روايات

رواية مملكة سفيد الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم رحمة نبيل

رواية مملكة سفيد الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم رحمة نبيل

رواية مملكة سفيد الجزء الثالث والعشرون

رواية مملكة سفيد البارت الثالث والعشرون

رواية مملكة سفيد
رواية مملكة سفيد

رواية مملكة سفيد الحلقة الثالثة والعشرون

#الثالث_والعشرون
نساء في ساحة الحرب
قبل القراءة متنسوش تعملوا تصويت للفصل، تشجيعًا لي، ولا تنسوا التعليق برأيكم فأنا أقرأه بكامل الحب كل ليلة …
صلوا على نبي الرحمة ..
لا تدعوا شيئًا يشغلكم عن عباداتكم ..
___________________
ما قبل المعركة :
خرجت جيوش سفيد من القلعة واعلنوا وجهتهم صراحة صوب أرض المعركة وخرج الشعب بأكمله يودعه في حفاوة شديدة، وأصوات تكبيرات مرتفعة .
يسير إيفان متقدمًا الجيوش بملامح جامدة بعض الشيء، يجاوره سالار بنظرات تدور بين الشعب وهناك بسمة صغيرة مرتسمة على فمه وهو يراقبهم، بسمة قد يظنها البعض مرحبة متفائلة، وكان هذا على غير عادته فما كان لسالار أن يبتسم مرة واحدة أثناء تحركه للحرب، لكن الأمر لم يكن بيده، فهؤلاء الحمقى الذين زرعوا أنفسهم بين شعب سفيد يراقبون خروجهم للحرب، كانوا مضحكين وبشدة .
نظر سالار لإيفان الذي كان لا يحيد بنظره عن الطريق، لكنه كذلك لم يقاوم الابتسام، يسمع صوت سالار يردد :
” إذن حدث ما توقعناه ..”
ازدادت بسمة إيفان اتساعًا حتى كادت تتحول لضحكات صاخبة يمسك لجام فرسه :
” دعهم يستمتعون بهواء سفيد قبل أن تقطع عليهم أي ذرة هواء تدخل رئتهم، هم ضيوفنا ألا تتذكر ”
” نعم أتذكر مولاي ”
ابتسم إيفان وهو يتذكر أنه سمح لهم بنفسه أن يدخلوا سفيد، دخلوا في ثوب تجار عن طريق سبز هذه المرة، ويبدو أن الملك بارق لم ينتهي منهم بالكامل، دخلوا فقط ليتأكدوا من أن جميع الجيوش ذهبت للحرب ليضربوا ضربتهم، وهو منحهم ما يريدون وأعطاهم العرض الذي يطمحون له .
يمنحهم نشوة الانتصار الكاذبة، ولذة التقدم عليه، وهم مساكين لم يبلغوه حتى ليتقدموه .
وحينما انتهى الجيش من توديع الشعب صرخ إيفان بصوت جهوري يمنحهم إشارة الإنطلاق:
” تقــــــدمــــوا ..”
وفي ثواني انطلقت الجيوش كالقذائف بسرعة مخيفة يعبرون حصون سفيد، جميعًا إلى خارج البلاد بأكملها .
الجيش ينقسم لعدة أقسام، يقود إيفان الجبهة، وجواره كلٌ من سالار وتميم، في حين يحمي جيش دانيار ظهورهم .
لكن وبمجرد أن عبروا بوابة البلاد انقسم عنهم سالار بجيشه في تنظيم شديد وبخفة شديدة وبدلًا من التقدم معهم صوب أرض المعركة، دار حول اسوار المملكة بسرعة كبيرة مع نصف الجيش تاركًا الملك يقود النصف الآخر.
دار حول المملكة دورة كاملة استغرقت ساعات مع جيشة ليدخلها من الحدود الغربية لها وهناك بسمة مخيفة ترتسم على فمه حين سمع صوت أحد الجنود .
” إذن سيدي ماذا سنفعل الآن ؟؟”
نظر لهم سالار بأعين سوداء يردد بجدية وهو يتحرك بجنوده صوب القلعة بسرعة كبيرة وبشكل متخفي من طرق ملتوية :
” دعوهم يقتحمون القصر، اجعلوا هدفهم مصيدة لهم، حاصروهم داخل القصر، لا أود أن يهرب واحد منهم فقط ..”
عودة للمعركة :
كان جنود سالار يحاصرون الجيش من كل الثغرات به، وتركوا فقط ثغرة واحدة ظاهرة لهم لتكون مدخلهم صوب القصر، ابتسم حين رأى هجوم جنود بافل على القصر بقوة ضارية ليدّعي جنوده دفاعًا واهيًا كي لا يثيروا الشكوك، ثم في ثواني تحركوا من أمام الباب سامحين لهم باقتحام القصر .
في هذه اللحظة ارتفع صوت سالار يهدر بين جنوده :
” احيــــطوا بهؤلاء الخنازير، قاتلوا أعداء الله ”
وفي ثواني لم يحسب لها رجال بافل حسابًا وجدوا سيلًا من الرجال يندفع كالفيضان عليهم من كل حدبٍ وصوبٍ، اندفاع جعل قلبوهم تجفل للحظات وهم يتراجعون بسرعة صوب الابواب، لكن وقبل أن يفعلوا وجدوا جزء لا يُستهان به يقفل عليهم المخرج وصوت جهوري يهتف بهم :
” مرحبًا بكم في سفيد الأرض التي ستتلوث بقذارة دمائكم، وستدفن في جوفها جثثكم العفنة التي أثقلتها الذنوب والمعاصي ”
كان صوته يرنّ صداه في أرجاء القصر مسببًا اضطراب في صدر تلك التي كانت تقف بعيدًا تراقب ما يحدث بأعين متسعة، يا الله شتان بين هذا الصوت العاصف والآخر الساخر، لكن في كلا الحالتين يسببان لها اضطرابات وإن اختلفت ..
ابتلعت ريقها تراقب ما يحدث بأعين متسعة، ففي ثواني وبعد كلمة من سالار التحم الجيشان بشكل مرعب جعلها تغمض عيونها وهي تردد العديد من الاستغفارات والأدعية .
تراجعت أكثر تفكر في الركض صوب المشفى لأجل علاج المصابين من الجنود، لكن وقبل أن تتحرك وجدت العديد من الجنود يحيطون بسالار في شكل مرعب، تركوا باقي الجيش وتجمعوا حوله يتنافسون على من يقتله .
ارتجف قلبها تهمس بصوت مرتعد :
” سالار، يريدونه، هم يريدون قتله هو ”
وعند تلك النقطة ارتجفت يدها وشعرت بالخوف يحيط بكامل جسدها، تنظر حولها في تشتت ورعب واضح، ثم وفي ثواني ودون مقدمات كانت تتقدم من المكان تلتقط سيفًا قد سقط من أحد الجرحى، تشعر بارتجاف صدرها، تتحرك صوبهم وهي تردد في نفسها :
” الله خير حافظ، الله خير حافظ ”
وفي تلك الأثناء التي كانت تحارب تبارك فيها نفسها؛ كي تتشجع وتخوض مضمار لم يسبق أن خاضته يومًا أو حتى وطأته بالخطأ .
كانت هي تقف بينهم وهي ترفع سيفها تجز أعناق كل من يراقبها دون أن يرف لها جفن، تتناثر دماؤهم على وجهها لتتسع بسمتها بشكل مرعب وهي تصرخ فيهم :
” لعنة الله عليكم أجمعين، لعنة الله عليكم اجمعـــــيــن يا حثالة الممالك ”
ختمت صرختها وهي تغرز سيفها في أحشاء ذلك الرجل الذي قابلها بنظرات مصدومة، ابتسمت تنتزع سيفها وهو تقول بصوت سوداوي :
” هل ظننتم أنكم انتهيتم مني ؟؟ في أحلامكم الوردية يا قمامة الممالك، فناؤكم على يدي يا قذرين ”
ابتسمت حين رأت العديد من الرجال ينظرون لها بأعين متسعة يهمس أحدهم بكلمات مصدومة :
” ابنة الزعيم ؟؟”
” زمرد ؟؟”
” هذه ابنة الزعيم ”
ابتسمت له زمرد تقول وهي ترفع سيفها :
” إن اسميتم ذلك الحقير سليل الشياطين زعيم؟؟ فنعم أنا ابنته، مرحبًا بأهلي وعشيرتي في رحلتكم الأخيرة والتي سأختتمها بيديّ هاتين ”
وبهذه الكلمات اختتمت زمرد خطبتها القصيرة تهجم عليهم وقد تجمعوا عليها بشكل غير عادل ومنذ متى علموا عن العدل أو الشجاعة، فقط تكالبوا عليها ليسقوطها ارضًا ويعودوا برأسها لبافل الذي أعلنها صراحة، من يحضر له رقبة شقيقته فله ما يشاء من الذهب والمال ..
وزمرد أبت أن تنحني لهم، تنتقم لوالدتها فيهم، شعرت فجأة بخطرهم يزداد، فرغم ضعفهم في القتال إلا أن الكثرة…تغلب الشجاعة .
ولم تكد تلتقط أنفاسها حتى أبصرت من يتدخل للدفاع عنها، نظرت بسرعة جوراها ترى جنديًا من جنود الملك يقاتل معها، ابتسمت حين لمحت عيونه لتسمع صوت ذلك الجندي الرقيق الذي لا يتناسب لا مع ثوبه أو سيفه أو حتى الموقف :
” تمنعيني من القتال لتحظي بالمتعة كاملة وحدك ؟!”
أطلقت زمرد ضحكات وهي ترفع سيفها تغمز لكهرمان التي ركضت تحضر ثوبها وسيفها كي تنضم لهم :
” أخبرتك أنني أنانية حقيرة مولاتي ..”
فجأة وأثناء حديث زمرد أبصرت بطرف عيونها تجمهر العديد من الجنود حول سالار بشكل مرعب، لم يكن ذلك ليعنيها فهي كذلك محاصرة، إلا أنها أبصرت أحدهم يرفع سيفه من الخلف والغدر يلتمع في عيونه، لتشعر بالرعب وهي تركض بجنون صوبه صارخة بكل ما فيها من خوف :
” يا قائـــد ..خلفـــــك ”
عند سالار كان يحمل سيفيه يقاتل باليدين رافضًا الموت بهذه الطريقة، ليس الآن وليس على يد هؤلاء الحثالة، لن يعطيهم شرف التخلص منه، أبصر جنوده يحيطون به ويشاركونه القتال ليشعر هو بحركة خلفه جعلت جميع حواسه تتحفز وقبل أن يلتف سمع صرخة أنثوية لا مكان لها في هذه الحرب تحذره .
استدار بسرعة كبيرة كي يجز عنق من خلفه، ثم بعدها يفكر في أمر تلك السيدة التي اقتحمت الحرب .
لكن وحين استدار ورفع سيفه عاليًا، ما وجد لسيفه موضعًا في جسد مهاجمه، فقد سبقه أحدهم وغرز سيفه في جسده، تهاوى جسد الرجل ارضًا مفسحًا المجال لسالار كي يبصر منقذه والذي لم يكن سوى …تبارك ؟؟
________________________
انتهت الحرب ..
بهذه البساطة انتهت، إذ لم تكن تلك الحرب المقصودة من حديث بافل، فهو لم يكن بمثل تلك الشجاعة ليعلنها حرب صريحة بين الجيشين في أرض المعركة، بل حرب بافل التي كان يقصدها هي نفسها حرب والده وأجداده، حرب الغدر والخسة، حرب الجبن والسطو، أراد دفعهم بالجيوش صوب ساحة المعركة لأخذ البلاد .
ابتسم إيفان بسمة جانبية يراقب أجساد جيش بافل المترامية ارضًا والمتبقي منهم سحبهم الجنود كأسرى لهم، مقابل عدد قليل من قتلى جيشه الذين صعدت أرواحهم شهداء، وبعض المصابين..
رغم أن الأعداد التي واجهوها كانت تقدر ببضعة الآلاف مقابل نصف جيشه، إلا أن الغدر لا ينفك يلاحق رجال بافل الذين جاءوا هذه الحرب يدركون خسارتهم لها ولارواحهم، لكنهم أبوا إلا أن يرحلوا ومعهم بعضًا من أرواح جنوده الاشراف، غدروا بالقليل منهم واسقطوهم من ظهورهم، أرادوا أن يرافقوهم في رحلتهم للآخرة، لكنهم نسوا أن قتلاهم ليسوا بموتى، بل هم شهداء ….
سمع صوت تميم يردد جواره:
” إذن ماذا سنفعل الآن مولاي ؟؟”
نظر إيفان أمامه يقول بصوت خافت بعض الشيء وعيونه تحلق جول جنوده الذين فقدوا رفاقهم، فقد كان البعض يجلس ارضًا يرثي رفيق أو أخ، لم يسقط منهم الكثيرون، لكن ظفر رجل واحد من رجاله الاشراف بجيش من هؤلاء القذرين ..
” سنُكرم شهداءنا، ادفنهم حيث لقوا مصرعهم تميم، سندفنهم ونودعهم ونعود لنبلغ ذويهم خبر استشهادهم، أريد أن يُكرم جميع أهالي شهدائنا، والمصابين انقلهم حيث مهيار، انتهت المعركة يا تميم، ولم تنتهي الحرب بعد ”
ختم حديثه يتحرك، لكن وقبل أن يبتعد خطوة عن تميم تساءل الاخير بصوت جاد :
” ومِشكَى يا مولاي ؟!”
نظر له إيفان من خلفه كتفه يقول بهدوء وبسمة صغيرة :
” مِشكَى أصبحت على بُعد خطوات يا تميم، فما فعله الآن بافل وضع نهاية سريعة له ولحاشيته ”
انتهى يزيد من سرعة حصانه تحت أعين تميم الذي لم يفهم شيئًا مما حدث، إلا أنه هز رأسه ينظر صوب الجيوش يقول بصوت مرتفع :
” لا تدعو منا أحدًا المصابين خذوهم صوب خيمة العلاج، والشهداء سندفنهم في أرضهم حتى يُردوا لبارئهم، ويجتمع الخصوم ”
ختم حديثه يمنح شهداءهم النظرة الأخيرة وكأنه يودعهم، ثم قال بصوت خافت :
” عشتم ابطالًا ورحلتم شهداءً، فهنيئًا لكم الجنة يا رجال هنيئًا لرمال تشربت دماءكم الطاهرة، لم تنتهي حربكم، بل فقط أُجلت ليوم تجتمع فيه الخصوم، ألحقنا الله بكم …. ”
___________________
ارسل جيوشه في حربين مختلفتين، وهو ؟؟؟
لم يتزحزح عن عرشه مقدار شعرة واحدة، يجلس وهو ينظر أمامه دون إشارة واحدة تدل على أنه حي يرزق، يدرك أن حرب الساحة خاسرة، فهو لم يرهق نفسه بالتفكير فيها، لكن الحرب التي ارسل بها جنوده للقصر بالطبع ستكون رابحة، لا ريب أنها ستكون كذلك .
غامت عيونه وهو يعيد أمام عيونه رحلته منذ بدأ تلك الحرب الباردة، حرب بدأت بهجمات متتالية على جميع الممالك، هجمات شلت قوى البعض واضعفتها بالكامل كمملكة سبز والتي لم يكن جيشها بالقوي، فاستنزفه هو في معركة واحدة .
وجيش آبى الذي ما يزال يمنحه ضربات متتالية ستطيح به عما قريب، واخيرًا جيش سفيد والذي كان شديدًا لا تسقطه ضربة أو اثنتين فعكف طوال الأيام السابقة على إرسال هجمات متفرقة لهم، يعلم أنها ستفشل، لكنه فقط كان يستنزف بها قواهم شيئًا فشيء .
وفي الحقيقة هو نجح قليلًا إذ أن هجماته الأخيرة أدت لحدوث إصابات أضعفت من قوى الجيش، واخيرًا خُدعته بحرب مزيفة تتيح له فرصة الهجوم على سفيد .
اتسعت بسمته ينتشي من انتصار وشيك، حازه بالخديعة، أوليست الحرب هي ساحة الخديعة المفضلة ؟؟
” قريبًا، قريبًا جدًا سفيد ومن بعدها ستسقطون جميعكم واولكم ذلك الاحمق الذي وضع رقبته بين أناملي..”
ختم حديثه يضم قبضته بقوة وكأنه يطحن رقبة أحدهم أسفل أنامله:
” وضع يده في يدي بكل غباء، سلمني نفسه ومملكته وساعدني في سلب مشكى، مسكين …”
اغمض عيونه يرتاح في مقعده يتحين اللحظة التي تصل له إشارة سقوط سفيد حتى يتحرك بباقي جيشه ويسقط المتبقي منهم …
____________________
كانت صدمته كبيرة حيت أبصر الملكة أمامه تحمل سيفًا ملئ بدماء أحد المنبوذين وقد كانت أعينها متسعة بصدمة كبيرة وجسدها يرتجف مما فعلت وكأنها فعلت ما فعلت تحت تأثير مخدرٍ ما .
وتبارك كانت كذلك بالفعل، فهي لم تشعر بشيء سوى بجسدها يندفع بقوة صوب ساحة المعركة تقتحمها، ودون تفكير كانت يدها ترتفع غارزة سيفها في ظهره.
تراجعت للخلف بصدمة وهي تحاول تبرير ما فعلت وكأنه يلومها أو ما شابه :
” كان سيقتلك ..كان سيـ ”
وقبل أن تكمل كلماتها وجدت عدد غفير من رجال بافل يتكالبون عليها هي وسالار، ودون شعور وجدت سالار يجذبها بقوة خلف ظهره وهو يتراجع مشهرًا سيوفه في وجوههم على أتم الاستعداد ليحارب حتى النفس الأخير به، وفي هذه اللحظة لم تكن ميتته تعنيه بقدر ما يعنيه نجاة تلك المرأة خلفه، حتى وإن قُتل على يد هؤلاء الانجاس.
كان على استعداد لإسقاط كامل حديثه السابق بالموت على أيديهم إن كان ذلك سبيل نجاتها .
تراجعت تبارك تحتمي بظهر سالار الذي هب يدافع عنها بجسارة وتوحش مخيف جعلها ترتجف وهي تشعر بالدماء تتناثر عليها .
مشهد لو كانت قرأت عنه في أحد الكتب أو رأته في أحد المشاهد التلفزيونية التي كانت تدمنها قديمًا لكانت ذابت من روعته ورومانسيته، لكن في هذه اللحظة لم تشعر بذلك، كان الأمر مروعًا، كانت حرب، وفي الحرب لا وجود لمشاعر سامية لطيفة كالرومانسية، لا مجال سوى للقتال والدماء وفقط .
انتفضت فجأة على صوت سالار الذي قال بصوت مرتفع :
” سأؤمن خروجك من هنا، اركضي صوب القصر ولا تلتفتي للخلف أبدًا، أمني نفسك، اذهبي لمكتبة العريف وابقي هناك ”
نظرت له تبارك بفزع تقول دون تفكير :
” وأنت ؟!”
استدار لها سالار بصدمة يصرخ بعدم فهم وهو يشعر أنها إن لم تختفي من هذه الساحة في هذه اللحظة سيفقد أعصابه بالكامل :
” أنا ماذا ؟! هذه حرب وأنا قائد الجيوش بالله عليكِ ”
توترت تبارك وشعرت بسخافة حديثها تقول بتوتر وصوت مرتجف من الخوف :
” أنا … أنا أريد الذهاب للمشفى، أرسل المصابين لها سأعالجهم، ارجوك ثق بي ولا تمنعني يا قائد ”
نظر لها سالار بطرف عيونه وهو يقاتل أحد الرجال أمامه، قبل أن يقول بعد تنهيدة صغيرة :
” أنا أفعل مولاتي، سأرسل لكِ من يساعدك، هيا تحركي بسرعة ”
وبعد هذه الكلمة أبعد عنه الرجال، يدفعها بظهر سيفه، وكأنه يقود اسيرًا لا الملكة، وهو يصرخ بصوت مرتفع في بعض الجنود الذي كانوا يحاولون تدارك الأمر، يخرج بها من وسط هذه المعمعة :
” تأكدوا أن تصل الملكة صوب مشفى الجنود بسلام، حياة الملكة بحياتكم ”
ختم حديثه ينظر صوب تبارك في عيونها بقوة :
” أثق بكِ مولاتي، في رعاية الله ”
نظرت في عيونه بخوف تقول :
” ليحفظك الله يا قائد ”
وبهذه الكلمات ختمت تبارك هذا الحوار تركض بسرعة صوب المشفى وخلفها أربعة جنود يركضون معها لحمايتها، وهي تحاول أن تهدأ ارتجافة يديها وجسدها مما فعلت ورأت، يالله الحرب ليست لعبة، الحرب ليست سهلة، الحرب دمار ….
نظر سالار حوله يرى أن جانب جنوده حتى الآن هو الفائز وكيف لا وهم رجال أشداء لا يخشون الموت في سبيل الحق، يمتهنون القتال، يبارزون بكل مهارة، مقابل جماعة خوارج لا يعلمون عن القتال سوى حمل السيوف وتحريكها في الهواء بقلوب ضعيفة الإرادة لا هدف لهم سوى الباطل ..
تحرك بينهم سالار وهو يحرك سيوفه في الهواء يصرخ بين جنوده بصوت مرتفع وكأنه يذكرهم كل مرة بنفس الكلمات التي تشحذ أنفسهم بالغضب :
” لا تدعوا منهم حشرة، قتلوا إخوانكم وروعوا أطفالهم وهتكوا اعراض نسائكم، فلا تأخذكم بالكافرين رحمة، لا رحمة لا شفقة لا تفكير”
ختم حديثه يرفع سيوفه وهو يتحرك بينهم كالآلة يجز أعناق كل من يصادفه وقد شحن صدره بالغضب، لكن وأثناء قتاله وعلى بعد صغير قبيل الباب الداخلي للقصر، نظر نظرة سريعة ليتأكد أن لا أحد انتهك حرمة القصر، ليجد أن هناك قتال يدور أمام باب القصر الداخلي بين رجال بافل وأحد جنوده و… امرأة ؟؟
وعند تلك المرأة وهذا الجندي الذي لم يكن سوى كهرمان، كان الحقد هو من يقود كلتا الفتاتين، الغضب والحقد والانتقام، كلٌ يدفعه سبب في صدره .
سواء أن كان الانتقام لعائلة وبلاد ومستقبل وشعب ككهرمان..
أو الانتقام لطفولة وأم وحياة بائسة ضاعت كزمرد …
هي رغبة واحدة من تحرك الفتاتين .
اندمجت زمرد في القتال وهي ترفع سيفها تضعه على رقبة أحد الجنود الذي خاض معها للتو قتالًا شرسًا انتهى بإسقاط سيفه لتبتسم له زمرد :
” أمنية أخيرة !!”
نظر الرجل لعيونها يقول من بين أنفاسه العالية في محاولة لينال منها تعاطفًا، ونسي أنها يومًا كانت منهم ولم تسمع بتلك الكلمة المريبة من قبل عندهم :
” ستقتلين أبناء شعبك زمرد ؟؟”
ابتسمت له زمرد بسمة مخيفة :
” واقتل شعبي كله إن منحني الله الفرصة لفعل ذلك يا عزيزي ”
نظر لها بغضب وهو يحاول التراجع ليلوذ بروحه يقول :
” كيف تفعلين ذلك ؟؟ هربتي منا وانضممتي لاعداءنا وقمتي بتهريب أميرة مشكى كذلك، وعاديتنا لأجل ماذا ؟! لأجل ماذا زمرد ؟؟”
ابتسمت زمرد بسمة جانبية تقول بصوت مرح وهي تحرك سيفها على رقبته :
” لأنني في حياتي هذه يا بني لا رسالة لي سوى إبادة شعبك القذر ”
ألقى في وجهها كلمات جعلت احشائها تتلوى بإشمئزاز :
” هذا شعبك كذلك ”
كانت كلماته ساخرة لكنها أصابت وترًا حساسًا في صدر زمرد التي اشتدت عيونها شراسة تقول بصوت قوي هادرٍ :
” لم ولن أنتمي لكم يا قوم ”
وبهذه الكلمات أعلنت زمرد نهاية حياة ذلك الرجل وهي تجز عنقه بقوة، ثم استدارت بقوة صوب آخر، لكن لم تكد توليه كامل اهتمامها حتى أبصرت أعين سالار مثبتة عليها بشكل جعلها ترتجف، ترى نظراته القوية وهو يطيل النظر لها، قبل أن يعود للقتال ..
وهي ارتجفت تتساءل عن نظراته تلك، هل سيعاقبونها لأنها حاربت معهم قومها ؟!
لم تهتم وهي تعود بسرعة كبيرة صوب كهرمان تساعدها في التخلص من الحشرات التي التفت حولها بسرعة مخيفة ..
___________________
يقولون أنه مهما اشتدت النيران فنهايتها معروفة ..رماد .
وهذه الحرب التي اشتعلت بساحة قصر سفيد خلفت ورائها رمادًا كغيرها من الحروب، لكن ذلك الرماد لم يسوء أحد، فيكفي أنهم استطاعوا إخماد الحرائق وتحجيم النيران .
انتهت الحرب بعد ساعات وساعات، وها هو الليل حلّ بهدوئه تزامنًا مع وصول أول قوافل الجيش .
تنهد سالار بصوت مرتفع يراقب رجاله يحملون الجثث والمصابين، وقد ابتسم باتساع فها هي حرب إضافية ينتصر بها بفضل الله وتوفيقه .
استدار بجسده صوب المشفى التي استقبلت جميع المصابين دون تقصير، وثق بها وكانت على قدر ثقته .
تحرك ببطء صوب المشفى كي يتفقد الأمور ويرى ما وصلت إليه الأمور مع الملكة هناك، وحين خطى له هالهُ ما رأى..
كانت تتنقل بين المصابين بكل خفة وسرعة كبيرة تعالج هذا، وتتأكد من سلامة ذاك، تبتسم لهذا وتشجع ذاك، تتنقل بين الحجرات بسرعة كبيرة، توزع الاعشاب على الجميع، وتهتم بهم على حد سواء .
كانت تبدو … وكأنها خُلقت فقط لهذا العمل، كأنها وُلدت لتكون معالجة، لتساعد الآخرين في تجاوز آلامهم، وُجدت لتكون بلسمًا لكل سقيم .
وفي خضم حالته الذاهلة تلك سمع صوتها بنبرة ملهوفة وهي تركض صوبه بسرعة كبيرة، تركت الجميع تركض له، ليتراجع جسده دون وعي للخلف ليس خوفًا بالطبع، لكن صدمة، عدم تدارك لكل تلك الأفكار التي هاجمته لثواني حين رآها .
” يا قائد ”
توقفت أمامه تمرر عيونها على جسده بسرعة كبيرة ثم عادت له تقول بجدية :
” أنت بخير صحيح ؟؟ هل أصابك شيءٌ في الخارج ؟؟”
نظر لها جيدًا يتنفس بشكل رتيب يحاول التحدث وهي فقط تحاول معرفة إن كان يعاني من شيء، ابتلعت ريقها تشير للخلف وهي ما تزال تتحدث بسرعة :
” لقد سألت الجميع عنك، قالوا لي أنك بخير، وأنك…كنت رائعًا، أنت حقًا مذهل، تبارك الله أنت مقاتل مبهر يا قائد، في الخارج حين كنت هناك وساعدتني، كان الأمر …”
قاطعها سالار بيده وهو يغمض عيونه :
” فقط اهدأي ارجوكِ، أريد أن التقط انفاسي قبل الحديث”
نظرت له تبارك بعدم فهم تراقب ملامحه المرهقة، ثم أشارت جواره على أحد المقاعد تقول بجدية وخوف :
” أنت بخير ؟؟ يمكنك الراحة هنا وأنا سأذهب لإحضار بعض الأدوية لك ”
ومن بعد تلك الكلمات لم تنتظر منه ردًا تركض بسرعة بين الجميع تحت أعينه، لا يدري ما يحدث فقط يشعر برغبة على إلقاء جسده في بحيرة باردة ويتركه يتجمد علّ كل تلك الاضطرابات داخله تتجمد بفعل المياه ويرتاح، عليه أخذ راحة من كل ذلك ليفكر في القادم .
لكن أي راحة تلك؟! هو فقد راحته المزعومة منذ خطت هي أرض هذا القصر .
كانت تركض صوبه وهي تحمل بين يديها كوب تقول بسرعة ويدها ترتجف بشكل غريب :
” احضرت لك بعض الأعشاب، اعتقد أنها اعشاب للاسترخاء، لا ادري حقًا، لكن يمكنك تجربتها ”
نظر سالار صوب الكوب بين يديها بعدم فهم، ثم رفع عيونه لها :
” هل تنتوين قتلي ؟؟”
” لا اقسم أنني لا انتوي ذلك، لقد انقذتني اليوم من ميتة وشيكة، وأنا فقط … أود مساعدتك ولو بشيء بسيط، هيا جرب هذه الأعشاب ”
نظر أيدها بتشنج :
” هل أنتِ متأكدة من هذه الأعشاب ؟؟”
” نعم، لا، لا ادري، انظر هي إن لم تفدك فلن تضرك، لا اعتقد أن هناك اعشاب مضرة هنا، فالطبيب لن يحتفظ بسم بين قارورات الاعشاب المعالجة صحيح ؟؟”
تنهد سالار بصوت مرتفع وهو يفرك وجهه بارهاق شديد :
” يا الله يا مغيث ”
اقتربت منه بخوف شديد تهتف بصوت مرتعب :
” ما بك ؟؟ هل أنت بخير ؟؟ ”
” أنا كذلك حقًا، شكرًا لكِ ”
لم يكن كذلك، لم يكن بخير بأي شكل من الاشكال، كان يبدو مرهقًا شاحبًا، لكن كل ذلك الإرهاق لم ينتصر على قوته التي احتلت ملامحه، وتجبره الذي التمع في عيونه، كان قويًا لدرجة أنه لم يسمح لارهاقه بالانتصار عليه .
” إذن كنت …كنت أريد شكرك لأجل ما حدث اليوم و…”
صمتت وقد رأى سالار بأعين مدققة ارتجاف يدها وارتعاش بؤبؤيها بشكل مريب وهي تهمس بصوت متحشرج :
” لقد …لم أقصد ما فعلت اليوم، لقد قتلت الرجل و…”
شهقت تجاهد دموعها ترفع عيونها له تهمس بصوت موجوع :
” هل تظن أنني اخطأت و….”
قاطعها سالار بقوة وهو ينظر في عيونها بصرامة يمنعها استكمال كل ذلك :
” هذا كافر مغتصب قاتل، عدو الله وعدونا، قتلك له لم يكن خطأ، بل الخطأ هو ترك أمثاله أحياء ليعيثوا في الأرض فسادًا ”
نظرت له بأعين دامعة تجاهد نفسها تطالبها الثبات :
” أنا أعلم كل ذلك، أنا أعلم ذلك، لكن …هذه أول مرة أحمل بها سلاحًا و…”
رفع سالار عيونها عنها ينظر حوله ليلاحظ نظرات الجنود التي بدأت تتجه صوبهم ليهمس لها بصوت صارم قوي وهو لم ينزع عيونه عن الجنود وكأنه يحذرهم أن يشهدوا لحظات الضعف الخاصة بها :
” إياكِ، إياكِ والانهيار في هذه اللحظة على مسمع ومرأى من الجميع، إياكِ أن تدمري نسختك القوية التي عملتي على بنائها طيلة اليوم بمساعدتك الجميع دون تراخي أو خوف، لا تدعي أحدهم يشهد ضعفك، اريهم فقط قوتك واحتفظي بضعفك لذاتك وافرغيه بعيدًا عن الأعين ”
شهقت تبارك دون شعور منها تخفي وجهها بين يديها وهي ترتعش، ربما يشعر البعض أنها تبالغ، لكن بالله هي لم تحمل يومًا سلاحًا، وبعدما حملته قتلت به شخصًا، أخرجت روح من جسد وهي من كانت تحارب للحفاظ على الارواح، تدرك أنه لا يستحق منها ذرة شفقة، هي لا تشفق عليه ولو عاد بها الزمن لن تكتفي بقتله فقط، بل ستقطعه أربًا لو لزم الأمر انتقامًا لكل ما فعلوه، لكن هي …فقط ما عانته اليوم وكل هؤلاء الجرحى والقتلى، الأمر كان ثقيلًا عليها .
كل ذلك كان يحدث أمام سالار الذي حتى لم ينزل عيونه لها يشهد انهيارها، بل كان ينظر أمامه صوب الجنود في نظرات محذرة أن يرفع أحدهم نظراته للملكة في لحظات انهيارها، وهي فقط تحاول كبت شهقاتها حتى و أخيرًا استطاعت ذلك تهمس بصوت خافت :
” أنا لستُ حزينة أو نادمة على قتله، بل أنا.. لاول مرة أشعر بهذه الراحة، وكأنني انتقمت للجميع فيه، لكن فقط ما عايشته اليوم لم يكن بالشيء الهين ”
رفعت عيونها له تجد يحدق بعيدًا عن عيونها، لا يواجهها، لكنها اكتفت فقط بكلمة واحدة تعبر عما يجيش بصدرها له :
” شكرًا ”
ختمت حديثها تتحرك من أمامه كي تستكمل عملها، لكنها فجأة توقفت بصدمة حين تناهى لمسامعها صوت سالار الذي قال بصوت خافت ممتن :
” بل شكرًا لكِ فأنتِ ساعدتني اليوم، انقذتني وأنا أقدر لكِ ذلك، في النهاية لستِ تلميذة سيئة، وقطعًا لستِ مبارزة سيئة . ”
استدارت له تبارك تنظر له ببسمة صغيرة من بين دموعها، تدرك لو أنها ما قتلت ذلك الرجل لكان قتله هو، لكنها فقط استمتعت بلحظات التقدير النادرة تلك تقول وهي تنحني برأسها نصف انحناءة تجيب عليه بهدوء واعين امتصت من قوته الكثير حتى انعكس بها بعض تجبره :
” هذا لأنني تتلمذت على يد معلم بارع سيدي القائد …”
ختمت حديثها تعتدل في وقفتها تبتسم له بسمة رسمت أخرى على فمه وهو يهز رأسه لها باحترام، لتتحرك تبارك بعيدًا عنه بخطوات قوية ثابتة عكس تلك المهتزة التي اقتربت منه بها، وكأنها ارتشفت منه اكسير القوة، ثم عادت لتكمل ما كانت تفعل …
__________________________
راقبتهم وهم متضجعين على الفراش منذ عادوا من الاسفل قبيل انتهاء المعركة، وبمجرد انتهاء القتال اختفوا وكأنهم لم يكونوا .
ضحكت كهرمان بصوت خافت :
” يا ويلي لو أن قائد الجيوش امسك بنا ”
تنفست زمرد بصوت مرتفع وهي تجيب :
” لقد امسك بي بالفعل، هذا الرجل أعينه كالمنظار تتحرك في جميع الاتجاهات دون هوادة، لا ادري كيف يحارب وهو يحدق في الجميع حوله ”
نظرت لها كهرمان ثم ابتسمت تقول بصوت خافت محدقة في السقف اعلاهم :
” لقد كان أرسلان يخبرني دائمًا، أنه لا يجد متعته في القتال إلا حينما يكون القائد سالار هو خصمه، كان يستمتع كثيرًا بالقتال معه ”
رمقتها زمرد تقول بصوت ساخر بعض الشيء :
” يبدو أن شقيقك كان انتحاريًا ”
انكمشت ملامح كهرمان بحزن واضح، تقول بفخر كبير :
” لقد كان شجاعًا لا يهاب شيئًا، ولا ينحني لريح ولو عني ذلك كسر عوده ”
ربتت برلنت أعلى كتفها تهمس بحنان :
” رحمة الله عليه كهرمان، شقيقك شهيد هو وجميع من قُتل ذلك اليوم ”
تمتمت كهرمان بصوت خافت :
” الحمدلله ”
وقبل أن يبادر أحدهم ويغير دفة الحوار، ارتفعت أصوات صرخات الجنود في الاسفل معلنين بصيحات فرحة عودة الجيش .
انتفضت قلوب الثلاثة لأسباب مختلفة، منهم من جرفه الشغف واللهفة لرؤية غائب والاطمئنان عليه، ومنهم من شغفه شوقٌ لرؤية من لم يغب عن القلب لحظة وينكره العقل دهرًا، ومنهم من ارتجف القلب خوفًا وقلقًا من عودة لم تجهز لها بعد .
وقبل أن تتحدث واحدة منهن بكلمة، اندفعت برلنت كالقذيفة خارج الغرفة وهي تخفي وجهها خلف الغطاء الخاص بها تردد اسم تميم، قلبها ينبض بسرعة تود الاطمئنان عليه .
نظرت كلٌ من كهرمان وزمرد لبعضهن البعض، قبل أن يتحركن للأسفل حتى يستقبلوا الجيش مع الجميع .
وهو بمجرد أن خطى لباحة القصر يشعر بالإرهاق قد بلغ منه مبلغه، سمع صوتًا أعاد له نشاطه في ثواني، رفع عيونه بسرعة صوب صاحبة الصوت التي رغم أنها كانت تخفي ملامحها خلف غطاء الوجه إلا أنه ابتسم يهرول صوبها بخطوات سريعة أثارت انتباه مهيار ودانيار، بينما الملك ابتسم بسمة صغيرة يتحرك داخل القصر .
وتميم لم يتوقف حتى وصل لها، لتبتسم له بسمة لم تظهر له، ولم تكد تنطق كلمة واحدة حتى اتسعت عيونها تشعر به يجذبها خلفه بسرعة مخيفة جعلتها تهرول وهي تتحدث بصدمة :
” ما بك تميم !! يا ويلي سأسقط ارضًا ”
وتميم لم يتحدث بكلمة يتحرك بها صوب معمله الخاص تحت نظرات بعض العاملات اللواتي قابلوهم في طريقهم، لتتسع أعين البعض بفضول وكذلك الجنود الذين تعجبوا تصرفات تميم .
ليتوقف تميم في منتصف الممر يقول بصوت مرتفع للجميع وكأنه جنّ تمامًا :
” ماذا؟؟ هذه زوجتي …”
علت الشهقات الهمسات المصدومة بين الجميع وهو لم يهتم، فقط أخبرهم بهويتها كي لا تلوكها الألسنة ويمس أحدهم عرضه بكلمة واحدة، يقول بكلمات مقتضبة قبل الرحيل :
” الجميع مدعو على الزفاف بعد أيام قليلة، شكرا لكم ”
وهكذا انتهى يهرول بها صوب معمله وهي تتبعه متسعة الأعين مصدومة مما يحدث، يا الله جُنّ الفتى .
وبمجرد أن خطى تميم للدرج الخاص بمعمله جذبها بين أحضانه بسرعة يهتف بكلمات صغيرة :
” يا الله بيرلي، كدت أموت شوقًا لكِ صغيرتي ”
ابتسمت برلنت بصدمة قبل أن تضم نفسها له تقول بحب شديد :
” حمدًا لله على سلامتك تميم، لقد دعوتك لك منذ رحلت وحتى سمعت صوت المنادي يعلن عودتكم، مبارك انتصاركم ”
ابتسم لها تميم بسمة صغيرة وهو يحدق بعيونها بحب شديد يبتعد عنها قليلًا يسحبها معه للمعمل الخاص به، بينما هي سارت خلفه وقد شعرت أنها الآن في هذه اللحظة تحديدًا بدأت تتنفس الصعداء، واخيرًا وبعد سنوات طوال من الحزن والبكاء والعذاب وجدته وأصبحت معه، بعد سنوات كانت تدخل هذا المعمل خفية تتلمس طيفه في جميع الأماكن، الآن تدخل معه، كفه يضم خاصتها، صوته يخصها بأحاديثه .
وحين وصلت للمعمل ذاته حرر تميم كفها لتشعر ببروده تلفحه، لكنها ابتسمت حين استدار لها يقول :
” لحظة سآتيكِ بشيء يعني لي الكثير ”
عاد يتحرك بعيدًا عنها، لكن فجأة توقف يشير على مقعد خاص به يقول ببسمة :
” اجلسي بيرلي، تصرفي كما لو أنكِ في مكانك الخاص صغيرتي”
تركها ورحل تحت نظراتها الباسمة وهي تتحس تلك الطاولة التي كانت تنظفها كل يوم بنفسها، تحمد الله في صدرها أن اسعد قلبها في نهاية الحكاية .
فجأة وجدت تميم يعود لها حاملًا معه صندوقًا ورقيًا يقول بحماس شديد :
” هذه اشياؤك، احتفظت بها حتى أعيدها لكِ بيرلي ”
ختم حديثه يدفع الصندوق صوبها لتطيل هي النظر في عيونه، قبل أن تنظر صوب ذلك الصندوق تحاول معرفة ما به وهو أشار لها بنظراته أن تفتحه، وكذلك فعلت بأنامل متلهفة، لتتلكأ فجأة حين لمحت أول هدية أهداها لها بعد الزواج .
” جرة الفخار الخاصة بي ؟؟”
” تتذكرينها ؟؟”
وكيف لا تفعل وقد كانت تلك الجرة هي اول ما جمعهم بعد عقد قرانهم، حين ذهبت له ذلك اليوم بالفاكهة وجذبها لتتعلم صنع الفخار واهداها لها في النهاية بعدما زينها هو بأنامل ماهرة، نقش عليها اسمها بخط بديع، ومن ثم رسم عليها زهور برلنت المفضلة وهداها إياها.
سقطت دموع برلنت وقد عادت تلك الذكرى تُعرض أمام عيونها وكأنها حدثت للتو، هي ..هي لا تصدق أنه احتفظ بها هذه السنين .
مسحت دموعها تهتف بصوت متأثر :
” هذه …هذه …هذه اغلى هداياك على قلبي تميم، لقد…لقد بكيت كثيرًا حين أجبرني أبي على الرحيل دون أخذ اشيائي ”
بكت بقوة وهي تضم لها الجرة تنهار على ما فاتها كل تلك السنين من ذكريات، سنوات طويلة مرت كان تستطيع صنع الكثير والكثير من الذكريات بها، لكن كل ذلك سلبه والدها منها بأنانية منه .
مدّ تميم يده يقول بصوت خافت :
” لِمَ البكاء بيرلي ؟؟ ”
” فقط أشعر .. أشعر بالحنين لكل تلك الأيام الماضية تميم، أشعر بالسوق لأيام قضيناها في منازلنا البسيطة، تسعدنا أقل الاشياء ”
” وهل تحزنك ذكرياتنا بيرلي ؟! عليكِ أن تبتسمي حين تمر بخاطرك لا أن تبكيها، ونحن إن شاء الله سنصنع المزيد منها، وإن أردتي العودة للمنزل فلا بأس، يمكننا العودة وقضاء بعض الأيام هناك، لكن هذا سيكون بعد إنتهاء حالة الحرب التي دخلت بها المملكة فلا يمكنني الرحيل في هذه اللحظة ”
هزت رأسها تقول بنحيب كان قاسيًا عليه ليتحرك عن مقعده يقف جوارها يضم رأسها لصدره وهو يقبل حجابها بلطف، وهي ضمت نفسها له أكثر :
” إن كان ذلك حلمًا، فلا تيقظني منه تميم ”
ابتسم تميم يخرج من جيب بنطاله خاتمها الذي لا يتركه يومًا بعيدًا عنه، ثم رفع يدها يلبسها إياه:
” ليس حلمًا برلنت، بل واقع عزيزتي، واقع عزمت أن اجعله افضل من جميع الاحلام ”
نظرت برلنت للخاتم بيدها تبتسم دون شعور :
” خاتمي ؟؟”
” نعم، خاتمك الذي اتهمتك بسرقته منذ أيام ”
ضحكت بصوت مرتفع ليضمها أكثر يقول بحنق شديد :
” يا الله لا أكاد أصدق أنكِ كنتِ من الغباء لتتحملي ليلة كاملة في ظلام السجن لأجل تهمة سرقتك لشيء يعود لكِ برلنت، ما هذا الغباء؟؟”
صمت ثم أكمل بغضب شديد :
” وأنا جئتك مساءً ورحلت تاركًا إياكِ وحدك، كلما تذكرت الأمر شعرت بالقهر والغضب ”
ضحكت كي تخفف عنه :
” ماذا، هل كنت ستشاركني السجن ؟؟”
” وماذا في ذلك ؟؟ طالما أنكِ به لا يسمى سجن صغيرتي، كانت لتكون ليلة جميلة، أنتِ بين أحضاني في ظلام ذلك المكان والهدوء ”
تنهد بصوت مرتفع ثم ابتعد عنها يقول وهو يجذب الصندوق لها :
” دعينا من تذكر كل ذلك فأنا كلما تذكرت شيء لي معكِ قديمًا شعرت بالغضب الشديد من نفسي، هيا انظري إلى ما احتفظت به لأجلك ”
ضحكت برلنت بصوت مرتفع عليه وهو رمقها بحنق لتتجنب غضبه وهي تعود للبحث في ذلك الصندوق تطلق شهقات مصدومة كل ثانية لا تصدق أنه احتفظ بكل تلك المتعلقات الخاصة بها .
وما لم تعلمه هي، أن تلك الأشياء البسيطة كانت سلواه الوحيد لتميم طوال تلك السنوات، فكلما دعاه الحنين ركض يضم بقايا رائحتها بهم، اشياء كانت تخصها في منزله وأخرى جمعها من منزلها حينما ذهب ليعيدها له فاكتشف رحيلهم..
ليلتها قضى تميم يومه بأكمله باكيًا في غرفتها وهو يضم له اشياءها الخاصة يرتجى منها أن تتوسط له عند صاحبتها يهمس لها معتذرًا عن غبائه :
” لم اقصد يالله لم اقصد، اقسم أنني لم أقصد أي كلمة نطقت بها، كيف ..كيف فعلت ذلك بصغيرتي، يالله كيف صدقت أنها قد تخذلني بهذا الشكل، اعماني غضبي وقلة حيلتي ”
استفاق تميم على صوت برلنت تقول :
” أنت تحتفظ بحجابي الاول تميم ؟؟”
نظر لها تميم دون وعي كامل، قبل أن يبتسم يراها تمسك أول هداياه على الإطلاق، حينما علم من والدتها أنها قررت ارتداء الحجاب ركض بسرعة ليكون هو أول من يشتريه لأجلها ويهديه لها مع كامل الحب .
” احتفظ بكل شيء من شأنه تذكيري بكِ بيرلي ”
ابتسمت له برلنت ليميل مقبلًا جبهتها بحنان شديد :
” إذن صغيرتي تقبلين الزواج بي أمام العالم أجمع ؟؟؟”
_______________________
كانت تقف متلهفة لمعرفة نتيجة تلك الحرب، تنتظر أي بادرة، رغم ثقتها أنهم لم ينهزموا، فإن حدث ما تخشاه لن يعودوا بهذه البساطة وبهذه الملامح ..
تنهدت كهرمان بصوت مرتفع تبحث بعيونها عن أي دليل قد يثبت صحة ظنها، لتبصره يتحرك صوب غرفته فتحركت بسرعة تجاهه فهي لا تستطيع التحدث مع سواه .
” يا قائد، قائد سالار ..”
كان هو يسير بكل هدوء صوب حجرته ليبدل ثيابه، ثم يلحق بالجميع صوب غرفة الاجتماعات، لكن فجأة توقف حين سمع نداء خلفه ولولا أنه لا يمكنه أن يخطأ صوتها لظن أنها صاحبة كلمة ( قائد ) التي أضحى يسمعها من الجميع بصوتها لكثرة مناداتها له بها، لكن حين أتبع المنادي القائد باسمه ( قائد سالار ) أدرك أنها ليس هي، فهي لم تتجرأ يومًا وتنطق اسمه، وهذا ما يصيبه بحيرة قاتلة .
استدار ببطء يبصر خلفه امرأة تتحرك بخفة صوبه وهي تقصده ليحاول معرفة من هي تلك التي توقفه للحديث، فكر حتى هداه عقله لها، وحين توقفت أمامه تأكد وهي تقول بجدية :
” اعتذر لتعطيلك يا قائد لكنني أردت أن أتحدث معك بأمر هام ”
هز لها سالار رأسه يرهف السمع لها باهتمام :
” تفضلي جلالتك، كيف اساعدك ؟؟”
نظرت له تقول بصوت خافت :
” هل علمت نتيجة الحرب ؟؟ هل …هل دخلوا مشكى؟؟ ما الذي حدث هناك ؟؟”
نفى سالار برأسه في هدوء يقول :
” لا لم أعلم بعد ما حدث، فالجيش عاد لتوه وأنا كنت على وشك تبديل ثيابي واللحاق بهم، لكن مولاتي نحن لم نكن نضع في الخطة اقتحام مشكى، لذا اعتذر لا اعتقد أنهم فعلوا ذلك، فاقتحامها يحتاج لأكثر من حرب عادية، لكن لا تقلقي فنحن لا نتجاهل ذلك ”
شعرت كهرمان بخيبة الأمل تهز رأسها بهدوء ليقول سالار حين رأى أنها نكست برأسها :
” ملكة كهرمان ”
رفعت كهرمان رأسها له بسرعة ليقول بهدوء وبسمة صغيرة :
” جلالتك لا تقلقي عودة مشكى مسألة وقت لا أكثر، ستعود وتتربعين على عرشها ”
” هل تعتقد هذا ؟؟ ”
” بل أنا متأكد من هذا ”
هزت رأسها ثم كادت ترحل لولا أن أوقفها سالار يقول :
” فيما يخص الحرب التي نشبت في الساحة، ومشاركتك مع رفيقتك، رجاءً اتمنى ألا يتكرر الأمر مجددًا سأحرص ألا يعلم أحدهم بهذا، لكن لأجل مصلحتك ومصلحة مشكى التي لم يعد لها سواكِ من الأسرة المالكة، تجنبي الأفعال المتهورة كتلك ”
اتسعت عيون كهرمان بصدمة لا تصدق ما نطق به، كيف علم أنها كانت مع زمرد وكيف علم أنها رفيقتها حتى ؟!
ويبدو أن سالار أدرك نظراتها تلك ليقول ببسمة هادئة :
” أنا رأيتك مع تلك الفتاة كثيرًا، لذلك أدركت أنكِ ذلك الجندي الذي كان يقاتل جوارها ”
هزت رأسها بخجل تشعر أنها أخطأت وتسرعت، لكن الغضب هو من جرفها في طريقه دون أن تشعر وايضًا لأنها أرادت مساعدة زمرد .
” حسنًا لا بأس، أعدك ألا يتكرر الأمر ”
” أي أمر ؟؟”
اتسعت أعين كهرمان بشدة وهي تسمع صوته خلفه لتسارع يدها كي تتأكد من غطاء الوجه، بينما سالار رفع رأسه صوب إيفان الذي كان يقف في بداية الممر الخاص بالغرف يحدق فيهم بنظرات غريبة له .
” مولاي، حمدًا لله على سلامتك ”
لكن إيفان كانت عيونه معلقة بظهر كهرمان يدرك جيدًا هويتها، وكيف لا يفعل وهو لا يستطيع إخراج صوتها من رأسه منذ أيام طويلة .
” أي أمر ذلك سالار ؟؟”
نظر له سالار بتعجب، فمنذ متى كان الملك فضوليًا فيما يخص أمور العاملين لديه؟؟ والأدهى منذ متى والملك يتدخل فيما يخصه هو ؟؟
رفع سالار حاجبه يقول :
” لقد طلبت هذه العاملة مساعدتي في شيء يخص شقيقها الذي يخدم في جيشي مولاي، فهو أخطأ وكدت اعاقبه وهي جاءت تطلب مسامحتي له ”
وكان هذا دور إيفان الذي رفع حاجبه يقول بصوت خافت :
” أوه هكذا إذن ؟؟ هل شقيقك يخدم بالجيش آنسة كهرمان ؟؟”
انتفض كهرمان جسدها بقوة حين نطقه اسمها، تشعر بأنها تكاد تهوى ارضًا تهز رأسها بخفوت وهو اقترب منهما يقول لا ينزع عيونه عن كهرمان التي كانت تنظر ارضًا لا تريد رفع رأسها له :
” لا بأس سالار سامحه لأجل الآنسة التي جاءتك خصيصًا واوقفتك في منتصف القصر على مرأى ومسمع من الجميع، فقط كي تطلب سماحك ”
ضيق سالار عيونه وهو يرى نظرات إيفان تشتد شيئًا فشيء، بينما كهرمان رفعت رأسها له، وهو شعر أنه يرى نظراتها الشاخصة المصدومة حين سمع صوتها الحاد :
” شكرًا لكرمك مولاي، اقدر لك عدلك وصنيعك ”
” عدلي ؟! حمدًا لله أن هناك من يراني عادلًا، فهناك البعض يراني شيطانًا ظالمًا ”
ابتلعت كهرمان ريقها تفرك كفيها في بعضهما البعض بتوتر، تبعد رأسها عنه وهي تنظر صوب سالار تهمس بصوت خافت :
” شكرًا لك كذلك سيدي ”
عادت تنظر ارضًا صوب الملك تقول :
” مبارك انتصاركم مولاي، عسى أن ينفع الله بكم الأمة”
أمسكت طرف ثيابها ترفعه بخفة أسفل أنظار الاثنين تنحني نصف إنحاءة وهي تردد بصوت خافت :
” بالاذن منكما ”
وبهذه الكلمات رحلت تحت أنظار إيفان المحتدة ونظرات سالار المتعجبة الشاردة والذي بعدُ بتفكيره عن كل ما يحدث هنا، إذ فكر فجأة، لِمَ لا يطلب من الملكة كهرمان تعليم ملكتهم كيفية رفع ثوبها دون التسبب للمحيطين بها في عاهة ؟؟
فجأة سمع صوت يقول :
” ما الذي كانت تتحدث به معك سالار ؟؟”
نظر له سالار يقول بهدوء :
” أخبرتك مولاي أنها…”
” منذ متى كنت كاذبًا سالار ؟؟ ”
نظر له سالار دون فهم ليبتسم له إيفان يقول بهدوء :
” أنتظرك في القاعة بعد نصف ساعة فقط ”
ختم حديثه يتحرك من أمامه صوب جناحه، كي يغتسل وهو يلوم نفسه على تدخله في أمر ما كان ليعنيه لو لم تكن هي المعنية بالأمر .
بينما سالار ظل يحدق أمامه بعدم فهم، وقبل أن يتحرك ابصرها تقف على بداية الممر تضم ذراعيها لصدرها مبتسمة له بسمة ساخرة :
“مالي أراك تعامل النساء بلطف يا قائد، لم يكن هذا ما عهدته منك ”
اتسعت أعين سالار بصدمة ولم يكد يتحدث بكلمة حتى تخطته تبارك صوب حجرتها دون أن تعبأ بانتظار رده حتى، وهو ظل مكانه لا يفهم ما الذي أخطأ فيه هو ليرحل الجميع غاضبين منه ؟؟؟
_____________________
يقف في منتصف الممر جوار أحد النوافذ يحدق بجيشه العائد من معركة الساحة مع جيش إيفان، أو لنكن دقيقين، بقايا جيشه الذي نجى منهم، بينما لم يعد نفر واحدٌ من الذين ارسلهم صوب سفيد .
ابتسم بسمة جانبية يدرك نتيجة الحرب دون أن يخبره احدهم، فعلتها سفيد مجددًا وهزمته شر هزيمة، كيف حدث لا يعلم، لكنهم فعلوها مرة ثانية .
ابتعد عن النافذة يتحرك في الممرات يشعر بالنيران تشتعل داخل صدره يقول بصوت مرتفع :
” أحضروا لي قائد الجيوش ..”
سمع صوت أحد الرجال يقول بسرعة وتوتر شديد :
” سيدي لقد …لقد ذهب مع الجيش لسفيد ولم يعد حتى الآن …”
مرحى، ضحية أخرى من قادة جيشه يخسره لصالح سفيد، لكن وهل يهتم ؟! أبدًا لا يفعل ..
” إذن أحضروا لي أحد الرجال الأقوياء التابعين لقائد الجيش القديم ليكون هو القائد الجديد ”
هز الجندي رأسه يختفي من أمام أعين بافل في هذه اللحظات قبل أن ينفجر فيهم اجمعين، وهو تحرك بسرعة في الممرات لا يدري أين يذهب، أو ماذا يفعل، سفيد حطمته وحطمت تخطيط ايام طوال في غمضة عين، فقط لو يعلم من ذلك الحقير الذي أخبرهم ما يخطط له .
تنفس بصوت مرتفع. قد وصل صوب القاعة الخاصة بالعرش وحينما خطى لها شعر بالمكان يتحول للاحمر حوله لشدة غضبه لينقض على كل ما يقابله يصرخ كالمجنون يجذب خصلات شعره بغضب جحيمي، لقد هزموه مجددًا، هزموه مرة ثانية وثالثة ورابعة .
” كــــفــــى ..اكتفيت من كل هذا ”
تنفس بصوت مرتفع يدور بعيونه في المكان الذي ضربه إعصار غضبه، إعصار ما ابصره أحدهم منذ هزيمته النكراء سابقًا على يد ملك مشكى السابق، حين هجم أرسلان عليهم واذاقه مرارة الهزيمة والذل أمام الجميع ولولا هربه وقتها بمعجزة لكان لاقى حتفه على يده .
لكنه حينها لم ينس أن يتوعد لارسلان بالويل، وقد نفذ توعده وتخلص من أرسلان باسوء الطرق الممكنة، ذلك الحقير ما انحنى له قبل موته وما رأى بعيونه نظرة انكسار، لكنه انتهى منه وختم قصته وقريبًا يلحق به رفيقه ..
نزع سيفه يضرب به وعاء خزفي أمامه محطمًا إياه أشلاء متنفسًا بصوت مرتفع :
” أتى دورك إيفان، أتى دورك ولن تنال مني رحمة ”
________________________
بحث عنها في كل مكان يُحتمل وجودها به، لكن لا شيء، اختفت بكل بساطة وكأنها تقصدت أن تبتعد عن عيونه، ابتسم بسخرية يمسح وجهها يهمس بصوت خافت بينه وبين نفسه :
” للمرة الأولى تكونين جبانة ”
هل تريد أن توصل له بشكل غير مباشر أنها ترفض عرضه؟؟ أم أنه أصبح حساسًا لكل ما يتعلق بتلك المرأة وهذا ما يجعله يبحث عن حجج يصمت بها عقله.
ليس الأمر وكأنه ذاب في هواها، هو فقط يود الزواج منها كي يقي نفسه فتنة عيونها، لا يحبها، لكنه يبحث عن سبيل للفرار من رموشها التي كلما حركتها أسرته بينهما دون أن يجد له فرار، بالطبع لم يعشقها، لكنه فقط لا ينفك يفكر بها حينما يترك لعقله حرية التفكير .
يأس من إيجادها في المكان الأخير ليقرر أنه انتهى من البحث لليوم، ولن يفعل مجددًا إن رآها سيسألها ردها، وإن لم يفعل سيتجاهلها، فقط يتجاهلها لأجل صحته النفسية .
تحرك صوب قاعة الاجتماعات دون أن يمنح نفسه رفاهية الراحة، لن يعود بالطبع لحجرته كي تتكالب عليه الأفكار، تحرك في الممرات بوجه جامد، واعين فاقدة الحياة .
وكل ذلك كان يحدث تحت عيونها التي تراقبه منذ عاد، لم تغفل عنه لثانية واحدة، تريد فقط الاطمئنان عليه لحاجة في صدرها، ثم بعدها تذوب بين الجميع كي لا يعثر عليها .
لكن حين وجدته يتلفت حوله أدركت بصدمة أنه يبحث عنها، لتشهق تختفي بسرعة تهمس لنفسها :
” لا يجب أن يحدث هذا، يا ويلي ما الذي فعلته بنفسي ”
دفنت وجهها بين كفيها تحاول أن تهدأ، ثم أبصرت من بين أصابعها التفافه حوله وكأنه أضاع شيء ثمين يبحث عنه باستماتة، هو حتى لم يذهب ليبدل ثيابه أو يرتاح، بل شرع يبحث عنها في كل مكان باستماتة .
ابتلعت ريقها تلحق به بسرعة كبيرة، ربما هي أنانية وغباء منه، لكنها تدرك أنها وإن سايرته في قراره الغبي هذا، سيندم المتبقي من عمره، فمن ذا الذي يقبل الزواج بفتاة ولدت وترعرعت بين أقذر السلالات البشرية، بل وتحمل دماءهم داخل اوردتها، من يقبل أن يتزوج بامرأة لا يمكنه أن يأمن طرفها ؟!
وهذه الحقيقة اوجعتها، بل قتلتها في تلك اللحظة لتتنفس بصوت مرتفع تتخذ قرارها الأخير، هي ستختفي من أمام عيونه ستمنع عنه رؤيتها .
فجأة توقف جسد تميم بشكل جعل عيونها تتسع واستدار بسرعة لتركض هي تختفي خلف أحد الأعمدة وهو ضيق عيونه ينظر لجسدها الذي لمحه قبل اختفائه، ليبتسم بسمة صغيرة يهمس لنفسه :
” يبدو أنها وجدت طريقة مناسبة لتوصل ردها لي ”
استدار بكل هدوء يبتعد عنها لتتنفس زمرد الصعداء تبتعد بسرعة كبيرة، تهرول بعيدًا عنه ترفض أن تتعرض مجددًا لعيونه، ركضت في الممرات لا ترى أمامها وحين وصلت لغرفتها فتحتها تقتحمها بقوة تغلق الباب خلفها تستند عليه وكأنها تخشى أن يهجم على مخبأها .
في حين أن كهرمان التي كانت تحتل الفراش انتفضت برعب حين سمعت صوت ضرب الباب القوي، خرجت من شرودها بالملك وهي ترى مظهر زمرد الشاحبة والتي انتزعت اللثام تلقيه بقوة وكأنه يخنقها .
ثم انهارت ارضًا وعيونها متسعة بصدمة جعلت كهرمان تركض لها تمسك جسدها الذي ارتطم بقوة ارضًا تتحدث لها بكلمات لم تصل لزمرد، التي كانت تنظر أمامها شاخصة الأبصار وكأنها للتو أدركت موعد موتها ..
” أنا… أنا أحبه كهرمان، أنا أحبه، يالله ليس هذا، ما الذي فعلته بنفسي ؟؟ ما الذي فعلته بنفسي ”
وللمرة الأولى منذ معرفتها لزمرد تجد كهرمان تنفجر في بكاء عنيف وهي تخفي وجهها بين كفيها تهمس بصوت مرتعب من تلك الحقيقة التي كانت بمثابة إعلان لنهاية حياتها السعيدة :
” يا ويلي لقد أحببته، أحببت قائد رماة سفيد وأنا ابنة زعيم المنبوذين الذي كرس حياته لانهائهم، أنا شقيقة بافل الذي دمر شعوبهم، يالله أنا منهم وأحمل دمائهم ..”
لحظة إدراك، تلك اللحظة التي قد تعيد إصلاح حياتك، أو تدمرها ….
__________________
” هذا الانتصار لم يكن إلا مرحلة انتقالية ومسمار آخر يُدق في نعش بافل، مرحلة أخرى نعبرها لنصل إلى محطة مشكى، القادم لن يكون بالهين، والحرب القادمة ستكون في مشكى حين نحررها ”
ختم إيفان كلماته يشمر أكمام ثوبه مستندًا على طاولة الاجتماعات، وهو يحدق في جميع الأعين حوله، قبل أن يضيف :
” نحن لا نسعى للحروب ولا للقتال، بل القتال هو من يسعى لنا، فقدنا في هذه الحرب رجال ظفرٍ منهم بجيشٍ من رجال بافل، لكننا لا نزكيهم على الله ونحتسبهم عنده من الشهداء ”
ختم حديثه يجلس ثم استند بذراعيه على الطاولة يقول :
” المرة القادمة لن نعلنها حربًا، بل سنتحين الفرصة ونهجم عليه في مشكى، سنعيد مشكى رغم أنوفهم اجمعين، واظن أننا بحرب اليوم خطونا خطوتنا الاولى في دمار بافل بعدما أنهى عزيزنا سالار حياة نصف جيشه واكملنا نحن الباقية، هو الآن في أضعف حالته ”
ختم حديثه ينظر صوب سالار الذي هز رأسه يقول مشاركًا الملك في الحديث :
” الآن وحسب معرفتي لأمثال بافل، سيبدأ التصرف بشكل غير متزن، سيقوده غضبه وحقده إلى أفعال غير محمودة العواقب وحينها سيحين دورنا نحن ”
” احسنت سالار، لكن لا اعتقد أن جيشنا قادر على خوض حرب أخرى في القريب ”
نفى سالار برأسه يقول بثقة شديدة :
” سيدي رجالي قادرين على خوض مئات الحروب دون كلل أو ملل، لكنني لا أحبذ المخاطرة بهم في لحظات كهذه، يكفينا ايام لالتقاط الأنفاس ومعالجة المصابين ”
نظر إيفان صوب مهيار يقول :
” وعلى ذكر معالجة المصابين، مهيار أنت مسؤول أمامي عن التأكد من صحة جميع مصابي الحرب ”
هز مهيار رأسه بهدوء :
” لا تقلق مولاي، بمشيئة الله سيصبح الجميع بخير حال ”
صمت الجميع ليعلو صوت سالار وهو يقول بجدية :
” مولاي بخصوص أمر المعالجة ذلك، كنت اقترح أن…”
صمت لا يدرك ما يقول، لكنه في النهاية تحدث تحت نظرات إيفان المشجعة :
” اقترح أن نعين الملكة كطبيبة في القصر، ويمكنها مساعدة مهيار في الحروب، فهي كانت تعمل في مشفى حين كانت في عالمها، واعتقد أنها تفقه الكثير فيما يتعلق بهذه الأمور، كما أنها هي من تولت علاج جميع الجرحى اليوم، وقد ابلت حسنًا في ذلك ”
نظر له إيفان يشعر بذنب رهيب ينخر صدره، يالله الملكة، كيف نسي الاطمئنان عليها عند عودته، ابتلع ريقه يقول بصوت خافت :
” لكن تدريبات الملكة، هل سيتأثر هذا ؟؟”
نظر له سالار لا يدري ما يفعل، هو فقط يشعر أنه يحارب لأجل مستقبل ابنته، لكنه لا ينسى نبرتها الحزينة وهي تخبره أن هذا أكثر شيء تحبه وتعلمه، وبسمتها اليوم حين سمح لها أن تفعل ما تحب؛ لذلك اعتدل يقول متدخلًا في شيء لا يخص الحروب أو جيشه :
” لا تقلق مولاي، لا اعتقد أن الأمر سيمثل عائقًا للملكة، فهي تبلي حسنًا في التدريبات معي وكذا دانيار وتميم واعتقد أنها تفعل الأمر نفسه مع العريف ”
نفخ العريف يهتف بسخرية :
” لا تفعل، هذه الفتاة كارثة بكل المقاييس، أنا أخبركم من الآن أنني غير مسؤول عن أي نتيجة تخص دروسي معها ”
وجه له سالار نظرات نارية لتخريبه وصلة مدح نادرة لا تخرج من فمه إلا في حالات شديدة الندرة .
تنهد يقول بجدية بعدما صمت العريف مكرهًا تحت نظراته المحذرة من تشويه صورتها الآن :
” هي في الأساس لا تفعل شيء سوى التدرب ومن ثم تظل تدور في القصر دون عمل، وأعتقد أن خبرة في مجال كالطب قد تضيف ميزة لـ…لملكة البلاد المستقبلية ”
نظر له إيفان يفكر جديًا في الأمر ليقاطع سالار تفكيره يقول بصوت جاد وهو يتنحنح :
” كما أنه وحسب ظني فهي تحب هذه الوظيفة وترتاح لفعلها”
وعند هذه النقطة لم يجد إيفان سببًا للرفض، فهو لن يمنع عنها شيئًا تحبه أو يشعرها للحظة واحدة أنهم يقيدون حريتها في هذا المكان، لذا قال بهدوء :
” لا بأس إذن سأتأكد بنفسي من أن تنال الملكة مكانتها التي تستحق في المشفى هنا…مهيار ”
” نعم مولاي ؟؟”
” الملكة ستكون مسؤوليتك لتعلمها ما يخص الاعشاب وغيرها من الأمور التي قد تجهلها هنا ”
هز مهيار رأسه بجدية، ليتنهد إيفان بجدية ثم نظر صوب العريف يقول :
” وأنت أيها العريف عليك بتكثيف دروسك مع الملكة، والتوقف عن طردها من المكتبة، فالتتويج سيكون بحلول العيد الوطني لسفيد ”
هز العريف رأسه مجبرًا يهتف بصوت خانق كاره لكل ما يحدث :
” حسنًا، عساي انتهي من كل هذه الأمور التي تسقط فوق رأسي ”
نظر لهم إيفان ثواني قبل أن يقول بهدوء منهيًا النقاش في هذه اللحظة :
” إذن انتهينا للان، خذوا قسطًا من الراحة يا سادة ولنا لقاء آخر لمناقشة ما سيحدث ووضع الخطة الجديدة ”
هز الجميع رؤوسهم ورحلوا واحدًا تلو الآخر عدا سالار الذي ظل جالسًا ينظر لإيفان نظرات غامضة جعلت الاخير يرفع حاجبه وهو يقول :
” هل نسيت اخباري شيئًا ما سالار ؟؟”
اطال سالار التحديق به ليقول بهدوء :
” اسمح لي مولاي بالحديث معك كصديق ”
” لديك أذني طوال الوقت سالار، فما بيننا أكثر من رتب يا اخي ”
ابتسم له سالار بسمة جانبية، ثم نهض عن مقعده يسحبه صوب المقعد الخاص بالملك وجلس أمامه ينظر لعيونه بجدية كبيرة جعلت إيفان يتعجب الأمر، لكن سالار لم يتركه في حيرته طويلًا يقول بهدوء شديد :
” كهرمان .”
” العاملة ؟؟”
ابتسم سالار بسمة جانبية يدرك تلاعب إيفان بالحديث ويدرك أنه الآن يتلاعب معه في الألفاظ :
” لا، بل الأميرة مولاي …”
__________________
ألقت آخر قطعة ثياب كانت تقيدها مكتفية بفستان لطيف في غاية البساطة، بعيدًا عن تلك الملابس التي تقيد حريتها، تجلس أعلى فراشها، تترك لنفسها واخيرًا الفرصة لتلتقط الأنفاس سعيدة، منتشية ..
لقد احسنت العمل اليوم، استطاعت تدارك العديد من الحالات وحدها، كانت اليوم بمثابة طبيب في المشفى، شعور لطيف أحبته، جعلها تشعر أنها حية، وكم تمنت أن يستمر بعيدًا عن حياتها كمقاتلة وملكة .
تنهدت بصوت مرتفع تسحب الغطاء عليها تغلق جفونها بتعب شديد وهي تهمس براحة لانتهاء اليوم على خير بالنسبة لها :
” اللهم لك الحمد ”
وفي خلال دقائق وبسبب الإرهاق الشديد الذي تعرضت له سقطت في نوم عميق مريح ..
نوم رأت به ضيفها المعتاد والذي لم يتوقف عن زيارة أحلامها حتى حين جاءت للمملكة هنا، يصاحبها في جميع لياليها، ورغم أنها تشعر نبرة الصوت مألوفة، وصاحبها كذلك، إلا أنها يومًا لم تبصر وجهه، مما جعلها تشكك في قدرتها على تمييز صوته، فهي لم تميز تلك النبرة يومًا إلا حينما سمعت همسه، لكن بصوته الهادر لا تشابه بينه وبين فارس أحلامها .
تحركت في أحلامها بين طرقات القصر وهي تنظر حولها تبحث عن أحدهم ولا تدرك عمن تبحث، فجأة ابصرته يقف في نافذة بعيدة عنها لتتحرك صوبه بخطوات بطيئة .
وحين أصبحت على مشارف النافذة سمعت صوته الحنون يهمس لها بلطف :
” كنت انتظرك، اقتربي ”
نظرت هي لظهره بريبة تشعر أن أحلامها اتحدت مع واقعها، هي تعيش أحلامها بنفس شخصيتها الواقعية، تنظر له بشرود .
ليستدير هو لها مبتسمًا بتعجب :
” مالك تنفرين قربي مولاتي ؟؟”
تراجعت هي للخلف بصدمة كبيرة، تبتلع ريقه محدقة في وجهه، للمرة الأولى منذ حلمت به تبصر ملامحه، تنفست بصوت مرتفع تتراجع للخلف تشعر بقرب انهيار لها، ورغم شكها في هويته إلا أن رؤيته تعني الكثير لها .
وقبل أن تخطو خطوة، للخلف التقطها هو بسرعة يضمها لصدره هامسًا بصوت هادئ :
” ما بكِ اميرتي ؟؟ تبدين شاحبة، هل أنتِ بخير ؟؟”
نظرت هي لعيونه ودون أن تشعر رفعت أناملها بتردد وكأنها تسأله إن كان بإمكانها لمسه، فإن لم تستطع فعلها في الحقيقة فالاحلام مجال جيد لتحقيق رغباتها الدفينة في صدرها .
تلمست لحيته بأصابعها شاردة ليغمض هو عيونه مبتسمًا بسمة مستمتعة بما تفعل، حتى سمع صوتها تنطق اسمه وكأنها تسأله لا تناديه :
” سالار ؟؟”
منحها سالار نظرات حنونة يميل عليها هامسًا بصوت أجش عزف على أوتار قلبه بمهارة شديد :
” مولاتي …..”
_________________
لحظة إدراك، تلك اللحظة التي قد تعيد إصلاح حياتك، أو تدمرها ….

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية مملكة سفيد)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى