روايات

رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم رحمة نبيل

رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم رحمة نبيل

رواية ما بين الألف وكوز الذرة البارت الثالث والثلاثون

رواية ما بين الألف وكوز الذرة البارت الثالث والثلاثون

رواية ما بين الألف وكوز الذرة الحلقة الثالثة والثلاثون

‏📍هل أصابكم اليأس؟
‏من يستطيع أن يغير هذا الكتاب؟
‏[كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ]
‏من يستطيع أن ينتزع هذا الإرث؟
‏[وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا]

من يستطيع أن يؤخر هذه الكلمة؟
‏[وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ]
‏حين تشعر أن المنافذ كلها مغلقة سيصل إليك لطف الله من المنفذ المستحيل.
صلوا على شفيع الأمة …
____________________
علت البلاهة ملامحه ولا يدري ما يجب قوله، هو لا يعلم حتى ما يحدث ليتحدث، هي فقط جاءت واعطته خاتمًا طالبها سابقًا أن تحتفظ به حتى تتزوج غيره وحينها …
فجأة تحركت أعين سعيد بسرعة كبيرة صوب أصابع يدها يبحث بينهما عن ذلك الدخيل الذي سينهي قصته وللابد، هل فعلتها ؟! تزوجت غيره وهو من عاش سنوات يبكي ويلوم نفسه لما فعل، عاش يشجع نفسه ويصبرها أنه في نهاية ذلك الطريق المظلم الموحل سيجدها تحمل مصباحًا وتنتظره ؟!
سمع صوتها يردد بنبرة غريبة :
” لا متجوزتش ”
رفع سعيد عيونه الزائغة المرتعبة لوجهها، لتبتسم هي بسمة غريبة جعلته يشعر بالريبة، نزعت زهرة النظارة السوداء التي كانت تخفي خلفها عيونها تطيل النظر في عيونه تمنحه نفس النظرة التي رماها في وجهها منذ سنوات وطاردتها في منامها ويقظتها، نظرة استشعر سعيد مقدار وجعها .
” اللي يعرفك يا سعيد مش هيقدر يعرف راجل تاني او يفكر يعيش مع راجل تاني، مش عشان أنت متتعوضش، لا عشان كرهتني في جنس الرجالة كلهم ”
ابتسمت له تقول بهدوء شديد :
” رغم أنك آخر مرة طلبت متشوفنيش تاني وانك مش طايق تبص في وشي، إلا أني احسن منك يا سعيد وجيت عشان انفذ وعدي وارجع ليك حاجتك ”
صمتت تطيل النظر لوجهه الشاحب، تدرك جيدًا ما يشعر به، أوليس هو نفسه ما مرت به قبل سنوات عقب زيارته ؟!
” المرة دي أنا اللي هقولك، مش عايزة اشوفك يا سعيد، كل التوفيق ليك في حياتك ”
ختمت حديثها تخطو بعيدًا عنه تاركة إياه يقف يتجرع صدمته بعدم استيعاب، وهي فقط استدارت مبتسمة تشعر بالانتشاء لرؤية ملامحه، ملامح عاشت هي بها سنوات طويلة حتى استطاعت تقبلها .
فجأة سمعت صوت سعيد يناديها بنبرة خافتة مجروحة :
” زهرة ..”
لكن هي لم تقف ولن تفعل، لن تضعف له، يكفي ما جعلها تعانيه السنوات السابقة وهي تسلك أي طريق يؤدي له، لتكتشف أنه سد نهايته مانعًا إياها من الوصول له، لن تسعى له مجددًا ولن ترهق نفسها مقدار ذرة بالمحاولة معه، هي اكتفت ..
لوحت بيدها التي تحمل النظارة في الهواء دون حتى أن تستدير له :
” مع السلامة يا سعيد، اتمنالك حياة سعيدة ”
صعدت للسيارة تعلن بذلك انتهاء وعد كان كالجبل أعلى صدرها، وضعت نظارتها السوداء تخفي خلفها أعينها، ثم تحركت بسرعة كبيرة تبصر في مرآة السيارة نظرات سعيد الذي كان كمن سُلبت روحه للتو ..
وبمجرد رحيل زهرة ارتفع في الأجواء صوت تصفيق حاد، تبعه صفير صادر من نفس الشخص، استدار الجميع صوب ميمو التي ابتسمت بتشفي على ملامح سعيد تقول بملامح حادة وأعين تطلق شرارًا :
” تستاهل واكتر يا سعيد، تستاهل واكتر ”
ازدادت ملامح سعيد قتامة وهو يحدق في وجه ميمو بشر، لتبتسم الأخيرة بلا اهتمام تبادله النظرات بأخرى متحدية وكأنها تخبره جيدًا أنها تعلم ما فعل .
تحرك سعيد صوب سيارة نيرمينا يتجاهل وجود ميمو يضم له شقيقته بحب شديد، وهي بادلته الحب بآخر مشابهه، تقبل كتفه متجاوزة كما الجميع عما حدث منذ لحظات :
” حمدالله على سلامتك يا حبيبي، أنا مش مصدقة أنك اخيرا خرجت، حاسة إن هيحصل حاجة ليا من الفرحة يا سعيد ”
ابتعد سعيد يقبل رأسها بحب شديد :
” ربنا يبعد عنك أي شر يا نيرمينا، أنا لو سعيد عشان شيء فهو عشان خرجت وشوفتك ياقلبي ”
صمت، ثم نظر لنادر يرحب به ببسمة، ونادر فقط هز رأسه هزة صغيرة يستقبله ببسمة مقتضبة دون كلمة، وسعيد لم يهتم بذلك ولم يهتم سوى بتلك الصغيرة التي كانت تتوسط أحضان نادر .
تأوه بحب مقتربًا منها :
” زينب ؟؟”
هز نادر رأسه بنعم يسمح له بأخذ الصغيرة لاحضانه، وزينب تلك الجميلة صاحبة الثلاثة أعوام اندفعت لاحضانه بسعادة كبيرة تردد بصوت طفولي :
” خالو ..”
سقطت دموع سعيد بقوة وهو ينكب عليها بالتقبيل وقد بدأت يده ترتجف من هول مشاعره، وضربات قلبه تزداد وصوت تهدج قائلًا :
” يا روح وقلب خالو، يا حياتي أنا، ايه القمر ده، معقولة حد ياخد كل الحلاوة دي لوحده ”
ضحكت الصغيرة بصوت مرتفع ساهم في زيادة ضربات قلب سعيد الذي استقبل ضحكاتها كالارض المتصحرة لقطرات الغيث بعد سنوات عجاف ..
مشهد جعل نيرمينا تبكي بتأثر مشيرة لهما وهي تميل على نادر :
” شايف يا نادر حلوين ازاي؟؟ حياتي زي القمر ”
أخرج نادر منديل من جيبه يعطيه لها وهو يهز رأسه موافقًا إياها فقط ليوقف بكاءها، ونيرمينا تقبلت منه المنديل مبتسمة بسعادة، ويد نادر تربت أعلى رأسها..
كان سعيد يضم الصغير لصدره دافنًا وجهه بها باكيًا بتأثر يشتم رائحتها بحثًا عن رائحة والدته، فإن كانت تحمل الاسم والملامح نفسها، فأين رائحتها الدافئة المنعشة !؟
أفاق سعيد على صوت ميمو التي اقتربت منهم تقول :
” بص يا أنس، بص على سعيد حبيبك واحفظ المشهد ده كويس، عشان تعرف بس أن محدش هيدوم ليك غير امك و ابوك يا ابني ”
أطلق صلاح ضحكات خافتة، وسعيد نظر لانس بحب يداعب خصلات شعره، ثم مال وقبله، ومازالت يده تحمل زينب، رفع عيونه لصلاح يرحب به في صمت مبتسمًا بسمة غريبة جعلت صلاح يبادله البسمة بالمثل وهو يضم له زوجته وطفله مرددًا :
” نورتنا يا شيخنا، بركتك هلت علينا ”
نظر سعيد صوب ميمو ومن ثم نظر لصلاح يقول بحنق وغيظ من ذلك الثنائي المزعج :
” سبحان الله ما جمع إلا ما وفق ”
أنهى جملته متحركًا صوب سيارة نادر وميمو خلفه تطلق ضحكات مرتفعة رنت في الأجواء، وصلاح يبتسم عليه مستمتعًا بما يحدث، نظر لميمو يقول :
” يلا نخلص المشوار بتاعنا ونحصلهم ”
” مشوار ايه ؟؟”
غمز لها يتحرك صوب سيارة نادر حاملًا صغيره بين أحضانه بحب، يضعه على اقدام نادر يودعه في أمانته حتى يعود ويأخذه :
” مشوار لأجل راحة مقدس هانم …”
______________________
يسير بين الممرات كعادته يضع القلم بين شفتيه، حاملًا بين يديه بعض نتائج الفحوصات متحركًا صوب مكتبه مبتسمًا فها هو ما قاله في البداية تحقق، القتيل لم يذهب نتيجة الغرق، بل تم تسميمه قبل إلقائه في البحيرة .
وفجأة خرج من كل أفكاره على صوت يألفه جيدًا، صوت غاب عنه سنوات وهو لم يكن حزينًا للأمر حقًا، بل كان في غاية الراحة، والآن عادت له قلة الراحة بعودتها ..
” صباح الخير يا دكتور صالح ”
نظر صالح صوب سجدة ليجدها كما وصف محمود، نبذت الفانيليا وأصبحت من مشجعي ألوان الطيف .
” صباح النور يا دكتورة سجدة، حمدالله على سلامتك ”
ابتسمت له سجدة تجيبه بهدوء ما كان يراه سابقًا منها سوى وقت حنقها، لكن الآن الهدوء والتعقل يزين ملامحها، الحياة تغير الكثير بالبشر، إذن لِمَ هو الوحيد الذي لم يتغير ؟؟
ابتسمت منه سجدة تقول ببسمة واسعة :
” عامل ايه يا صالح؟؟”
أجاب صلاح ببساطة وهو يطوي صفحات التقرير بين يديه دون اهتمام :
” متجوز وعندي ولد وبنت، وأنتِ ؟؟”
فتحت سجدة عيونها بعدم فهم، لتتراجع قليلًا تقول بكل بلاهة وكأنها لم تستوعب بعد أن يصمد أحدهم رفقة صالح :
” أنت لسه متجوز ؟؟”
” يعني بتجوز شوية وباخد بريك لما اتعب، وبعدين برجع اكمل واهي ماشية ”
استشعرت سجدة سخريته لتقول ببسمة صغيرة :
” مش قصدي، أنا بس كنت …كنت مفكرة أنك يعني ..هي مراتك نفسها اللي كنت خاطبها ؟!”
ومجددًا أجاب بنفس السخرية:
” أيوة هي نفسها، بعملها صيانة كل سنة ”
” أنا بس مكنتش متخيلة إن ممكن حد يستحملك غيري و..”
أطلق صالح ضحكات عالية على حديثها يرفع القلم واضعًا إياه خلف أذنه يتجهز للرحيل من أمام عيونها قائلًا :
” قال يعني أنتِ اللي استحملتيني، بعدين بتتكلمي كأني كنت بمشي على أيدي ورجلي عشان محدش يستحملني، مش كل الناس زيك يا سجدة”
” وهي يعني اللي زي كل الناس ؟؟”
توقف صالح يقول بهدوء وجدية كبيرة :
” هي غير كل الناس، عشان كده اخترتها من بين الكل ”
ارتفع حاجب سجدة باستنكار شديد لتلك النسخة الغريبة من صالح الوقح، متى بدأ صالح يطلق شعارات رومانسية أو كلمات كتلك ؟؟
” ما شاء الله وكمان اتعلمت تبقى رومانسي ؟؟”
” أنا يا سجدة طول عمري رومانسي، لكن اكيد مش همشي اتعامل برومانسية مع أي حد واجيب ورد لعم محسن بتاع الجراج ؟؟”
في تلك اللحظة اقتحمت المعنية بالحديث الحوار بينهما تقول بصوت حاد وصوت تنفسها يعلو مظهرًا مقدار غضبها على الجميع حولها :
” صباح الخير، أنا بقاطع حاجة مهمة ؟!”
نظر لها صالح بعدم فهم، فرانيا لم تأت يومًا لزيارته في المشفى حيث يعمل، إلا مرات قليلة حينما تحدث كارثة .
نظرت سجدة لرانيا من رأسها وحتى اخمض قدمها، تحاول معرفة أين رأت ذلك الوجه سابقًا، لكن عقلها لم يساعدها في معرفة ذلك .
لم تهتم وهي تقول متسائلة :
” هي دي بقى مراتك ؟!”
” أيوة هي يا سكر، مين القمر دي يا صالح ؟؟”
نظر لها صالح باستنكار لتحدجه رانيا بغيظ وغضب وهو نفخ متمتمًا بحنق شديد :
” يعني مكنتيش عارفة تيجي بدري ثواني وأنا بشكر فيكِ قدامها؟! لازم يعني جو التشويق والإثارة ده ؟؟”
سحب صالح يد رانيا ليجعلها تقف جواره يقول ببسمة :
” دي سجدة يا رانيا، زميلة لينا في الشغل هنا كانت مسافرة ولسه راجعة من كام يوم ”
نظرت له سجدة تقول ببسمة جانبية :
” وأنت عرفت منين إني رجعت من كام يوم يا صالح ؟!”
” من ريحة الفانيليا اللي اتنشرت في المستشفى يا سجدة ”
ختم حديثه يستأذن منها جاذبًا رانيا خلفه، والأخيرة ما تزال تحدق في سجدة من أعلى لاسفل بشر كبير، تشعر برغبة عميقة في إحاطة صالح بأسلاك شائكة وبعض كلاب الحراسة .
دخل صالح وهو ما يزال يسحب يدها خلفه واغلق الباب ليرى نظرات رانيا له التي لم تعطه فرصة التنفس تنقض عليه تسحبه من معطفه الطبي قائلة :
” عرفت منين أنها وصلت من كام يوم يا صالح ؟؟ ومتقولش حوار الفانيليا ده عشان مش هياكل عليا ”
نظر صالح ليدها بعدم فهم، يختبر تلك التصرفات الشرسة منها لأول مرة :
” هكون عرفت منين يعني يا رانيا ؟؟ ما أنا مطبق ٢٤ ساعة على الاكونت بتاعها، بتابعها بشغف، وسايب رجالة في المطار عشان اول ما تنزل مصر يبلغوني ”
اتسعت أعين رانيا بصدمة كبيرة، ليقترب منها صالح يربت أعلى رأسها:
” ربنا يهديكِ يا حبيبتي، هكون يعني عرفت منين؟! ما هي نطت لمحمود امبارح وهو قالي أنها رجعت”
” يعني أنت مش بتراقب الاكونت بتاعها ؟!”
ضرب صالح كف بالآخر حانقًا :
” يابنتي أنتِ دماغك دي فين ؟؟ أنا بتريق، بعدين ما أم الباسوور معاكِ ادخلي شوفي بتابعها ولا لا ”
ختم حديثه يتحرك صوب مكتبه يضع عليه الملف والقلم، ثم نزع المعطف ولم يكد يتحرك ليشعر برأس رانيا تستند على ظهره من الخلف وهي تقول :
” يعني أنت مش بتحن ليها يا صالح، بالله عليك ما تكدب”
استدار صالح يضمها له قائلًا بواقعية :
” وأنا لو بحن ليها ما كنت رجعت يا رانيا بدل وجع القلب، على الاقل سجدة معندهاش اخوات ولاد ومش هتطلع روحي عشان اوصل ليها، ثم أنا قولتلك قبل كده إن خطوبتي بسجدة كانت عملية بحتة، كنت عايز استقر مش اكثر بعدين عرفت أن الاستقرار ده مش سكتي، لغاية ما شوفتك ”
ابتسمت رانيا بسمة واسعة تستقبل كلماته براحة، وصالح ابتسم لبسمتها وقد فرح كثيرًا لرؤية تلك الشراسة أثناء دفاعها عن حقها به..
” مين اللي قالك صح على سجدة؟ سمعتينا امبارح ؟؟”
” لا خالتو هي اللي قالتلي إن خطيبتك رجعت وسألت محمود عنك وشكلها كده هتحوم حواليك ”
عض صالح شفتيه بحنق شديد :
” خالتك وجوزها دول عايزين يتبادوا، ما علينا كويس أنك جيتي عشان ناكل سوا ”
ابتسمت رانيا بسعادة وهي تنظر لعيونه :
” بجد، هناكل فين ؟؟”
” ده سؤال يا رانيا ؟! احنا لينا غيره ؟؟ مخبز خالتك طبعًا، يلا قبل ما الشيفت بتاع محمود هناك يخلص، لاحسن أنا هذله ”
قهقهت رانيا بصوت مرتفع وهي تتحرك خلف صالح الذي كان يجرها معه مبتسمًا، وخرج بها من مكتبه تاركًا سجدة ما تزال تقف وهي تحدق بهم بحزن، لا تدري ندمًا على ما اضاعته ؟؟ أم حسرة أنها لم تستطع العثور على تلك النسخة من صالح واكتفت بالنسخة الباهتة الوقحة منه، لم تحاول حتى أن تتفهمه أو تتعامل معه بشكل جيد ..
وما تجهله سجدة أن صالح لم ينتظر أن تتفهمه رانيا أو تبحث داخله عن تلك النسخة منه، بل هو من سارع وخلقها لأجلها خصيصًا.
____________________
دفع الباب الذي يفصله عن معركة كلاميه حامية يعدها في رأسه منذ مساء أمس، خطط لكل شيء كي لا تسوء الأمور أكثر وأكثر، وخلفه تتحرك ميمو وقد فهمت منذ رأت المكان ما عناه صلاح بحديثه عن راحتها .
وصل صلاح صوب المكتب لينظر إلى المساعد يقول ببسمة :
” مستر جودت موجود ؟؟”
رفع الشاب رأسه للمتحدث يقول بهدوء وعملية :
” أيوة يا فندم و….”
صمت فجأة لتتسع بسمة منتفضًا عن مكتبه يشير لصلاح يشكل جعل الأخير ينظر خلفه بريبة ظنًا أن هناك وحشًا على وشك الانقضاض عليه :
” استاذ صلاح ؟! أنت هنا بجد ؟!”
ابتسم له صلاح بسمة ودودة يربت على كتفه :
” أيوة أنا هنا ”
صمت ثم قال :
” ممكن لو سمحت تبلغ استاذ جودت إني منتظر أقابله في موضوع مهم ؟!”
كان الشاب مايزال يحدق في وجه صلاح بعدم تصديق، ثم هز رأسه يتحرك صوب مكتب رئيس التحرير في الجريدة، وبمجرد أن دخل قال بلهفة كبيرة :
” يا فندم استاذ صلاح برة ”
رفع الرجل رأسه له بعدم فهم :
” استاذ صلاح مين ؟! ”
اقترب منه الشاب يقول بحماس شديد وكأنه للتو رأى معجزة تحدث، وربما كان كل ذلك نابعًا من كون صلاح يعني له الكثير كصحفي وكاتب :
” صلاح السقاري يا فندم، الكاتب والصحفي المعروف ”
انتفض جسد نجدت ينظر لوجه الشاب بريبة، فما سبب قدوم صلاح هنا الآن ؟؟ هل يعقل أنه ما تطاول الصحفي الخاص بجريدته عليه وقرب الخروج عن صمته، رغم ذلك أخبره أن يسمح له بالدخول .
ولم يكد الشاب يخرج حتى ظهر صلاح على باب مكتبه تتبعه سيدة تسير برأس مرفوعة وأعلى فمها ترتسم بسمة تنافس بسمة صلاح رعبًا .
سحب صلاح المقعد لميمو كي ترتاح، ثم جلس هو يقول بهدوء شديد :
” بعتذر لو جيت من غير ميعاد يا استاذ نجدت، بس أنا من امبارح بحاول اتواصل مع المكتب هنا ومش عارف ”
” لا ابدا أنت نورت الجريدة كلها يا استاذ صلاح، ده حصلنا الشرف أنك نورتنا والله ”
ابتسم له صلاح يقول بتعجب :
” يا راجل ما أنا كل يوم منوركم في الصفحة الأولى في الجريدة بتاعتكم ”
صمت ثم مال بجسده يقول بصوت خافت :
” هو الجريدة حالها واقف اوي كده، لدرجة أنكم بتاكلوا عيش من اخباري أنا وعيلتي ؟! لو كده قولي وأنا اساعدكم بشكل لطيف، بدل قلة الأدب اللي بتحصل عندكم دي ”
توتر الرجل وشعر بالغرفة تضيق به، ابتلع ريقه يقول بتردد :
” أنا مش …مش فاهم حضرتك بتقول ايه، أصل أنت عارف إن الاخبار دي مش أنا اللي بكتبها والصحفي اللي بيعمل كده بـ ”
” يا استاذ نجدت أنت مش بتكلم سمكري سيارات، عايز تقولي إن الخبر مش بيكون على مكتبك قبل النشر ؟؟ اعتقد أنك محتاج تشد شوية على الجريدة بتاعتك، يمكن بكرة تلاقي اسرار بيتك في الصفحة الأولى وأنت متعرفش”
انتفض جسد نجدت بضيق :
” استاذ صلاح لو سمحت احترم نفسك أنت مش …”
نهض صلاح يقف أمامه مهيمنًا عليه من الاعلى متحدثًا بنبرة حادة :
” أنا محترم نفسي كويس اوي يا استاذ نجدت، واظن الكل عارف كده واني في حياتي كلها عمري ما خضت في أعراض حد ولا جبت سيرة شخص مسالم في مقالة واحدة ”
كان نجدت يستمع لحديث صلاح بصمت ودون رد منه، حتى فرغ منه صلاح ليباشر بالحديث :
” أنا مش شايف أي أذى ليك، ده مقال عادي زي أي مقال، وأنت سيد العارفين ”
ازدادت ملامح صلاح خطوة وهو يضغط على أسنانه بغضب شديد يهدر في وجهه :
” وهي حياتي الشخصية والخوض في الحديث عن زوجتي وعيلتي مقال عادي زي أي مقال ؟؟ استاذ نجدت أنت اكيد مش حابب تخليني انزل مقال بكرة عن قضية الدعارة اللي ابنك اتمسك فيها وعن المخدرات بتاعته؟!”
اتسعت عين نجدت بقوة، وكذلك ميمو التي ابتسمت بسمة ماكرة تراقب لعبة زوجها باستمتاع شديد .
ونجدت الذي تلقى الخبر كالصاعقة أعلى رأسه انتفض يقول بعدم فهم :
” أنت بتقول ايه ؟؟ أنت اتجننت ؟؟”
” لا أنا متجننتش، أنا بكلمك بلغتك يا استاذ نجدت، طالما شايف أن اسرار البيوت مقال عادي فتمام أنا هنزل مقال احكي فيه لياليه الجميلة في فيلتك والتعاطي اللي بيحصل، ولأن المصداقية عندي رقم واحد عكسكم، فهتلاقي مع المقال عنوان الديلر بتاعه وصورة جماعية للأسرة الكريمة ”
ابتسم عقب حديثه يحرك حاجبيه :
” عداني العيب مش كده ؟؟”
بدأ نجدت يتعرق بشدة وقد شعر بالجو يزداد سخونة حوله، وصلاح عاد بظهره للمقعد يرتاح عليه بكل هدوء مراقبًا تتابع الملامح والنظرات أعلى وجهه، ثم ابتلع ريقه بصعوبة قائلًا :
” وأنا أضمن منين أنك بعد ما امنع المقالات بتاعتك مش هتنزل اللي بتقول عليه ”
” استاذ نجدت، أنت مش بتكلم صحفي فاسد من اللي عندك، أنا الحمدلله عارف حدود وظيفتي كويس اوي، وعارف ازاي استخدمها لمصلحة الناس مش لنشر الإشاعات، عشان كده ليك وعد مني إن اللي قولته من شوية اعتبره محصلش ”
هز نجدت رأسه يقول بصوت ذهب رعبًا مما سمع :
” تمام وأنا هوقف أي كلمة عنك هنا”
” يا ريت لأني مش بحب اكرر كلامي أكتر من مرة وبفضل الأفعال أكتر، ونصيحة مني بلاش تبني جريدتك على سمعة غيرك أو على أخبار زائفة زي اللي بتنشروها عني أنا وبيتي ”
صمت ثم قال باحترام شديد :
” معلش طلب كمان، حابب اشوف الصحفي اللي بينزل الاخبار دي عني ”
نظر له نجدت بعدم فهم، لكن صلاح لم يبرر أو يوضح أكثر يستغل موضع القوة الذي يمتلكه، وانتظر دقائق قليلة حتى احضر نجدت شابًا يبدو على مشارف الثلاثينات من عمره، اقترب منهم وبمجرد أن لمح وجه صلاح توقف مصدومًا .
ابتسم له صلاح وهو يقترب منه يقول :
” اتشرفت بشوفتك من زمان وأنا كان عندي فضول اقابلك بنفسي عشان اعرف الشخص اللي بيقطع في فروتي أنا وعيلتي عامل ازاي عشان أوصله رسالة ..”
صمت والرجل أمامه يترقب القادم، والذي لم يكن سوى لكمة عنيفة من يد صلاح الذي هدر من بين أسنانه بشر كبير :
” كلمة عني وعن زوجتي سواء كدب أو صدق، هشردك أنت واللي يتشددلك، وكلمتي قصاد كلمتك وهنشوف كلمة مين اللي هتّسمع، ماشي ؟؟”
نظر له الرجل وهو ما يزال يمسك فكه، فابتسم له صلاح وأمسك يد ميمو وخرج من المكان، وبمجرد أن خطى خارج المكتب حتى ركض له الشاب يحمل بين يديه ورقة وقلم يطالبه بتوقيع، وهو فعل مبتسمًا هادئًا، كما لو كان شخصًا آخر غير ذلك الذي حطم فك الصحفي في الداخل .
خرج صلاح من الجريدة بأكملها وميمو تسير جواره فخورة :
” والله وطلعت سوسة يا صلاح ”
غمز لها صلاح فاتحًا لها الباب برقي منحنيًا بعض الشيء :
” بعضًا مما لديكم سيدة مقدس ….”
______________________
” برضو مش هتيجي معانا البيت يا سعيد؟! أنا مش فاهمة ليه معاند كده هو أنا غريبة ؟!”
ألقى سعيد اشياءه على الطاولة أمامه ينظر حوله في المكان، تلك الشقة الصغيرة التي تقبع في بناية راقية بعض الشيء تتوسط أحد أحياء القاهرة الهادئة، والتي اختارتها ميمو خصيصًا لأجله .
” أنا كده مرتاح يا نيمو، أنتم بس متغيبوش عليا بزينب ”
انكمشت ملامح نيرمينا بغيرة مصطنعة تتدلل على شقيقها، وقد اشتاقت أن يدللها ويعانقها بحب كما كان يفعل سابقًا :
” زينب بس ؟! وام زينب يا سعيد !!”
ضحك سعيد ضحكات خافتة يقترب من نيرمينا يضمها بين أحضانه بقوة كبيرة، يرتشف من عناقها ما يطفئ ظمأ سنوات مرت في وحدة موحشة :
” أم زينب دي حياتي وأول بنت ليا يا نيمو ”
ابتسمت نيرمينا بحب تردد :
” عقبال البيبي الجاي يا سعيد، هتكون اجمل أب في الدنيا أنا واثقة ”
علت نظرات ساخرة متوجعة أعين سعيد، يشعر أن الأمر بات شبه مستحيل، أن يصبح زوج وأب لهو أحد أحلامه التي لم ولن يحققها، فعقله سلّم منذ سنوات الأمر، إن لم تكن زهرة هي والدة أطفاله، فلن تكون غيرها، وها هي زهرة نبذته كما سبق وفعل بها …
” إن شاء الله ياقلبي ”
نظر خلفها صوب نادر الذي كان يستقر أعلى الأريكة في القهوة يلاعب زينب بكل حب وحنان شديد رسم بسمة على فم سعيد متسائلًا :
” مرتاحة يا نيرمينا ؟؟”
نظرت له نيرمينا بعدم فهم ليحدق في ملامحها بحب شديد :
” يمكن سؤال متأخر ست سنوات، بس عايز اعرف إني مظلمتكيش بأجباري على جوازك من نادر ”
نظرت نيرمينا صوب نادر بحب شديد، نظرة أخبرت سعيد أنه لم يظلمها أو يؤذيها بقراره القديم :
” يكفيك تعرف أن لو مكنتش أنت جبرتني على الموضوع، كنت أنا اللي جبرت نادر يتجوزني ”
اتسعت عيون سعيد بصدمة لتضحك نيرمينا بصوت مرتفع تؤكد له أنها تعني كل كلمة نطقتها، فهي كانت ستصل لمرحلة أن تلاحق نادر وتعرض عليه الزواج بها، تقسم أنها ستفعل ذلك ولم تكن ستتراجع ..
” سعيد أنا لولا اللي عملته وأنك جوزتني نادر أنا كان زماني دلوقتي متدمرة، أنت ببساطة ساهمت بشكل أساسي في أنك تبني سعادتي، شكرًا ”
ابتلع سعيد ريقه يبتسم لها بحنان شديد، ثم عانقها مجددًا سعيد وقد أزاح عنه ذلك الحمل، فكم من ليالٍ قضاها في ظلام سجنه يفكر أنه ظلمها بقراره، نعم نادر يحبها كما أخبرته ميمو، لكن شقيقته الصغيرة ما كان لها حاكم على مشاعرها المراهقة في ذلك الوقت وخشي أن تندم لاحقًا وتحمله هو مسؤولية ذلك .
نظرت نيرمينا له تقول بحب :
” نادر قالي بعدين أنه عمره ما كان هيفكر ياخد الخطوة دي غير لما اتحط قدام الأمر الواقع”
اطلقت ضحكات خافتة :
” أصله كان خايف يظلمني معاه، عبيط ميعرفش إني أنا اللي ضحكت عليه وظلمته معايا ”
ضحك سعيد بصوت مرتفع بعض الشيء، ونادر الذي كان يستمع لكل كلمة ابتسم بيأس عليها يتنهد بحب يضم لصدره زينب وهو يراقب نيرمينا بكل الحب داخله ..
وحينما انتهت الزيارة القصيرة رحل الزوجان ومعهما الصغيرة زينب على وعد بالعودة لزيارة سعيد مجددًا مع الجميع .
تحرك الإثنان صوب المصعد الخاص بالمنزل وبمجرد أن دخلت نيرمينا تبعها نادر واغلق المصعد وبدون كلمة مال عليها يقتنص منها قبلته الحبيبة والتي حطت على وجنتها بكل حنان..
وهي لم تتراجع أو تخجل كما كانت تفعل سابقًا، بل مالت ترد له قبلته اثنتين، ليبتسم بسمة واسعة لا ينالها أحد منه سوى ثلاث نساء، ميمو ونيمو والحبيبة الصغيرة، عدا ذلك فهو كالصخرة لا يسمح لأحد أن يخترق اسواره ..
قبلته نيرمينا قبلة أخرى لتتعالى ضحكات صامتة من نادر يرفع أصابعه مشيرًا بغمزة :
” أنا كنت هاخد الخطوة على فكرة، حتى لو اتأخرت كنت هاخدها . ”
أطلقت نيرمينا ضحكات عالية تضم ذراعه الأخرى لها، تميل عليها وكأنها على وشك النوم :
” وأنت لو مكنتش اخدتها، أنا كنت هخدها وهاخدك أنت كمان يا نادر ”
ابتسم لها نادر يضم جسدها بحب حتى فُتح باب المصعد وخرج الجميع صوب السيارة، نظرت نيرمينا للمنزل ثم قالت :
” تفتكر هيكون كويس لوحده ؟؟”
هز نادر رأسه يفتح الباب واضعًا الصغيرة في الخلف وحولها أحزمة الأمان، ومن ثم فتح الباب لها وصعد لمكانه مشيرًا :
” متقلقيش هيكون بخير واحنا معاه اهو …”
في الأعلى كان سعيد يدور بين ممرات المنزل يستشعر واخيرًا وحدته المفضلة، ربما الأمر مزعج للبعض، لكنه مريح لنفسه، تنفس بصوت مرتفع يفكر فيما حدث اليوم صباحًا، هل فقدها بالكامل ؟! وهل تظن أنه سيستلم دون قتال أخير، بعد كل تلك السنوات؟! ألا يستحق محاولة أخيرة، محاولة سيبذل فيها كل أنفاسه ليفوز بها ؟؟
تنهد بصوت مرتفع يحاول أن يهدأ نيران قلبه، يفتح أحد نوافذ البهو كي يستنشق بعض الهواء، لكن فجأة انتفض على صوت قادم من نافذة مقابلة لخاصته :
” عجبتك الشقة يا سعودي ؟؟”
فتح سعيد عيونه بصدمة كبيرة يرى ميمو تستند على شرفة أمامه بكل استرخاء حاملة بين أناملها علبة مثلجات تتناولها باستمتاع .
” أنتِ بتعملي ايه هنا ؟!”
” ايه اللي بعمل ايه هنا دي ؟؟ دي شقتي، احنا جيران يا سعيد هو أنا نسيت اقولك ؟؟ ”
رفع حاجبه لتبتسم قائلة ببرود
” أصل عارفاك بلوة ومش هتعرف تعمل لنفسك حاجة فقولت لصلاح ابو قلب ابيض زي البفتة يشوفلك شقة قريبة فجابلك دي مخصوص عشان تفضل تحت عيني واراقبك ”
زفر سعيد بحنق شديد :
” الله يسامحه، ما صدقت ارتاح منك ”
” بعينك، مش هتخلص مني غير بموتي، عيني عليك في كل خطوة”
نظر لها سعيد بحنق ولم يكد يتحدث حتى سمع صوت الصغير يبكي لتقول هي بسرعة قبل أن تتحرك للداخل :
” لما الأكل يجهز هبقى ابعتلك غداك مع البواب، عملتلك أكلة بتحبها…سمك ”
أنهت حديثها تتحرك صوب صغيرها وهو نظر لاثرها مبتسمًا بيأس يغلق النافذة قائلًا بسخرية :
” يا ريتك ما عرفتي إني عندي حساسية من السمك ..”
_________________
هبط من السيارة متحركًا صوب مقعدها يساعدها على الهبوط، وهي فعلت تشعر بالاعياء الشديد منذ الصباح، ورغم رفضه لفكرة المجئ أثناء حالتها تلك إلا أنه وافق تحت إصرارها .
تنهد رائد بحنق شديد وهو يسندها بعدما رفضت أن يحملها :
” امشي يا تسبيح امشي ”
نظرت له تسبيح حانقة من طريقته في الحديث، تشعر أنه يصرخ في وجهها حتى وإن لم تكن نبرته حادة عالية، لكنها تظل نبرته لا تعجبها البتة .
لوت فمها تسير دون كلمة، معلنة غضبها وعصيانها عليه، وهو اتسعت عيونه بعدم فهم :
” ايه ؟؟ بتبصيلي كده ليه ؟! يعني عجبك بهدلتك دي وأنتِ تعبانة؟؟ كان هيحصل ايه يعني لو قعدتي في البيت الاسبوع ده بدون زيارتهم ؟!”
” أنا بستنى الزيارة دي من الاسبوع للأسبوع يا رائد ”
زفر يميل بجسده كي يحملها بعدما أبصر ضعفها الناتج عن حمى إصابتها مساء الأمس فجأة، وكأنها تشاركه الإعياء باعياء..
لكن وقبل أن تمس يد رائد جسدها منعته بسرعة وهي تعود للخلف بشكل جعل حدقتيه تتسعان بعدم فهم :
” ايه فيه ايه ؟؟”
” أنت هتعمل ايه ؟؟”
نظر لها باستنكار شديد وغضب :
” هعمل ايه يعني ؟! هشيلك مش شايفة نفسك هتقعي ازاي من طولك ”
نفت بعنف مستخدمة رأسها في حركات غير مفهومة تحاول الثبات كي لا يصر على حملها في الشارع وأمام الجميع .
سارت خطوات بطيئة وجسدها يغلي من الحرارة المنتشرة به :
” لا أنا كويسة، مينفعش احنا في الشارع و..”
وقبل أن تكمل كلمتها شعرت بموجة اغماء تصيبها وقد كان وجهها مختفيًا خلف نقابها يغلي من الحرارة وعيونها تكاد تخرج منه، سقطت تسبيح ارضًا ليركض لها رائد يتلقف جسدها برعب شديد وقلبه يكاد يتوقف خوفًا :
” تسبيح …تسبيح مالك، اسندي عليا ..”
تمتمت تسبيح بصوت منخفض :
” مش قادرة اقف على رجلي، مش قادرة ”
حملها رائد هذه المرة بالقوة يصيح في وجهها عائدًا للسيارة وهو يقرر أن يذهب بها للمشفى :
” أنتِ واحدة عنيدة، قولتلك ميت مرة لما تتعبي ممنوع تخرجي أو تتحركي، الحمى بتيجي معاكِ بسرعة ترسيب ومش هتقدري تمشي ”
نظرت له بأعين غير واعية لما يقول :
” محمد وحسام ؟؟ ”
” ما هم في البيت يا تسبيح مع اهلي هيحصل ليهم ايه ؟؟ اهدي بس الله يكرمك عشان أنا على اعصابي دلوقتي ”
صعد بها واضعًا إياها في السيارة رافعًا النقاب عن وجهها حتى تحسن التنفس، ثم استدار بسرعة يصعد جوارها جاذبًا رأسها لكتفه وانطلق للمشفى الخاص بالقرية وهو ينظر لها كل ثانية وأخرى .
شعر ضربات قلبه تزداد وهو يستشعر أنفاسها الملتهبة وبشرتها المشتعلة ..
توقف بالسيارة سريعًا إذ كانت المشفى لا تبعد كثيرًا عن منزله، هبط يتحرك صوب تسبيح التي كانت دموعها تسقط لشدة الإعياء تتمتم بكلمات غير مفهومة لم يتضحم منها سوى كلمة ( النقاب )
ضمها له رائد يضع رأسها على صدره يحاول ألا يكون قماش النقاب حائلًا لها لتتنفس جيدًا، دخل المشفى بأقدام مهرولة ينادي كي يساعده احدهم، لكن فجأة توقفت أقدامه عند منطقة الاستقبال وهو يرى تجمهر للعديد من الأشخاص في منتصف المشفى وهناك معركة قائمة، لم يفهم ما يحدث، لكنه فقط علم أن الأمر لن ينتهي بسرعة، لذلك استدار سريعًا مقررًا البحث عن أي عيادة خارجية، وقبل أن يخطو سمع صوت صرخات تعلو ورصاصات تدوي، ومن ثم جسد يرتطم بالارضية الرخامية للمشفى …
_____________________
تصرخ ولأول مرة، يعلو صوتها بالغضب وقد بدت ملامحها في تلك اللحظة مختلفة تمامًا عن الاستكانة المعتادة منها، تنفست بصوت مرتفع تشعر بالنيران تعلو داخل جسدها، تسحب زوجها للخلف بعيدًا عن كل تلك الضوضاء :
” خلاص يا محمود الله يكرمك، أنا همشيهم ”
أبعد محمود هاجر جانبًا دون أن يأبه لأي حديث لها، يسحب ذلك المراهق من خلف ظهر والدته التي تحاول حمايته من بطشه، لكن وكأن شياطينه اقسمت على أن تري ذلك الحقير مقامه ..
أمسك رأس الصغير يجذبه له وأعينه تشتعل بقوة متجاهلًا تمامًا همسات المرأة له وتهديداتها أن والده ليس بالشخص العادي وأنها ستدمر مستقبله.
تجاهل كل ذلك وهو يسحب الصبي من تلابيبه متسلحًا بصبر لا يمتلك منه سوى ذرات معدودة :
” عارف تقرب منها تاني أنا هضيع عمرك ومستقبلك، سامع، هدمرك واوريك الويل، لا هيهمني عيل ولا زفت، عيل تبقى تتربى سامع ؟؟”
نطق كملته الأخيرة بصوت مرعب جعل المراهق يهز رأسه مرتعبًا باكيًا ووالدته تسحبه من بين أنامل محمود زاجرة :
” أنت واحد حقير وهجمي وأنا مش هسكت على اللي عملته ده، وابني هاخد حقه وهخليك تقضي باقي عمرك في السجن ”
ابتسم محمود بسمة مريبة :
” هحب اشوفك وأنتِ بتعملي كده، ابقي ربي ابنك وقوليله يخلي ايده جنبه، وبلاش تتمد على بنات الناس بالغلط، عشان وربي اكون قاطعها ليه”
جذبت السيدة طفلها وخرجت من المكان بأكمله صارخة منتحبة ومتوعدة له بالويل، وهو تجاهل هاجر متحركًا صوب صغيرته التي كانت تحمل الصينية الصغيرة الخاصة بها وتجلي على طاولة جانبية بعدما وضعت لها هاجر سماعة صوت عالية وجعلتها تعطيهم ظهرها وتشاهد برنامجها المفضل .
حمل محمود صغيرته ينزع عنها سماعة الصوت ثم قبل وجنتها بحب شديد يحملها بين ذراعيه، ونظر لهاجر آمرًا إياها بصرامة :
” قفلي الدنيا يا هاجر ويلا ”
نظرت له هاجر وكادت تعترض، لكنه زجرها بنظراته لتتحرك مطيعة تنفذ ما قال، في الوقت الذي ظهر به صالح على باب المخبز متعجبًا :
” هو أنت يابني مش قولت جاي تجيب حاجة وراجع الشغل؟! بعدين فيه ايه بتقفلوا بدري ليه ؟؟”
أبصرت رانيا ملامح هاجر الباكية ووجهها المحمر :
” هو فيه ايه بالضبط ؟! حصل حاجة ؟!”
نفى محمود وهو ينظر للمكان حوله :
” مفيش يا رانيا، بس هاجر تعبانة فهروحها هي وجهاد وهرجع الشغل تاني ”
لم يقتنع صالح بالأمر، لكنه لم يتدخل، بل وأمسك يد رانيا محذرًا إياها بنظراته أن تدخل، خرج الجميع من المخبز وودع صالح محمود وعائلته، قائلًا ببسمة كي يشغل رانيا عن التفكير بما حدث :
” شكلنا كده هنضطر نفطر على عربية فول ”
ابتسمت رانيا له :
” هي دي الخروجة الحلوة يا صالح ؟؟”
ضم صالح كتفها بمزاح يسير معها :
” دي اجمل خروجة يا قلب صالح ، هفطرك بقى شوية فول هتعيشي عمرك كله عليهم ….”
_____________
وصلت سيارة محمود لمنزله، يهبط متحركًا مع هاجر للداخل، سار صوب معمل والده تاركًا هاجر في منتصف المنزل تنتظر عودته .
هبط الدرج ليجد ماجد يجلس على مقعد وأمامه بعض النباتات التي يعمل عليها، لكن فجأة وجد جهاد توضع أعلى قدمه، وصوت محمود يقول بحنان :
” العبي مع جدو يا فراولة بس ملكيش دعوة بالنباتات ماشي ؟؟”
هزت الصغيرة رأسها بسعادة وهي تنظر لماجد ببسمة، ليقبلها ماجد وهو ما يزال ينظر لولده بعدم فهم، وقبل أن يتساءل غادر محمود سريعًا صوب هاجر .
” ماله بابا يا جيجي ؟!”
نظرت له جهاد بجهل ليبتسم متجاهلًا هو الجميع طالما هي الآن بين أحضانه:
” مش مهم، خليكِ معايا عشان أعلمك حاجات احسن من الخبز ”
صعد محمود لهاجر يجذبها معه صوب الغرفة الخاصة بهما وبمجرد أن دخلها نظرت له هاجر بريبة، ومحمود فقط تحرك صوب الفراش يجلس عليه محاولًا أن يلجم غضبه وقال :
” الولد ده عمل اللي عمله ده قبل كده لجهاد ؟! قرب منها بالشكل الزبالة ده ؟؟”
نفت هاجر سريعًا وهي لم تستوعب بعد ما حدث، مراهق لم يكد يعلم من الحياة شيئًا، حاول التحرش بصغيرتها التي لم تكمل الخمسة أعوام، لم يهتم لشيء ولا لوجودها في محيط ابنتها، بل تعمد التظاهر بملاعبتها ولمسها بشكل بشع، لتهب هي صارخة في وجهه أن يتوقف في نفس وقت وصول محمود لمخبزها .
” دي اول مرة اشوفه اساسا ”
تنفس محمود بصوت مرتفع، وهي اقترب منه مبتلعة ريقها تحاول أن تنفذ له من ثقب لا يزيد من إشعال غضبه :
” محمود والله العظيم ما حصل حاجة انا.. أنا والله مش بغفل عنها لحظة واحدة …”
صمتت تبتلع غصتها وصوت ضميرها هو ما خرج منها :
” أنا مش أم مهملة يا محمود، والله العظيم عيني عليها طول الوقت و…”
توقفت فجأة تبكي وهي لا تصدق ما تعرضت له، كاد أحدهم يلوث صغيرتها ولو حتى بمجرد لمسات قذرة، وهي من المفترض أنها مسؤولة عنها وتحميها :
” أنا والله كنت براقبها يا محمود، أنا مش …”
توقفت عن الحديث حينما جذبها محمود لصدره يدفعها صوبه وكأنها جزء لا يتجزأ منه، يهادنها ويهدهدها، يحاول مراضاتها :
” متقوليش كده يا هاجر أنتِ اجمل ام في الدنيا دي كلها، وأنا عارف أنك اكتر حد ممكن ياخد باله من جهاد ”
ابتسمت هاجر وهي تنظر له تسأله بعيونها إن كان صادقًا وهو فقط اومأ برأسه يقبل خدها، وما زال غضبه لم يهدأ، لكنه يحمد الله أن هاجر تداركت الأمر قبل أن يسوء .
” أمال كنت متعصب عليا ليه وخليتني اقفل الفرنة ؟؟”
نظر لها محمود ثواني قبل أن ينفجر في ضحك صاخب لم تفهم هاجر سببه، وهو سقط بنصف جسده على الفراش ضاحكًا :
” الله يكرمك يا هاجر بلاش تتأثري أنتِ بيا، ابويا مجوزني على أمل أنا اللي اتعلم، فمتكسفنيش قدامه لأحسن يسحب مننا فراولة ويحلف ما هي قاعدة معانا ”
كانت هاجر تحدق به لا تفهم سبب حديثه وهو جذبه لاحضانه يقول بعدما هدأ من موجة ضحكه :
” اسمه مخبز يا هاجر، بلاش ابويا يسمعك وأنتِ بتقولي فرنة ”
اتسعت عيونها وكأنها للتو فقط استوعبت ما قال، وهو ضحك على ملامح يقبل وجنتها :
” بكرة تقولي للزباين قرص بالعجوة ”
أطلقت هاجر ضحكات مرتفعة وهي تتخيل ما وصلت له، بسبب كثرة تعاملها مع محمود، تنهدت بصوت مرتفع وهي تستند برأسها على صدره هامسة بحب :
” يا محمود أي حاجة منك جميلة”
ارتفع محمود برأسه يقبل خاصتها :
” وأنتِ الجمال كله يا نواعم ..”
_____________________
تحمل طفلها تسير به ذهابًا وإيابًا تحاول تهدئته بحنان شديد، قبل أن تستمع لصوت قرع عالٍ على باب منزلها، تحركت صوبه حاملة الصغير بين أحضانها تقول بصوت مرتفع :
” لحظة ”
اقتربت من الباب تتساءل بتعجب أثناء فتحها للباب :
” أيوة مين ؟؟”
لكن ما كادت تتبع سؤالها بآخر، حتى وجدت يدًا غليظة تدفعها بقوة داخل المنزل دون أن تعطي اعتبار لحملها طفل صغير او بطنها البارز قليلًا، وميمو سريعًا ابتعدت عن وجوههم تضم لها أنس بنظرات قطة تحمي صغارها، لكن هؤلاء الرجال ضخام الجسد لم يهتموا بها أو يقتربوا منها، بل انطلقوا في المنزل يحطمون كل ما تطاله أيديهم، وميمو تحركت للخلف دون أي كلمة أو مقاومة من طرفها، قيدها رعبها على الصغير، وكمم فمها خوفها من أذية طفلها .
صمتت تراقب بأعين مشدوهة ما يحدث في المنزل من تخريب وتدمير، يتحركون في كل ممرات المنزل يحطمونه تحت أعين ميمو التي كانت تتابع كل شيء باهتمام شديد وكأنها تشاهد أحد مشاهد الأكشن في التلفاز، والصغير يحدق بما يحدث وأعينه متسعة ..
وفي الشقة المقابلة حيث سعيد خرج لتوه من غرفته التي اختار أن تصبح لنومه، انتبه لحركة غريبة قادمة من شقة ميمو، اقترب من النافذة بشك يضيق عيونه محاولًا معرفة ما يحدث عندها وفجأة لمح أجساد رجال يحطمون العديد من الأشياء لتتسع عيونه ويركض للخارج بسرعة مخيفة وقد كاد قلبه يتوقف رعبًا، أن تكون ميمو أو الصغير قد تأذوا …
ركض في طرقات الشارع يتحرك صوب البناية الخاصة لا يدرك رقم الطابق الذي تسكن به، لكن شقتها تقبع مقابله، إذن ربما هي في نفس الطابق الخاص به، هكذا دعا وابتهل داخل قلبه .
ضغط على أزرار المصعد ينتظر أن يتحرك وقلبه يقرع برعب شديد…
في ذلك الوقت انتهى الرجال من المهمة التي أتوا خصيصًا لأجلها، وتحركوا صوب الباب، لكن أحدهم توقف قبل أن يخرج وهو يرمق ميمو نظرات مهددة :
” ابقي قولي لجوزك يسأل كويس عن اللي هيكتب عنه بعد كده، وياخد باله لأن المرة دي قرصة ودن ”
وبمجرد انتهاء كلماته تلك تحرك الرجال بسرعة كبيرة على درجات البناية وقد استغلوا أن الطابق باكلمه لا يحوي سوى شقتين فقط، شقة صالح والتي كانت فارغة في ذلك الوقت وشقة صلاح وهي المطلوبة .
كل ذلك وميمو لم تنطق كلمة منذ دخلوا المنزل وخرجوا، فجأة أبصرت جسد سعيد يندفع لها من المصعد صارخًا بوجه شاحب وخوف شديد :
” ميمو أنتِ كويسة أنتِ وأنس ؟؟ أنا شوفت من شقتي ر…”
وقبل أن يكمل كلماته ارتعب من مظهر ميمو التي وضعت الصغير بين يديه وركضت لمطبخ المنزل تحضر منه شيء، واضعة حجابها أعلى رأسها، ثم تحركت بسرعة مخيفة خارج المنزل بأكمله تخرج هاتفها تتحدث مع أحدهم :
” الو البوليس …”
نظر سعيد للصغير بيده متعجبًا ما حدث، ثم نظر للمكان الذي تدمر بالكامل وقال :
” ايه اللي حصل يا أنس؟؟”
لكن لم يصل له رد من أنس الذي كان يحمل لعبته منشغلًا بها، وهو بالطبع لم يكن ينتظر، نظر خلفه يبحث عن ميمو التي هرولت خارج المنزل وركض هو الآخر حاملًا الصغير بين ذراعيه بعدم فهم :
” دول جايين عشان البلوة أمك صح ؟؟ عملت مصيبة ايه المرة دي ؟!”
توقف على بداية الدرج ينظر لأعلى وأسفل :
” طب هي طلعت ولا نزلت ولا هببت ايه ؟! هي مسكناني جنبها عشان وجع القلب ده ؟!”
وفجأة توقف عن الحديث حين سمع صرخات وصوت تحطيم عنيف قادم من الخارج، دخل المنزل يركض صوب الشرفة التي كان الصوت يصدر منها ونظر للشارع لتتسع عيونه بصدمة مما يرى، رمق أنس يدير وجهه بعيدًا عن ذلك المشهد :
” والله العظيم أنا قولت أهلك دول مينفعش يتعاملوا مع اطفال، أنا هتقدم بطلب ضمك لحضانتي مش هسيبك مع الست المفترية دي ”
وفي الاسفل كانت ميمو تحمل عصى غليظة يحتفظ بها صلاح داخل منزله تحسبًا لأي حالة طوارئ، وها هي تتحرك صوب الشارع بأعين تقدح شرار، تستغل وجودها في شارع عام وعلى مسمع ومرأى من الجميع، كانت النيران مشتعلة داخلها وهي تهجم على السيارة التي صعد لها الرجال تحطم زجاجها بكل غضب ..
تحطم كل ما تطاله يدها من السيارة، النوافذ والمصابيح والسيارة نفسها، كل ذلك وهي تتذكر ما فعلوه بمنزلها أمام صغيرها، وشعور العجز لوجوده معها .
كانت تحطم السيارة أعلى رؤوس الرجال وهم يصيحون محاولين الخروج، لكن كلما حاول أحدهم فتح الباب ضربته هي بعنف صارخة في جنون كبير، جعل الجميع يخرجون أسلحة رغم أنهم أخذوا أوامر بعدم استخدام عنف على أحد، بل مجرد تهديدات فقط …
اجتمع العديد من الأشخاص بسرعة حول تلك الضوضاء يحاولون معرفة ما يحدث وإبعاد ميمو عن السيارة، لكن تلك الأخيرة لم تكن لتدع شخص آذاها يعبر ويتمختر من أمامها كما فعلوا، بل ويهددون زوجها وطفلها، للجحيم إن تركتهم يرحلون .
وبعد دقائق من تحطيم السيارة أضحت كعلبة صفيح دهستها الاقدام وميمو تصيح أمام الزجاج الامامي الذي تحطم فوق رؤوسهم تلوح بالعصى مبتسمة بشر :
” ابقي قول لللي بعتك يسأل كويس عني بعد كده، وياخد باله لأن المرة دي قرصة ودن ”
أنهت حديثها تحرك تلقي العصى ارضًا مبتسمة بسخرية، والرجال وبمجرد أن هدأت موجة جنونها هبط أحدهم من السيارة يصرخ بجنون في وجهها :
” اه يا بنت الـ ****، طب والله لاخلي جوزك يتحسر عليكِ وعلى ابنك اللي …”
وقبل أن يكمل كلمته اصمتته صفعة ميمو التي أدارت وجهه تحذره بشر :
” أقسم بربي تلمس شعره من حد فيهم هاكلك بسناني”
اشتعلت أعين الرجل وقبل أن يقترب منها، كان سعيد يقف حائلًا بينهما يدفع الرجل للخلف بأعين مخيف وعلى أحد ذراعيه يقبع أنس الذي كان مبتسمًا لا يفهم ما يحدث حوله ظنًا أنها لعبة لا أكثر.
نظر له سعيد يردد بسخرية كبيرة :
” صدقني هي مش بتهدد وخلاص، دي واحدة مفترية سجنتني ست سنين عشان ضربتها في مرة، تخيل تعمل فيك ايه ؟!”
نظر له الرجل بعدم فهم ولم يكد يتقدم حتى وجد ميمو تأخذ الطفل منه بعيدًا عن تلك المواجهة تعود للخلف تاركة سعيد يستقبل غضبهم عنها، فهي رغم كل شيء سيدة مسكينة ” مبتورة الجناحين” لا تقوى على مواجهة هؤلاء الرجال .
وسعيد دفع الرجل للخلف يشزره بشر أن يقترب خطوة واحدة، وقبل أن يتطور القتال من النظرات للأيدي سمع الجميع صوت صافرة الشرطة تصدح في الأجواء، وميمو ابتسمت بسمة متسعة وهي تراهم يترجلون من السيارة متحركين صوبهم لتقول بسرعة وبكل براءة تضم لها الصغير تدعي خوفًا لم تشعره سوى على طفلها :
” كويس أنكم جيتوا يا باشا، أنا اللي بلغت، والناس دول هما اللي اتهجموا عليا في الشقة فوق أنا وابني وكسروها وهددونا، ودلوقتي كانوا عايزين يتهجموا عليا أنا واخويا ”
ختمت كلماتها تشير صوب سعيد الذي تشنجت ملامحه يراقب البراءة التي لا تليق بملامحها أبدًا، والشرطي نظر لبعض العناصر معه مشيرًا لهم أن يصعدوا للشقة كي يتأكدوا مما حدث قائلًا :
” خدلي يابني العيال دي على البوكس، وأنتِ يا مدام اتفضلي معانا عشان المحضر ”
هزت ميمو رأسها تشير لسعيد الذي كان يتابع كل ذلك دون أن يتدخل :
” وهو كمان يا باشا هيجي معانا عشان يشهد ”
نظر لها سعيد بصدمة يسحبها بعيدًا عن الشرطي :
” طب وأنا مالي ؟؟ أنا لسه مكملتش ساعة برة، هترجعيني تاني ؟؟ ”
رمقته بشر وهو لم يهتم لها يهمس بغضب :
” والله أروح اقولهم أنك كسرتي عربيتهم وكنتِ هتخلصي عليهم، وأنس كمان شاف كل حاجة وهيشهد عليكِ معايا ”
” أنت ياض معندكش ريحة الدم ؟؟ عايزني ادخل قسم لوحدي من غير راجل وسط كل دول ؟!”
التوت ملامح سعيد بسخرية لاذعة وهو يخرج صوتًا متهكمًا من حنجرته :
” وسط مين يا حبيبتي ؟؟ كل دول أنتِ كنتِ هتبلعيهم من شوية، اياكش تكوني فكرتي إني أتدخلت عشانك، لا أنا بس كنت بدافع عن الرجالة منك ”
زجرته بنظراتها ليزفر هو بحنق وهي تقول :
” سعيد بطل هبل، أنا مش هدخل قسم لوحدي ومعايا أنس مش هعرف اركز، بعدين أنت زعلان ليه هي أول مرة تدخل قسم؟؟ ”
عض سعيد شفتيه بغيظ شديد يود لو يجذب تلك المرأة وينهال عليها بالضرب باستخدام سلاحها الذي كادت تحطم به رؤوس الرجال منذ دقائق:
” والله العظيم كنت مرتاح هناك من وشك، بعدين ما تكلمي جوزك ”
” أنت عايزني اتصل بصلاح اقوله الحقني فيه رجالة هجمت عليا أنا وابنك في الشقة وكسروا الدنيا فوق دماغنا ؟؟ ده كان يكسر باقي الشقة فوق دماغي إني متصلتش بيه من الأول ”
وقبل أن تضيف كلمة سمعت خلفها صوت مخيف ونبرة مرعبة :
” هو أنا فعلا هكسر يا ميمو، لكن اللي هيتكسر هو دماغك الناشفة يا قلبي ….”
_____________________
” يا حبيبتي والله بشتغل، مش هعرف كده والله، اقولك ارجعي ورا ٢ سنتي بس عشان اعرف اشوف هعمل ايه ”
نظرت له رانيا بحنق وهي تسحب أحد المقاعد تلصقه بخاصته، وتجلس أمامه واضعة إياه تحت المراقبة وصالح لا يفهم ما تفعل، لكنه للحق ليس مستاءً أو منزعجًا من وجودها، يكفيه أن تشاركه أنفاسه …
” هخلص بس الملف ده ويتسلم، بعدين تروح نجيب الاولاد من الحضانة ”
هزت رأسها بإيجاب تعجبها تلك الفكرة، هي تحب أي لحظة تتجمع وتكتمل فيها عائلتها، وأثناء جلستهم تلك ارتفع رنين هاتف رانيا لتجيب بلهفة وسعادة كبيرة :
” محمد …”
رفع صالح رأسه لها وقد تحفزت جميع حواسه لما سيصدر من تلك المكالمة والتي تضم رئيس قسم المعارضة له، محمد العزيز والذي يتفنن في إثارة غضبه، وهو المسكين الذي لا يُحسن حتى الرد عليه .
” لا يا محمد احنا كويسين والعيال كمان كويسين يا حبيبي، طمني عليكم أنتم بخير كلكم ؟!”
صمتت ثواني ثم نظرت لصالح الذي كان يتابع ما يحدث باهتمام، وقد علم أن الحديث انتقل له وبسرعة كبيرة، اكبر مما يتوقع، إذ قالت رانيا :
“صالح كمان الحمدلله كويس ”
امتص صالح شفتيه بتأثر، هل يعقل أن محمد يطمئن على حالته ؟؟ يا الله يكاد يخر باكيًا من التأثر الآن.
” لا متقلقش والله صالح بياخد باله مني ”
نعم الآن أصبحت الأمور أكثر واقعية، هو فقط يسألها إن كان عذبها أو منع عنها الطعام، وقطعها أشلاء ام لا ؟؟
ذلك الرجل لا يضع اعتبارًا أنه متزوج من أخته منذ ست سنوات ويزيد، كل هذا لا يهتم به، بل هو فقط لا يراه سوى شخص سرق منه شقيقته التي كان ينتوي الاحتفاظ بها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فجأة وفي وسط تلك المكالمة سحب صالح الهاتف من رانيا مبتسمًا :
” محمد حبيبي، عامل ايه ؟؟”
أبعد محمد بعض الأوراق من أمامه يردد مبتسمًا ببرود :
” الحمدلله بخير، لسه كنت بسأل رانيا عنك ”
” أيوة ما أنا اخدت بالي فعلا، وكمان اخدت بالي من الثقة الكبيرة اللي بينا وأنت بتسألها إذا كنت خلصت عليها هي والعيال ولا لسه ”
أطلق محمد ضحكات عالية على حديث صالح يمازحه بخشونة :
” لا متقلقش اكيد مكنتش هسألها سؤال زي ده، هي بس مكانتش حابة تبين إني مش طايقك بصراحة، أنا كنت بقولها مزهقتيش من صالح عشان اجي اخدها هي والعيال ؟؟”
” إذا كان كده تمام، أنا فكرتك بس مش واثق اني بعاملها كويس ”
” لا يا عم متقولش كده، دي عشرة عمر، أنا اساسا مش بثق فيك أنت شخصيًا”
ابتسم صالح يجيبه بود كبير :
” والله يا محمد أنت فعلا من أكثر اخوات رانيا المقربين ليا بعد عبدالله وعبدالجواد، جبريل ده اخر شخص ممكن يكون قريب مني ”
تعالت قهقهات محمد وهو يدرك أن تلك الحالة من الاستنفار والقتال بينه وبين جبريل لن تنتهي إلا بموت أحدهما :
” سيبك منهم وطمني الدنيا عندك تمام ؟؟”
اعتدل صالح في جلسته يمسك بين يده كف رانيا يداعبه بأصابعه في حنان شديد ودون شعور منه :
” الحمدلله الكل هنا كويس، والأمور مستقرة والأمن مستتب ”
ابتسم محمد ثم ردد بعض الكلمات وانهى المكالمة معهم، وصالح ترك الهاتف على الطاولة، ثم نظر لرانيا التي كانت تبتسم بسمة غريبة جعلت حاجبه يرتفع متعجبًا:
” ايه بتبصي كده ليه ؟؟”
ابتسمت بسعادة تقول :
” مفيش بس سعيدة إن العلاقة بينكم أنت واخواتي بقت كويسة ”
تنهد صالح بصوت مرتفع يصف لها الحال بوضوح :
” حالتي مع اخواتك يا رانيا عاملة بالضبط زي الدولتين اللي عاملين معاهدة سلام على عنيهم وكل طرف مستني التاني يخرق المعاهدة دي عشان ينفجر فيه ”
ابتسمت تقول وهي تهز كتفيها بلا اهتمام :
” معاهدة معاهدة احنا كنا فين وبقينا فين ”
كاد يجيبها بكلمات كثيرة حانقة لولا أنه استمع لصوت رنين هاتفه، امسك الهاتف يجيبه بهدوء شديد :
” الو ..”
صمت ثواني قبل أن ينتفض متسائلًا بعدم فهم :
” مين وامتى حصل ده ؟؟”
نظرت له رانيا بفضول شديد وهي تقترب منه ملتصقة بذراعه :
” ايه يا صالح ؟! حصل ايه ؟؟ حد من العيال عمل حاجة ؟! انطق يا صالح ..”
نظر لها صالح بحنق مغتاظًا منها :
” انطق ازاي وأنا بتكلم، اصبري ..اصبري يا حبيبتي أما اشوف في ايه؟!”
ومن ثم صمت يستمع للصوت القادم من الجهة الأخرى، وملامحه تزداد انعقادًا :
” طب تعرف قسم ايه ؟!”
اتسعت عيون رانيا بفزع تهز يد صالح :
” قسم ايه يا صالح، قسم ايه ؟!”
أمسك يدها بحنق وغيظ شديد :
” ما أنا بسأل اهو، بسأل، اهدي ”
صمت ثم تنفس بصوت مرتفع يقول :
” طب شكرا لحضرتك أنا هشوف اللي حصل سلام”
وبمجرد أن اغلق الهاتف قفزت رانيا في وجهه برعب وملامح شاحبة وكل فكرها ذهب لأطفالها :
” ايه اللي حصل وقسم ايه ده ؟!”
امسك صالح رأسها يجذبه له وكأنه على وشك مناطحتها بالرأس :
” هتغابى عليكِ، قولتلك اصبري”
نظرت له ولملامحه القريبة وصمتت وهو تنفس بعمق يطبع قبلة صغيرة أعلى جبهتها بحب :
” البواب قالي إن حد هجم على شقة صلاح وهو مش هناك، وأم سعيد فرجت عليهم المنطقة وجابت البوليس وحاليا في القسم …”
اتسعت عيون رانيا بفزع :
” طب ميمو وأنس هما كويسين ؟!”
حمل صالح اشياءه وهو يتجهز للرحيل قائلًا :
” السؤال دلوقتي يا رانيا هو …هل المجرمين دول كويسين ؟؟؟”
______________________
” يعني حضرتك متأكد أنك حابب تتقدم بالبلاغ ده ؟؟”
ارتسمت بسمة جانبية على فم صلاح الذي كان يتابع ذلك الشرطي وهو يسجل المحضر ضد من اقتحموا منزله وهددوا أسرته وكادوا يتسببون في أذيتهم، والآن يسأله إن كان متأكدًا من رغبته في التقدم بشكوى ضدهم وضد من ارسلهم .
” والله يا فندم أنا حابب، حضرتك مش حابب اتقدم ببلاغ ؟؟”
ارتفع حاجب الشرطي وقد اعتلت ملامحه امارات الغضب، لكن صلاح ليس بالمبتدأ لطالما تعامل مع كل ذلك سابقًا، بل وقد وصل به الأمر للسجن أيام، ثم يخرج بكل هدوء وببساطة شديدة :
” أصل شايف يعني أنك متردد في الموضوع، فلو فيه مشكلة تمنع الموضوع قولي أنا اكيد مش هحب اضرك”
” أنت بتقول ايه يا أستاذ؟ أعرف أنت بتكلم مين قبل ما تهلفط بالكلام ”
اعتدل صلاح في جلسته يقول بقوة ودون خوف، فهو قد رمى خوفه سابقًا في أعمق المحيطات حينما أختار مهنة كمهنته، واختار بنفسه اللعب بين الثعابين ومواجهة سمومهم :
” يا فندم أنا اكيد عارف بكلم مين، بس الظاهر حضرتك اللي مش مقدر الوضع، زوجتي وابني كان ممكن يحصلهم حاجة من شوية، وحضرتك قاعد دلوقتي تناقشني في رغبتي إني اتقدم ببلاغ أو لا ؟!”
هزت ميمو الجالسة أمامه على المقعد رأسها توافقه الحديث، تلتزم الصمت بسبب تحذيراته طوال الطريق لها، وسعيد يجلس على أريكة مقابلة يحمل بين أحضانه أنس وهو يهمس له بصوت خفيض :
” أنت صعبان عليا يا أنس والله، أنا بفكر اتكفل بيك لوجه الله تعالى ”
ابتسم الصغير يتلاعب في وجه سعيد، ثم ألقى برأسه على وجهه يقبله، أو بالأحرى يحاول أكل خده، وسعيد يبتسم بحب كاتمًا ضحكة كادت تفلت منه ..
بدأ الشرطي يسجل المحضر الخاص بما حدث وأخذ اقوال ميمو التي وصفت له كل ما حدث تتلاشى نظرات صلاح الذي يطالعها بشر مستطر، كان لديها فرصة الركض والاتصال به، لكنها اختارت أن تشاهد وتستمتع، ثم تأخذ حقها بيدها.
ميمو ستظل ميمو حتى وإن أصبحت جدة.
انتهى الأمر وتحرك الثلاثة للخارج، وبمجرد الخروج فتح صلاح فمه للحديث، لكن ميمو قاطعته مشيرة صوب سعيد الذي كان منشغلًا في أنس تقول :
” خد بالك يا صلاح، أي كلمة هتقولها ومش هتعجبني، هاخد أنس وأروح اقعد مع سعيد ومش هتشوف وشي ”
نظر صلاح صوب سعيد بشر كبير ليهز الاخير رأسه رافضًا ما قيل وكأنه ينفي عن نفسه رغبته في استقبال ميمو داخل منزله، لكن ميمو لم تصمت إذ قالت :
” ولو سعيد لسه زبالة زي ما هو ورفض، فربنا يخليلي نادر وميحوجنيش لحد”
صمتت ثم نظرت بلوم لسعيد الذي زفر بحنق شديد يضع الصغير بين يديها، ثم قال مغتاظًا :
” بقولك ايه، انا مش خارج من السجن عشان تقرفيني بحوارتك، والله ارجع تاني ”
نظر لصلاح يقول بغيظ شديد :
” وأنت، ابعد مراتك دي عني لاحسن والله أنا اللي هقدم فيكم محضر أنتم الاتنين، ومشوفش حد من العيلة بتاعتكم غير أنس تسيبوه قدام الشقة وتمشوا ”
أنهى حديثه يغادر المكان بأكمله حانقًا وميمو تنظر لأثره بشر :
” سعيد …سعيد يا حيوان، خسارة فيك السمك ”
فجأة شعرت بمن يلتقط منها الصغير وصوت صلاح يقول بحنان رغم غضبه وحنقه منها :
” اتحركي يا ميمو عشان ترتاحي بلاش الوقفة كتير ليكِ”
نظرت له ميمو ثواني قبل أن تقول :
” والله ما ليا غيرك يا صلاح ”
اتسعت بسمة صلاح قبل أن تتحول لضحكات يضم يدها بحنان متحركًا للخارج :
” وأنا ليكِ على طول يا مقدس ..”
صمت ثم أضاف بشر :
” بس ده ميمنعش أن فيه حساب بينا لما نرجع ”
_____________________
توقف بالسيارة أمام البناية التي لطالما هجم عليه، وفي رأسه تمر صور كثيرة له، حينما كان يتوقف أمامها باسطول سيارات، ويقتحم العيادة عليها، يشعر أن الذكرى قريبة جدًا وكأنها كانت البارحة، عاد برأسه على المقعد خلفه يغمض عيونه يفرك وجهه وفي رأسه صور عديدة لآخر يوم قضاه معها، ابتسم وهو يرى أمامه بسمتها وهي تخرج رأسها من النافذة وتضحك بسعادة لم يرها منذ كانت في الجامعة ..
فتح عيونه يستشعر اختناق شديد داخل صدره، غصة كبيرة تعيق مجرى تنفسه، ولا يريد أن يحررها فهو يعلم أنها إن تحررت ستخرج بشهقات وآهات مكتومة، آهات منعها سنوات وتنتظر لحظة الخروج .
تنهد وقد بدأ صدره يهتز بقوة يتمنى، فقط يتمنى أن يعود لتلك اللحظة التي بدأ عندها كل شيء، يوم ذهب لشراء طعام له ولمحها ..
يقف وسط صديقه يخطط معه بأحلام غبية ساذجة :
” بكرة نفتح عربية الاكل بتاعتنا، ومن بعدها تتوسع وتبقى مطعم كبير و…”
توقف فجأة عن الحديث حينما أبصرها، تقف بين جموع من الأشخاص الذي تجمعوا لشراء ما يسد جوعهم ..
ضحكات عالية من بعض الفتيات يصاحبها كلمات متقاذفة من الشباب، لكن أيًا من ذلك لم يكن مسموعًا له، ولا حتى صوت رفيقه الذي كان يتحدث معه حول مشروع العمر_ كما أسموه _ كل ما يسمعه هو صوتها تقول بملامح مفكرة :
” ماشي مش حراق اوي، يعني حراق شوية صغيرين ينفع ؟؟ وممكن بطاطس اكتر لو سمحت ”
ابتسم يتجاهل رفيقه وهو يتحرك صوب تلك الفتاة التي بدت زهرة ملونة بين العديد من نباتات الصبار _ في عيونه _ كانت جميلة، وأكثر ما جذبه هي بسمتها .
توقف بالقرب منها وهي لم تنتبه له، بل ظلت تنتظر ما طلبت بتوق شديد، تنظر في ساعة يدها كل ثانية والأخرى، حتى واخيرًا بعد دقائق بدت لسعيد ثواني قليلة لم تسد رمقه، استلمت زهرة شطيرتها وركضت سريعًا صوب جماعة من الفتيات وتحرك الجميع بعيدًا، آخذون معه زهرته الجميلة ..
أفاق سعيد من شروده على صوت قوي يصدح في الإرجاء، نظر حوله يجد الأمطار تتساقط، ليس الأمطار وحدها، بل دموعه كذلك أعلنت العصيان على ثباته وشاركت الأمطار السقوط، امسك سعيد هاتفه الذي يعلو بالرنين يجيب بصوت ابح بعض الشيء :
” الو..”
” مالك يا سعيد، صوتك ماله ؟!”
كتم سعيد شهقة صغيرة يردد بصوت خافت :
” مفيش يا ميمو أنا كويس، فيه حاجة ؟؟”
ورغم عدم اقتناعها لم تود الضغط عليه :
” أنت مشيت وانا نسيت اقولك إن بكرة باذن الله هنستلم المطعم، الراجل كلمني النهاردة الصبح ومستني بس تشوفه، وبالنسبة لكل الاوراق متقلقش أنا خلصت كل حاجة، ناقص بس توقيعك و…”
كانت ميمو تتحدث بكلمات متلاحقة لم يصل لسعيد منها شيء، إذ أنها وللمرة الثانية تصم آذانه عن أي شيء عدا صوتها هي، حتى وإن لم يصل له، فعقله تولى الأمر وهييء له اصوات ضحكات وانفاس متسارعة ..
خرجت زهرة من البناية تتأفف من الأمطار، تضع يدها أعلى رأسها تركض صوب السيارة، وفجأة كادت تسقط في اللحظة التي انتفض بها جسد سعيد بتحفز، لكنها اعتدلت تبتسم وتضحك بسخرية على نفسها، وسعيد الآخر ابتسم متضامنًا مع بسمتها .
اقتربت زهرة من السيارة وما كادت تفتحها حتى توقفت عيونها تبصر سيارة تتوقف أمام البناية بشكل مريب، سيارة تعلم جيدًا هوية صاحبها، هوية من يدق له القلب صخبًا، وانتظرت أن يطل عليها .
هبط سعيد من سيارته يقف أمامها ولا يدري أي حديث يقال في تلك اللحظة، لكنه فقط أقترب منها أكثر وفجأة قاطع طريقه جسد رجولي وصوت أجش ينادي زهرة بنبرة حميمية دافئة :
” زهرة …”
_____________________
فإن كان الصوابُ لديكِ هجري
فعَمّاكِ الله عن الصوابِ…..

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية ما بين الألف وكوز الذرة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى