسخرية:
وأنت مش عايز أختك مبسوطه ومرتاحة ومتهننة زي بنت عمك ؟؟! دا بدل ما تنصحها وتقول كلمة عدله !!
ود سالم أن يوضح فكرته، ولكن نفذ صبر عبده من حواره، فنهض يصيح بشراسة:
محدش فيكم بيريح، كلكم متربتوش ولا شوفتوا ريحة الاحترام
احتقن وجهه وهو يجول بين سعد وسالم بضيق، ثم تحرك للخارج متمتم بضجر … رتبت ندى على يد سالم تهون عليه بالحديث، بينما نهضت ميادة تساعد سحر في تنظيف المائدة تحت نظرات وكلمات رحاب الساخطة،
؛***********
وضعت زينب كوب الحليب أمام مي التي انكمشت على نفسها من نظرات أخوها القاتمة، لولا وجود جابر ما كانت خرجت من الغرفة حتى يغادر المنزل …
: هتمشي انهارده برده ؟؟
أجابت خلود بهمس وهي تخفض نظرها :
ربيع هيعدي علينا بعد الضهر
انتبه جابر على حديثها وعقب بحزن وهو يلاعب ربيع الجالس على ركبته :
ايه دا يعني الحلو دا هيمشي ويسبني
أردفت زينب مبتسمة:
زي النسمة بس ربيع ظلمه لما سماه على اسمه
ضحكت خلود وهو تقول بتفكير :
مي تقترح عليه يسموه نسيم
انتفض سالم وهو يلقي الخبز من يده على المائدة بعنف، فسألته زينب بقلق :
مالك يا بني ما تقعد تكمل أكلك ؟؟
تطلع إلى مي وغمغم بتعابير مشمئزة :
نفسي اتسدت
كادت زينب أن تطلب من الجلوس وإكمال طعامه، لكن صوت جابر الحاد سبقها بضيق :
أقعد في شقتك ونفسك تتفتح
شعر أنه سيفقد أعصابه ويخرج غله فيها إن لم يرحل .. سينفجر من تصرفات والده الغير مفهومه، بدلاً من معاقبتها بجفاء العلاقة بينها وبينهم، يدللها بمعاملة حسنة وكأنها لم تفعل شيء… وقف عندما استمع إلى صوت خلود، التفت يرمقها بجمود متسائلاً باقتصار:
خير ؟؟
: لحد أمته هتفضل كدا يا سالم ؟؟ مش معقول كل ما تيجي تحسسها أن وجودها مش مرغوب بينا
لوى جانب شفتيه مردفاً بوجوم:
هي حياتها أصلاً مش مرغوب فيها
رفعت خلود حاجبيها بدهشة وهتفت برجاء:
محدش بيتعب غير بابا لما يشوفك بتتعامل معها كدا
ضحك سالم باستهزاء مردد بانفعال :
مفيش حاجه هتجنني قد معاملة أبوكي ليها
لوح بيده مستكملًا بلا مبالاة:
مبقتش فارقة ما خلاص عملت اللي عملته ومجبورين نشوف خلقتها
حركت رأسها باستياء وهي تهتف بحيره:
وجوزها من ربيع مش كفايا ؟!! عمي بِعدها عن البيت لتموتها وبابا يموت وراها وأنت تضيع دا كله مش كفايا أنها تحس بتأنيب الضيمر !! بلاش دا كله أنت مش شايف بعينك أن مي اتغيرت !!
شعر سالم بنيران مشتعلة في صدره وهو يزمجر بغضب:
اللي أنتِ بتتكلمي عنها دي كنت مكسر عضمها ووقفت قدامي تهددني أنها هتطلع تفضحنا، مهمهاش ورقبتها بين ايدي وقالت بكل وقاحة أنها بعتت كل صورها
وصف مصطفي بلفظ بذئ، تطلعت خلود إلى قسمات وجهه الغاضبة وهمست بهدوء :
هون على نفسك يا سالم، اللي أنت بتتكلم عليه دا مات وخد جزاته، ومي اتعلمت الدرس وعرفت غلطها
رتبت على كتفه واسترسلت مبتسمة كي تغير مجرى الحديث الساخن :
فكرتني امتى هنروح نشتري لبس البيبي، أنا شوفت محل تحفه للأطفال وأكيد هيعجبك
مسح وجهه بعنف قائلاً بتهكم :
واحنا هنروح نشتري من غير ما المدام تعرفنا بنت ولا ولد
ردت عليه بحماس لتحفيزه على التقدم لإصلاح العلاقة بينه وبين نيره :
مش شرط تقولنا اعملها مفاجأة واشتري حاجات بسيطة تنفع للولد أو بنت، وروح زورها واطمن على صحتها، شوف لو محتاجه حاجه واسألها بنفسك عن نوع البيبي
أومأ إليها بهدوء وأردف قبل أن يغادر :
هخلص كام شغلانه في المصنع وهكلمك
كانت تشعر بوجودها فاقتصرت الحديث معه كي لا تجرح مشاعرها بكلماته القاسية، تأكدت من حسها وهي ترها تقف خلسة بجانب الحائط، وما أن رأتها مي تقدمت تعانقها بقوة وهي تبكي بصوت مرتفع .. رتبت خلود على ظهرها بحنو :
بابا لو سمعك بتعيطي هيزعل وهيتخانق مع سالم
همست مي من بين شهقاتها :
حرام عليه ليه بيتعامل معايا كدا
نظرت خلود إلى الداخل وهي تقول بقلق :
خلاص يا مي بابا هيسمعك
ابتعدت تمسح وجهها مردفه بصوت مختنق :
أعمل ايه عشان ينسى ويعاملني كويس، مش مكفيه إني دفعت عمري تمن جوازه من أرمل ومعاه أربع أطفال بسببه
رفعت خلود حاجبيها بتعجب، تلقي اللوم على أخيها من زيجاتها التي أنقذت حياتها من براثيه، والآخر يشعر بالضيق لتقييده بزواجها الذي منعه من إخراج غضبه بها …تمتمت بذهول :
لا دا أنتِ وهو مش طبيعيين بجد
دفعتها برفق للداخل :
ادخلي حبيبتي اغسلي وشك وسيبك من الكلام دا
استمعوا إلى صوت عمهم عبده، ففتحت خلود الباب واستقبلته بترحاب ثم ولجت تخبر جابر بوجوده.. في حين دلوف مي إلى المرحاض تغسل وجهها، وتجهز قبل أن يأتي ربيع ليأخذها للبيت ..
؛***********
في شقة بسيطة تغلب الأناقة أرجائها، خرج يونس من المطبخ بآخر طبق من الفطور الصحي الخاص بوالده، الذي سأله مستفسرًا:

واستقبالهم ليك كان طبيعي ؟؟!
سحب يونس المقعد وجلس قائلاً باستغراب:
طبيعي ازاي !! يعني بصراحة حسيت إني مش غريب عنهم وكأني أعرفهم من سنين
حرك والده رأسه بهدوء وهو يأخذ علاجه قبل أن يأكل، سكب يونس كوب الماء وقدمه إليه متسائلاً بتعجب :
هو أنا ليه شايفك مش مبسوط من وقت ما رجعت ؟؟!
أرتشف قليل من كوب الماء :
هو عشان بطمن عليك أكون مش مبسوط
عقد يونس جبينه باستفهام فاسترسل والده بنبرة مندهشة :
كنت فاكر أنهم هيضغطوا عليك بالأسئلة، كنت فين السنين دي كلها ؟؟ ايه رجعك ؟! عايز ايه من زيارتك ؟؟ أسئلة طبيعية لظهورك فجأة
ابتلع يونس ما في فمه وغمغم بلا اكتراث:
مش يمكن فرحوا أنه ابن اختهم رجع
: ولما كل حاجه عجبتك مقعدتش أكتر ليه ؟؟
رد عليه بمشاكسة :
مقدرش اسيبك يا ابراهيم اكتر من كدا
ضحك ابراهيم بخفة وشرع في تناول الطعام .. لم يمر وقت وتذكر يونس أمر العجوز فتسأل بفضول :
بس ليه قولت إن الحاجة مبروكه مساعدة أمي يوم الولادة وهي قالت غير كدا
نظر إليه بتعجب وسأله باهتمام :
قالت ايه ؟؟!
شعر يونس أن مبروكه تخفي أمر ما، أو أن والده هو الذي يخفي الحقيقة :
مردتش استنى أعرف
نفض ابراهيم يده وعاد يستند بظهره على المقعد وهو يردف بتفكير :
أمك اللي حكتلي عنها لأني مقدرتش أدخل السرايا وقتها بسبب جدك، لأنه فكر إني زعلتها عشان كدا ولدت بدري عن معادها
ظهر الفضول في نبرة يونس وهو يسأله باستغراب:
يعني مكنتش موجود مع أمي ؟!
حرك ابرهيم رأسه بالنفي وأردف بضيق طفيف :
ولما مبروكه قالتلك كدا ليه مستنتش تعرف ايه اللي عندها
حرك يونس كتفيه بلامبالاة قائلاً:
مش عايز أعرف أساساً، أنا رايح أزور أهلي اللي عمري ما شفتوهم ومش عايز أكتر من كدا حتى لو حاجه تانيه
واستكمل بعدم فهم:
بس ليه أنت مقولتش إني شبه خالي عبده وهو صغير، دا مفيش حد شافني إلا ويقول اني شبه محمود ابنه
: وأنا أعرف منين محمود دلوقتي، أنا ماشي من البلد وهو عنده سنه .. استكمل بحنق :
أما عبده فللأسف أنت شبه أكتر بني آدم مفيش بينه وبيني عمار
ضحك يونس وهو يرمق قسمات وجهه المقتضبة عند ذكر عبده:
واضح من غير ما تتكلم
أشار إلى الطعام :
كمل فطارك وأنا هقوم أشوف ايه اللي ناقص في التلاجه لاني نازل
أخذ هاتفه ونهض متجه للمطبخ، لا يشعر سوى بالتعجب من نفسه لبرودة أعصابه، حتى الفضول لا ينتابه لذرة واحدة لمعرفة الحقيقة خلف كلمات مبروكه.. ربما لأنه لا يريد تعكير صفوه بتلك الزيارة ؟! أو لأنه لا يهتم من الأساس لشيء سوى إحساس الدفيء لعائلة حرم من معناه طيلة حياته ؟؟ .. لم يجد يونس إجابة على أسئلته فوضع الهاتف جانبًا وأخذ ورقة يدون فيها مستلزمات المطبخ الناقصة دون أن يشغل نفسه بالحيرة، فهو على يقين أن كل الخيوط تظهر وحدها دون مجهود من المرء بالصبر،
؛*********
: اتصرفت في فلوس ؟؟
سأله عندما خاب أمله في قراءة تعابيره الهادئة منذ الصباح، توقع أنه لن يجلس معهم على المائدة لضيقه، أو على الأقل يفصح عن استيائه ويطلب مساعدته مرة أخرى .. رآه يداعب أولاد أخوه وبسمته تزين ثغره متجاهل سؤاله، فصاح يزجره بحده :

أنت مش سامعني ولا عامل نفسك زعلان
نظر يعقوب إليه وهتف برزانة:
معلش يابا بحسب الكلام مش ليا
رفع عزيز حاجبيه باستنكار وغمغم ساخراً:
ومين غيرك محتاج فلوس دلوقتي
ابتسم يعقوب مردد باحترام :
منتحوجش لحد وأنت موجود يابا
واسترسل موضحًا بوقار :
أنا اتصرفت وإن شاء الله هنفذ اتفاقك مع المعلم سالم وادفع تمن اللي تختاره حسناء
تدخل سليمان الذي جاء من سفره مع فايزة ليلة أمس:
ولما أنت محتاج فلوس ليه مكلمتنيش هو أنا غريب
رد عليه يعقوب بمزاح وقال غامزا :
شايلك للتقلية
اقتضبت قسمات وجه عزيز وسأله بصرامة :
اتصرفت منين ؟؟
رمقه يعقوب لبرهة ثم هتف بجمود :
عملت بشورتك وكلمت عمي يشتري الأرض
نهض من مقعده مضيف بابتسامة مشرقة:
عن اذنكم ألحق وقتي وأحضر نفسي بما أني بكره عريس
أوقفه عزيز بنبرة متهجمة :
لما تروح المحجر كلمني لانـ…
قاطعه يعقوب بتلقائية :
مش يومي عشان أروح
قطب عزيز جبينه باستفهام وتسأل بتعجب :
يعني ايه مش يومك ؟؟!
أشار يعقوب على عبدالله وعلي وهو يغمغم برجاحة :
أنا روحت امبارح المحجر الجديد وأول امبارح المحجر اللي بحري، شوف مين فيهم هيروح أيامه
“أيامه !!” رددها عبدالله بدهشة، فرد عليه يعقوب بسلاسة:
آه أيامه، كل واحد يومين ويوم الجمعة لأنه نص يوم هشيله لحد ما اتجوز وبعدين كل واحد يشيله أسبوع
عم الصمت عليهم والنظرات تتبادل بذهول .. لم ينتظر يعقوب وغادر غير مبالي بالاستغراب البادي على ملامحهم، إذا أراد والده المساواة بينه وبين إخوته، فلا داعي لتحمل المسؤولية بدلاً عنهم في أعباء العمل، لتكون المساواة عادلة في حقه …
؛************
بعد آذان العصر وصلت والدة عامر وابنتها إلى القرية، دلهم أحد المارة عن منزل المعلم سالم، فلم يخبروا عامر بمجيئهم كي لا تفسد المفاجأة… في بداية الأمر لم يفهم المعلم سبب الزيارة لحين إفصاح والدة عامر وطلبت بشكل مباشر زواج عامر وخيريه، كما أنها وضحت معرفتها المتأخرة من هاجر بالحب الذي أوقع ابنها .. بعد أن أنهت ما جاءت إليه أوصلها أحد رجاله لمنزل عامر، الذي هبط راكضًا بعجلة عندما اتصلت هاجر وأخبرته أنها أسفل المنزل، جف الدم في عروقه وهو يراهم أمامه فأسرع متسائلاً بهلع :
انتو جيتوا ازاي ؟؟ ايه اللي حصل ؟!
أمسك يد والدته وسألها بخوف :
انتو كويسين ؟! ايه جابكم وازاي جيتوا وليه…
رفعت يدها أمام وجهه وهي تقول برفق :
بس يا بني ايه كل الأسئلة دي
واستكملت تتطمأنه بهدوء :
احنا كويسين مفيش حاجه
نقل عامر نظره بينها وبين هاجر بقلق بالغ:
ايه جابكم طالما كويسين وليه متصلتوش بيا وعرفتوني
: طيب دخلني ارتاح الأول
أفسح إليهم الطريق وهو يرمقهم بشك .. ولجت هاجر وهي تتأمل المنزل بجانب والدتها التي قالت بتلقائية:
ملقتش بيت أصغر من دا على قدك
انتظر حتى جلست وسألها بنفاذ صبر :
لو سمحتي يا أمي متلعبيش بأعصابي وقوليلي ايه جابكم
ضحكت والدته وأردفت بسعادة:
جايه أشوف مرات ابني
صاحت هاجر بحماس وهي تصفق :
آه وشوفنها
قطب عامر جيبنه باستفهام وحدجهن بعدم فهم، ثم سألهم باستغراب :
مرات مين ؟؟ وشوفتوا مين ؟!
إجابته والدته بمراوغة:
هو أنا عندي كام ابن
واستطردت بفرحة عارمة:
روحنا للمعلم سالم وطلبت ايد خيريه
فتح عامر عينيه على وسعهم، فأكملت هاجر حديث والدتها:
وقعدنا معها كمان بس باباها طلب أننا منتكملش في حاجه لحد ما أنت تروحله وبعدين يفتحها
تدلى فم عامر بذهول ثم همس بعدما استعاب صدمته :
ليه عملتوا كدا
تطلعت إليه والدته وهي تقول بخشية :
مش أنت بتحبها
أشارت على هاجر مستكملة:
أختك حكتلي عن الكلام اللي أنت قولته
ألقى نفسه على المقعد بإهمال مغمغم بوجوم :
يا ماما رفض الراجل واضح ومش موافق يجوز بنته بعيد
أخذت والدته أنفاسها براحة، ظنت لوهلة أنه ألغى فكرة زواجه من خيريه من تعابيره المقتضبة:
ما أنا عارفه وحليت المشكلة خلاص، بس فاضل تروح دلوقتي وتأكدله كلامي عشان يفتح الموضوع مع بنته
قعد بين حاجبيه باستنكار وسألها مستفسرًا:
ازاي حليتي المشكلة ؟؟ اقنعتيه يعني ؟؟؟
ابتسمت والدته وهي تمتمتم بعاطفة :
قولتله هتتجوز أنت وخيريه هنا في بيتك، وبالمرة تكون جنب شغلك وتشرف بنفسك عليه، بس بشرط أنك تيجي كل يوم خميس وجمعه تقضيه معانا أنت مراتك
انتفض من جلسته وهو يهدر بانفعال :
ومين قال إني هسيبكم مستحيل دا يحصل
وقفت والدته أمامه وهتفت بحكمة :
يا بني ومين قال أنك هتسيبنا وبعدين مش يمكن لما هاجر تخلص كليتها نيجي نعيش معاكم
ضحك عامر باستهزاء وغمغم بتهكم :
متضحكيش عليا يا ماما لأني عارف أنك مش هترجعي البلد
واستكمل ببسالة :
مش هيحصل لو آخر بنت في الدنيا، محدش هيبعدني عنكم
: يبقى أنت مش بتحبها وكنت بتتسلى يا عامر
نظر إليها متسائلاً باقتضاب :
وأنتِ مربيه ابنك على كدا ؟؟
حركت والدته يدها بعفوية مردفه باستياء :
ولما بتحبها مش موافق ليه بعد ما روحت لأبوها
أبتعد بأعينه مردد بضيق :
هنساها مع الأيام بس مقعدش في مكان انتو مش فيه
ابتسمت والدته بخفة قائلة بحنكة :
طيب ما أنت قاعد في مكان إحنا مش فيه بقالك يومين، ومن وقت المصنع اللي فتحته هنا وأنت بقيت تزورنا في اسكندرية زي ما تكون فعلاً عايش هنا
: يا ماما غيابي لأن الشغل محتاج متابعة
ضحكت هاجر بصوت مسموع ثم هتفت بمزاح :
طيب ما غياب بغياب وعلى الأقل اسمك اتجوزت
اقتربت منه والدته مردفه بفرحة :
يلا يا حبيبي روح دلوقتي للمعلم سالم وكمل فرحتنا
زمجر بحده وهو يخرج من أمامهم:
مستحيل أوافق
؛************
في نفس التوقيت داخل الطابق الثاني بمنزل المعلم سالم، بالتحديد في غرفة المعيشة، جلست مها أمام الكتب تراجع ما درسته، لم يتبقى سوى أيام على مناقشة رسالة الدكتوراه، لذلك جاءت بحقيبة صغيرة لأولادها لتتركهم كي لا يضيعوا وقتها .. بالقرب منها كانت هند تغرق في بحر الضياع للمرة الألف في نفس الدقيقة، أصبح الضيق يحتل صدرها بشكل جعلها تختنق في أخذ أنفاسها، اعتقدت أنها غضبت من وقاحة ريم في الحديث، لكن غيظها يتضاعف عندما تتذكر جملتها القاسية، بوصفها بالمشوهة وأن موسى لن يحب فتاة مثلها وتصرفه شفقة لا أكثر… تملكها العنفوان عندما جرحت كبريائها كأنثى وقللت من كونها لا تستحق الحب … أول مرة فعلها أحمد وكسر ثقتها بنفسها لوصفها بالقبيحة بفظاظة، وها هي المرة الثانية تأتي على عجلة وتوصف بالمسخ المشوه،
ماذا فعلت ليكون ذلك جزائي ؟! سألت نفسها هذا السؤال مرارًا دون توقف ولكنها عجزت عن إيجاد إجابة تداوي خاطرها ..
: بقولك يا هند شوفتي أم عامر وأخته كانوا بيبصوا على خيريه ازاي
انتشلت هند من مرارة تفكيرها على صوت مها عند ولوج خيريه الغرفة، ابتسمت بصعوبة وهي تقول بعبث :
وخاصة لما عرفوا أن دي خيريه
ضحكت مها واضافة بمكر :
تفتكري ليه معلقين معها كدا
احتقن وجه خيريه وهي ترمقهم بضيق :
أنا أصلاً غلطانه إني قولت ليكم حاجه
انكمش بين حاجبيي هند وسألت مها بخبث :
هي قالت ايه عشان مش فاكره ؟؟
ردت مها غامزة :
سمعت هاجر وهي بتقول لي أخوها هي دي خيريه اللي أنت بتحبها
كست الحمرة وجنتي خيريه مردده بحنق :
آخر مره افضفض معاكم أصلاً
ضحكت هند وسألتها بشك :
تفتكري ايه سر الزيارة الغريبة ؟؟!
اصطنعت مها الحيرة ومن ثمّ أردفت بزهو :
جايين يعاينوا البضاعة قبل ما يطلبوها رسمي
ضحكت هند وهي تشير إليها مؤكدة صحة تفكيرها، كادت خيريه بأن تفتح فمها ولكن اندفاع صباح داخل الغرفة وهي تصيح بغيظ جعلها تصمت متبرمة :
محدش بيساعد في البيت دا أبداً
نظرت إلى مها واستكملت بحده :
قومي ياختي شوفي جوزك تحت ومش راضي يطلع، قال مذاكرة قال دا صوت ضحكك واصل لآخر البلد
أغلقت الكتب وحملت حجابها متجها إلى المرآة بعجلة … هبطت إلى الطابق الأرضي فوجدته يجلس على الأريكة في بهو المنزل، وقف ما أن رآها وقدم حقيبة بلاستيكية متوسطة مردد بشوق :
ينفع تغيبي دا كله عن البيت
أخذت تتفحص الحقيبة وهي تهتف مبتسمة:
دا هو امبارح بس
رفعت نظرها وسألته مستفسرة:
هترجع البيت أمته ؟؟ ماما عامله حسابك في الغدا
: اعفيني المرة دي، أبويا كلمني وهروح بعد ما أخلص
عانقته بسرعة متمتمه بامتنان :
تعبتك معايا
حاوطها بذراعيه هامسًا بنبرة عميقة:
تعبك راحة ليا يا أم العيال
ابتعدت عنه تدفعه بحده بوجه عابس من وصفه، ابتسم بخفة وغمغم بعاطفة :
طمنيني عليكي وأنا آخر النهار هعدي أشوفك
لوحت إليه وبسمتها تزين وجهها المشرق، ثم أسرعت للأعلى وهي تفتح بعض الحلوى الذي جاء بها إليها مع بعض أغراض الأولاد ..
؛************
في نفس الطابق الأرضي بالتحديد في مجلس الرجال، فرك عامر يده بارتباك وهو يرمق المعلم سالم بثبات، بعد تفكير لم يدوم طويلاً هتف باضطراب:
الموضوع كان صعب افتحه مع والدتي
نظر إليه بشك متسائلاً بترقب :
يعني مكنتش تعرف بوجود والدتك ؟؟!
حرك عامر رأسه بالإيجاب مردد بجدية :
معرفش أن هاجر حكت ليها أساساً، وبصراحة وضحوا نقطة أنا مكنتش شايفها ودا اللي جابني دلوقتي
أردف المعلم سالم بهدوء :
مش عايز يجي يوم وتندم أو تفكر أنك لما تتجوز تقدر تخلف اتفاقنا
: إن شاء الله مفيش ندم، وأنا فاهم يعني ايه كلمة قولتها ولازم أكون قدها
أومأ بهدوء وهو يغمغم مبتسمًا:
هفتح الموضوع مع خيريه ولما تقرر هرد عليك
تهللت أسرار عامر وأردف بحماس :
طيب ينفع نجيب الدهب بكره مع يعقوب
احتدت نظرات المعلم سالم فتراجع بتعلثم :
نقرأ الفاتحة حتى
وقف يشير إليه بالخروج وهو يهدر بنفاذ صبر :
امشي يا عامر
أخذ هاتفه هامسا بصوت منخفض:
ما عندها طول الليل تفكر
: دا لو فكرت هتلبس ايه بتاخد وقت أطول من كدا، ما بالك هتلبس فيك
نظر إليه ببلاهة ثم انسحب بهدوء قبل أن يغير رأيه…. ابتسم المعلم سالم واتجه إلى خارج المجلس، صعد إلى الطابق الثاني وطلب من خيريه أن تلحقه على غرفته .. لا يريد سوى رجل مسؤول، ذو دراية بضغوطات الحياة، يرى فيه صفات قادرة على حماية ابنته، يتقدم للزواج لأجلها ليس لِما سيناوله من إرثها .. وعامر شاب مجتهد رغم ظروفه الصعبة بعد وفاة والده، أكمل مسيرة والده بدون خجل من كونه بائع خضار، وبتفكيره استطاع صنع اسم مختلف في المجال في وقت قصير، ليكون صاحب عدة محلات للخضار والفاكهة المغلفة في عديد من المولات التجارية، وربما فكرة مشروع خيريه ستصبح مشروعين بينهما قريبًا…
؛***************
وقف بالسيارة أمام المصنع وهو يسألها بملل :
هنفضل واقفين كتير؟؟ كلميه يطلع
مطت عليا شفتيها مردفه بعدم فهم:
كان بيقول عنده دوريه بليل تقريبًا
رغم عنه ضحك مردد بتوضيح :
اسمها ورديه يا عليا، يا تكلميه يا أنزل أشوفه
في نفس الوقت ظهر عمر يتقدم نحوهم بعجلة .. ساعدت عليا زياد ويزيد في الهبوط من السيارة، بينما هتف موسى باقتضاب:
لسا بدري ولا فاكر إني فضيلك
ابتسم عمر قائلاً باعتذار :
معلش عطلتك
عانق الصغار بقوة موجه حديثه إلى عليا :
شكرًا يا عليا مش عارف أرد كل اللي أنتِ بتعمليه معايا
: أبعد عنها
تطلعت عليا إلى موسى متمتمه بمزاح :
دايما تحب تهزر
نقلت نظرها إلى عمر وهي ترتب على رأس الصغار:
مش أحسن لو كانوا فضلوا عندنا فترة
أردف بقلة حيلة وهو يرمق الصغار بحزن :
مقدرش أحدد الفترة هطول قد ايه عشان ظروفي تتحسن
خرجت قهقه خافته من موسى مغمغمًا بسخرية:
ومين قالك انها فترة
انكمش بين حاجبيي عمر متسائلاً بحنق :
هتفضل تقطمني لحد أمته ؟؟
رد عليه بوجوم وهو يسحب عليا إلى السيارة :
لحد ما تسيبها في حالها
نظر عمر إلى الصغار لبرهة وكأنه يستمد قوته من وجودهم، ثم أخذهم وغادر لإحدى الشوارع يتجه إلى منزله المشترك مع والدة المنير التي مكثت في الطابق الأرضي، وصعد هو إلى غرفة في الطابق الثاني … حدقت عليا بخطاه وهي تتمتم بعدم تصديق :
ليه يا موسى
صعد بجانبها واشعل المقود دون أن يرد عليها، فوضعت يدها على المقود وسأله بحده :
أنت عارف كويس أنا بحبه وبحاول اساعده..
قاطعها بضجر وهو يحدجها بضيق :
ظروفه وحياته والبيئة اللي طلع منها مش هينفع تنضمي ليها، مش هرميكي ليه وأنا واقف أتفرج
: مش من حقك تقرر بدل مني
واسترسلت بانفعال وهي تلوح بيدها أمام وجهه :
أنت ولا أب ولا أخ ولا في بينا قرابة عشان تتحكم في حياتي يا موسى ولو فاكر إني هسمحلك بكدا تكون غلطان
هبطت من السيارة وخطت إلى طريق ما تتذكره يصل بها إلى منزل المعلم سالم، كي تعرف عنوان عمر وتذهب إليه لتوضيح الأمر … توقف الزمن من حوله، وصدى كلماتها يجلجل بصخب في رأسه، لم يتخيل نفسه في هذا الموقف بتاتًا، منذ أن ولجت مع والدها إلى حياته وهي أخته الصغرى الذي تكفل بها بعد وفاة والدها، أصبحت جزء من أسرته التي نشأت بها منذ أن كان عمرها تسع أعوام وهو صاحب الخمسة عشر عامًا، وها قد مر مثل عمره وتصبح الفتاة الصغيرة، شابة تقف أمامه وتخبره بعدم وجود صلة قرابة بينهم .. فاق من غفلته وقاد السيارة إلى نفس المكان التي لا تعرف سواه عليا في القرية، شعر بالحسرة على خوفه وقلقه الدائم لانشغاله بأخته التي محت كل شيء في ثوان ..
؛**** بقلم حسناء محمد سويلم
عكس عليا التي انهمرت دموعها بغزارة وهي تضع وجهها بين كفيها في بهو منزل المعلم سالم الذي سألها متعجبًا من وجودها بتلك الحالة :
مالك يا عليا ؟؟ والدتك وموسى بخير ؟؟؟
اجابته بتعلثم من بين دموعها :
موسى زعل مني وعمر سابني
قطب جبينه باستفهام متسائلاً بأهمية :
ايه دخل عمر بموسى ؟!! وايه جابك في الوقت دا ؟؟
جاء صوت موسى من الخارج مستأذن بالدلوف، رفع المعلم سالم حاجبيها بدهشة وأذن إليه بالدخول…. تعمد موسى تجاهل عليا وابتعد بنظره عنها، صافح المعلم سالم واعتذر منه على وجودهم فجأة بدون سابق إنذار، وما سببته عليا من إزعاج :
مفيش إزعاج لكن حالتها مش مطمنة
حدجها موسى بتعابير جامدة :
مدلعة شويه مش أكتر
مسحت عليا وجهها واستأذنت المعلم سالم بالدخول للمرحاض، هبطت صباح بطلب من زوجها وأخذت عليا إلى الأعلى… بينما رفض موسى الدخول للمجلس حتى تنتهي لأن الوقت تأخر وعليهم التحرك :
هو حضرتك متأكد أن عمر مش شبه أهله ؟؟
تطلع إليه وقال بلا اكتراث :
لحد دلوقتي لا
قطب موسى جبينه باستفهام وسأله بتعجب :
وعادي وجوده بينكم كدا ؟؟!
: أنت اللي خايف من وجوده بينكم
أومأ موسى وغمغم بصرامة:
لازم أخاف من ابن ست زي هاديه
واستطرد بضيق:
لكن للأسف عليا مش شايفه كدا
استمع المعلم سالم إلى إحدى بناته تناديه، أشار إلى موسى بأن يجلس على الأريكة لحين عودته أو يدلف للمجلس .. زفر موسى بعنف متذمر من تأخير عليا، وعلى حين غرة استمع إلى صوت يدرك هويته جيداً، رفع رأسه بتلقائية لجهة الصوت، رآها تفتح الشرفة وهي تتحدث إلى أحد ما .. علق ملقتيه على ملامحها بثبات، غير مهتم للهمسات الآتية من النافذة المجاورة، يبدو أن واحدة من أخواتها الواقفة في النافذة لاحظت نظراته، وذهبت تخبر تلك الغافلة التي أخفضت رأسها تتأكد من حديث أختها .. اقتضبت ملامحها المتعجبة في بداية الأمر، ثم تقابلت الأعين في نظرات عتاب ولوم بدون رحمة ..
أخفض موسى رأسه وأخرج هاتفه يلهو به عندما فاق على ما يفعله، متعمد توصيل رسالته المتجاهلة وجودها .. إذا كانت لا تريد قربه لن يسمح لنفسه بالاستمرار في مكان ليس مرغوب فيه، حتى أنها لم تعطيه فرصة لتوضيح كذب ريم، ولكن الخطأ يقع عليه منذ البداية… انتفض من محله بفزع إثر سقوط كمية من الماء البارد فوق رأسه، أبعد هاتفه وهو يمسح وجه بيده ومن ثمّ نظر للأعلى بصدمة طاغية على ملامحه، وجدها تبتسم بشماته وهي تمسك دلو صغير في يدها قائلة بسماجة :
معلش مخدتش بالي منك
عادت للداخل وأغلقت الشرفة بعنف، فنقل نظره إلى ثيابه المبتلة وهو يهمس بذهول :
يا بنت المجانين مايه ساقعه في الجو دا
مسح جاكيته بمناديل ورقية، حاول أن يشلح الثياب التي وصلت إليها الماء بغزارة كي لا يصاب بالزكام، ولكن يبدو أنه تأخر فقد بدأ يعطس عدة مرات متكررة حتى دمعت عينيه :
موسى أنت اتبليت كدا ليه ؟!!
وجد المعلم سالم خلفها فقال بمزاح :
تقريبًا الدنيا مطرت فوقي
نظر المعلم سالم إلى الأعلى فهتف موسى بهدوء :
مخدوش بالهم من وجودي ودلقوا المايه
اقتربت عليا تمسك جاكتيه مردفه بقلق :
لبسك مبلول جامد كدا هتاخد برد
نظرت إلى وجهه بتفحص مستكملة بخوف :
أنت وشك أحمر كدا ليه
أخرج المعلم سالم مفتاح من بين مفاتيحه وغمغم بعدم فهم :
أنا مش فاهم هما يدلقوا مايه هنا ليه أساسًا، بس أدخل دلوقتي الشقة في الجهة التانيه وأنا هشوف سالم يجبلك لبس تاني
: لا مفيش داعي هنشف في الطريق
تطلع المعلم إلى وجهه المحمر وقال بتهكم :
أنت هتنشف فعلاً لو مدخلتش قلعت الهدوم دي
أخذ المفتاح وسار بجانب عليا إلى الجهة الأخرى حيث شقة الضيوف، شعر ببرودة أطرافه أضعاف مضاعفة، طلب من عليا أن تساعده في خلع الجاكيت بعد أن فقد السيطرة على رعشة جسده التي ظهرت بشكل ملحوظ، حينها ركضت عليا إلى إحدى الغرف تجلب غطاء تضعه حول أكتافه … عشر دقائق وطرق سالم عبده، بعد أن ترك أمام الباب جهاز تدفئة كهربائية وبعض الثياب الثقيلة بحكم تقارب طوله من موسى، بينما صعد المعلم سالم وسألهم بضيق من التصرف الاهوج الذي اقترفته إحداهن، لم يجد إجابة منهن فأمر صباح أن تجهز عشاء في عجلة وترسله إلى الشقة .. وتطمئن على حال موسى وما أن كانوا يريدون أدوية أو ما شابه،
؛********
دق عقرب الساعة عن تمام الثانية عشر صباحًا، فتحت ليلى الباب برفق وهي تحمل لوجينا على كتفها .. وجدت سيف يقف ملثم وجهه بوشاح أسود، حمل الصغيرة النائمة بعمق وخطى باتجاه الدرج، جرت ليلى حقيبتهم وأغلقت الباب بحرص، هبطت الدرج خلفه والخوف يتراقص حولها، توقف الاثنين أمام البناية منتظرين أي سيارة أجرة تمر في ذلك الوقت المتأخر .. شعرت ليلي أن عز موجود في الارجاء وحتمًا ستموت على يده أن علم لمخالفتها لأمره، ضغطت على ذراع سيف وهو تهمس بقلق :
تعالى نمشي بعيد شويه عن البيت
في كل ثانية تمر عليه يندم على عودته ليأخذهم معه، لن يستطيع الوقوف أمام عز أن خرج من السجن، بل ساعد زوجته على الهرب إلى مكان لن يتمكن من الوصول إليها:
اهدي لأننا مش هنعرف نتحرك ولوجينا كدا
زاغة عينيها وهو تهمس بتوجس :
احنا رايحين فين
هتف بخفوت عكس توتره من أخذ تلك الخطوة :
لأبعد مكان نقدر نعيش فيه
؛**************
سطع قرص الشمس بين الغيوم العالية .. مع هواء بارد تطايرت غصون الأشجار على أثره، استيقظ جميع أفراد المنزل باكرًا لإنجاز مهام اليوم المميز.. وضعت صباح مهام كل واحده لتكون النتيجة على أكمل وجه، وأخيرًا عاد منزل المعلم سالم إلى عادته في جمع العائلة على مائدة الغذاء كل يوم جمعة، وليس هناك أفضل من مناسبة كهذه لتكون بداية لاستمرار عادات وتقاليد الحاج عثمان الذي أكمل مسيرته ولكن للظروف الماضية جعلته يتوقف عنها،
بعد وجبة الإفطار طلبت نجاة من الفتيات الثلاث الصعود لغرفهن وتجهيز، ويشرعوا في تحضير نفسهن كي لا يتأخرن على الموعد الذي حدده المعلم سالم، في تمام الساعة الواحدة بعد صلاة الجمعة ستتحرك سيارتان إلى محل ذهب يملكه أكبر تاجر ذهب في المنطقة، الذي أعلن غلق المحل لحين انتهاء بنات المعلم من اختيار ما يناسبهن في هدوء .. جاءت ندى ومياده وسمر وسميه، بالإضافة إلى خلود ووالدتها لتقديم المساعدة، وكذلك ريهام وزوجة معتصم فدولت قررت عدم الحضور احترام إلى زوجها الذي رفض دخول منزل أحد من عائلة سويلم،
في نفس التوقيت
وقف سالم جابر أمام منزل والد نيره وهو يحمل باقة زهور اختارتها هند، وحقيبة أغراض لطفله التي ساعدته خلود في شرائها، بالإضافة إلى علبة تحتوى على كعكة الشوكولاتة كما تفضلها نيره ..
رحبت به والدتها التي سعدت بزيارته، وتقدمت تفتح غرفة نيره كي يدلف بهداياه .. لم تتحرك الأخرى من فراشها، ولا كلفت نفسها بالترحيب به لو بكلمة، تغاضى عن تجاهلها ومال يقبل رأسها متسائلاً بهدوء :
عامله ايه دلوقتي ؟؟
قدم إليها باقة الزهور ووضع الحقيبتين بجانبها :
اجمدي كدا عشان جاي اخدك معايا
اعتدلت نيره في جلستها وهي تهتف بحده :
هو دا اللي جابك
ابتسم سالم على حركتها السريعة وقال برفق :
جاي عشان أطمن عليكي، وانهارده الكل متجمع في بيت عمي وأكيد عايزك موجوده معانا
ولجت أخت نيره حاملة صينية الضيافة :
ورد وحركات الله يسهلكم يا سيدي
رمق نيره التي ابتعدت بوجهها عندما فتحت أختها الحقيبة بانبهار، شعر بإحساس غريب تمنى أن يزول منه على الفور، ندم على مجيئه، وندم على تضيع وقته في اختيار الهدايا، وما هو أسوأ ندمه على شعور الاشتياق الذي جاء به إلى هنا ..
: تسلم ايدك يا سالم وعبال ما تجبله وهو بين ايدك
ردت نيره على اختها بسخرية بالغة:
وهو يعرف ولد ولا بنت عشان يجيب لبس
نظرت إلى سالم وهو تسأله بحنق :
وبعدين هو مش ابني زي ما هو ابنك وحقي اختار لبسه؟؟
حدجتها والدتها بغضب وأردفت بغيظ من تصرفاتها الفجة:
سالم مش بيختار حاجه وحشه
رسم بسمة صغيرة على شفتيه بمشقة وهو يتسأل بأهمية:
هي كدا في الشهر الكام ؟؟ ولسا معرفتوش ولد ولا بنت ؟!
لم يود أن يتحدث معها لذلك سأل والدتها وكأنها امرأة غريبة عنه لا يعلم أهم تفاصيل حياتهم المشتركة:
هي في أول الخامس يا بني وحامل في ولد
وقف وهو يحرك رأسه بتفهم، رمقها بجمود مردد :
تقومي بالسلامة
: رايح فين يا بني دا أنت لسا واصل
غمغم باقتصار محدج نيره بعتاب :
ما خلاص اطمنت عليها
سار باتجاه المسجد يجلس بمفرده حتى إقامة صلاة الجمعة.. تمكنت من تبديل مشاعره في ثوان، لتجعله يجزم بعدم الذهاب إليها حتي وإن ظلت طيلة حياتها في منزل أهلها،
؛**************
بعد صلاة الجمعة
وصل سيفان مع يعقوب وكلاهما يرتدي قميص بنفس لون حجاب خطيبته مع سروال أسود، بينما وقف علاء على بعد كاف منهما يتحدث في الهاتف .. خرج المعلم سالم وخلفه بناته الثلاث، أولهم أمل التي ارتدت فستان أسود بأكمام واسعة مطرزة يدوياً على شكل فراشات باللون الأزرق، وحجاب أزرق كما طلبت من سفيان بارتداء قميص مماثل إليها .. وبجانبها حسناء واختارت مثل إطلالة أمل باختلاف لون فراشتها بالبيج الداكن فكان اختيار موفق إلى يعقوب الذي ظهر بزي مختلف عن جلبابه المميز .. وأخيرًا رحمه التي تميزت بينهم بفستان مكون من قطعتين باللون البنفسجي،
تقدم سفيان يقدم باقة زهور إلى أمل وهو يقول بحب :
مبروك
التقطت الباقة منه بخجل متمتمه باستيحاء :
الله يبارك فيك
أخذت صباح الباقة من أمل وهي تتأملهم بسعادة غامرة .. صعد سفيان بجانب مقعد يعقوب الذي غمغم ساخرًا :
لازم تعمل فتنة
رفع سفيان حاجبيه وهتف بغرور :
كل واحد وشطارته يا أستاذ يعقوب
وقف علاء لا يدري أين يذهب فقد أعتقد أن كل واحد منهم سيغادر مع فتاة بانفراد .. أشار إليه المعلم بأن يركب مع الشباب في السيارة الأخرى، قاد سالم جابر السيارة الأولى وهو يمازح أمل بعبث لخجلها الدائم، ربع ساعة ووصلت السيارتين أمام محل الذهب الذي خرج صاحبه يستقبلهم بحفاوة، جلسن الفتيات تبعاً بجانب والدهن، ومقابل إليهن الشباب وسالم .. قدمت الضيافة وبعدها بدأ العمال في عرض تشكيلات من أطقم الذهب المختلفة،
أول من انتهت كانت أمل التي اختارت طقم بسيط مكون من اسواره وخاتم فخاتم الخطبة قدمه سفيان هدية منذ خطبتهم، حاول سفيان أن يعرض عليها عقد راق له ولكنها رفضت واكتفت باختيارها… بعدها أشارت رحمه على ثلاث خواتم بالإضافة إلى خاتم خطبة وعقد واسواره وانسيال، تعجب علاء من اختياراتها الباهظة التي سيكون ثمنها نصف المبلغ المتفق عليه، لكن زال تعجبه عندما أفصح المعلم سالم أنه سيكمل ثمنهم هديه إلى ابنته، كانت رحمه تعلم ذلك فهذه نصف هديتها التي اختارتها وشاركها منير في مبلغها … جاء دور حسناء التي وقع اختيارها على طقم مكون من عقد وخاتم واسواره بتصميم فريد بالإضافة إلى خاتم خطبة، وهنا كانت المفاجأة عندما جاء أحد العمال يحمل علبة قطيفة صغيرة وقدمها إليها

: أستاذ يعقوب كلمنا في وقت قصير عشان نقدر ننفذ الخاتم انهارده
توسعت ملقتي حسناء بانبهار وهي تتأمل خاتم ألماس بنفس التصميم التي احتفظت بصورته من شدة إعجابها به .. ابتسم يعقوب بثقة ثم نهض يدفع حسابه، مرت نصف ساعة وصعد الجميع إلى مكانه، فغمز سفيان مردد بعبث :
أنا برده اللي بعمل فتنه
ضحك يعقوب مغمغم بعنجهية :
كل واحد وشطارته يا حبيبي
عقد علاء ذراعيه أمام صدره متبرم منهما بغيظ، ولكن عليه رسم تعابيره الهادئة أمامهم كي لا يفهموا ما يدور بداخله .. على الجهة الأخرى ارتدت حسناء خاتمها الألماسي وهي تود الصراخ بفرحة عارمة، لم تتخيل قطعاً أن يتصرف يعقوب كذلك لأجلها، اكتملت فرحتها مع والدتها واخواتها واستمر العناق بين العرائس والنساء، حتى جاء موعد الغذاء .. امتلأت طاولة الرجال بالمباركات التي اضافاتها سمر بالموافقة على الزيجة من خليل، فأراد عامر بأن يقرأ الفاتحة كخليل ولكن نظرات المعلم سالم في فتح الموضوع جعلته يجلس بكدر، اشتد المرض على موسى الذي لزم الفراش بسبب ألم جسده، ورغم محاولة الشباب لإخراجه معهم، ولكن التعب سيطر عليه بشكل ملحوظ جعل المعلم سالم يطلب طبيب من القرية المجاورة يفحص حالته الصحية وان استدعى الأمر يأخذه إلى المشفى…
؛***********

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية بنت المعلم الجزء الثاني)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى