روايات

رواية غوثهم الفصل الخامس والستون 65 بقلم شمس محمد

رواية غوثهم الفصل الخامس والستون 65 بقلم شمس محمد

رواية غوثهم الفصل الخامس والستون

رواية غوثهم البارت الخامس والستون

رواية غوثهم
رواية غوثهم

رواية غوثهم الحلقة الخامسة والستون

“رواية غَـــوثِـهِـمْ”
“الفصل الخامس والستون”
“يــا صـبـر أيـوب”
_____________________
قصدتك يا كريم ولا أملك سِوىٰ الرجاء
ضاقت عليَّ السُبل ولازال القلب يتمسك بالرجاء..
أدعوك كما أمرتني ولا حيلة للضعيف إلا الدُعاء
فمهما طال ليلي حتمًا برحمتك ستنير السماء
أناجيكَ وقلبي يسكنه بكل قوةٍ العناء..
أطلب منك يا رحيم ومن غيركَ يرحم الضُعفاء.
_”غَـــوثْ”
__________________________________
_لا يَهمُ من أنتِ أو من أنا..
ولا يهم حتى كيف تلاقت السُبل لنضحى هُنا،
ما يَهُم حقًا هو أننا غدونا معّا بعد العوائق..
تلاقينا لنسعد ونكون آمن الخلائق،
فَـكنا غريبين، ولا أنتِ سبقَ ورأيتيني
ولا سَلفَ الزمان لكِ أن تقابليني..
فربما تكون طلبتها القلوب ذات يومٍ،
والقلب يحدثني أنكِ تُشبهيني،
قد نكون ضِعنا من بعضنا سابقًا، لكن القلوب وإن ضاعت تعود من جديد بأمر خالقها ومولاها،
فسبحانه خالق القلوب هو مُقلبها وسَواها..
وهو من جعل من كان غريبًا يسكن في مأواها..
والزاهد من بعد زُهدهِ يُفتن بها ويقع بهواها.
<” عفوًا أنتهى العَرض، لقد فُزنا بصمتنا”>
حالة هدوء شقت الأجواء تُعلن عن قدومها، سيارة الشرطة تصف في منتصف الحارة يترجل منها رجلٌ صاحب هيئة طاغية تُجبر الرائي على السكوت أمامه، عيناه كما نظرات الصقر الجارح وهو يتطلع إلى المُلقىٰ أرضًا يشبه الموتى، وذلك الجرح الغائر الذي توسط ذراعه الأيمن نتيجة نصل المدية التي ترك أثرها “يـوسف” ثأرًا لكرامتهِ كرجلٍ تم التهديد بالخوض في عرضهِ، أما “أيـوب” فعاد كما كان هادئًا وقد ارتدى سترته السوداء من جديد وأغلق السحاب ليصله صوت الضابط ساخرًا بتهكمٍ وهو يشير إلى “سـعد”:
_ودا إيه دا إن شاء الله؟ في عربية داسته؟.
هتف “أيـوب” ببرودٍ يتنافى تمامًا مع سابق أفعاله:
_لأ دا كان ماتش كورة، بس شديد شوية.
في تلك اللحظة طَلَّ “أيـهم” الذي هتف مُرحبًا برفيقه قائلًا:
_”أكمل” باشا بنفسه؟ اتأخرت ليه؟.
هتف الأخر بعدما ابتسم رغمًا عنه عند رؤية صديقه:
_كل حاجة جت فجأة معلش، أخده خلاص؟.
التفت “أيـهم” إلى شقيقه يسأله بسخريةٍ وكأنه يُخير صغيره أو ما شابه ذلك وهو يهتف:
_ها يا حبيبي؟ نفسك في حاجة تاني؟.
كتم ضحكته ثم هتف برضا يخبر شقيقه بقولهِ:
_لا يا حبيبي خلاص، شوف “يـوسف” يحب يطلب حاجة؟.
نظر “أيـهم” لـ “يوسف” مستفسرًا بنفس حديث “أيـوب” دون أن ينطقه، ليرد الأخر بقلة حيلة بعدما وجد “سـعد” فقد حقًا كل ما يجعله إنسانًا، أصبح كقطعة قماش بالية لا يليق بها سوى سلة المُهملات عند تكريمها، وعند رؤية الذُل بعينيهِ هتف مُنتشيًا بانتصارٍ:
_لأ، أنا كدا مرضي أوي كفاية إنه كلب تحت رجلي.
أخفض “أيـهم” نفسه لمستوى الأخر يهتف متشفيًا به بقوله الذي أعرب عن غلهِ الدفين الساكن بقلبهِ:
_أنا عن نفسي متكيف فوق ما تتخيل، معلم عليك قبل كدا وربطك في الشجر زي حرامي الغسيل، وأخويا معلم عليك ١٠٠ مرة قبل كدا ودلوقتي عمل بيك حفلة خلت وشك شوارع، والراجل خد حق مراته، دلوقتي زيك زي الكلب هتترمي في الحجز بقضية حبكتهالك حبكة متليقش غير بو*****، وإذا كان أخويا راح المعتقل فدي حاجة تشرف لكن الدور والباقي على….
بتر حديثه بنظرةٍ ذات مغزى عميق ثم مال على أذنه يهتف بشراسةٍ حادة، بنبرةٍ رغم هدوئها إلا أنها أخافت الأخر:
_على ***** بتاع النسوان، للأسف دورك كراجل خلص لحد كدا، اللي جاي ربك وحده اللي عالم بيه.
أعتدل “أيـهم” في وقفتهِ ثم أشار للضابط بقوله:
_خلاص يا باشا شوف شغلك.
تم حمله إلى السيارة الخاصة بالشرطة، لم يدخلها بنفسه بل تم جَرهِ إلى العربة مثل الماشية، منظره أثلج النيران المشتعلة وبردَ محلها، لقد تخطى حدود كل الأشياء ووصل الأمر معه إلى أعراض النساء، والآن يتلقى مما صنعت يداه، وقف “يـوسف” مستمتعًا بالرغم من جرح رجولته عند رؤيته للصورِ التي أظهرت عورة نسائه إلا أنه تغاضى عن كل ذلك في سبيل السعادة التي حققها عند التخلص من غريمه الأول.
أما “عبدالقادر” فوقف يتابع كل ذلك بفخرٍ، عيناه نطقت بالسعادة ولمعت أيضًا عند رؤيته للآخر منكسرًا، ألم يكن هو في السابق بنفس الموقف وهو يرى صغيره يُؤخذ من بيت الله إلى معتقلٍ يُعامل بداخلهِ كما المُجرم، وما إن التقت نظراته بنظر “أيـوب” ابتسم له ليتحرك نحوه الأخر ثم عانقه وكأنه يحتمي من نفسه بداخل ذراعيه، أما الآخر فضحك بيأسٍ وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
_لساك طفل زي ما أنتَ، تعمل الحاجة عكس هواك وتجري تتخبىٰ فيا أنا ؟ بتتخبى من نفسك يا “أيـوب”؟.
أبتعد عنه وهو يقول بقلة حيلة:
_أنتَ علطول بتطمني حتى لو سيرتك بس من غير ما تكون قدامي، أنا كنت باخد حقي بالطريقة الوحيدة اللي ينفع أرد بيها حقي من تاني، واللي مطمني إنك مش زعلان.
ربت والده على ظهرهِ فاقترب منه كبيره يقول بثباتٍ:
_الشقة اتعمل ليها إثبات حالة والصور فيها واسمها كل دا برضه اتسجل وكدا كدا مش هيقدر ينكر أنه خطفها، يعني من الأخر كدا محدش هينفعه وعمه دا لو فكر يعملها ميرجعش يزعل، لما يموت في أيدي.
ربت والده على كتفهِ بفخرٍ وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_عيشت يا ضهر أبوك، أنا برضه كنت عارف إنك مش هتسكت على حق أخوك كتير، يلا فضوها سيرة وخلوا حد يمسح الحارة كويس أهي اتكنست بكرامته.
ضحكت الحارة بأكملها على حديث “عبدالقادر” وكذلك “يـوسف” أيضًا الذي ابتسم له ليقترب منه “عبدالقادر” هاتفًا بنبرةٍ ضاحكة:
_ها يا ابن “مصطفى” ؟ لسه مش طايقني أنا وعيالي؟.
كان يشير بسؤاله إلى وضعهِ عند قدومه إليهم الحارة عند بحثه عن أمه ليرفع الأخر عينيه نحوه ورغم تعجبه من الحديث إلا أنه لم يصل لحد الدهشة ورد يهتف بصدقٍ:
_مقدرش، كفاية إنك من ريحة الغالي.
رأى “عبدالقادر” عيني رفيقه، نفسها النظرة الصادقة والنبرة الهادئة والحديث الصادق، فضمه إليه بعمقٍ وهتف بنبرةٍ أظهرت مدى شوقه بقولهِ:
_أنتَ اللي كلك الغالي، كأني شايفه هو بس هو كان أحلى.
ضحك “يـوسف” رغمًا عنه ورفع كفيه بتوترٍ أو ترددٍ لكي يعانق “عبدالقادر” ولم يشعر بنفسهِ وهو يتحدث بصدقٍ كأنه ترك نفسه لمشاعره تتحكم هي به على عكس طباعه:
_ربنا يبارك في وجودك.
أبتسم له الأخر وكأنها لحظة صُلحٍ بينهما، “يـوسف” يشعر بنفسه وسطهم مُحاوطًا بالأمان حتى وإن كان الأمر يخصه إلا أنهم لم يتركوه بتاتًا، ومَن كان مِن المُفترض أن يقوم بحمايتهِ ومساندته تخلى عنه، والآن يسانده الغرباء في مِحنتهِ ومحنة زوجته وعلى ذكر زوجته رفع عينيه نحوها لتقابل نظراته نظراتها الباكية تواصلت نظراتهما معًا وساد الصمت والعيون في الكلام أفصح من كل لسانٍ.
__________________________________
<“أسدل الليل ستائره، والنيام صحوا”>
في المسجد أنهى “أيـوب” صلاة العشاء بعدما استعاد نفسه من جديد، نعم أخطأ ولم يتمالك في غضبهِ وترك نفسه ينثف عن الانتقام المشحون بداخلهِ بصورةٍ وحشية لكنه لن يستسلم، يعود لربهِ مهما أذنب ومهما أخطأ يعلم أن الطريق ينتظره، لذا طلب من الناس أن يسبقوه إلى المسجد بصغارهم قبل كبارهم، وما إن أنهى الصلاة وأنهى الذِكر عدًا على أناملهِ، حاول ترتيب الحديث على طرف لسانه حتى نجح فيما يريد والتفت يُطالع الناس الذي ملئوا المسجد في انتظاره كما سبق وأخبر الجميع أنه يُريد التحدث معهم.
التفت لهم مبتسم الوجه ثم أمسك مكبر الصوت وألقى عليهم التحية بقولهِ الهاديء كعادة “أيـوب” الحكيم:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
ربنا يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال ويكتب لنا مستراح الجنة أولًا قبل الدنيا، فاللهم إنا نسألك أن ترضى عنا، وتعفو عنا وتغفر لنا، ربنا إنا نسألك رضاكَ، ونسألك أن تغمرنا رحماكَ، والله صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ.
_عليه أفضل الصلاة والسلام.
كانت الرد عليه من المسجد بأكملهِ الذي كان به أفراد عائلته و”يـوسف” وخاله وابن خاله أيضًا، أغلب الرجال المسلمين في حارة “العطار” بصغارها معًا، أما هو فاستعاد ثباته وهتف بنبرةٍ هادئة أمام الجميع بعد تحلى ببسمة الوجه البشوش:
_اسمحولي بس قبل أي حاجة، اعتذر ليكم، للصغيرين قبل الكبار كمان، اللي شوفتوه من شوية دا مني، أنا آسف عليه بس مش آسف على أني باخد حقي، يمكن الطريقة غلط، بس أنا ضعفت ومقدرتش أني اسكت، كلكم هنا بفضل ربنا عارفين أخلاقي وأنا مش هذكي عن نفسي، بس اللي حصل النهاردة دا كان حق بيرجع حاولت كذا مرة اجيبه بالهدوء مقدرتش، فمكانش قدامي غير أني ألجأ للعنف، طب أنا دلوقتي بقولكم دا ليه؟ لأني محبش أخواتي الصغيرين ولا ولادي اللي بحفظهم كتاب ربنا أنهم يحبوني بشخصيتي دي وياخدوني قدوة في العنف، أنا لما اضطريت لجأت للحل دا، أنا في النهاية بشر، نفسي ضعيفة ومقدرش عليها لوحدي.
صمت يلتقط أنفاسه بتروٍ ثم أعاد كرة الحديث من جديد بقولهِ الثابت الذي نبع من قوة شخصه:
_الحقيقة إن أي أمر يخص شرف المؤمن وعرضه بيكون زي قنبلة تفجر الراس، خاصةً إذا كان الأمر بالباطل، يعني حد بيفتري على أهل بيتك بكلام محصلش، بدون دخول في تفاصيل كتير، دا اللي حصل ورد فعلي كان رد فعل راجل مسلم يُغار على أهل بيته، بس قبلها كان فيه ذرة انتقام، انتقام للستات والبنات اللي الأخ ربنا يهديه خاض في سمعتهم وشرفهم واستباح النظر ليهم بدون أي وجه حق، انتقام لكل مرة روحت أتكلم بالأدب وكان الرد خالي من كل أدب، انتقام لفترة صعبة من ضعفي غصب عني اتمنيت الموت، لكن أرجع وأقول إن برضه أنا آسف، وحقكم عليا، وأتمنى اللي حصل دا يتنسي ونقفل عليه الكتاب، ومن بكرة هبدأ تسميع القُرآن للشباب قبل الصغيرين، أما درس الدين فهو هيبدأ دلوقتي حالًا.
أعتدل في وقفتهِ ومكبر الصوت بيدهِ وقد تعجب “يـوسف” منه كثيرًا، كيف بهذه السرعة أدرك نفسه وعاد من جديد ؟ لقد ظنه تاه عن نفسه وبَعُدَ عن ربهِ لكن يبدو أن “أيـوب” قوته أكبر من ضعفه، انتصاره أعظم من هزيمتهِ، جرأته أضخم ضعف شخصيته، أما الآخر فوقف أمامهم يهتف بنبرةٍ هادئة وهو يقول:
_بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الانبياء
وأشرف المُرسلين، أما بعد فدعونا نبدأ بالحديث عن “محمد” عليه أفضل الصلاة والسلام، حبيبنا وقدوتنا، نبي الرحمة ﷺ.
_بعث الله نبينا ﷺ في أمة يسودها قانون الغاب، يأكل القوي فيها الضعيف، ويئِدُ الأب ابنته تحت التراب وهي تصرخ صرخات الحياة، ويتذلل فيها الكريم العزيز لحجر وصنم لا يغني عنه شيئًا، في وقت غابت فيه الفضيلة وانتشرت به الرذيلة والجهل، عندها أذن الله لنورٍ أن يوقد بين البشر، ليدلهم على الطريق الصحيح الموصل إلى الفوز والنجاة، صلى الله عليك يا نبي الهدى…
أنا كمسلم ربنا كرمني بدين الإسلام وليا دستور اسمه قرآن كريم، وليا قدوة وهو سيدنا “محمد” فأنا كمسلم ربنا وضعلي أساسيات أسير على نهجها، لما خطواتي تنعكس عنها أكيد لازم أحس أني مستوحش ووحيد، مهما كنت متونس برضه لوحدك، ومهما كنت قوي فأنتَ ضعيف…
ترك الحديث يرى أثره بنفسه على الوجوه ليعيد الحديث من جديد مُضيفًا بثباتٍ بعدما تثبتت الأنظار عليهِ:
_من ضمن الحاجات اللي كمسلم لازم تعرفها هي حياة النبي ﷺ، كان أحن الناس على أهل بيتهِ، وخير الرفيق لصاحبه، والزوج الذي يتوجب على كل رجل مسلم أن يقتدي به، فلما تيجي تبص بعينك كدا ليه الحياة ناشفة وصعبة ومملة، تلاقي إنك بعيد أصلًا، بعيد عن قرآنك، عن صلاتك عن وِردك الديني، بعيد عن ذِكرك اللي من غيره مش هتطمن، طب أنا مش عاوز أقرب من ربنا المسافة بعيدة، لأ مش بعيدة، أنتَ اللي بتلعب بعزيمتك، عمال تتهاون فيها، فاكر إنها شطارة منك بس هي توفيق من ربنا، كرم ورحمة من الخالق الرحيم، طب أبدأ إزاي؟.
سأل بهدوءٍ ووجهٍ مُبتسمٍ لتثبت الأنظار عليهِ من جديد في حين تابع هو مُكملًا بقوةٍ:
_طول ما أنتَ مش مرتب أولوياتك صح هتفضل تايه، وطول ما الطاعات مش هي أولوياتك يبقى حتى لو وصلت أنتَ تايه، تصحى للامتحان بس متصحاش تصلي الفجر، شاطر امتحان الدنيا هيعدي، بس امتحان الآخرة بقى؟ تقعد تقرأ مليون بوست وتبعت وتتكلم بس تقرأ اذكارك؟ لأ هتعطلك؟ مستحيل، لأنك أصلًا من غيرها خايف، تقدر تمسك ملزمة ١٠٠ صفحة تخلصها ليلة امتحان بس تمسك المصحف تقرأ قرآن وتثبت وردك؟ لأ، علشان حاطط أولوياتك غلط،
طب أنا هنا بقارن بين الكفتين؟ لأ أنا بس بثبتلك إنك لما بتعوز حاجة بتعملها، فتيجي تحزن على شبابك اللي بيضيع من غير إنجازات والجوازة اللي باظت، والدراسة اللي مفيهاش توفيق، والسبب الرئيسي أصلًا لوصولك أنتَ مش حاطه أولوية، فإذا هجرت المُصحف وغفلت عن ذكرك وأجلت صلاتك، لا تلوم إلا نفسك، لانك من الأساس هنا كادح، يعني أنتَ بدنيتك اللي بتجري فيها دي كلها على بعضها عند الخالق جناح بعوضة، شاغل نفسك بمقارنات العيشة واللي جاب واللي ساب واللي راح، وسايب نفسك، طب والعمل؟ العمل إنك تقوم من تاني تحارب شيطانك، تثتب إنك مسلم، مسلم يعني تقدر مهما وقعت تقوم.
حديثه نشر العزيمة في نفوس الكبار قبل الصغار، فوقف أحد الشباب يسأله بقلة حيلة رغمًا عنه وقد بدا عليها الحزن وهو يقول:
_بس فيه حاجات رغم إنها سهلة ورغم إني عاوزها مش بتيجي، وعمالة تيجي لغيري كتير، أنا بعد ٦ شهور بطلق البنت اللي كنت بتمناها والسبب والله محدش عارفه.
انتبه له “أيـوب” وثبت عينيه عليه ثم هتف بنبرةٍ هادئة:
_علشان ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه الحكيم، “والله يعلم وأنتم لا تعلمون” يعني ربنا مالك الأسباب بذاتها، أنا واثق إنك بتحب زوجتك وباين في عينيك لأن مفيش راجل يتهز في حاجة زي دي إلا لو فعلًا بيحب زوجته، طب دا عيب إنك بتحبها؟.
ازدرد الشاب لُعابه يهتف بنبرةٍ منكسرة:
_أنا وحيد أهلي وأبويا ميت، جوزت أخواتي بنتين واتجوزت بعدها مراتي بنت حلال وطيبة وعمرها ما خرجت منها العيبة بس المشاكل كترت وضغط أمي وأخواتي عليا زاد، فبقيت حاسس أني مش قادر اوفي الجانبين حقهم، أكيد مش هسيب أمي وأخواتي ولا قادر اسيبها.
أبتسم له “أيـوب” وهتف بقلة حيلة:
_والله يا بني كلنا ما هنقدر نسيب.
ضحك الجميع على جملته حتى “يـوسف” أيضًا، فيما أضاف “أيـوب” بعدما زفر بقوةٍ واستعاد رابطة جأشه ليضيف:
_في الأصل إن الزوجة هي نعيم في الدنيا، والزوجة الصالحة رزق يساق لك، فتخيل أنتَ بتقول إنها بنت حلال ربنا يباركلك فيها، باين من كلامك إن الطلاق مش برغبتكم، فالحل إيه بقى؟ إنك تروح لمراتك تراضيها، وتقبل بكلامها مهما كان لأن هي ست، وتحدد واجباتك المفروضة عليك، ومتسمحش لحد يتدخل في حياتك ولا هي تدخل حد بينكم، أنتم مع بعض زوجين يعني المكان أساسه هي وأنتَ، وعلى سبيل المثال أحد أمراء المسلمين
سأل جلساءه: من أنعمُ النّاس عيشةً؟
قالوا: أمير المؤمنين!
فقال: لا، ولكن رجل مسلم له زوجة مسلمةٌ لهما كفافٌ من العيش، قد رضيت به ورضيّ بها!.
_يعني الناس كانوا فاكرين إن أمير المؤمنين هو أكتر واحد عايش في النعيم، بس الحقيقة إن أنعم الناس هو الرجل اللي زوجته قدرت تكونله مكان في الدنيا، هي قبلت بيه وهو قبل بيها، فتيجي تضيع منك النعيم كدا؟ معقولة يعني؟.
هنا تدخل أحد الصبية الصغار غالبًا في بداية سنين مراهقته يسأله بنبرةٍ ضاحكة أمام الجميع وكأنه يسأل بخبثٍ:
_طب وأنتَ بتحب يا شيخ “أيــوب”؟.
تلاشت بسمة “أيـوب” وسأل من حوله بسخريةٍ:
_هي الأسئلة دي جاية من عيلة المدام ولا إيه؟.
انتشرت الضحكات من جديد وضحك هو الأخر ثم سحب نفسًا عميقًا لكنه حقًا خجل من إنتظار الناس جوابه، قدوتهم سيتحدث عن زوجتهِ؟ هل يُعقل؟ لكنه تذكر أن قدوته كان ولازال “محمد” ﷺ لذا حمحم بخشونةٍ وهتف بنبرةٍ هادئة:
_أقدم ليكم يا جماعة “معاذ” في تالتة إعدادي وحلم حياته يتجوز في تالتة ثانوي أقصى حد يعني، علشان كدا أسئلته غريبة شوية شويتين كدا.
ابتسموا له ليضيف هو بصدقٍ بعدما تأكد من خطوته:
_الحقيقة إني بحب، بحب مراتي الحمد لله وربنا يديم الحُب والمودة والرحمة بينا، الحقيقة أني مكانتش ناوي أوي أكون راجل متجوز وكنت ناوي أكمل في زُهدي وهدوئي بس الحقيقة، أن الهوى قوي على الإنسان…
سكت لبرهةٍ ثم أضاف من جديد:
_فالحمد لله ألف مَرة
على نعمة وجودها من بعد كل مُرة،
والحمد لله أنني وجدتها، ومن بعد مولاي
ملجئًا لي اصطفيتها، وكأن القلب بعدما كان ضريرًا
أضحى بأمر خالقه لها بصيرًا، فرضيتُ بها وارتضيتُها..
وإن كان لها مُطلبًا فبروحي فَديتُها، فاللهم أني اسألك ألا تحرمني من نعمة قُربها..
ولا تجعل طريقي يخلو يومًا من وجودها..
حديثه أبلغ وأفصح من أي كلامٍ يُقال، عبر بكل صدقٍ عن حبه لزوجته أمام الجميع ليثبت لهم أن الرجل حتى وإن كان تقي وقوام وبعيدًا عن الحياة، حتمًا حينما يرزقه الله بزوجةٍ يكن لها كل الحُب، في الحقيقة لم يكن الحديث فقط في محيط الموجودين بل تخطى ذلك ووصل لأذن “قـمر” التي وقفت في الشُرفة تستمع لحديثه، في مشهدٍ لم يحدث سوى بأحلامها حيث رجل أحلامها يفخر بحبها أمام الجميع في بيت الله؟ نزلت دموعها من جديد وهي تحمد ربها على نعمة وجوده هو.
__________________________________
<“حصل على ما تلقت يده، ونال مما صنع”>
النفوس الخبيثة تبقى خبيثة حتى وإن قدم لها المرء من الودِ أطنانًا وحتى لو إن زرع أرضها بالورود حنانًا، ولكل خبيثٍ رد يناله، هذا تحديدًا ما حدث مع المدعو “سـعد” لقد تم وضعه بداخل غرفة صغيرة ضيقة ومظلمة وارئحة العفن تفوح منها، تبدو كغرفة يتم استخدامها للتعذيب المعنوي، جلس بجروحهِ الغائرة وجسده المضروب في الغرفة ذليلًا..
الفارق بين وضعه وبين وضع “أيـوب” أن الأخر كان عزيزًا لا يُهان، رجل بمعنى الكلمة لا يخشى من في الدنيا ولا يستسلم لضعف الإيمان، اليوم يجلس في الغرفة بمفرده مكسورًا، أراد أن يكسر “أيـوب” وينتقم منه على عزة نفسه وقوة صموده عن طريق صورة زوجته، ليتفاجأ بوجهه الثاني أكثر شرًا منه هو، يوم إن اختفى هدوئه تفاقم شره، أما عن جلوسه هنا فهي طلبات “أيـهم” انتقامًا لأخيه، حينها أخبره الضابط بما التقط بسمعهِ:
_ليه معاملة خاصة هنا قبل ما يترحل على النيابة ونبدأ الاستجواب والتحقيق، هخليه على ما يخرج لو فكر بس في صنف الحريم غلطة، يصوم ويصلي الباقي من عمره.
ألقى رأسه أرضًا في هذه الغرفة الاسمنتية من أرضها حتى سقفها عاليًا، لقد وقع مغشيًا عليهِ بضعفٍ ووهنٍ، ولقد تلقى الكثير من الضربات هُنا خاصةً بعدما بحثوا في شقة عمها وحصلوا على أثر تواجده وهوسه بها، والآن يُذل ويُهان وبعدما توسلهم بالرحمة سكتوا الناس وكأن حالة الصُم والبُكم أصابتهم.
جلس والده في القسم خارجًا يحاول الدخول لابنه أو حتى إنقاذه من هنا وكان الجواب بصمودٍ من الضابط بقولهِ:
_مش هيخرج يا حج، ريح نفسك ووفر تعبك، إبنك خطف بنت موبايله فيه رسايل بيتفق مع واحد يشهر بيها عن طريق صور، وواضح إن الصور اتمسحت، يعني إبنك بيعمل جنايات مش جناية واحدة ومتوصي عليه بصراحة أوي، لو أنتَ أب لبنت وتقبل بناتك يحصلهم كدا، قولي وأنا هطلع إبنك، بس نصيحة سيبه يتربى شوية الدنيا مش بتاعته علشان يمشي يبرطع فيها ويعيش بلطجة ونصيحة وفر فلوس المحامي علشان كل حاجة هنا متحرزة وفي حيازة القسم.
جلس “جمال” على المقعد بانكسارٍ منذ أن ولدَ هذا الولد وهو يجلب المصائب فوق رأسه ويصبها صَبًا، كلما حاول أن يفخر به يأتِ بأفعاله الصبيانية ويهزمه، حلم أن يراه ضابطًا في الشرطة ويكون صاحب مكانة عالية مرموقة لكن بسبب أصدقاء السوء والفساد والمواد المخدرة أنهى على ذلك الحُلم والآن ينتهي به المطاف في السجن يشابه المجرمين، لتنقلب الآية تمامًا ويصبح بدلًا من حاميًا لها، لصًا ينهش في قوانينها.
__________________________________
<“أهلًا بِكَ في مكانك، ينتظرك مع سكانك”>
عادا من المسجد إلى البناية مع بعضهما، أراد كلاهما أن يُطمئن قلبه المُتأذي على ونيسه، أراد “يـوسف” أن يراها بعد الليالي العصيبة التي عاشتها وأراد أن يُبرد نيران قلبه تجاه شقيقته، كاد “أيـوب” أن يرحل نحو بيتهِ لكنه قرر أن يطمئن عليها ثم يرحل من جديد إلى بيتهِ.
صعد خلف “يـوسف” الذي فتح باب شقتهم ليطلل على والدته التي جلست في انتظاره وما إن أقترب منها ركضت عليه تحضتنه حتى سكن هو في موطنه الأصلي، هدأ بجوارها لتتركه هي ثم سألت “أيـوب” باطمئنانٍ على أحواله:
_أنتَ كويس يا حبيبي ؟ طمني عليك؟.
حرك رأسه موافقًا يهتف بنبرةٍ صادقة:
_الحمد لله في نعمة كبيرة، ربنا يديمها.
ابتسمت بعينيها قبل شفتيها فيما خرجت “قـمر” من الداخل تطالعه بعينين ترقرق بهما الدمع ليسحب الأخر والدته ثم تركهما معًا ولاحظ “أيـوب” ذلك مما جعله يتقدم بخطواته نحوها ليجدها بدون أي مقدمات تبكي أمامه، كانت تبكي بخجلٍ وخزيٍ وكأنها فعلت هذا الشيء، أما هو فضمها له يضع رأسها عند صدره ثم هتف بقوةٍ:
_بطلي عياط وعبط، أنا معاكِ ومحدش يقدر يقرب من شعرة واحدة منك، مفيش حاجة ممكن تخليكِ تخافي من بعد أمانك اللي مع ربنا ثم وجودي، ليه بتعيطي؟.
رفعت عينيها الباكيتين نحوه تهتف بنبرةٍ متقطعة:
_بعيط علشان أنا زعلتك مني بسببه، كنت فكراه ممكن يعدي الموقف عادي، بس توصل لعرض البنات…
أنا مستوعبتش حاجة زي دي، متزعلش مني بس أنا كنت خايفة عليك، أنا بتطمن بس لما بفتكر أني بقيت ليك، أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إنك مسبتنيش…
كنت خايفة أوي يا “أيـوب”.
مسح على ظهرها يُطمئنها ثم لثم جبينها وحرك بنانة أنامله يمسح على جفونها برفقٍ وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_بسم الله على قلبك حتى يهدأ،
بسم الله على روحك حتى تطمئن،
فاللهم أني استودعتك
زوجتي وحبيبتي، وأطلب منك أن تحفظها في رعايتك
اللهم إن أمرها يَهمني، وكل الحزن إن أصابها يصيبني
فاللهم أني استودعتك نفسي وزوجتي وأنتَ الحافظ الذي لا تضيع ودائعه.
ابتسمت له باطمئنانٍ بالغٍ جعله يُكرر مُبتسمًا:
_اضحكي يا صبر “أيـوب”.
لم تضحك بل رفعت نفسها تطوق رقبته بكلا ذراعيها فضمها هو الأخر له بذراعيه القويين وأطلق أنفاسه المحبوسة وهو يقول بأسفٍ على حالهِ:
_تعبتيني يا بنت “الراوي” تعبتيني وغويتيني، لا أنا أقدر أصد غوايتك ولا قادر أبعد عن الفِتنة اللي شداني ليكِ.
أبتسمت بين ذراعيه وسألته بنبرةٍ ضاحكة:
_يعني خلاص مش زعلان مني؟.
ابتعد عنها وقلب عينيه مُفكرًا لوهلةٍ ثم قلد طريقتها بقولهِ ساخرًا عليها:
_ماشي يا “أيـوب” عن إذنك بس افتكر أني بطلب منك طلب واحد غرضه هو أنتَ، وأنتَ مش عاوز تسمعلي، ولا راضي تحسبها بالعقل، عن إذنك.
ضحكت من بين دموعها وهي تمسح وجهها بظهر كفيها حتى أمسك وجهها بين كفيه يهتف بسخريةٍ ضاحكة:
_طيرتي عقلي وطرفتي عيني ومدشملة قلبي على رأي أخوكِ، ناقص إيه تاني؟ بكلمك بجد؟ فاضل إيه.
سحبته من كفه نحو مقعد الجلوس تجلسه ثم جاورته وهي تقول بنبرةٍ حماسية عادت لها بتلقائيتها:
_ناقص إنك تحكيلي كل حاجة دلوقتي.
ضحك رغمًا عنه ثم بادر معها بالتحدث بعدما عادت من جديد تبتسم وتتحدث، لم ينس خوفها من أمر صورتها وهي ترتجف وتسأله عن بقائه معها، أما هو فمبجرد الجلوس معها حتى وإن كان يُغمغم بحديثٍ مبهمٍ تظل أكثر الأماكن راحةً.
انسحب “يـوسف” من شقته متوجهًا نحو شقة زوجته وقد آثر أن يتركهما معًا، أراد أن تنسى شقيقته حزنها والوحيد القادر على هذا هو “مطروف العين بها” لذا تحرك نحو الأخرى التي أصبحت بأقل رد فعل يصدر عنها تتحكم في حياته بأكملها، وقد فتحت له “وعـد” التي ضحكت له حتى حملها بين ذراعيه ثم لثم وجنتها وهتف بنبرةٍ هادئة:
_”عـهد” صاحية ولا نايمة؟
جاوبته بهدوء حزين لأجل شقيقتها وهي تشير نحو الغرفة:
_عمالة تعيط، وفضلت تصلي وتعيط، ومش عاوزة تبطل عياط خالص.
حرك رأسه موافقًا ثم وضعها على الأريكة لتخرج حماته من المطبخ وما إن رأته قالت بلهفةٍ وكأنها وجدت مبتغاها:
_كويس إنك جيت، أنا تعبت من عنادها، وقفت الأكل ومش مبطلة عياط وقهرة نفس، والله ما عارفة هي حظها كدا ليه في الدنيا؟ دي عمرها ما زعلت حد أصلًا ولا جت على حد، والدنيا كلها عمالة تدوس فيها.
تهدج صوتها ليظهر عليه البكاء والحزن لأجل ابنتها فيما أطلق هو أنفاسه المحبوسة ثم هتف بنبرةٍ خَشِنة نتجت عن جفاف حلقه:
_حضري الأكل، أنا هأكلها.
دلف الغرفة دون استئذانٍ ليجدها جالسة على سجادة الصلاة وقد وضعت ذراعها المتألم بالحامل القماشي الطبي، جلست على ركبتيها ووصله صوت نحيبها وهي تأنِ بصمتٍ، كل ما تفكر فيه هو أنها المتسبب الوحيد في كل ما حدث، هي التي وصلت الأمور بسببها إلى هذه النقاط الصعبة، الصور لم تنفك عن عقلها وكأنها احتفظت بها في الذاكرة المؤقتة لتغدو دائمة من بعد ذلك.
تحرك حتى أضحى مقابلًا لها وجلس على ركبتيه هو الأخر مثلها، أما هي فزادت شهقاتها دون أن ترفع رأسها، لم تملك أي حديثٍ يُقال، أما هو فتنهد مُطولًا ثم هتف بنبرةٍ حزينة لأجلها:
_وبعدين؟ هتموتي نفسك بالبطيء؟.
رفعت عينيها الباكيتين له تهتف بقلة حيلة قائلة بوجعٍ:
_أنا أصلًا مفيش فيا نفس..
اللي فيا دي حلاوة روح مش أكتر، دماغي مش عاوزة تبعد عن الصور، مش قادرة استوعب أني كنت من كام ساعة هتفضح وسيرتي تبقى على كل لسان…
كادت أن تستطرد حديثها لكنها بكت من جديد فرفع كفه يمسح عبراتها المُنسابة ثم هتف بنبرةٍ أهدأ:
_وكل دا خلص خلاص وانتهى يا “عـهد” وكل حاجة خلصت كمان، ومن دلوقتي تقدري تبقي حرة نفسك، أي حاجة عاوزاها أنا تحت أمرك فيها، حتى لو عاوزة تطلقي.
رفعت عينيها له بصدمةٍ جلية على ملامحها ونظراتها التي تلقائيًا تثبتت عليه وكأن محجر بؤبؤيها توقفا عن الحِراك، ليضيف مستطردًا بضيقٍ:
_مش دا كان كلامك من شوية؟ أنتِ شايفاني قليل الحيلة ومش هقدر أحميكِ منه وطلبتي الطلاق، فأنا علشان مضغطش عليكِ هسيبك كام يوم تاخدي قرارك وتفكري، وأيًا كان قرارك أنا موافق عليه يا “عـهد”.
من جديد نزلت عبراتها فحتى المكان الوحيد الذي ظنته آمنًا تفاجئت بهِ يود المغادرة، أما هو فراقبها بعينيه ليسألها بنفاذ صبرٍ من بعدما علا صوت بكائها:
_بتعيطي ليه طيب؟.
هتفت بصراخٍ ردًا عليه وقد حقًا شعرت بالضغط يزداد عليها:
_علشان مش عاوزاك تمشي..
مش عاوزة تاني أرجع أفكر مين هيقف في ضهري من بعدك، مش عاوزة أحس أني خايفة تاني، أنتَ موجود معايا مقويني وواقف في ضهري، عاوز تمشي كأنك ما صدقت؟ طب أنا هطلبها منك لآخر مرة متمشيش…خليك علشان أبطل الخوف اللي بياكل فيا.
زفر مُطولًا ثم أقترب أكثر منها يقول بنبرةٍ حزينة يخبرها بكل شيءٍ عايشه منذ اختطافها حتى لحظته هذه:
_الخوف دا موتني لما كنتِ مش هنا، أنا فضلت أفكر مليون فكرة أنتِ فين وبيحصلك إيه، حسيت إني عاجز فعلًا وكنت مخبوط فوق راسي وأنتِ مش جنبي، أنا مقدرتش أفكر ولا أعمل أي حاجة غير لما كنتي معايا وقصاد عيوني، ما صدقت لقيتك هنا تاني، لقيتك مش واثقة فيا وطالبة الطلاق، كل مرة أجي أتكلم ترمي ليا الكلمة علشان تفكريني أنه جواز شرط، أنا يا بنت الناس لو مش عاوزك عمري حتى ما هفكر فيكِ، يبقى من دلوقتي لو سمعتها منك تاني، هتبقى بزعل كبير، الغرض اللي مخوفك أهو راح خلاص ووعد عمره ما هييجي تاني، يبقى تسلمي ليا بقى.
حركت رأسها موافقةً حتى فاجئته هي تلك المرة حينما أخفضت رأسها تضع موضع نبضه وهي تقول بنبرةٍ باكية:
_أنا تعبت يا “يـوسف” تعبت وحملي زاد.
رفع ذراعيه يطوقها بهما وهتف بنبرةٍ هادئة يُطمئنها بقولهِ:
_وأنا معاكِ هنا، حملك كله أرميه عليا وأنا راضي والله، والله راضي طول ما أنتِ قدامي بخير، بس بلاش تقفلي على زعلك مع نفسك، خليني معاكِ.
حركت رأسها موافقةً ثم رفعت كفها السليم تمسح دموعها لتقول بنبرةٍ أقرب للبكاء حينما شعرت بالدفء هنا بجوارهِ:
_أنتَ وحشتني أوي، حسيت كدا إني اترميت في نص البحر من غيرك والموج فضل يعلا عليا وأنا مش حاسة غير أني بغرق بس، مصيبة لأكون حبيتك بجد.
بالله إنها معتوهة حقًا، لما لم تُكمل الحديث كما بدأته هي؟ تخبره أنها اشتاقت له ثم تخبره أن حبه كارثة؟ هكذا فكر وهو يستمع لآخر حديثها وقد أخفض رأسه يخبرها بنفس الجملة دون مللٍ منها:
_وأنا هنا علشانك، ومصيبتك هي مصيبتي
الحُب وعمايله اللي محدش قدها،
بس وأنا معاكِ قد أي حاجة
وبرضه علشان خاطر عيونِك أنتِ.
سكنت بجواره، حاولت طرد أفكارها وطرد خوفها، ظلت تفكر نفسها أنها معه وأنه بجوارها حتى تشبثت بكفها في قميصه وغفت بين ذراعيه وسرعان ما انتظمت أنفاسها ليبتسم هو بسخريةٍ ثم قال:
_هو شكله وقع فعلًا، بس وقع على دماغه.
حملها بين ذراعيه يضعها على الفراش ثم خلع عنها إسدال الصلاة التي كانت ترتدي أسفله منامة بيتية ثم قام بفرد التميمة السوداء المتمثلة في خصلاتها، لوهلةٍ حمد ربه أن هيئتها بخصلاتها تخصه وحده، لذا سحب المقعد يجلس بقرب الفراش وهو يمسح على شعرها، تراه في حضرتها مثل الطفل الصغير عند وضع أمه لطفلها الثاني وهو يذهب خلسةً لرؤيتهِ، نفس الشيء هو يستعيد طفولته البائسة لكن مع من؟ مع زوجتهِ، يحق له أن يسخر من نفسه وهو بكل ما مر به أضحى يسعد ويحزن فقط لأجل فتاةٍ !!.
__________________________________
<“لا تلومن الصغير، بل ألق نظرة على الكبير”>
في اليوم التالي…
تلقى مكالمة هاتفية من “مادلين” تطلب حضوره ضروريًا إلى العملِ وفي الحقيقة لم يكن ذاهبًا بمفرده بل أخذ ورق “عُـدي” معه و “عُـدي” نفسه إلى مقر العمل، لأول مرة يجتمعا سويًا بعد أن جمعت بينهما الدنيا ويسيرا بجانب بعضهما، كان “يـوسف” يرتدي حِلة سوداء وكذلك القميص أسفلها باللون الأسود وفتح أو زِرين به..
أما الآخر فارتدى حلة رسمية تليق به كمتقدمٍ للوظيفة بشركة “الراوي” وهناك رهبة غريبة تعتريه، يخشى من اللقاء مع أفراد هذه العائلة التي لم ترحم أخيه وهو صغيرٌ وسطهم، يخشى أن يتهور وينفلت لسانه بما لم يُحمد عقباه، وقد لاحظ “يـوسف” الجالس بالسيارة جواره حالته من خلال تشنج قدمه لذا هتف بنبرةٍ جامدة:
_وترت أهلي، بس ياعم خلاص.
زفر “عُـدي” بضجرٍ ثم هتف بنبرةٍ يائسة منه:
_يابني خلاص اسمع كلامي، أنا مش عاوز أشتغل في أي نيلة خلاص، أسمع مني وسيبني أروح خلاص علشان كدا أنا هيجرالي حاجة، ضرري ليك هنا أكبر من منفعتك.
هتف “يـوسف” بثقةٍ ردًا عليه بعد أن ثبت عينيه على الطريق أمامه:
_منفعتك ليا إنك تكون عيني وأنا غايب، أنا كلها كام يوم واحتمال أرجع شغلي الأصلي تاني، يعني لازم أكون سايب ليا أخ في ضهري يشوف فلوسي، أنا واثق فيك، وزي ما قولتلك “رهـف” معاك أهيه وكل حاجة هتكون تمام، صحيح هي مادلية بس قوية وصاحبة سُلطة في الشغل.
زفر مُطولًا وهتف مستفسرًا بضيقٍ:
_طب هي هتكون معايا وتعرفني الدنيا ولا خلاص كدا؟ على الأقل علشان ماحسش أني بعك الدنيا جوة لوحدي.
قبل أن يلج “يـوسف” لشارع الشركة صف سيارته في مقدمته وهتف بنبرةٍ هادئة وبكل ثباتٍ قال:
_تاني، أنتَ قريب “حازم” جوز أخت “رهـف” وكنت صاحب “حـمزة” الله يرحمه، ورجعت مصر هنا من قريب وهتشتغل في الترجمة، هنا هتلاقي معاك اتنين “مادلين” و “رهـف” أي خد غير دول لأ، عاوزك تثبت نفسك، تقف توريهم الرجالة بتسد إزاي، فيه واحدة جوة اسمها “شـهد” دي ياريت متقفش قصادها، علشان تطلع بأي أضرار، تمام؟ اسبق أنتَ وهتلاقي “رهـف” مستنية.
سحب ملفه وترك السيارة متوجهًا إلى داخل الشركة بثباتٍ بعدها هندم حِلته، منذ بدايتها وهو يشعر أنه مُكبل الحركة، في الطبيعي يكره هذه الملابس ويكره الملابس الرسمية، يحب دومًا الملابس الشبابية الحُرة، غرق في تفكيره قبل أن يتقدم إلى بداية دخول الشركة، هذا الصرح الشامخ الذي بدا عليه السمو، مكانٌ وجهته الخارجية باللون الأسود اللامع ويزينها قطع بورسلين باللون الذهبي، شركة كبرى كما تظهر في الأفلام، وقف هنا على أعتابها ليجد “رهـف” تركض نحوه وهي تقول بلهفةٍ:
_كويس إنك جيت دلوقتي، هما في إجتماع مستنيين “يـوسف” دلوقتي هتيجي عادي كأنك بتعمل انترفيو وبعدها “مادلين” هتختم على الورق، معايا علشان تشوف مكتبك.
رفع كفه يشير لها بالتريثِ وهو يهتف بسخريةٍ من اندفاعها:
_بالراحة ها !! واحدة واحدة لأن أنا لو فضلت معاكِ بمستوى اندفاعك دا هخرج جري من هنا، أنا مش ناقص، تمام؟ تمام إن شاء الله، ها إيه المطلوب؟.
رفعت أحد حاجبيها ثم هتفت بإيجازٍ تلقي أوامرها:
_ورايا.
تحركت بعد كلمتها فيما وقف هو متعجبًا مما فعلت، كيف تُلقي أوامرها بهذه الطريقة عليه ثم ترحل؟ وهل تنتظر منه أن يتبعها أيضًا؟ لاحظت هي وقوفه فسألته بتأهبٍ بعدما عادت من جديد لمحل وقوفه:
_مجيتش ليه؟ مش قولت ورايا ؟؟.
تقدم أمامها هو وهتف بنفس نبرتها السابقة:
_ورايا أنتِ، أنا هسمع كلامك ولا إيه ؟
تقدم للامام لتتبعه هي بعدما زفرت بقوةٍ وهتف بنفاذ صبرٍ تستغيث من هذه العائلة بقولها:
_يا رب صبرني على عيلة المجانين دول، أنا صغيرة أوي أني أكون قتالة قُتلة، خسارة شبابي فيهم والله.
تبعته إلى الداخل فيما أنتظر “يوسف” بضع دقائق أخرى ثم نزل من سيارته ودلف مقر الشركة نحو غرفة الاجتماعات مباشرةً، دلفها بضيقٍ دون حتى أن يلقي التحية عليهم، كانت تحوي بداخلها أفراد العائلة فقط بحضور عمته التي ما إن رأته سألته بنبرةٍ متلهفة:
_طمني عليك، كويس؟.
هز رأسه مومئًا لها وهتف بفتورٍ:
_أنتِ اخبارك إيه ؟ أتمنى تكوني كويسة.
حركت رأسها تؤكد له ذلك فيما هتف “سـامي” بنبرةٍ جامدة بعدما مد يده به بالأوراق له:
_اتفضل، وقع هنا وخلصنا علشان الراجل مستني إمضتك الكريمة تنور على الورق، وعلى فكرة دا صاحبنا من زمان يعني مش محتاج إننا نفضل نعمل كل الحوارات دي.
سحب “يـوسف” الورق منه يشمله بنظراتهِ إلا أن وقع بصره على اسم المستثمر الجديد حينها تبدلت ملامحه تمامًا، واعتدل في جلستهِ هاتفًا بنزقٍ يتشدق به:
_”عماد الخُشت” !! هو دا المستثمر الجديد؟.
انتبهوا له لينتفض هو من محله يهتف بنبرةٍ أعلى قائلًا:
_مستحيل، دا لو على رقبتي مش همضي، ناسيين أصل فلوسه منين؟ عاوزين فلوس زي دا تدخل الشركة؟ انتوا أكيد مجانين أو حصل لمخكم حاجة.
وقف “عاصم” أمامه يهتف ببرود هو الأخر:
_إيه الجنان في الشغل مش فاهم؟ الراجل طول عمره صاحب العيلة ومش غريب عننا أبدًا، ولا أنتَ هتعيش في الدور وتعملي فيها شيخ يا “يـوسف” ؟؟
هتف الأخر ردًا عليه منفعلًا بغضبٍ تفاقم عن السابق بقولهِ:
_مش شيخ، بس لما يبقى واحد أصل فلوسه من عرق النسوان والدعارة، يبقى كل واحد يقف يفتح عينه كويس، عاوز الشركة اللي أبويا حط فيها كل حاجة وعاش عمره يحلم بيها تتوسخ بفلوس زي دي؟ مش كفاية وجودكم فيها.
_”يـــوسف” !!
صرخ بها “عـاصم” يوقفه عند حدهِ ليرفع الأخر حاجبه بتأهبٍ وكأنه يخبره أنه لن يخشاه، بل فارق القوى أصبح واضحًا لمن يطالعهما، لن يتغلب عليه مهما بلغت قوته، وقد تدخل “سـامي” بتهكمٍ:
_خلاص نوقف حالنا ونقلل إنتاجنا علشان البيه عايش الدور وعامل فيها شيخ الأزهر خلاص، هو لو الفلوس دي هيجيب بيها حاجة برضه، كل محل هيسأله جايبها منين؟
التفت له “يـوسف” يهتف بثباتٍ وهو يرمقه بتقليلٍ منه:
_أديك قولت لو هيشتري حاجة، بس دا واحد عاوز يغسل فلوسه عندنا، فاكرنا دراي كلين بروح أمه، وطبعًا لاقي كلاب فلوس موافقين أكيد هيوافق ويفرح، ماهي فرصة.
رد “سـامي” بثباتٍ هو الأخر:
_كدا كدا وجودك تحصيل حاصل، لو مش موافق هنوقع إحنا وغصب عنك الشغل هيمشي، إحنا مش دار الإفتا هنا علشان نقعد ندور في أصل راس المال، لو مش عاجبك برة.
رفع “يـوسف” حاجبه مُحذرًا ثم ابتسم بسخريةٍ وهتف بوقاحةٍ وهو يُقلل صراحةً من “سـامي” الوقح:
_صحيح، إذا كان رب البيت بالدُفِ ضاربًا،
فلا تلومن الصِغار إذا رقصوا، هستنى إيه من واحد ابن رقاصة يعني عادي عنده، بس أنا دكر ودمي حامي مش هقبل بالعبط دا، واللي مش عاجبه يمضي بيع حقه وأنا جاهز هشيل وأشتري في الحال، إنما وساخة في الشركة مش عاوز، أنا لسه بحاول أنضفها منكم.
قال جملته ثم ألقى الأوراق على الطاولة بإهمالٍ جعل “عـاصم” يُكشر عن أنيابهِ، لقد أصبح قاب قوسين أو أدنى من الإنفجار أمامهم ونهش لحم “يـوسف” الذي أقترب منه أكثر يهتف بكل قسوة متشفيًا به:
_معلش أصل اللي خلف مماتش، وأنا أبويا الحمد لله خلف راجل هيفضل منور اسمه طول ماهو عايش، وعلى فكرة، على جُثتي إن الشغل دا يتم، ولو مش قد القول، فشوفوا هتكون على جثة مين فيكم، كدا كدا قارح وانتو متخصونيش، كلكم على بعضكم.
قال حديثه ثم خرج من الغرفة بثباتٍ كما دلفها مما جعل “سـامي” تلك المرة يتوعد له، لقد أخذ الكثير من الوقت منذ أن أضحى شريكًا معهم بالشركة ليهدم كل مخططاته فوق رأسه، لقد كان مثل الوسواس في أذن حماته و شقيق زوجته وهما يسيرا بناءً على رغباته طالما كانت آذية “يـوسف” هي الغاية الأساسية.
أما “يـوسف” فزفر مُطولًا حينما وقف أمام مطل النيل وهو يتذكر زوجته، لقد مرت الساعات السابقة عليها بصعوبةٍ ، لم تنفك عنها الكوابيس ولا تتوقف صرخاتها وهي تستنجد به، تصرخ متوسلة في كل نفسٍ يصدر عنها أن يرحمها ولا يفضحها أمام الناس، وقد عادت كما كانت في السابق حينما كانت بغرفتها طوال المساء ويكون معها عند كوابيسها، رفع كفيه يمسح وجههِ وكاد أن يخرج هاتفه يتحدث معها لكنه تذكر أمر تدمير هاتفها بيده لذلك أخرج علبة سجائره يخرج بها غضبه وكأن الهموم تتزايد فوقه.
__________________________________
<“الجلوس برفقة من نحب حياة”>
بعد موعد صلاة الظُهر خرجت من عملها ثم مرت على مدرسة الصغير تأخذه منها، اليوم نهاية الأسبوع وأرادت أن تقضيه معهما كأسرة متكاملة، وقفت تنتظره حتى وجدته أمامها يخرج وسط الصغار وما إن رآها ركض عليها ركضًا سريعًا جعلها تلتقطه بين ذراعيها ثم قالت بنبرةٍ ضاحكة:
_يلا علشان أوفي بوعدي، عاوز تاكل إيه النهاردة؟.
هتف بحماسٍ بالغٍ وهو يعلم أنها ستلبي طلباته:
_مكرونة بالبشاميل وفراخ محمرة ومش هذاكر النهاردة، وهنسهر بليل كلنا و “آيـات” معانا، وهتجيبيلي حاجة حلوة إحنا مروحين.
تلاشت بسمتها وهتفت تعاتبه بمزاحٍ:
_مش عاوزني أخدك طيران على البيت؟ بأمانة والله.
تمسك بذراعها ثم بدأ في السير معها وهو يحدثها عن كافة تفاصيل يومه، منذ أن ولج من باب المدرسة حتى خروجه يسير مجاورًا لها، منذ أن بدأت حياتها الزوجية تسير بشكل طبيعي وهي تشعر بإلزامية دورها تجاه زوجها والصغير، تريد تعويض ما فات عليهم جميعًا، الآن تملك بيتًا كما كانت تحلم به وكما سمعت من البقية، لا يهمها أمر الإنجاب، فيكفيها تقبل زوجها لها ويكفيها وجود الصغير معها.
بعد مرور بعض الوقت منذ عودتها معه للبيت بدأت في صنع الطعام المطلوب منها لهم هم الثلاثة، كانت تفعل الطعام بحماسٍ وهو يشاركها بأسئلتهِ وهي تجاوبه حتى هتف بنبرةٍ متعجبة:
_عارفة؟ لما كانت هنا أنا ماكنتش بحب أقعد معاها، علطول ماسكة التليفون وكل ما أطلب منها حاجة كانت بتخلي تيتة “وداد” هي اللي تعملها وتفضل تنفخ وتزعق، كنت بحس إن هي مش عاوزاني أكون معاها، لما كانت بتمشي كنت بفرح علشان هتبطل تزعق فيا، بس أنا بحبك أنتِ، علشان مش بتخلي حد يعمل حاجة ليا، وبحب إنك صاحبتي وعلى فكرة أنا بحبك أنتِ علشان أنتِ ماما مش صاحبتي بس.
تركت ما تفعله ثم أقتربت منه تحاوط جسده بكلا ذراعيها وهي تقول بنبرةٍ هادئة حاولت إخفاء الحزن منها:
_بص هنتفق، أنا هنا أهو معاك مامتك وصاحبتك، وأنتَ ابني وحبيب روح ماما، أي حاجة مزعلاك متفكرش فيها خلاص وكل ما تلاقي حاجة وحشة بتيجي راسك افتكر الحاجة الحلوة، يعني أنا أهو لما باجي أزعل، بفتكر أني معايا “إيـاد” وعلطول بفرح.
ضحك لها ثم رفع رأسه يلثم وجنتها فيما عادت هي لما تفعله وهو يجاورها بسعادةٍ وحقًا لم يكف عن الثرثرة الحماسية وهو لازال يسرد بطولة عمه، لاحظت مدى تعلقه به وكيف يقتدي به ويسمع كل حديثه وقد انتهت هي من صنع الطعام وهو يعاونها لتبدأ في تجهيز طاولة الطعام، حتى دلف “أيـهم” يمسك في يده حقيبة بلاستيكية وفي يده قبضة تسالي “لُِب” ودلف لهما وهو يتناول هذه التسالي فوجد الطاولة المرتصة في إنتظار قدومه.
ألقى عليهما التحية ووضع ما يمسكه في يده ثم دلف لثم رأس صغيره ووجنة زوجته التي تضرج وجهها بحمرة الخجل ثم أشارت له بالجلوس وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_اقعد بقى لحد ما أجيب الفراخ.
تحركت من محيطهما ليميل هو على أذن صغيره يهمس له بقولهِ:
_ولا، هو إحنا طولنا أوي لوحدنا ولا إيه؟
أنا كنت نسيت إن الشقة دي فيها مطبخ أصلًا.
كتم الصغير ضحكته وهو يقول بنبرةٍ هامسة:
_يا جدع دا إحنا مكناش عايشين.
رفع “أيـهم” رأسه يتابع خروجها من المطبخ مبتسمة الوجه وهتف بهمسٍ هو الأخر ردًا على جملة صغيره:
_يا جدع دا إحنا كنا بايشين.
كتم كلاهما ضحكته عند اقترابها منهما تسأل بعينيها عن سبب الضحكات لينفيا هما ذلك فجلست بقربهما تقوم بتوزيع الطعام لهما، مثلث مكتمل الأضلاع كل ضلعٍ منهم يحتاج للآخر حتى يكتمل نهائيًا، كأن جلسة الأحباء حياة.
__________________________________
<“زهرة حزينة وسط حقل سعيد”>
في الحديقة بالأسفل جلست “آيـات” برفقة “مهرائيل” التي كانت تنتقي بين الصور حتى قالت الأولى بنبرة تائهة:
_عمال يبعت في صور ويقولي اختاري، وأنا مش عارفة اختار حاجة ومش عاوزة ازعله، لقيتها، أنا أخليه ييجي هنا نختار أنا وهو وبابا مع بعض كلنا، كدا أحسن صح؟
هتفت الأخرى بضيقٍ:
_بت !! أنتِ من ساعة تجهيزات شقتك وأنتِ متوترة، أومال هتعملي إيه في فترة الفرح؟ بعدين الراجل ربنا يكرمه مش مقصر معاكِ في حاجة، وعاوز يعمل اللي يرضيكي.
زفرت “آيـات” بعمقٍ تخرج الضيق من داخلها وهتفت بنبرةٍ ضائعة وهي تخبرها بما تشعر به:
_ماهو علشان كدا أنا متوترة، هو عمال يضغط على نفسه ويستلف وراح شغل المصنع وبقى بيشتغل شُغلين، أنا مش عاوزة أضغط عليه وهو واخد الموضوع بحساسية ويقولي فكراني مش هقدر أعمل اللي نفسك فيه، أنا مش حابة كدا.
كانت “مارينا” إبان ذلك تجلس بشرودٍ وهي تتابع هاتفها، لقد أصبحت تراقبه من جديد بعدما أقنعت نفسها بأهمية صفها الدراسي، لكنها كلما سارت مستقيمة تشعر بخطواتها تتعرج من جديد، والآن تراقبه بجوار المُعيدة زميلته التي دومًا تكون معه حتى في احتفالات الكلية التي يشرف عليها بنفسه، زفرت بيأسٍ ثم قالت بنبرةٍ جامدة:
_ربنا ياخدك يا حرباية.
نظرت لها شقيقتها وكذلك رفيقتها لتهز منكبيها ثم هتفت بلامبالاةٍ تنافي حديثها:
_واحدة حرباية عمالة تتلزق فيه، طب تستنى أتخرج علشان أقدر يبقى ليا رد فعل، لا تسقطني بسببه ولا حاجة.
تركتها الفتيات وعادت لما تفعل في الهاتف لتسحب هي هاتفها من جديد تراقب الصور مرة أخرى بحسرةٍ وكأنها تخشى أن يكون لها ذات يومٍ بعدما رسمت الكثير في خيالها.
__________________________________
<“قولٌ واحدٌ لا، أو ربما مرة أخرى نوافق”>
كانت تجلس بشقتها تنتظر خروجه من المرحاض لكي تفاتحه من جديد في الحديث، لن تيأس ستحاول معه حتى يقبل بطلبها، حاولت اللجوء إلى الهدوء أولًا ثم الإلحاح ثانيًا ثم أنوثتها ثالثًا، أي شيءٍ يقبل به ويجعله راضخًا لها ستقم به، وما إن خرج لها أقتربت وهي تقول بنبرةٍ هادئة بعدما ابتسمت له:
_كنت عاوزاك في حاجة ضروري قبل ما ننزل تحت، بس لو ليا غلاوة عندك تسمعني وتوافق قبل ما تتعصب، أنا هنا محبوسة أهو والله عمري ما خرجت عن طوعك، البت عزماني على الفرح، سيبني أروح أفك عن نفسي شوية.
أغمض جفونه لوهلةٍ ثم نفخ وجنتيه بضيقٍ ورد عليها بقوله الذي أعرب عن نفاذ صبره:
_يا بنت الناس هو أنا مش قولت لأ؟ كيف عندك يعني تعصبيني وخلاص؟ فرح إيه اللي كله شرب وزفت وناس مش واعيين أساسًا؟ إحنا هنروح نعمل الواجب ربع ساعة وراجعين تاني، لكن تيجي معايا شيليها من دماغك دي.
أقتربت منه تتمسك بمرفقهِ وهي تقول بلهفةٍ تحاول بها اثنائه عن قرارهِ:
_استنى بس، بالله عليك تفكر تاني، البت اتعشمت خير علشان أروح أحضر الفرح وكدا كدا شادر الستات بعيد، أنا والله مبخرجش ولا حتى بروح في أي مكان غير بيك، سيبني أشوف الناس اللي أنتَ حابسني عنهم دول.
شملها بنظراته ثم سحب كفها يوقفها أمام المرآة وهو يقول بنبرةٍ جامدة منفعلة خلف بعضها تباعًا:
_أقفي كدا، شوفي أنا شايف إيه، شايف واحدة تحل من على رقبة المشنقة لو الواعي شافها عينه تطلع عليها مابالك بالمسطول؟؟ هقولك علشان شكلك نسيتي، طالما بقيتي مراتي فمحدش ليه حق غيري يشوفك، ولا أنتِ كيفك نبوظ أفراح الناس؟.
ظهر الإحباط على ملامحها وتركته دون أي حديثٍ ليزفر هو بضيقٍ ثم عاد لغرفته من جديد تاركها في الخارج بمفردها مع حزنها ووحدتها خاصةً إذا كانت تضع أملًا في أي شيءٍ أما هو فلم تنفك هذه الذكرى السابقة عن عقلهِ لذا وقع أسير الماضي.
__________________________________
<“مفاجأة جديدة لم تكن بالحسبان”>
ثمار جهده يراها الآن لقد حصل على ملفٍ كامل يحتوي كل المعلومات عن “سـامي السيد” لقد بذل قصارى جهده في التوصل إلى ما يمسكه بيده، حتى الآن يشكل أكبر الألغاز منذ قدومه إلى مصر، رأس الأفعىٰ كما يُلقبها هو، قام بلصق صورته ثم أمسك القلم يكتب باللغة العامية أسفل صورته:
_”سامي السيد”
عاش أول أيام حياته في حارة “العطار” قبل ما يسيبها بعدما طلع آثار من بيت جده وساب الحارة كلها ومشي، وحيد أهله، أمه كانت عالمة بتحيي الليالي في الأفراح، صحابه “شوقي محمد الحُصري” و رجالة عيلة “الموجي”.
كتب كافة البيانات بخط يده ثم سحب خطًا وكتب شكوكه التي تساوره في هوية ابن عمه، وفقًا للمكتوب أمامه هو واحد من أثنين لذا أمسك القلم وكتب اسمهما ليبدأ عمله عليهما:
_”إسماعيل الموجي” و “نادر سامي السيد”.
كلا الاسمان هما نفسهما من يظن أن ابن عمه قد يكون واحدًا منهما، فإذا كان صديق رجال عائلة “الموجي” فمن الممكن أن يكون حدث لابن عمه كما حدث معه ويكون اشتراه “أشرف الموجي” في صغر عمرهِ.
وقف يزفر مُطولًا وبداخله يتمنى أن تكذب ظنونه، لن يقو على هدم رابطة الشقيقين ببعضهما ولا يقو على هدم رابطة “يوسف” بـ “نَـعيم” إذا كان “نـادر” هو الابن الذي رباه “سامي” رغم شبه تأكده أنه ابن “سامي”، تبدو الهموم كأنها تكالبت عليه وهو الوحيد الذي جلس هنا وحده يحمل الهموم بالجمعِ وهو وحده فُرادة.
__________________________________
<“أتيت بخاطرنا مرة ولم ترحل من بعدها”>
جلس في مكان عملهِ وسط الناس بالخارج دون أن يجلس في مكتبهِ أراد أن يكون وسط الناس لعله يتعلم كيف تكون طباعهم، فلقد عانى طوال حياته من كثرة صمتهِ، صمته الذي رفع الحواجز بينه وبين البشر حتى أتت النموذج النسائي المُختصر في “ضُـحى” تخطفه من كهفه لتعلمه كيف يعيش المرء حياته، جلس يحتسي قهوته وهو يتابع الهاتف بعينيه وقد هاتفه “مُـحي” الذي جلس يذاكر بتركيزٍ على غير عادته مما جعل الأخر يسأله ساخرًا:
_بتذاكر؟ يعني فتحت تكلمني علشان كنت بتذاكر؟.
هتف الأخر بقلة حيلة ردًا عليه:
_يا عم طلاق تلاتة من حريمي اللي معرفهمش بذاكر، مستني زميلي يبعتلي ملخص ألحق ألم بيه أي حاجة.
فور انتهاء جملته وصلته الرسائل المنتظرة مما جعله ينطق بلهفةٍ:
_اقفل بقى البت بعتت الحاجة أهيه.
رفع الأخر حاجبيه بذهولٍ وهو يقول بدهشةٍ:
_بت إيه ؟ أنتَ مش قولت زميلك؟.
هتف الأخر بنبرةٍ ضاحكة مراوغة:
_ماهي دي كناية عن إنها بطل، سلام.
أغلق في وجهه حتى ألقى “اسماعيل” الهاتف على الطاولة بيأسٍ من الأخر وأفعاله حتى وجد أخر من يحب أن يراه أمامه يشرف عليه من عِليتهِ قائلًا:
_إزيك يا “إسـماعيل”؟.
رفع رأسه نحو المتحدث ليجد “ماكسيم” أمامه حينها اتقدت عيناه بشرٍ ليجد الأخر يسحب المقعد وهو يقول باستفزازٍ:
_على العموم متردش أنا عارف إنك مبسوط وبخير أوي، ماهو برضه الحب بيخلي الإنسان سعيد أوي، ياترى بقى هتكدب عليها ولا هتكون صريح؟ أنا عن نفسي أحبك تكون صريح، علشان متتفاجئش من جو الإثارة بعد كدا.
تقدم “إسماعيل” للأمام مسافة قصيرة وهو يقول بثقةٍ:
_أنتَ مال أمك؟.
ضحك الأخر له ثم هتف بثباتٍ لم يتزعزع من محلهِ:
_إزاي بقى؟ طب دا كل دا مالي ونص كمان، الهبة الجميلة اللي عندك دي أنا أقدر أحقق كتير بيها، حتى أنتَ مش قادر تتعامل معها علشان مش مقدر حجم الكنز اللي عندك.
هتف “إسماعيل” من جديد متابعًا:
_برضه مال أمك؟ كنت اشتكيت ليك؟.
قرر الأخر أن يلعب على أوتار حساسة يعلم أنها تُجيد العزف بداخل قلبهِ:
_بس جامدة برضه “ضُـحى”، طلع ذوقك عالي.
هنا حقًا قد يفتك به دون أي تعقل لكنه راعى الحصانة التي يتمتع بها أو لربما قد تكون خطة منه حتى يضغط عليه، لذا استعاد ثباته وهو يهتف بوقاحةٍ مستلذًا بردهِ عليه:
_أكيد مش هتيجي أجمد من أمك، إلا قولي صحيح، هي اللي تجيب راجل زيك حلو كدا ويفتح النفس، كانت عمل إزاي؟ أكيد كانت حتة جامدة.
طالع الأخر ساعته متجاهلًا الرد عليه ثم هتف ببرودٍ قبل الرحيل:
_أبقى أعزمني على الخطوبة لو تمت بقى.
أبتسم له “إسماعيل” باستفزازٍ وهو يقول:
_يارتني كنت شوفت أمك كنت خطبتها هي على الأقل استحمل رخامتك من باب إني جوز أمك.
رحل “ماكسيم” من أمامه تمامًا وكأنه تعمد الظهور أمامه في هذا التوقيت متعمدًا ذلك لإفساد حالته النفسية وتعكير صفوه، لذا زفر “إسماعيل” بقوةٍ ثم وقف أمام الديكورات المُبهرة يتطلع إليها وهو يتذكر هيئتها أثناء التصوير هنا حينما أتت برفقة صديقاتها.
__________________________________
<“رحيل بدون عودة، والعودة بدون رحيل”>
جلس في سيارتهِ وهي تجاوره !!
نعم هي بجواره تذهب إلى المطار بعدما تم طلبها ضروريًا في عملها، ستذهب إلى هناك عن طريق إستراحة من خلال طائرة أخرى تأخذ راحة في البلد المطلوب منها الذهاب إليه، حدثت الأمور سريعًا وتطوع “سـراج” لنقلها إلى المطار، كانت متخبطة وخائفة خاصةً أن أمر السفر أتى فجأةً، كارثة في مكان عملها كطبيبة نباتات ومتخصصة في أقسام الزراعة.
تابعها بعينيهِ لوهلةٍ ثم فتح المذياع بداخل سيارته لكي يشق الصمت المطبق عليهما، فهي حتى لو بأحلامها لم تتخيل أن يكون هو رفيق المشوار لعند المطار، أما هو فتعجب من الدنيا التي وضعته في هذا الموقف حتى يتوجب عليه أن يرافقها في الرحيل؟ وصلهما صوت الكلمات الآتية:
_مين فينا أختار…
بين جنة حب وكسرة قلب ونار
مين فينا بكيفه واخد في العشق قرار؟
وكأن القلب نصيبه يبات محتار.
نظرت له بعينين ترقرق بهما الدمع، بدا أمامها كأنه يقصد هذه الأغنية تحديدًا أما هو فلم يختلف حاله عنها بل تطلع إليها بغير تصديق لتكتمل الأغنية من جديد:
_أيام وتفوت بين فُرقة وغُربة حُب
آهات ووعود وطريق مقفول على العشاق مسدود
ووجع في القلب بقاله سنين موجود…
مين فينا مرتاح؟
اللي مستني حبيب كان فاته وراح،
واللي بيحاول غيره يداري جراح،
واللي قافل على قلبه بـ ١٠٠ مفتاح.
حركت “نـور” رأسها للجهة الأخرى تضع رأسها على النافذة بعدما أغمضت جفونها، لتصل الكلمات الآتية ليها:
_وادينا عايشين،
بنحب يومين ونعيش على قصتنا سنين،
وندور على حبايبنا في وشوش تانيين،
ويا عالم بيدور علينا مين؟
وادينا عايشين
بنحب يومين ونعيش على قصتنا سنين.
قام “سـراج” بإطفاء المذياع سريعًا مما جعلها تضحك رغمًا عنها وقد ضحك هو الأخر وشقت البسمة وجهه على هذا الموقف، كانت الضحكات مختلطة بين الوجع والحزن والفراق، ضحكات مُشفقة على حال قلوبٍ تتألم.
أوقف السيارة عن جراج السيارات بالمطار ليترجل أولًا منها ثم أنزل حقائبها يحملها لها وهي تقف عاجزة عن أي فعلٍ، لولا العمل لكانت أخبرت الجميع بسحب فكرة السفر من عقلها، لكن الأمور هناك تتوقف على حضورها، لذا ستذهب على كلٍ، أقترب منها يضع الحقائب بجوارها وهو يقول بنبرةٍ رخيمة:
_خلي بالك من نفسك يا “نـور”.
حركت رأسها موافقةً ثم هتفت بنبرةٍ انذرت بالبكاء:
_وأنتَ كمان وخلي بالك من “جـودي” لو سألتك قولها أني رايحة امتحن وهرجع تاني علشان هي متزعلش، وشكرًا على كل حاجة من أول إنك لحقت بابا، جميلك في رقبتي.
ابتسم لها بوجعٍ ثم هتف مؤكدًا لها:
_والدك في عيني متقلقيش.
رفرفت بأهدابها وحركت بؤبؤيها حتى تخفي دموعها لتجده يسألها بنبرةٍ مُحبطة تمامًا أو ربما مكسورة كليًا:
_”نــور” هو كدا خلاص صح؟.
وقفت أمامه حائرة ونزلت دموعها أخيرًا وهي تحرك منكبيها بحيرةٍ أكبر ليزفر هو مطولًا حتى وجدها تمسك الحقيبة لتدخل باب المطار بعدما ودعته بكفها وعينيها، التفتت توليه ظهرها أخيرًا بوضعٍ ينافي قلبها الذي يخبرها أن تذهب إليه وتضرب كل شيءٍ بعرض الحائط، سارت تقدم قدمًا وتؤجل الأخرى لتلتفت إليه مرة أخرى تطالعه بعينيها، حتى وإن لم ينطق هو ولم ينادي عليها هي ستفعلها وتودعه ثانيةً.
وجدته يقف مرتخي الأعصاب وقد أسبل عينيه للأسفل بشكلٍ جعلها تتعجب من وقوفه أمامها مثل التمثال بدون روحٍ، وجدته متخشبًا بصورةٍ ملحوظة حتى رآته يخر راكعًا على ركتبيه بجسدٍ مرتخي مما جعل عينيها تتسع وهي تركض نحوه بصراخٍ، لتجد الدماء ظهرت من ظهره الذي ظهر به مكان العيار الناري، وحينها صرخت باسمه من جديد تتوسله بقولها:
_”ســـراج” !! علشان خاطري لأ، لأ والنبي يا “سـراج” علشان خاطري لأ….طب إيه دا ؟؟ مالك.
تنفس بتقطعٍ وهو يحاول أو يحارب لأجل التحدث وهو يقول بأنفاسٍ متقطعة وشهقاتٍ ممزقة:
_متز…متعزليش مني…. سامحيني..
صرخت وهي تضم رأسه لجسدها ليضيف بآخر حروف نطقها بعدما حارب لأجل التحدث من جديد:
_جـ….”جــودي” يا….”جودي” يا “نـ..ور”، سامحيني.
أخر ما لفظه قبل أن يغمض عينيه تمامًا وهي تصرخ باسمه أثناء ضمتها لرأسهِ بين أحضانها، لم تصدق أن يكون الوادع بهذه الطريقة، استمرت في الصراخ والبكاء باسمه حتى أوشكت حبالها الصوتية على التقطع تمامًا، حتى بدأت الناس تقترب منها نتيجة صراخها والدماء التي سالت منه وظهرت على الأرض، كان الوداع موجعًا، والرحيل مولمًا، والآن رحيل بدون عودة.
_____________________

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية غوثهم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى