روايات

رواية مملكة سفيد الفصل السادس عشر 16 بقلم رحمة نبيل

رواية مملكة سفيد الفصل السادس عشر 16 بقلم رحمة نبيل

رواية مملكة سفيد الجزء السادس عشر

رواية مملكة سفيد البارت السادس عشر

رواية مملكة سفيد
رواية مملكة سفيد

رواية مملكة سفيد الحلقة السادسة عشر

ورغم أن الفراغ حولهم في هذا الوقت لم يكن يساعد على حدوث صدى صوت أو ما شابه، لكن هي شعرت وكأن كلماته التي نطق بها منذ ثواني رنت في أذنها مرات متتالية وكأنها تتعمد اخبارها أنها كُشفت .
اتسعت أعين كهرمان وقد شعرت أن قلبها توقف لثواني معدودة، ثواني قليلة فقط حتى تمالكت نفسها واستطاعت التنفس وهي تقول بصوت خافت وما تزال تخفض رأسها باحترام شديد :
” عفوًا مولاي لا افهم ما تقصد ”
ابتسم وكأنه يقول حقًا :
” بلى تفعلين، أليس من العجيب أن تسكن أميرة أسفل سقف قصري، وتعمل به ؟؟ هل تحبين تجربة الحياة العادية، أم أن مملكتك ارسلتك جاسوسة على مملكتي ؟؟”
تنفست كهرمان بصوت منخفض كي لا ينتبه لتوترها، ثم رفعت رأسها ببطء تقول بنبرة جادة هادئة:
” في الحقيقة مولاي أنا لا اعلم سبب استنتاجك لأمر كوني أميرة، لكنني أؤكد لك أنك مخطئ جلالتك ”
رفع إيفان حاجبه وهناك بسمة جانبية قد ارتسمت على فمه ثم قال ببساطة شديد :
” أوه حقًا ؟؟”
” نعم ”
كلمة صغيرة نطقت بها وهي تشحن عقلها بمائة سبب وحجة تثبت بهم أنها ليست أميرة وأنها مجرد فتاة عادية، تنتظر منه رفضًا لكلمتها كي تنطلق في الدفاع عن هويتها المزيفة، لكن كل ما خرج من إيفان هو هزة كتف بسيطة وكلمات أبسط :
” حسنًا، كنت امزح فحسب ”
كلمات بسيطة جعلت أعين كهرمان تتسع بشكل قوي وهي ترفع وجهها لها، بهذه البساطة ؟؟ كان يمزح ؟؟ كان سيتسبب في توقف ضربات قلبها لأنه فقط …يمزح ؟؟
لكن مهلًا ما سبب تلك البسمة التي ارتسمت على فمه، هل كان يمزح حقًا أم فقط يسخر منها أم ماذا !! ذلك الرجل داهية كما وصفه أرسلان سابقًا، ما تزال تتذكر كل أحاديثه عن إيفان في اجتماعه مع والدته أثناء وجودها .
” إيفان هادئ ؟؟ أشفق على من يعتقد ذلك، إيفان داهية ماكر وتفكيره مرعب، صمته يرعب أكثر من حديثه، لذا لا إن سألتني رأيي فلا أنا لا اطمئن لبسماته ونظراته بمقدار حبة خردل، ذلك الرجل ورث عن والده وأجداده عقل سام”
كلمات كانت تتردد على مسامعها، لكنها لم تكن تهتم بها كثيرًا، فما حاجتها لتعلم صفات كل ملك من الملوك؟! كان يكفيها أن تعلم صفات ملك واحد، وهو شقيقها، أفضل رجال العالم في عيونها، ذكي وقوي وحنون، رجل بكل ما للكلمة من معنى .
خرجت من شرودها بشقيقها وإيفان على صوت إيفان وهو يردد :
” إذن اعتقد أنكِ مضطرة الآن لتعودي إلى القصر آنستي، فبقائك في هذا الوقت خارجًا مرفوض تمامًا ”
نظرت له كهرمان من خلف غطاء وجهها، تحمد الله أنه لا يرى ردات فعلها ولا شرودها به ولا ملامحها التي تتغير مع كل كلمة منه .
تنهدت بصوت مرتفع، ثم أمسكت أطراف ثوبها :
” اعتذر منك مولاي، سأعود حالًا للسكن الخاص بي”
كانت أعين إيفان تراقب أناملها تلك وبسمته ما تزال ثابته أعلى فمه، انحنى لها برأسه في خفة شديد، ثم تنحى جانبًا يسمح لها بالمرور، وهي سارت بهدوء مبتعدة عنه بخطوات حريصة وطريقة سير يعلمها هو تمام العلم ..
وثقت بجهله، وهذا أكبر خطأ ارتكبته .
وأثناء مراقبته لها وهي ترحل، وقبل أن يقرر صعود حصانه للذهاب حيث الرجال ليجلس معهم كعادته، سمع صوتًا جعل جسده يتحفز بشكل غريب، صوت يعلمه جيدًا .
ارتفعت أعينه بسرعة صوب السماء يبصر قذائف عديدة تتطاير في الأجواء مبددة سكون الليل لتتسع عيونه بقوة ينظر صوب كهرمان التي كانت تتحرك ببطء شديد والقذائف تتطاير في المكان .
فجأة أطلقت كهرمان صرخة اخترقت سكون الليل حين شعرت بيد إيفان تجذبها بعنف صوبه، اتسعت عيونها برعب وكادت تصرخ، لكنها تفاجئت حين حملها دون مقدمات يلقي جسدها على حصانه يقول بصوت مرتفع :
” لغرفتك ولا تخرجي منه ”
نظر للحصان يضربه بخفة صارخًا :
” تحرك بسرعة، هيا ”
وفي ثواني وكأنه فهم ما يريده إيفان هرول الحصان بسرعة كبيرة بكهرمان التي اطلقت صرخات مرتفعة وهي لم تستوعب بعد ما يحدث، لكن وبردة فعل غير إرادية من يدها امسكت لجام الفرس تتحكم بجسدها أعلى الفرس بكل براعة وقد أبصرت للتو القذائف لتضرب خصر الحصان بقدمها وهي تصرخ برعب :
” اسرع ”
راقب إيفان بأعين مذهولة سرعة تداركها للموقف وجلستها أعلى ظهر حصانه وكأنها وُلدت فارسة، ابتسم بسمة غريبة غير مصدقة ساخرًا :
” نعم فتاة عادية بالكامل ..”
تجاهل الأمر وهو يركض في المروج بسرعة يصرخ بصوت مرتفع جهوري يستل سيفه من غمده :
” هجوم على المملكة، هجوم على المملكة ”
وعلى صوت الملك انطلقت أبواق الانذار بشكل مثير للفزع وقد انتفضت قوات الجيش بأكمله..
وعند الرجال كان أول من انتبه لصوت القذائف هو سالار الذي اتسعت عيونه، ينهض عن مقعده يركض بسرعة كبيرة وخلفه جميع الرجال في حالة استنفار كبيرة وصوت سالار هز جدران المملكة القصر بأكمله :
” كلٌ يحمل سلاحه، احملوا اسلحتكم ”
قال وهو يركض بسرعة صوب المبنى الرئيسي للقصر الرئيسي :
” دانيار اذهب لتفقد الرماة واستعد، تميم تفقد المجموعة الثانية من الجيش، مهيار للمشفى بسرعة ولا تتحرك فكل ثانية قد تحدث فارقًا في حياة جندي ما ”
أنهى التعليقات يركض وهو يرفع سيفه صارخًا في جنوده الذين يركضون من حوله بشكل مرعب وكأنها نهاية العالم :
” لا أريد تهاونًا، لا اريد رحمة من ترونه تخلصوا منه”
________________________
خرجت تبارك منذ دقائق لتتنفس بعض الهواء النقي علها تهدأ من اضطرابات صدرها .
وفي ظلام الليل تسير، تناجي السماء وتشكو للنجوم، لكن مهلًا ما هذا الصوت، هل هناك من جاء ليشكو غيرها، هكذا ستزدحم السماء بالشكوى وتمتلئ الأجواء بالتذمرات، نظرت حولها تحاول البحث عن صاحب الصوت، لكن فجأة اتسعت عيونها حينما رأت ذلك الجسد الضخم يحمل سيفه ويركض بشكل مخيف صوب أسوار القصر، نظرت حولها بخوف ولم تكد تفقه ما يحدث حولها حتى سمعت صوتًا جهوري يصدر من برج المراقبة الخاص بالقلعة :
” هجـــوم من مملكــة مشــكى، كلٌ يحمل سلاحه، توجهوا صوب البوابات وجهزوا المدافع، حاملي السهام استعدوا ”
وبعد تلك الكلمات شعرت بصفاء السماء يختفي خلفة سحابة من الدخان، والنجوم تحترق بتلك النيران التي بدأت تتطاير في الجو من خارج أسوار القلعة صوب …صوبها .
أطلقت تبارك صرخة مرتفعة تركض بجنون في ساحة القلعة، تصيح باسم من تعرف، تصرخ باسمه في جنون وهي تركض بين الجنود المستنفرين :
” يا قائد…يا قائد ”
وحينما كادت تخطو لبوابة القلعة شعرت بمن يجذب جسدها بقوة أطلقت على إثرها صرخة رنت بين جدران المكان ليعلو صوت منادي بين صفوف الجنود صارخًا بجنون :
” الملكـــة …أمّنوا الملكـــة ”
وعند تلك المسكينة التي منحوها لقب ملكة التي لا تعلم له معنى سوى أنه نوع من أنواع المعكرونة التي كانت تقتات عليها طوال فترة حياتها السلمية والتي كانت تسوءها قديمًا..
سخر منها عقلها _ وهي محمولة بين ذراع ضخمة قوية كالدجاجة التي كادت تفر من صاحبها فامسكها من قدمها يجرها خلفه عقابًا لها_ الآن أضحت حياتك سلمية رائعة ؟؟ ألم تكن هي نفسها من كنتِ تقنطين منها وتصرخين أنكِ تتمنين لو تتغير، لكِ ما تمنيتي إذن.
سقطت دموعها تحاول أن تفلت من تلك اليد التي تكاد تحطم قفصها الصدري وعظام جسدها من قوة جذبه، وصيحات الجنود حولها تزداد بشكل جنوني يبحثون عنها .
حاولت الصراخ ولم تستطع وفجأة وجدت الاصوات تتلاشى ورائحة الدخان تختفي شيئًا فشيء، والصيحات تخفت، ولم يتبقى في المكان سوى رائحة البخور التي تتميز بها أجواء القصر، وصوت انفاس ذلك الوحش الخاطف خلفها .
فجأة شعرت به يدفعها داخل غرفة صغيرة لا تدري مخزنًا كان أم قبرًا، لكنها فقط تأوهت وسبت ولعنت حتى شعرت بالراحة، وقبل أن تستدير وتعتدل سمعت صوته المميز خلفه يهمس بصوت حانق غاضب كعادته :
” ألم أخبرك أن تتوقفي عن اللعن ؟؟ ”
اتسعت عيونها تستدير بسرعة مخيفة صوبه تتبين ملامحه أسفل اضواء المكان الخافتة، نفس الهيئة الساحرة والملامح الـ…مرعبة وبحق، سيفه مستقر في غمده، وسهامه تستريح على ظهره..
فتحت فمها للحديث، لكن قاطع كل ذلك ينحني صوبها قائلًا بتحذير :
” إن سقطت السماء على الأرض، اياكِ …اياكِ أن تتحركِ خارج هذا المكان، سمعتي يا فتاة ؟؟”
نظرت له تخاف تحذيراته وترهب نبرة صوته، ابتلعت ريقها تحاول أن تقول له نعم، تخبره أنها ستنفذ ما يقول فقط ليتركها وشأنها، لكن كل ما خرج منها هو :
” أنا ….عايزة اروح الحمام ”
اتسعت عينه ببلاهة يقول :
” ماذا ؟؟”
وقبل أن تعيد كلمتها سمعت صوت انفجار قوي في المكان لتطلق صرخات عالية وهي ترى الجدار الجانبي للقبو يتحطم ويظهر لها ممر القصر المعروف وصوت الصرخات تعلو، لعن سالار بصوت مرتفع مخيف :
” لعنة الله على الكافرين ”
في هذه اللحظة انفجرت دموع تبارك برعب وجسدها يرتجف بقوة تخفي الاصوات عن أذنها:
” فيه ايه ؟؟ فيه ايه ؟؟ أنا خايفة ”
انحنى سالار يجلس القرفصاء أمامها وهو يخرج خنجرًا من حاملة أسلحته يضعه في كفها ينظر لعيونها بقوة :
” اسمعيني جيدًا مولاتي ”
” لا لا أنا مش عايزة اسمع حاجة، أنا عايزة امشي مشيني من هنا زي ما جبتني ”
قال بصوت قوي كي يصمت بكاءها :
” اسمعيني …أنتِ لستِ بضعيفة لتجلسي هنا باكية دافنة رأسك أسفل أقدامك، الله اصطفاكِ من بين نساء هذا الكوكب لتكوني ملكة سفيدة، لذلك حتى وإن كان الجميع واولهم أنا نراكِ مجرد فتاة باكية ضعيفة، فعليكِ إثبات العكس ”
نظرت لعيونه ثم حدقت بالخنجر في يدها ومازال ارتجافها قائمًا :
” أنا.. أنا مش ..مش بعرف اعمل أي حاجة من دي، أنا مش كده ولا بفهم في كل ده ”
” بلى أنتِ تفعلين ”
صرخت في وجهه غاضبة حانقة من إصراره :
” أنت هتعرفني اكتر مني ؟! أنا بقولك اني مش هعرف ”
نظر لعيونها بقوة يتجاهل صوت الصرخات في الخارج، يعلم أن الجنود يتولون الأمر الآن، لكن هذه أمامه تكاد تنهار رعبًا، وهو يعلم بأن لها كامل الحق في ذلك، تنهد وهو يهمس بكلمات متلهفة كي ينتهي من ذلك ويخرج :
” نعم اعلمك أكثر مما تفعلين أنتِ، انظري إليّ أنا لستُ غرًا أو ساذجًا كي أخطأ في وجهة نظري، أنا لطالما علمت الشخص من نظرة واحدة، وأنتِ مولاتي قوية أنا أثق بكِ، خلف كل تلال الضعف وبحار الدموع تلك هناك جبار قوة وأمواج عزيمة عاتية ”
مسحت دموعها تستحسن كلماته :
” أيوة بس أنت كنت بتقول عليا ضعيفة على طول ”
قال وهو ينظر للخارج بسرعة ثم عاد بنظره لها :
” نعم وما زلت عند رأيي، أنتِ ضعيفة حتى الآن ”
نهض يخرج سيفه من غمده يقول بقوة :
” وأنا سأعمل على التخلص من ضعفك هذا، فقط ننتهي من كل هذا، والآن اصمدي حتى تسمعين صيحات الجنود تهلل بالنصر، إن اقترب منكِ أحدهم اغرزي خنجرك في قلبه ولا تأخذك بالكافرين رحمة ”
نظرت تبارك له وهي ترتجف من مجرد التخيل :
” الأمر… الأمر صعب، أنا لن استطيع ”
نظر لعيونها بقوة يقول وكأنه يأمر جنديًا له :
” بلى تستطيعين والأمر سهل، فقط ارفعي يدكِ حاملة الخنجرؤ ثم اهبطي بها عليه”
صمت ثم مال بجسده يقول ببسمة يحاول بها تخفيف رعبها :
” اعتقد أن عملك يؤهلك لمعرفة مكان القلب صحيح ؟!”
هزت رأسها بنعم ليقول هو بجدية :
” جيد اجعليه هدفًا لخنجرك إذن”
ختم كلماته وهو يستيقم، ثم نظر لها نظرة أخيرة يهتف :
” أثق بكِ …”
ورحل بسرعة كبيرة تاركًا إياها تنظر لاثره وصوت أنفسها يعلو وقد ارتفع معه وجيب قلبها، تضم نفسها برعب وهي تهمس كل ما تحفظ من آيات الله، كي تطمئن وتستكين ..
” ألا بذكر الله تطمئن القلوب”
___________________________
ها هي مرة من تلك المرات القليلة التي يتخلى فيها عن عرشه ويهبط لساحة القتال بنفسه، وكم أسعده هذا وبقوة .
كان إيفان يهرول بسرعة كبيرة صوب بوابة القلعة وخلفه العديد من الجنود يهجمون على هؤلاء المعتدين الذين كانوا يرتدون ثياب الجيش الخاص بمشكى، لكنهم كانوا من رجال بافل .
توغل إيفان بين الجميع يسقط من يسقط دون رحمة، وقد أصبح وجهه ملوثًا بالدماء وصوته الجهوري يصرخ في الجنود حوله، فجأة أبصر جسد سالار يخترق الجمع حاملًا سيفين وقد كان كالجزار يجز عنق كل من يمر بهم وصوته يرشد الجنود :
” لا تدعو قدم حقيرٍ منهم تطأ ارض القصر، الكتيبة الثانية تتحرك للقصر لحمايته ولا تسمحوا لأحد بالخروج أو الدخول له ”
ختم حديثه يصرخ بصوت مرتفع :
” أنتم أصحاب الحق يا رجال، فلا تخشونهم، إن متم كنتم شهداء وإن عشتم اصبحتم أبطال، الله أكبر ”
تبع صوت سالار صوت تكبير قذف في قلوب جنود بافل الرعب وهم يرون سيل من الرجال يندفع صوبهم بشكل معين .
واعلى القصر كان يقف دانيار يراقب ما يحدث وخلفه عدد مهول من حاملي السهام، ضيق عيونه وهو ينظر خارج ابواب القصر ليرى تدفق آخر من رجال بافل يتحرك صوب البوابة .
رفع يده وهو يقول :
” مع ثلاثة ….”
صمت يراقب اقتراب الرجال أكثر وأكثر حتى أصبحوا في مرمى السهام ليصرخ بصوت جهوري قوي :
” ثلاثة ”
وبعد هذه الصرخة لم يبصر أحدهم سوى امطار من السهام تتساقط بقوة على أجساد الرجال مسقطة إياهم ارضًا بقوة، وقد أخرج دانيار سهامه يضع ثلاثة سهامل في قوسه وهو يسقط المزيد من الأجساد :
” لعنة الله عليكم اجمعين ”
وفي الأرض وبنظرة من سالار وحركة إصبع معروفة، تحرك تميم بكتيبة من الجيش في شكل خفي صوب الابواب الجانبية للقصر كي يخرجوا منها ويلتفوا حول رجال بافل محاصرين إياهم من الخارج، فيصبحوا بينهم وبين جيش سالار .
تسألونها ما فائدة التمارين المسائية الخاصة بها ؟! تخبركم أنها فرصة جميلة لرؤية كل تلك المتع أمام عيونها، اتسعت بسمة زمرد وهي تراقب ذلك القتال بين رجال سفيد وبافل، صدرها يعلو ويهبط، ولولا أن سيفها مع ذلك الرامي المستفز لكانت الآن تشارك في قتالًا على عشيرتها، تساهم في تقليل اعداد سلالتها القذرة..
وعلى عكس زمرد، هي لم يكن لديها ما يمنعها من المشاركة في هذه الحرب، السيف معها، وزي الجندي كذلك معها، وها هي تتحرك بين الجنود وهي تقتل رجال بافل بكل الغضب الكامن في صدرها، ترى أمامها حرب شبيهه بهذه، يوم سقوط مملكتها ومقتل شقيقتها .
مشاهد جعلت غضب كهرمان يشتعل وهي تركض بشكل جنوني تلقي بنفسها بين القتال وقد اعماها الغضب والحقد في صدرها .
لا يهم إن قُتلت الآن فستلحق بأخيها ووالدتها، وإن عاشت فستنتقم لهم .
اثناء قتال إيفان للجنود فجأة ابصرها، شعر لثواني أنه يتخيل، لكنه لا يفعل فهو لا يخطأ طريقة القتال تلك ولا هذه الحركات أو هذا الجسد، شعر بالصدمة وهو يراها قد انضمت للقتال ليتحرك بسرعة كبيرة صوبها كي يأمنها لتلك الغبية .
وما كاد يفعل حتى وجد سيف يتحرك صوبه، لكنه مال بسرعة في اللحظة الأخيرة يتلاشى ذلك السيف الذي مر من فوق جسده، مدّ إيفان قدمه يسقط الرجل ارضًا، ثم غرز سيفه في صدره وهو يضغط على أسنانه بغضب، وقبل أن يستدير شعر بجسد يصطدم به في قوة كبيرة، استدار بسرعة ليبصر جسد قتيل يسقط عليه ويبدو أنه كان يحاول التخلص منه، لولا أنها انقذته .
رفع إيفان حاجبه لها بريبة لتبتسم عيونها غامزة له :
” لا شكر على واجب ”
تنفس إيفان بصوت مرتفع يقول :
” ظننت أنكِ تكرهينني ؟؟”
” نعم، لكنني اكرههم أكثر منك ”
ختمت حديثه وهي ترفع سيفه تضرب به أحد الرجال بغضب شديد، ثم استدارت لايفان الذي ابتسم عليها بسمة جانبية يسمعها تقول :
” يمكننا أخذ هدنة إلى أن تنتهي الحرب ”
ورغم عبيثة تلك الكلمات، فما كانت للهدنة أن تجتمع بالحرب، لكن غرابة الجملة لم تكن تضاهي غرابة العلاقة بينهما، إذ ابتسم لها إيفان بسخرية يطيل النظر في عيونها بشكل غريب، ينحني نصف انحناءه :
” لكِ ذلك أنستي ”
وبمجرد أن استقام رفع سيفه بسرعة يضرب به رجلًا جاء بسرعة من خلف كهرمان مسقطًا إياه ارضًا وهو يردد ببسمة :
” هكذا نحن متعادلان ..”
صمت ثم أشار لها يقول :
” إذن أريني إن كانت دروسي الأخيرة لكِ أتت ثمارها أم لا”
رفعت كهرمان سيفها أمامه تقول بنبرة هادئة :
” بل أنا من سيعطيك دروسًا الآن، شاهد وتعلم ..مولاي ”
وفي ثواني استدار الإثنان بسرعة كبيرة يقاتلان وكلٌ منهما يحمي ظهر الآخر في لفتة غريبة ولحظات استثنائية لاثنين كانا في الامس متنافسين، واليوم حلفاء …
_________________________
كانت تجلس في ذلك المخبأ الذي تركها به سالار وهي ترتجف، تخشى أن يحدث ويباغتها أحد المعتدين هنا وهي لا تملك من أمرها شيئًا .
تنفست بصوت مرتفع تكمل تلاوة بعض الآيات، والرعب تلبسها بالكامل، ربما في هذه اللحظة يكون أحدهم قد قُتل، أو أُصيب وهي هنا تختبأ دون أن تقدم شيئًا لهم، وماذا تستطيع التقديم هي ؟؟
تناهى لمسامعها صوت صياح مرتفع يأتي من الخارج لتتنفس بصوت عالٍ مرتعبة وبقوة منا يحدث، تحاول أن تتمالك نفسها وهي تردد :
” قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ”
ثواني حتى ازدادت تلك الصرخات وسمعت صوت امرأة تقول برعب شديد :
” ليساعدنا أحدكم ستموت الفتاة، ليحضر أحدكم الطبيبة بسرعة ”
نظرت تبارك للباب بريبة وقد كان هذا الصوت كمئات الاصوات التي كانت معتادة على سماعها في فترة المشفى، لماذا إذن أضحى مرعبًا أكثر الآن؟!
ازدادت الصرخات والبكاء والعويل، حتى جعل جسدها يتحرك دون إرادة منها للخارج تشدد قبضتها على الخنجر، تخرج من ذلك النفق المظلم بعض الشيء وهي تتلمس الجدار بحذر .
وحينما وصلت للممرات المعروفة ركضت بسرعة كبيرة دون أن تدرك سبب ذلك، كانت تركض بكل قوتها صوب مصدر الصرخات، وحينما وصلت وجدت العديد من الفتيات يلتففن حول فتاة أخرى مصابة بسهم في ذراعها .
اتسعت عيونها بقوة تقترب منهم بخطوات مترددة، هي ليست طبيبة، لكنها عاصرت العديد من الحالات أثناء خدمتها في طوارئ المشفى، وهي ستتعامل مع هذا، فإن لم تستطع المساعدة في الحرب فعلى الأقل تكون ذات فائدة .
” ابتعدن، دعوني أمر رجاءً، أنا استطيع مساعدتها ”
وفورًا انفض الجميع من حول تبارك التي جلست ارضًا جوار جسد الفتاة ونظرت لها ثم قالت بسرعة :
” احتاج أربطة نظيفة ومطهر للجروح ولاصقة طبية وبعض الأدوية الخاصة بالحمى ”
نظر لها الجميع ولم تتحرك منهم فتاة لتقول لهم تبارك بغيظ :
” ماذا بكن لتتحرك واحدة وتحضر ما طلبت ”
” لكن …لكن كل ما طلبته خارج القصر بالفعل، أنه في المشفى ولا أحد يستطيع الخروج الآن وسط تلك المعركة في الخارج ”
نظرت لهم تبارك بملامح لا تُفسر تسمع صوت تأوهات الفتاة وصرخاتها التي تخرج كل ثانية والأخرى، لتقرر فجأة أن تنهض وهي تتمسك بخنجرها :
” أنا سأذهب لإحضار ما احتاجه، يحب عليّ اسعافها قبل أن تسوء حالة الجروح ونضطر لفعل ما لا نريده، احملنها صوب أي غرفة حتى اعود ”
اتسعت أعين الفتيات بقوة وهن يبصرن ركض تبارك بقوة في الممرات وواحدة تصرخ بفزع :
” لا مولاتي غير مسموح لأحد بالخروج ”
لكن تبارك لم تسمع لأحد ولا تعلم سبب إصرارها على معالجة الفتيات، لكن ربما هذا بدافع الواجب الإنساني قبل واجبها المهني .
أو لشعور داخلها أن ترى فائدة لها، أن تشعر أنها ذات قيمة هنا، ليست مجرد عالة على الجميع، أو اسم يكملون به اللوحة الملكية .
وصلت لباب القصر لتبصره مغلقًا، تنفست بصوت مرتفع وهي تفكر في سبيل للخروج من هنا، وفورًا خطرت لها فكرة القفز من الشرفة فهي قريبة من الأرض على أي حال، وبالفعل ركضت صوب الشرفة بسرعة كبيرة وحينما وصلت لها وضعت الخنجر في فمها، ثم تعلقت في الشرفة كي تهبط ..
وفي الاسفل حيث الرجال .
حاصر سالار ورجاله جيش بافل من داخل القلعة، بينما حاصرهم تميم ومن معه من الخارج فأصبحوا بين المطرقة والسندان .
تقدم سالار جميع رجاله وهو يرى جيش بافل يتقدمهم رجل يعلمه جيدًا، كان جميع الرجال متحفزين وقد أدركوا أنهم خسروا هذه المرة، ابتسم لهم سالار وهو يتوقف أمامهم متقدمًا عن رجاله .
الصمت المميت الذي عم الأجواء كان غريبًا على مثل تلك المعارك، وكأن الجميع ينتظر أن يصرخ أحدهم ليلحقه في الصراخ .
وفي ثواني كان صوت صفعة عنيفة هو ما قطع هذا الصمت، صفعة هبطت على وجه قائد رجال بافل لتسقطه ارضًا من شدته، صفحة جعلت وجهه يدمى وهو يتنفس بصوت مرتفع .
وسالار يراقبه باحتقار شديد، ثم رفع قدمه يضعه يضرب معدته يقول بشر :
” لقد كان يثق بك أيها القذر، وثق بك وقلدك أمور جيشه ”
رفع الرجل عيونه بصعوبة ينظر لوجه سالار الذي صرخ بجنون فيه :
” خنت ارسلان وبعته لبافل ؟؟ كان أنت، كان أنت من خانه داخل قصره ليسقطه في شِرك بافل ”
تنفس الرجل بصوت مرتفع ولم يتحدث بكلمة واحدة، ورجال بافل جميعهم ينظرون لما يحدث والرعب قد ملئ صدورهم، في هذه اللحظة أدركوا أنهم ألقوا أنفسهم في الجحيم .
بينما وبين صفوف جيش سفيد كانت تقف هي تراقب كل ذلك بأعين كارهة، كانت تراقب ما يحدث بشر، هذا الحقير قائد جيوش مشكى، كان هو الخائن، هو من باع شقيقها وتسبب في مقتله ؟؟
شعرت بطاقة كره قوية وغضب اقوى يكاد ينفجر في جميع المحيطين بها، وعيونها أضحت حمراء وهي ترى أمامها شقيقها يقاتل وهو يصرخ باسم القائد ليحمي النساء، ويؤمن ظهره .
وبدلًا من حماية ظهره، طعنه به …
ابتسم إيفان بسمة واسعة وهو يراقب ما يفعل سالار باستمتاع شديد، فإن كان يحب شيء غير رؤية أعدائه راكعين يرتجون منه رحمة، هو أن يرى نفس الأعداء يرتجون من سالار رحمة يعلم أنهم لن ينالوها .
قال سالار بصوت جهوري كي يسمع جميع من بالجيشين:
” بافل ارسلكم هنا لاحتلال سفيد صحيح ؟؟ لماذا لم يأت معكم إن كان الأمر كذلك ؟!”
قال إيفان بصوت خبيث :
” ربما لأنه لا يحب أن يقضي المتبقي من عمره في سجون مملكتي، خسارة فنحن نعامل أسرانا معاملة افضل من معاملته لرجاله ”
قال قائد جنود مشكى بصوت مرتفع يحاول إيجاد مبرر لما يحدث :
” بل هو سيلحق بنا بجيش الدعم، لا بد أنه الأن في طريقه لهنا وسيفتح الجحيم على سفيد ومن بها ”
قال تميم بصوت ساخر وهو ما يزال يقف خلفهم من جهة خارج القلعة :
” يا ويلي جسدي ارتجف للتو …اشمئزازًا ”
ختم حديثه يبتسم للرجل، ثم قال بهدوء :
” لا بد أن عزيزك بافل الان نائم قرير الأعين وأنتم هنا القيتم أنفسكم بكل حمق بين الظلمات ”
ابتسم له سالار يقول بهدوء :
” وبما أننا لسنا مثلكم فها أنا امنحكم الفرصة للاستسلام والقاء سيوفكم ارضًا، وسنعاملكم معاملة الأسرى، أو أن نستأنف القتال ونفترش أرضية سفيد بأجسادكم كما فعلتم بأهل مشكى، أي الخيارين تفضلون ؟؟”
نظر الجميع لقائدهم الملقي ارضًا والذي اخفض رأسه بخزي ينتزع سيفه ملقيًا إياه ارضًا، فهو يدرك أنه يفضل أن يلقى منهم معاملة الأسرى على أن يتلقى معاملة الأعداء .
نظر الجميع لبعضهم البعض ليبدأوا واحدًا تلو الآخر في إلقاء سيوفهم ارضًا وسالار يراقب ذلك ببسمة واسعة، ثم تراجع للخلف وقد انتهى دوره كقائد جيش، والآن حان دور الملك كقائد للملكة بأكملها .
راقب إيفان ما يحدث أمامه برضى، ثم ضم يديه لصدره يقول بأمر نافذ وصوت جاد :
” خذوا الجميع للسجون وكثفوا الحراسة عليهم، حتى نودعهم ”
وبالطبع لم يفهم أحدهم شيئًا، بل فقط قادوا الرجال صوب القصر، وفي ثواني ارتفعت التهليلات والأصوات السعيدة .
ومن أعلى القصر أنزل دانيار سهامه التي كان يجهزها متحفزًا لأي شيء يبتسم بسمة واسعة :
” كان هذا اسهل مما اتوقع ”
نظر لجيشه خلفه يقول :
” تكبير يا رجال …”
بدأ رجاله يكبرون ليبتسم لهم، وقبل أن يتحرك ليهبط عن السطح أبصر جسدًا في مكان خلف القصر جعله يرفع حاجبه متعرفًا على صاحبته :
” آه من تلك المرأة التي لا تعترف بالغرفة مسكنًا ليلًا”
_________________
وعند تبارك وبعدما هبطت عن النافذة ركضت بسرعة كبيرة تبحث بين المباني عن المشفى متجنبة النظر صوب مكان المعركة كي لا تضعف وتخاف، وحينما رأت بعض الرجال يحملون اجسادًا ويتحركون بها صوب مبنى ما خمنت أنه المشفى لتعدو له بسرعة أكبر مبتسمة .
وصلت له ودخلت صُدمت من عدد الرجال المترامين ارضًا وهناك طبيب واحد يشرف عليهم ومعه بعض الرجال يساعدونه.
فتحت تبارك عيونها تقول بصوت مرتفع دون شعور :
” يا الله يا مغيث …”
استدار مهيار بسرعة صوب الصوت الأنثوي ليطيل النظر في وجه تلك الفتاة يحاول معرفة متى رآها سابقًا، بينما تبارك سارعت له تقول بسرعة :
” بسرعة أريد ادوية مخدرة وأخرى مطهرة وغيرها لعلاج الحمى، ولاصقة طبية وابرة لخياطة الجروح ”
نظر لها ميهار بصدمة يحاول فهم ما تريد، لكنه فجأة استوعب الآن من تكون يهمس بعدم تصديق :
” الملكة ؟؟”
” بسرعة أريد تلك الأشياء هناك فتاة أُصيبت بسهم في القصر ”
فتح عيونه بتحفز، ثم أشار لبعض المساعدين يقول بسرعة :
” اذهبوا بسرعة مع الملكة واحضروا تلك الفتاة هنا لعلاجها بسرعة ”
قالت تبارك وهي تراقب بعض الحراس يقتربون منها :
” لا أنا استطيع فعل ذلك بنفسي، يكفيك ما أنت به ”
” تستطيعين ؟؟”
” أنا ممرضة، اساعد الأطباء و…حسنًا هذا ليس وقت لشرح وظيفتي، أين تلك الأدوات ”
نظر لها مهيار ثواني قبل أن يصرخ بصوت مرتفع :
” ليحضر أحدكم ما تطلبه الملكة من اعشاب وأدوات بسرعة ”
وبالفعل ما هي إلا دقائق لتحمل تبارك ما جاءت لأجله، ثم شكرت مهيار وهي تركض بسرعة للخارج، لكن فجأة سمعت صوت مهيار يناديها :
” جلالتك ..”
استدارت ترمقه بتسائل ليقول بجدية مشيرًا لما يحدث :
” إذا انتهيتي من الفتاة واردتي تقديم المساعدة لنا هنا سأكون شاكرًا لكِ ”
ابتسمت تبارك بسمة واسعة تستشعر واخيرًا أهميتها هنا، تهز رأسها له، ثم هرولت بسرعة كبيرة صوب القصر تفكر في طريقة لدخوله، لكن بمجرد خروجها من المشفى وركضها صوب البوابة أبصرت استسلام الجيش الآخر لتتسع بسمتها بفخر شديد تشعر بجسدها يرتجف تأثرًا، فجأة ودون شعور وجدت نفسها تتجاهل الجميع وتركز معه هو فقط، الوحيد الذي جعلها تطيل النظر له وهي تركز في كل كلمة يتحدث بها، كان قويًا مهيبًا …
وأثناء شرودها وجدت الجنود يقودون بعض الرجال صوب القصر لتختبأ حتى يتحركوا مخافة أن يراها أحدهم وتتعرض لأي مشكلة .
وحين وجدت الفرصة مناسبة ركضت بسرعة كبيرة صوب القصر وهي تتنفس بصوت مرتفع كي تنقذ الفتاة، لكن أثناء الركض اصطدمت فجأة في جندي لتسقط معه وتتناثر الأشياء ارضًا، شهقت تبارك بصوت مرتفع وهي تنهض بعيدًا عنه كي تعتذر، لكن الصدمة الحقيقية كانت حين سقط لثام ذلك الجندي لتبصر ..
” بنت ؟؟”
ارتعشت كهرمان وهي تضع لثامها، ثم ركضت بسرعة بعيدًا عن تبارك التي كانت تتحدث مع نفسها بصدمة :
” هما بيجندوا بنات ؟؟”
______________________
تحرك صوب الخارج بعدما هبط من منطقة الرماة، يتنهد بصوت مرتفع محركًا ذراعيه في عدة اتجاهات كي يريحه، ومن ثم حرّك رقبته بارهاق شديد، فشيء كالسهام ليس بالأمر الهين أبدًا .
فجأة انتفض قبل أن يطأ داخل القصر يسمع صفيرًا يأتي من خلف أحد الأشجار، نظر يتبين ما يحدث ليتفاجئ بجسد يقف في الظلام هناك وصوت يقول بنبرة خافتة :
” مرحبًا أيها اللص، ألن تعيد لي سيفي ؟!”
ابتسم دانيار بسمة جانبية وقد تعرف عليها بسهولة شديد، ليتركها ويتحرك ببساطة شديدة داخل القصر مجيبًا ببساطة :
” لا لن أفعل، إن أردته اذهبي واشكيني للملك ”
ختم حديثه تاركًا إياها تغلي غصبًا وهي تتحرك بسرعة خلفه وهو يعلم جيدًا بلحاقها به، لكنه لم يهتم وهو يكمل طريقه بكل برود .
وحينما شعر أنها مستمرة في السير خلفه انحرف صوب باب الحديقة الخلفية وهي سارت صوبه وفي عيونها التصميم على أخذ سيف والدتها العزيزة، لكن بمجرد أن وطئت الحديقة وجدت سيف يوضع على رقبتها وصوت يهمس لها :
” تخيلي أن تُعرضي في الغد على الملك بتهمة تتبعك لقائد الرماة و محاولتك الإطاحة به ؟؟”
نظرت زمرد للسيف الذي يضعه أمامها وهو يقف في الخلف، تردد بنبرة ساخرة وصوت خافت :
” وهل قائد الرماة بهذا الضعف ليسقط على يد امرأة سيدي ؟؟”
” قلت محاولة ولم أقل نجحت، فلا أنتِ ولا جيش من امثالك تستطيعون الاقتراب مني مقدار خطوة إلا إذا سمحت أنا، والآن كفتاة جيدة سوف تخبرينني ما هذه الرموز المنقوشة على السيف ولِمَ هي مكتوبة بلغة غريبة ؟؟”
تنفست زمرد بصوت مرتفع ولم تكد تفتح فمها للحديث قبل أن يقاطعها هو ويقول :
” ولا تحاولي العبث معي واخباري تلك القصص الدرامية حول المنبوذين الذين احتلوا مدينتك وشردوكِ مع شقيقتك التي ليست شقيقتك، ولا تخدعيني بأمر هروبك مع الأميرة، فأنتِ لستِ من أهالي مشكى، صحيح ؟؟”
وعلى حين غفلة منه أبعدت زمرد يده التي تحمل سيفها من أمامها وهي تبتعد تقول بصوت حاد :
” أتساءل عن سبب اهتمامك الكبير بمتابعة قصصي الدرامية والبحث خلفها سيد دانيار؟؟”
ابتسمت بخبث وهي تقترب منه بخطوات ماكرة وكأنها حية تسعى لتخديره حتى تلتف حول جسده وتخنقه، وحينما أصبحت على مسافة مناسبة منه مالت قليلًا عليه تهمس :
” هل اسمي هذا اهتمام من نوع خاص ؟؟”
” هذا ما تتمنينه أنتِ عزيزتي ”
” بل ما تحاول إخفاءه أنت عزيزي، ولكي اريحك، فنعم أنا لست من سكان سفيد ولا من سكان مشكى، أنا انتمي لنفسي وفقط ”
رفع حاجبه يبتسم بسمة جانبية ساخرة، لتكمل هي حديثها بكل بساطة :
” والآن إن كنت اشبعت فضولك هلّا تعيد لي سيفي رجاءً ؟؟”
نظر لها دانيار قليلًا وكأنه يفكر فيما قالته، واطال النظر بعيونها وهي بادلته النظرات بالمثل وكأنها تأبى أن يرف جفنها أمام عيونه فيظنها استسلمت، التحدي كان يملئ عيونها، ليتلاشى كل ذلك حين نطق دانيار :
” عذرًا سيدتي، لكن العاملات ممنوعات من حمل الأسلحة داخل القصر، وبالتأكيد أنتِ لستِ استثناءً ”
ختم حديثه يستدير للرحيل وهي ظلت واقفة مكانها تحدق في ظهره بحقد شديد وغضب كبير، ثم ودون مقدمات صرخت بصوت مرتفع :
” بلى، بلى أنا استثناء، أنا استنثاء على جميع قوانين مملكتك التي لا تعنيني ولو بمقدار شعرة، أنا استثناء على كل ما تحاولون فرضه هنا على الجميع، ما تقولونه لا يسير عليّ، تبًا لمملكتك اللعينة وللممالك الأربعة وقوانينها، للجحيم جميعًا لا أحد يتحكم بي، سأكون استثناءً على كل ما لا يروقني”
صمتت تتنفس بعنف وكأنها كانت تقاتل، وهي بالفعل كانت تقاتل اشباحها تصرخ بوجع وكأنها تتحدث مع قبيلتها، تقاتل كل ما قهرها قديمًا بسرعة كي تقف أمام دانيار تقول بأعين حمراء تكبت دموعها ترفع اصبعها في وجهه وهي تقول بهسيس :
” وإن عهدت من جميع النساء اللواتي تعرفهن ضعفًا فلا تظن أنني سأسير على نهجهن، وسأكون استثناءً عليهن وعلى حياتك كذلك ”
ختمت حديثها تتراجع بظهرها وهي ما تزال تتحدث له وهي تفرد ذراعيها :
” لا أحد يتحداني ويربح، لا تظن أنك انتصرت عليّ، كل ما في الأمر أنني أحب اللعب معك لا أكثر، آخر شخص وقف نفس وقفتك تلك وتحداني فقد نصف وجهه، فلا تجبرني على الحاقك به ”
ختمت حديثها وهي تستدير كي ترحل بقوة وقد بدأ الغضب يملئ جسدها بالكامل، لكن وقبل أن تخرج من الحديقة سمعت صوتًا يوقف سيرها لتستدير وتواجه بسمة دانيار الغريبة وهو يهمس لها :
” وأنا كذلك احبه ..”
نظرت له بعدم فهم ليقول ببسمة جانبية :
” اللعب معك، احب تلك الألعاب السخيفة التي تلعبينها معي، لذلك أنتِ حية حتى الآن، ولا تظني أنني مستمر في هذه اللعبة لأنكِ لاعبة محترفة، بل لأنني لاعب صبور فقط”
ختم حديثه يتقدم فتراجعت زمرد للخلف وكادت أن تسقط لولا أن استندت على أحد الأشجار وهو رمقها بحدة، تنفست زمرد بصوت مرتفع تشعر بالقهر يرتفع داخل حلقها، وهي ما اعتادت يومًا كتمان ما تضمره، لذلك فتحت فمها للصراخ في وجهه، لكن فجأة ابتلعت كلماتها وهي تتراجع للخلف بوجه مرتعب حين رأته فجأة يميل صوبها .
لكن دانيار كل ما فعله هو أنه ابتسم بسمة صغيرة راقية يضع يده على صدره قائلًا باحترام شديد :
” والآن آنستي اسمحي لي بالرحيل فأنا للحق متعب بعد هذه الحرب الطاحنة، استأذنك ..”
هكذا فقط، هكذا فقط تحدث ثم رحل تاركًا إياها ترمقه بصدمة كبير، تشعر أنها ستظل تدور في دائرة مفرغة طوال الحياة حتى تصل لسيفها، وكل ذلك لأنها تركته له ذلك اليوم، ليتها غرزته في صدره وله تتركه له…..
ودانيار لم يمنحها اهتمامًا وهو يسير مستمتعًا للخارج، وقد ختم ليلته بشيء جيد، بل أكثر من جيد في الحقيقة .
تنهدت زمرد وهي تخرج من الحديقة وقد فشلت في الحصول على سيفها، فها هي المرة الأولى التي تفكر فيها بالاستسلام، حسنًا لا بأس لتتجاهل كل ذلك وتتفرغ للأمر المهم …مشكلة برلنت .
_________________
تحرك صوب المشفى كي يطمأن على المصابين من جنوده قبل أن يذهب لاجتماع الملك، يشعر بالنشاط الشديد بعدما أفرغ القليل من غضبه في تلك المعركة الصغيرة، معركة يدرك جيدًا أنها مجرد محاولات واهية لاستنزاف قوى جيشه قبل الحرب، لكن ليس هو من ينحني لمثل تلك الخطط الدنيئة ..
خرج من شروده وهو يفرك وجهه، و بمجرد أن خطى ارض المشفى تصنم بصدمة وهو يرى الملكة تعالج أحد الجنود، والمشفى حالة فوضى رغم أن عدد الجرحى ليس بالكبير، والرجال متناثرين حولها في شكل جعل قلبه يهدر بقوة وهو يصرخ بصوت جهوري :
” ما الذي يحدث هنا ؟! ”
وفي ثواني توقفت الحياة داخل المشفى وكأن ما بها إلا صخور، الجميع توقف حتى اصوات التأوهات تلاشت وكأنها لم تكن، أو وكأن الجروح والاوجاع اختفت فجأة .
نظر الجميع صوب سالار بريبة وهو لم يكن يبصر من كل هؤلاء سوى الملكة التي تركت مخبأها في حين أمر هو بعدم إخراج أي امرأة من القصر، وتجلس بين مئات الرجال تعالجهم .
” ما الذي تفعلينه هنا؟! من الذي سمح لكِ بالخروج ؟؟”
رفعت تبارك حاجبها بعدم فهم :
” هذه وظيفتي ”
” لا ليست كذلك، أنتِ الملكة هنا ”
تشنج وجه تبارك ترفض كل ما يقول وكأنها لا ترضى عن ذلك اللقب الذي لم تحصل من خلفه سوى على الكوارث والمشاكل فقط :
” لا، افضل أن أكون ممرضة واعالج المرضى افضل من كوني مجرد ملكة لا فائدة تُرجى منها ”
شعر سالار بصدره يشتعل غضبًا لمعارضتها له، يرفض أن تفعل ما تفعل الآن، تنفس بصوت مرتفع وهو ينظر للجنود حولها بشر لينتفض الجميع مبتعدين عن تبارك التي فتحت عيونها بصدمة :
” ماذا ؟؟ لا تتحركوا أنتم مصابين ”
لكن في هذه اللحظة إن كانوا مخيرين بين الاستماع للقائد وطاعة الملكة، فسيختارون القائد بالفعل، فالملكة إن عصوها لن تجبرهم على ساعات من التدريب الشاقة أو البقاء في العراء دون ثانية للراحة .
” مهلًا، ما بكم أنتم لا تستمعوا له، توقف يا رجل جرحك ما يزال حيًا ”
ابتسم سالار بتشفي على ملامح تبارك التي كانت تراقب ما يحدث متسعة الأعين لا تصدق ما فعل، يمنعها واجبها ؟؟
” أنت، أنت تخيف المرضى هيا أخرج من هنا الأن، إلا إن كنت جريحًا فانتظر دورك حتى يتفرغ أحدهم لعلاجك ”
ختمت حديثها وهي تنهض عن مقعدها تتحرك صوب فراش أحد الجنود كي تتفقده، وسالار يلاحقها بعيونه حتى وقعت على الجندي الذي يتسطح على الفراش فابتسم له يضم يده لصدره لينتفض الرجل بسرعة ساقطًا عن الفراش وهو يطلق صرخة متوجعة، لكنه تحمل كل ذلك وهو يتحرك بعيدًا عن تبارك، تحركت خلفه تبارك مساعدته، لكن حينما اقتربت من تجمع المرضى تفرقوا من حولها وكأنها تحمل مرضًا معديًا لتضحك بعدم تصديق :
” هل تمزحون معي ؟؟ أنتم مرضى بالله عليكم لا تستمعوا لهذا المتجبر ”
لكن لا أحد استمع لها هي لتستدير بسرعة صوب سالار وعيونها تطلع نيرانًا تتحرك تجاهه بأقدام سريعة غاضبة وهي تصرخ :
” أنت أخبرهم أن يعودوا للفراش الخاص بهم كي اعالجهم أيها الطاغية، ألا ترى حالتهم، ألا رحمة في قلبك يا عديم القلب أنت؟؟ ما بك ؟؟؟”
كانت تصرخ في وجهه بقوة جعلت أعين الجنود تتسع بصدمة، وسالار لم يصدر منه سوى كلمة واحدة فقط :
” للخارج ”
وكان دور تبارك هذه المرة لتتسع عيونها وهي تصرخ ببسمة غير مصدقة :
” أنت تمزح ؟؟ ااا”
” للخارج ولا تزيدي حرفًا واحدًا ”
نظرت خلفها بقهر شديد، ثم عادت ونظرت له قبل أن تطلق صرخة مقهورة غاضبة، وهو ما يزال يحدق في جنوده ببرود شديد وحينما شعر بها تخرج بالكامل من المشفى صاح بصوت جهوري :
” مهيــــار ”
دقيقة حتى لمح مهيار يخرج من أحد الغرفة منتفضًا بفزع :
” اوامرك يا قائد ”
قال سالار دون نقاش أو توضيح لحديثه :
” يومين من التدريب الإضافي لك وانا من سيشرف بنفسه على تدريبك وصدقني لن تحب ما سيحدث، والآن اطلب المزيد من الجنود كي يساعدونك وانتهي من كل ذلك والحقني صوب قاعة الاجتماعات ”
راقب مهيار رحيله بعدم فهم وهو يفغر فاهه يحاول أن يعلم ما يقصده، ما الذي يرنو إليه سالار ؟! ولِم عاقبه بهذا الشكل، هل هناك من تأذى من الجرحى ليفعل به ذلك ؟!
نظر حوله للجنود يتساءل بجنون :
” ماذا فعلت أنا الآن؟؟”
وعند سالار الذي تحرك خارج المشفى يفكر فيما حدث، مهيار تجاوز حدوده بالسماح للملكة أن تعالج الجنود وأن تجلس بين هذا العدد من الرجال بهذا الشكل، منذ متى سمحوا للنساء بفعل هذا ؟!
زفر بقوة يتحرك صوب القاعة حيث الملك لتقرير ما سيحدث، لكن وقبل أن يفعل سمع صوتًا يأتي من حوله، صوت لتمتمات مرتفعة باكية .
نظر حوله يحاول تبين صاحب الصوت ليبصر جسد تبارك التي كانت تتحرك بعرج بسيط صوب القصر وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة وحين اقترب منها سمع صوتها يخرج من بين شهقاتها :
” حسبي الله ونعم الوكيل فيكم كلكم، حتى الشيء الوحيد اللي فرحني جه اخده مني، كنت سعيدة لاول مرة بعد أيام، واخدوا مني فرحتي دي بالشيء اللي بحبه، البومة اللي اسمه سالار، انسان مستفز و…”
” أنتِ يا امرأة لقد كدت اتعاطف معكِ في نصف جملتك الاولى، تعلمي أن تتحكمي في لسانك هذا ”
توقف جسد تبارك بصدمة تتنفس بصوت مرتفع، ثم دون أن تتكلم كلمة أو تستدير له، أكملت طريقها بغضب شديد وهي تكمل باقي تمتماتها التي تحولت لكلمات عالية ناقمة :
” انسان مستفز ومتجبر وطاغية .”
كانت تتحدث دون أن تمتلك الجرأة لترى نتيجة كلماتها تهرول بأقدام متعجلة صوب غرفتها وسالار يرمقها بشر شديد ووجه مشتعل وهو يراها تغيب عن عيونه :
” ها انظروا لتلك الهرة التي نبت لها أظافر”
زفر ثم قال يتوعد :
” تغضب لأنني اخرجتها من بين الرجال، هذا المرأة الـ …حسنًا حسنًا لنرى كم من الوقت ستتحمل قبل أن تأتي لي بكارثة، أنا في غاية الامتنان للحرب التي ستبعدني عن القصر لأيام حقًا، على الأقل سأعود لحياتي قبل هذه الزوبعة ”
صمت ثم قال بغضب من نفسه قبلها :
” أشعر أنني اتحمل مسؤولية طفلة صغيرة، لكنني اكتفيت من كل ذلك حقًا ”
صمت يتحرك صوب حجرته وحينما دخلها ألقى جسده على الفراش كي يرتاح وقد تناسى تمامًا أمر اجتماع الملك، يشعر بالتعب الشديد وهو يفكر في رحلته غدًا إلى مشكى، تنهد بصوت مرتفع يغمض عيونه مقررًا أن يتنفس لدقائق، ثم يذهب للملك، لكن فجأة انتفض عن الفراش حين تذكره لأمر ما :
” مهلًا هل كانت تعرج ؟؟ هي مصابة ؟؟؟؟”
_________________
يجلس أعلى عرشه الذي حازه بحد السيف والدماء، العرش الذي تشرب دماء ملكه السابق قبل أن يجلس عليه صاحبه الحالي، عرش شاهد بعيونه دماء تُراق لأجله ولأجل الفوز به، وقد حدث وخرج فائزًا من هذه المعركة وظفر به، لكن هل حدث وفاز به بالفعل ؟!
تلقى خبر فشل الزحف صوب سفيد بملامح باردة وكأنه كان يتوقع الأمر، ابتسم بسمة مريبة وكأنه كان ينتظر الخبر، الأمر غريب، فبافل كان من الغرابة التي تجعله ينتظر خبر هزيمته في كل مرة يرسل بها رجال لسفيد، وكأنه سعيد لقتل المزيد والمزيد من رجاله على يد سفيد، ولا أحد حتى هذه اللحظة يفهم ما يفكر فيه .
” إذن سيدي …ما العمل الآن ؟!”
حرّك بأقل عيونه صوب ذلك الرجل الذي حتى لا يتذكر اسمه فهو عيّنه منذ ثواني مساعد له بعدما ارسل مساعده السابق للحرب ويبدو أنه قتل أو أُسر، نفخ بهدوء :
” سأذهب للنوم ”
وتبع حديثه بنهوضه عن عرش ” أرسلان” الذي تلوث بعدما احتله بافل، تحرك بافل بهدوء صوب الخارج وهو يتمطأ بكسل تحت نظرات المساعد المصدومة، هو جاء يرتجف كي يخبره أن التوغل لسفيد واحتلالها فشل، وهو فقط يخبره أنه سيذهب للنوم .
تحدث بافل بهدوء :
” أخبر أخي أن يجمع من تبقى من قادة الجيش صباحًا لاخبرهم كامل ترتيباتنا ”
” لكن سيدي، شقيقك ذهب في تلك الغارة وهو الآن ربما …ربما قُتل أو…”
ولم يكد يكمل كلماته التي خرجت منه مترددة، حينما وجدت بافل يستدير له بجنون وهو يندفع صوبه كالمختل يصرخ ممسكًا برقبته :
” ما الذي قلته أنت؟؟ اخي ذهب معهم ؟؟ من ذلك الذي سمح له بالذهاب أيها الحمقى؟ هل تتصرفون دون العودة لي ؟؟”
حاول الرجل التحدث وفشل بسبب ضغط بافل على رقبته، وبافل يصرخ به وعيونه حمراء مخيفة :
” إن مسّ أخي سوء سأقتلكم جميعًا، جميعًا ..”
تركه ليسقط ارضًا يسعل بقوة وهو يزحف للخلف برعب شديد :
” اقسم …اقسم أنني لا أعلم شيئًا سيدي، هو فقط اقتحم الصفوف وأخبرهم أنك سمحت له بالذهاب ”
شعر بافل بالجنون يكاد يصيبه، شقيقه الوحيد والمتبقي له من عائلته، آخر من تسري دماؤه داخله يكاد يفقده، شعر بنبضه يضطرب وهو يجن لفكرة أن أحدهم قد أصاب صغيره وربيب يده بالسوء، ليس هو، من بين إخوته العشرة ليس هو ..
تحرك صوب غرفته وهو يكاد ينفجر من كثرة الضغط الذي يكتمه داخل جسده في هذه اللحظات، شقيقه الوحيد من والديه يكاد يفقده في خطته التي وضعها، من بين عشرة إخوة كان هو الوحيد من والديه، و الباقيين من والده فقط، لعنة الله عليهم أجمعين لقد عمل طوال حياته على قتلهم كي لا تحرضهم شياطينهم على التخلص منه هو وشقيقه حتى يحصلوا على مكانة والدهم ..
دخل الحجرة وهو يشعر بأوردته تكاد تنفجر من الجنون، الغضب تحكم به، بدأ يحطم كل ما تقع عيونه عليه، وهو يتوعد للجميع بالويل وصور إخوته التسعة الآخرين تُعرض أمام عيونه، كأنهم يسخرون منه ومن أعماله التي رِدت في شقيقه العزيز .
مشاهد التخلص منهم تمر أمامه في تلك اللحظة، منهم من قتله بخنجر ومنهم من حرقه حيًا، ومنهم من القاه من فوق جبل غدرًا .
ابتسم بسمة مخيفة وهو يشعر بالفخر من نفسه، رغم أنه ليس الأكبر بين أبناء والده إلا أنه كان الأذكى والاكثر مكرًا من بينهم، وحين قُتل والده رأى نظرات الطمع تشتعل في عيون الجميع، فبدأ مجزرة التخلص منهم جميعًا ولم يدع سوى شقيقه الوحيد والذي كان وقتها ما يزال في طور شبابه، وهي ……
الوحيدة التي هربت منه من بين جميع إخوته، والوحيدة التي هزمته شر هزيمة يومًا ما .
كان يقف في منتصف الحلبة والجميع يصرخ ويصيح حوله سعداء بالقتال الودي بين أبناء زعيمهم، قتال بين الشقيقة الأصغر والابن الثاني، قتال معروف الفائز به، فأين لفتاة ضعيفة مثلها بالقوة للتغلب على ذلك الطاغية بافل ؟؟ لكن والدهم هو من حكم بهذا النزال فقط ليجبر ابنته صاحبة الثالثة عشر عامًا على حمل سيف كالجميع، رغم أنهم في الحقيقة لا يفقهون عن القتال شيئًا .
وتلك المراهقة المسكينة تقف في منتصف الحلبة وهي تحمل سيفها ترتعش بخوف شديد تبحث بين الوجوه عن والدتها التي حينما ابصرتها بكت برعب تصرخ :
” أمي ساعديني رجاءً”
وما كادت والدتها تتخطى حدود الحلبة حتى امسكها رجال والدها، وصوت الاخير يصرخ بها :
” تحركي أيتها الحمقاء وقاتلي، كفاكِ جبنًا وضعفًا ألا يكفي أنكِ فتاة وايضًا ضعيفة ؟؟”
انتفضت الفتاة وهي تبكي ولم تكد تدافع عن نفسها حتى استلم جسدها ضربة قوية من قدم بافل الذي جعل جسدها يتطاير داخل الحلبة وهي تصرخ بصوت يمزق القلوب وقد شعرت بأن امعائها طُحنت أسفل اقدامه.
سقطت ارضًا تبكي وتصرخ وهي تتمسك بمعدتها :
” أمي ساعديني، ليساعدني أحدكم، ساعدوني ”
لكن وقبل أن تكمل كلماتها شعرت به يجذبها من شعرها يجبرها على الوقوف وهو يهمس أمام وجهها بشر شديد :
” أيتها القذرة الصغيرة، ألم تكتفي من حماية والدتك لكِ ؟؟ ألم تملي الضعف عزيزتي ؟؟ حاولي مرة واحدة التصرف كابنة زعيم وليس ابنة خادمة وضيعة ألقت جسدها على رب عملها لتغويه وتسرقه من زوجته ”
وبعد هذه الكلمات شعرت بطاقة غضب قوية تتملك منها وهي تنظر لعيونه تقول من بين دموعها :
” بل والدك هو الحقير الذي أجبر والدتي على الزواج منه أيها الفاسق القذر، وليس والدتي من اغوته ”
نظر لها بافل ثواني قبل أن يطلق ضحكات صاخبة جعلت جسده يهتز وهو يتركها يقول من بين أنفاسه:
” أنتِ بريئة جدًا حبيبتي الصغيرة، بريئة للغاية ووالدتك القذرة تلك لم تخبرك الحقيقة، أيتها المسكينة افيقي والدتك تلك مجرد عا….”
وقبل أن يكمل كلمته سمع شهقات الجميع مرتفعة تبعها شعور مظلم من الألم وهو ينظر لاسفل ليرى سيف غُرز في قدمه، فتح عيونه بصدمة ليراها تقف أمامه وهي تقول بقوة وصراخ أمام الجميع دون خوف :
” بل والدك هو القذر الذي أجبرها على ذلك يا حقير، تبًا لك وله ولقومك العفنين ”
ومن بعد تلك الكلمات سمعت همسات مرتفعة لتستدير تعلن عصيانها الاول في المكان تصرخ بجنون :
” نعم ..نعم أنتم قذرين عفنين، أنتم قمامة الممالك التي ألقوا بها ونبذوها، أنتم منبوذون حقيرون، جميعكم بلا استثناء لعنة الله عليكم اجمعين يا كلاب و…”
ولم تكمل كلمتها بعد هذه الكلمة بسبب صرخة والدهم الذي صدح صدر صوته بشكل مخيف وهو يصرخ بها :
” زمــــــرد ”
استدارت زمرد صوبه وهي تتنفس بصوت مرتفع وملامحها ازدادت شراسة :
” ماذا ؟! الحقيقة مؤلمة أليس كذلك .. يا أبي ؟!”
نظرت جوارها صوب بافل تقول ببسمة جانبية وقد بصقت جميع كلمات والدتها التي ترددها دائمًا أمامهم دون خوف :
” لا تخف يا أخي سيلتأم جرحك قريبًا، لنعتبر هذا انتصار للصغيرة الحمقاء التي تسخر منها أنت وجميع أبناء شعبك”
ختمت حديثها تقف في وجه الجميع بلا خوف وبسمتها تزين وجهها، حتى حينما تحرك رجال والدها لجذبها صوب الساحة لجلدها عقابًا لتجاوزها الحدود مع الملك، كانت ما تزال تبتسم في وجوههم بقوة وكأنها تخبرهم أنها لا تخافهم.
أفاق بافل يتحسس نصف وجهه وهو يردد :
” ربما انتهت معركة، لكن الحرب لم تنتهي بعد اختي …”
__________________________
تنفست بصوت مرتفع وهي تتحرك خارج المحزن تحمل بين أناملها الرقيقة العديد والعديد من حاويات النباتات التي يجمعهم والدها .
تنفست بصوت مرتفع تلقي تذمرها في وجه والدها دون أن ترى أمامها من تلك العبوات التي تغطي رؤيتها :
” انظر يا أبي، هربت من المنزل كي لا أعمل مع أمي في التنظيف، وأنت احضرتني هنا لأفعل ما هربت منه، هل تنتقم لشريكة حياتك ؟! هذا لئيم لعلمك .”
ختمت حديثها تتحرك صوب الطاولة جواره الباب وهي ما تزال ترغد وتزبد بلا توقف متذمرة من هذا الوضع المزري الذي تعيشه في هذه اللحظة :
” حسنًا ربما افضل العمل مع والدتي في نفض الستائر والمفروشات، أكثر من تقليم النباتات وتنضيفها ”
وضعت الاشياء على الطاولة أمامها تتنفس واخيرًا براحة بعدما كانت تلك الأشياء كالجبل أعلى صدرها، لكن لم تكد تخرج ذلك النفس المرتاح الذي سحبته منذ ثواني حتى سمعت صوتًا ضاحكًا خلفها، صوت جعلها تستدير بسرعة وبفزع كبير لتبصر والدها يجلس خلف مكتبه في ركن المحل، وأمامه يجلس هو، جارها الوسيم الذي يعمل في جيش الملك راميًا للسهام، أمر محرج تتمنى لو يُمحى من عقلها تمامًا .
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تنفض ثيابها وتعدل من حجابها :
” مرحبًا، مرحبًا بك يا…مرحبًا بك ”
ابتسم لها الشاب بسمة هادئة جميلة يرد عليها التحية بالمثل، لكن المشاعر التي خرجت من تحيته لم تكن مثل خاصتها البتة .
” مرحبًا بك ليلا، مر وقت طويل منذ رأيتك”
ابتسمت له تقول بصوت خافت خجل منه :
” نعم، أنا كنت مشغولة بعض الشيء، وأنت، أنت تعمل في القصر ولا تعود كثيرًا لذلك لم نتقابل ”
منحها الشاب بسمة صغيرة يقول بجدية وتلميح واضح لها :
” لا بأس ربما يكتب الله لنا لقاء دائم بإذنه ”
رفعت حاجبها لا تفقه من حديثه شيئًا، لكنها لم تهتم كثيرًا وهي تتحدث بهدوء شديد تنسحب من المكان بأكمله يعد نظرات الشاب لها:
” إن شاء الله، اعذرني عليّ الرحيل الآن لمساعدة امي في العمل، أتحتاج لشيء آخر أبي قبل رحيلي ؟!”
نظر لها والدها ببسمة واسعة يقول وهو يغلق الدفتر أمامه:
” لا عزيزتي يمكنك الرحيل الآن”
هزت رأسها تنظر ارضًا وهي تتحرك بخطوات هادئة صوب الباب، وقبل أن تفتحه سمعت صوت الشاب خلفها يردد بصوت مسموع لها، بل واضح للجميع :
” لِمَ لا تعرض عليها الآن يا عم، أنا أريد معرفة رأيها ”
نظر له والدها وهو يحاول الاعتدال في جلسته للتحدث، لكن ليلا استدارت بسرعة تقول بعدم فهم :
” يعرض عليّ ماذا ؟!”
رأت ليلا نظرات لوم وعتاب تلوح في عيون والدها للشاب أن تحدث بمثل تلك الأمور هكذا وعلى غير المتعارف عليه، تنهد ينظر لابنته :
” هو يا ابنتي جائني لـ …”
” جئت لطلبك للزواج ليلا، ما رأيك ؟؟”
وبالتزامن مع انتهاء جملته صدح صوت فتح الباب خلف ليلا، لكنها لن تسمع خطوات قدم أو صوت شخص، استدارت ببطء لتُصدم بهيئة مهيار الذي استقر جوار الباب بوجه مصدوم واعين متسعة يحدق في وجهها وكأنها هي من قالت للتو أنها ترغب في التقدم لخطبة شاب وليس العكس .
قال مهيار يحاول الاستيعاب وهو ما يزال يحدق بوجه ليلا :
” ماذا ؟؟؟”
رفعت ليلا يدها بسرعة وكأنه يوجه لها تهمة شنيعة :
” ليس أنا من تحدث اقسم ”
لكن مهيار لم يكن يستوعب ما يحدث حوله، هو فقط بمجرد فتحه للباب وجد تلك الجملة تصطدم في وجهه، حرك عيونه صوب المكتب حيث والد ليلا والشاب ليعيد نفس سؤاله :
” ماذا ؟؟”
لفت ليلا رأسها صوب والدها تقول بجدية :
” نعم، ماذا ؟!”
وهكذا أصبحت تقف جوار مهيار والاثنان ينظران صوب والد ليلا بملامح مستنكرة فضولية مشدوهة ومتعجبة لما سمعوا، والشاب لا يفهم ما يحدث أو ما أخطأ به؛ لذلك أعاد نطق جملته :
” لقد كنت اقول أنني اود الزواج بليلا .”
قاطعه والد ليلا بجدية :
” اسمع يا بني هذه الأمور لا تُعرض ولا تُناقش بهذا الشكل هنا، ولا نأخذ آراء فتياتنا بهذه الطريقة، لذلك يمكنك إحضار والدك اليوم والتقدم بشكل مناسب، ما رأيك ؟!”
نظر لهم الشاب ثواني قبل أن يبتسم ويصافح والدها ثم نهض يقول :
” حسنًا يا عم، اليوم مساءً سأكون مع والدي في منزلكم ”
نظر لعيون ليلا المصدومة وعيون مهيار المماثلة وملامحه الشاحبة وكأنه تلقى موعد موته للتو، وتم تحديده ليكون بالتزامن مع تقدم الشاب لخطبة ليلا .
لم يفق مهيار سوى على صوت الباب الذي ارتد للجدار بعد رحيل الشاب، تحرك بعيونه صوب ليلا التي أنزلت عيونها ترفض النظر له في هذه اللحظة تحديدًا، ابتسمت لوالدها بسمة صغيرة وهي تقول :
” إذن يا أبي أنا سأرحل لارى إن كانت أمي تحتاج مساعدة ما ”
ابتسم لها والدها يودعها، وهي نظرت لمهيار نظرة صغيرة تقول بصوت منخفض :
” السلام عليكم سيد مهيار ”
ختمت حديثها ترحل بسرعة من أمامه وهو ما يزال شاحب الوجه لا يعلم ما يحدث حوله، وصوت والدها يتحدث دون أن يجد استجابة منه، واخيرًا استفاق يقول دون مقدمات :
” اريد بعض الأعشاب التي أُستهلكت البارحة في المشفى”
تعجبه الرجل وهو يهز رأسه:
” حسنًا يا بني استرح وأخبرني ما تريد ”
اخرج مهيار ورقة من يده يعطيها له، ليبتسم له الرجل ثم تحرك لداخل المحب حيث مخزنه :
” حسنًا اجلس ريثما انتهي من جمع ما تريد ”
تركه ودخل لمخزن المحل، بينما مهيار جلس على المقعد أمام المكتب يشعر بالصدمة ما تزال تحلق فوقه، ليلا الصغيرة ؟؟ الصغيرة نضجت وبدأ الشباب يتوافدون لخطبتها ؟؟؟
________________________
جُرت بواسطة بعض النساء صوب قاعة العرش حيث ينتظرها جلسة حكم عليها من الملك والذي إذا أثبت أنها بالفعل سارقة، فعليها توديع حياتها داخل القصر وتميم كذلك، وربما تلتف حوله انثى مزعجة تسرقه منها وهذا ما لن تسمح هي به ولو على جثتها ..
أبصرت قبل الدخول للقاعة زمرد التي كانت تتحرك صوبها وهي ترفع ابهامها في الهواء مخبرة إياها أن كل شيء على ما يرام، وهي قررت أن تثق بهذه الفتاة وتبتسم غامزة لها بشكل لم يظهر بسبب غطاء رأسها.
ثم تحركت داخل القاعة تخفض وجهها ارضًا مخفية إياه خلف غطائه، لكن ذلك لم يمنعها من الدوران بنظرها بين الجميع وهي تبحث عنه تحديدًا، لكن لا شيء، كانت القاعة بها المستشارين والملك وبعض الحراس فقط .
ابتلعت ريقها تسمع صوت الملك يتحدث بهدوء شديد :
” أخبروني أنكِ سرقتي خاتمًا ثمينًا من غرفة القائد تميم، هل يمكنك التفسير لي، وإن كنتِ تمتلكين شيئًا للدفاع به عن نفسك فهاتهِ”
رفعت برلنت رأسها قليلًا صوب الملك، ثم دارت بعيونها تبحث عن زمرد أو كهرمان، قبل أن تعود له مجددًا :
” لا املك دليلًا مولاي ولا شاهدًا، الله وحده يعلم أنني لم ألمس شيئًا يخص أحد داخل هذا القصر طوال سنوات عملي هنا ”
نظر لها إيفان بهدوء قبل أن يقول :
” ونعم بالله، لكن باعتباري ملك لا يجب أن يستند حكمي لادلة معنوية آنستي، احتاج لدليل مادي يثبت برائتك ”
زفرت برلنت تبحث بعيونها عن زمرد والتي طمئنتها أن الأمر تحت السيطرة، لكن أين هي الآن، رفعت عيونها للملك ولم تكد تقول كلمة حتى توقفت على صوته وهو يقتحم المكان بهيبة كعادته يقول :
” اعذرني للتدخل مولاي لكنني جئت لاخبارك أنني اتنازل عن حقي واسامحها ”
ابتسمت برلنت بسمة واسعة خلف غطائها وهي تستدير له تنظر في وجهه ببسمة عاشقة كأنها توجه له رسالات شكر عديدة خفية، لكن كل تلك البسمة اختفت فجأة حين اكمل هو حديثه :
” لذا ارجو العفو عنها ولتكتفي بمغادرة القصر ”
اتسعت عيون برلنت بصدمة تطلق شهقة مرتفعة وكأن قرار إعدامها صدر منذ ثواني، وحقًا كان الأمر كذلك لبرلنت، فهي لم تكن تخشى عقاب الملك بقدر خوفها أن يجبرها على الرحيل، والآن جاء هذا الغبي يصدر بنفسه قرار إعدامها.
لذا ودون تفكير اعترضت بسرعة وبصوت مرتفع متناسية مكان وجودها وهي تصرخ بجنون :
” لااا ما الذي تفعله أنت الآن ؟! مولاي أنا لا اقبل سماحه، رجاءً عاقبني، عاقبني أي عقاب تراه مناسبًا لي، ما رأيك بعام من العمل في الحظيرة ؟!”
اتسعت عيون إيفان بعدم فهم، لكن صدمته كانت أكبر وهو يجد تميم يستدير صوب الفتاة وهو يصيح في وجهها بعدم فهم :
” أي حمقاء وبلهاء أنتِ ؟! هل جننتي ؟! أنا الآن احاول مساعدتك يا امرأة ؟؟ أنتِ تثبتين التهمة على ذاتك ”
” نعم أنا أفعل، رجاءً لا تتدخل بحكم الملك ”
استدارت بسرعة صوب إيفان تتحدث بغباء ولهفة شديد وهي تدرك أنها إن خرجت من القصر الآن فلن يحدث وتعود له ولو كانت وصيتها الأخير أن تُدفن به :
” هيا مولاي أنا جاهزة لتحمل أي عقاب تمنحني إياه، لكن رجاءً لا تستمع لذلك الرجل ”
ابتسم إيفان بعدم تصديق يهمس بجنون :
” تالله وبالله ووالله ما رأيت في حياتي من هو بمثل حمقك، أيتها الغبية أنتِ بسرقتك تلك لن تعاقبي بمجرد تنظيف للحظيرة يا غبية سوف يقطعون يدك ”
استدارت له برلنت بسرعة وهو كان يتنفس بقوة وغضب لا يفهم سبب قتاله لأجل برائتها وهي من خدعته وسرقته وازعجته في حياته، لقد استأذن من سالار خصيصًا قبل الرحيل مع الشيخ لمشكى فقط كي يأتي ويخبرهم أنه متنازل عن حقه .
وبرلنت التي سمعت كلماته شحب وجهها على الفور وهي تفكر هل بقائها جواره يستحق أن تعيش مبتورة الأيدي ؟! وهل يستحق خاتم كهذا عقوبة كبتر يدها ؟!
كل ذلك يحدث وإيفان يراقبه بأعين هادئة وصمت تعجبه الجميع، لكن هو فقط كان مستمتع، مستمتع وهو يرى حديث الاثنين معًا ونظرات تميم المدافعة .
تنفس تميم بصوت مرتفع :
” رجاءً مولاي أنا اتنازل عن حقي، لذا ارجو منك تخفيف الحكم الخاص بك ”
استدارت برلنت بسرعة صوب عرش إيفان الذي كان يراقب كل ذلك بابتسامة باردة مستمتعة يشوبها بعض السخرية مما يحدث أمامه:
” نعم مولاي رجاءً خفف من حكمي وقل ما شئت لكن رجاءً كله إلا اخراجي من القصر وايضًا أمر البتر ”
في تلك اللحظة سمع الجميع صوت نسائي يتدخل بسرعة وبأنفاس لاهثة تحدث :
” مهلًا مولاي، مهلًا”
استدارت عيون الجميع صوب ذلك الصوت والذي لم يكن سوى كهرمان التي اقتحمت المكان فقط لتقاطع الجلسة حتى تصل زمرد مع الفتاة التي ستبرأ برلنت .
تنفست برلنت الصعداء، بينما الحيرة علت وجه إيفان الذي استطاع التعرف على هوية الفتاة التي اقتحمت المكان دون استئذان .
” اعتذر لكم مولاي على المقاطعة، لكن …لكن برلنت صديقتي وانا املك دليلًا على برائتها ”
رفع إيفان حاجبه وقد شعر أن هذه المحاكمة قد تحولت لمهزلة حقًا :
” ترى ما هو ذلك الدليل آنسة ؟؟”
تنفست كهرمان وهي تتحرك مقتربة من عرش إيفان متحدثة صوب برلنت بجدية :
” مولاي، برلنت تم الإيقاع بها في فخ إحدى العاملات اللواتي يحقدن عليها، لقد اوقعتها في مكيدة بعدما دست بالخاتم داخل ثيابها، وفي الحقيقة هي لم تعلم ثياب من تلك، لكنها فعلت وبالصدفة دست الخاتم داخل ثيابي أنا، والعاملات اللواتي اخرجن الخاتم يمكنهن الشهادة حين نعرض عليهم اماكن خزانات الملابس دون تغيير مكان قطعة واحدة، فهم وجدوه في أحد فساتين الخاصة ويمكنني إحضاره هنا ”
تنفست بصوت مرتفع تحاول أن تهدأ وإيفان يراقبها مضيقًا عينه، وهي حركت يدها أمام وجهها لتتنفس بشكل طبيعي :
” وأنا يا مولاي لم اطأ يومًا معمل القائد تميم كي أكون المذنبة والجميع يشهد ”
ابتسم لها إيفان يرد بصوت هادئ :
” ولماذا لا نقول أن رفيقتك هي من فعلتها واخفت الخاتم داخل ثيابك ؟!”
رفعت كهرمان عيونها صوب العرش ولولا الغطاء الذي يحيل بين الملك ورؤيتها لابصر تحدي وعناد في نظراتها :
” هذا لأن الفتاة بنفسها اعترفت أنها هي من دبرت كل ذلك للأنتقام من برلنت، فاسمح لها بالمجئ للاعتراف مولاي ”
أطال إيفان النظر في جسدها، ثم ابتسم بسمة جانبية يقول :
” يمكنها المجئ والتحدث ”
فجأة أبصر الجميع جسد، أو بقايا جسد مدمر يتحرك داخل القاعة وخلفه فتاة ملثمة تدفع ذلك الجسد بحدة وكأنها تقودها للمذبح أو ما شابه .
اتسعت أعين إيفان بقوة وشر حين رأى ذلك المشهد، بينما برلنت فتحت عيونها بصدمة وهي تهمس داخل نفسها :
” يا ويلك يا برلنت لم تجدي سوى زمرد لتعتمدي عليها ؟؟، لقد ضعت وضاع مستقبلي، الآن بدلًا من تهمة لسرقة هاتم، ستصبح محاولة قتل ”
انتفض جسد إيفان عن العرش بقوة يراقب جسد تلك الفتاة التي يبدو أنها تعرض للضربت يصرخ بصوت هز المكان بأكمله:
” ما الذي يحدث هنا؟؟ من ذا الذي تجرأ ورفع اصبعًا عليها ؟؟”
صمت الجميع برعب من ملامح إيفان الذي استنكر كل ما يحدث أمامه، وقد على الاستنفار في المكان واستقامت الاجساد بترقب، والجميع شعر بالخوف من إيفان وخاصة كهرمان التي انتفضت للخلف تطلق شهقات مرتعبة .
كل ذلك حدث وهو الوحيد الذي لم يعي به، كان الجميع حوله يتحرك بينما هو الوحيد الساكن، العالم توقف حوله، الحياة بأسرها بهتت ألوانها فجأة حين سمع كلمات تلك الفتاة التي لم تخترق ايًا منها أذنه سوى اسم وحيد .
« برلنت » اسم تسبب في انتفاضة جسده ليستدير تميم بسرعة مخيفة ويحدق بها واعينه متسعة، لا يعي بكل ما حدث حوله ولا للكوارث الآتية، أو لأنه تخلف عن غارة القائد لدقائق انتهت، لا يعي لشيء سوى اسمها .
برلنت ؟؟؟ هل هذه هي برلنت نفسها ؟؟؟
ودون شعور منه نطق تميم اسمها بهمسة مصدومة مثخنة بالجراح القديمة :
” برلنت ؟؟؟؟؟؟”
______________________
همسة قد توقف حياتك، وهمسة أخرى قد تعيدها .

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية مملكة سفيد)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى