روايات

رواية غناء الروح الفصل الخامس 5 بقلم زيزي محمد

رواية غناء الروح الفصل الخامس 5 بقلم زيزي محمد

رواية غناء الروح البارت الخامس

رواية غناء الروح الجزء الخامس

رواية غناء الروح
رواية غناء الروح

رواية غناء الروح الحلقة الخامسة

انتهت ” ليالي” من وضع أشيائها في حقيبتها الكبيرة، ثم قامت بإغلاقها جيدًا قبل أن ترتدي سترتها العلوية، والعزم داخلها يشتد للفرار من براثن يزن الشعراوي قبل أن يصل إليها، فردد عقلها ساخرًا أن حماس البدايات المليء بالانتصارات قد اختفى سريعًا حين أطرقت النهاية مطرقتها الحادة لتسحق ما كانت تتمناه.
نظرت من نافذتها الكبيرة للسماء بلونها الصافي معلنة عن صباح مشرق إلا أن مزاجها يشوبه غيوم الخوف والقلق مما هو قادم، سرق رنين جرس الباب المتواصل انتباهها، فجرت حقيبتها الكبيرة خلفها بهدوء كي لا توقظ والدتها وأخيها، فتحت الباب بوجه عكر ولكنها فوجئت بيزن أمامها وابتسامة ساخرة سوداء تتعلق بفمه، تلفظت دون وعي وكأنها غير مصدقة ما تراه بعينيها:
-أيه؟
وضع يداه فوق الباب يدفعه قليلاً، يغلق عليها أي محاولة للفرار من أمامه وهو يردف بتهكم لاذع:
-النور جيه.
ارتجف صوتها وهي تتراجع خطوة وكأن وعيها سقط في بئر الخوف:
-يـ….يزن آآآننت..
-اهدي يا بيبي أيه اتخضيتي ليه كده؟
صوته الهادئ بلمحته الساخرة ضاعفت من توجسها، فتوقف عقلها عن التفكير:
-أنت أكيد فاهم غلط…
بتر حديثها وهو يهز رأسه بنفي بينما ملامحه اشتدت بقساوة غير معهودة منه:
-لا أنا مابفهمش غلط، طول عمري بفهم صح ونظرتي صح، من أول ما شوفتك يا ليالي وأنا قولت اكيد فيكي حاجة غلط، بس طلعتي اوقح من ما كنت اتخيل.
نجح في استفزازها فصاحت بتبجح:
-أنا ماسمحش تكلمني كده.
اخشوشنت نبرته بينما كانت عيناه تزجها بسجون الغضب والقسوة:
-تسمحيلي! هو انتي ليكي عين تسمحي ولا ماتسمحيش، ده انتي عديتي ليفل البجاحة ووصلتي للوقاحة.
تراجعت عن خطاها وحاولت امتصاص غضبه، بإظهار أنوثتها ورقتها معتقدة أنها بذلك ستبدد غضبه فهتفت برجاء يغمره الدلال:
-طيب عشان خاطري وطي صوتك وتعال معايا أي كافية نتكلم بالهدوء.
رفع أحد حاجبيه متعجبًا والتهديد المنبعث من مقلتيه يضرب ظنونها في مقتل:
-طيب ما أنا هادي اهو، أيه شوفتيني رزعتك قلمين طيروكي من قدامي.
انهارت أساليبها الانثوية سريعًا قبل أن تصل لمرادها وخاصةً حين اندفعت بشراسة مصبوغة بالتحذير:
-ماتقدرش تلمسني، أنا اقدر اطلبلك الشرطة…
ترهيبها لم يجدِ بنفع بل انقلب السحر على الساحر وأمسك العصاة يجلدها بقساوة جعلتها تلتزم الصمت لفترة:
-الشرطة دي أنا لو عايز اجيبها فهجيبها لواحدة مزورة بترمي بلاها على الناس، أو مثلاً لأخوكي المدمن الصايع اللي خلاكي تعملي ده كله.
مط شفتيه بملل حين غرقت في بحور الصمت، فأشعل استفزازها أكثر حين صرح باستهزاء:
-أيه اتصدمتي، البنات صحابك طلعوا بيحبوكي اوي وحكولي كل حاجة.
انتشلت أخيرًا من صمتها وأردفت بنفاذ صبر:
-ولما هما قالولك كل حاجة؟ جاي تعمل أيه؟
-اخد حقي؟
رد ببساطة أدهشتها، فتصنعت عدم الفهم:
-حقك؟! أيه هتضربني؟!
-لا أنا مابضربش بنات مابخدش حقي من بنت وخصوصا لو واحدة زيك ماتسواش حاجة.
قساوة رده جعلها تردف بغرور بعدما تعمد تحقيرها:
-غريبة مع إن ده مكنش كلامك لما شوفتني.
أعجبه لمحه الغرور الزائف المحتلة حدقتيها، فشعر بحاجته دهس كرامتها أكثر، اقترب خطوة أخرى واستكمل حديثه بهمس لاذع:
-وكملت معاكي ولا خلعت مش بقولك نظرتي فيك كانت في محلها، بيئة ماتناسبش بيئتي، كنت شايف فيكي وقحة صغيرة، بس الصراحة فاجئتيني وطلعتي…
صمت للحظة يمنع وصفها غير اللائق الذي انبثق بعقله فجأة، فقال بمكر مقصود:
-الوصف اللي هقوله ممكن يزعلك أكتر ما أنتي زعلانة.
لن تتحمل تحقيره لها أكثر من ذلك، فأعلنت عن استسلامها سريعًا بقولها الذي خرج بصعوبة منها:
-طيب خلاص أنا بتأسفلك وصدقني أنا مش هاجي جنبك تاني.
تأرجحت ملامحه من فوق جبل الهدوء الوهمي، ليسقط في بحر هائج بنبرة صوته الغاضبة:
-لاانتي ماتقدريش تيجي جنبي، هو انتي فاكرة أنا جاي اترجاكي انتي عبيطة ولا نسيتي نفسك، أنا يزن الشعراوي فوقي.
صاح “مصطفى” من خلفها بخشونة مخلوطة باهتزاز بسيط نتيجة لِمَ يتعاطاه:
-امال جاي ليه؟ مشرفنا بوجودك ليه لغاية البيت!
ضحك ضحكات ساخرة وهو يفتح ذراعيه مرحبًا بوجود مصطفى وكلماته المتهكمة تندفع من فوهة فمه كالقنابل:
-اهلاً بخبيتها، اهلاً بالمدمن، اللي بيبع اخته عشان مزاجه، بس الكلب ده محسبهاش صح، مقالكيش أن عيلة الشعراوي مابيدخلش عليها الحركات الخايبة دي.
كانت انفعالاته شحيحة للغاية نتيجة حاجته الشديدة لجرعته، فاضطر للاستخدام نفس أسلوب يزن الساخر:
-ولما هي مدخلتش عليك عايز أيه؟!
ابعد يزن “ليالي” عن طريقه بلمسه يتخللها الاستحقار، قبل أن يندفع نحو أخيها بهجوم ضاري لم يتوقعه مصطفى قط:
-اخد حقي منك، اختك ماتلمزنيش دي ورقة محروقة، أما أنت لازم امسح اسمي من ذاكرتك خالص.
كانت معركة شبه محسومة لطرف يزن، فمالت كفة الميزان نحو يزن بجسده القوي والرياضي، حيث نجح في تسديد اللكمات والضربات العنيفة لمصطفى، أما الأخر ترنح وحاول الابتعاد بقدر الإمكان عن يزن، لكنه فشل ووقع في عرين الأسد، مستسلمًا له وكأنه ينتظر الموت، وفي اعتقاده أن الموت بتلك الطريقة ما هو إلا مجرد موت رحيم يختلف عن النهاية القاسية التي ينتظرها في أي وقت بسبب ادمانه.
انتبه يزن ليد “ليالي” الموضوعة فوق كتفه تحاول إيقافه، أما عن والدتها فاحتضنت ابنها بخوف تصرخ باكية عما أصابه نتيجة لعنف يزن معه.
-يزن لو سمحت كفاية، كفاية.
-احنا ممكن نطلبلك الشرطة.
هتفت والدتها بشراسة وحقد انبثق من عينيها، فعدل يزن من قميصه وخصلات شعره، بينما صوته جاهد الهياج المفرط الذي تلبسه فخرج بنبرة غير مبالية:
-ما تطلبوها أنا عايزكم تطلبوها، اقولكم أنا قاعدلكم هنا اعمليلي شاي لغاية ماتيجي.
ثم جلس فوق أحد الكراسي، يضع ساق فوق الأخرى بغرور أدهش والدة ليالي واستفز الأخرى كثيرًا، أما مصطفى اكتفى بنظرات الغل والكره عما ناله على يد يزن:
-امال انتوا فاكرين أيه، مافكرتيش أن هجيبك انتي وعيلتك ولو روحتوا فين!
جاهدت والدة ليالي كظم غيظها، فهتفت بنبرة منكسرة عكس الضجيج المكتسح لساحة مشاعرها من غل وحقد ليزن المتابع ردود أفعالها باهتمام:
-خلاص احنا أسفين وصدقني محدش من ليالي ومصطفي هيفكر فيك.
لم يظهر شفقته بل زاد في جلدهم بسوط لسانه الحاد:
-لا بالعكس أنا عايزهم يفكروا فيا ويفتكروا اللي عملتهم فيه ويفتكروا انهم ماقدروش ينفذوا خطتهم الخايبة.
لم يعطِ فرصة لأحد بالرد ونهض ينهي حديثه الناري بنصيحة مغموسة بالسخرية لوالدة ليالي المستشيطة بغضب:
-حافظي على سمعة بنتك شوية يا حجة وسيبك من سهراتك، ربيها شوية ينوبك ثواب.
قالها وغادر الشقة متبخترًا كالملك، وابتسامة النصر تتدلى من حافة شفتيه، بينما مزاجه قد رُفع عنه وشاح الغضب، متناسيًا تمامًا ما فعلته ليالي بحقه دون محاولته إثبات براءته أمام أخويه، فآخر همه محاولة كسب تعاطفهما معه!
*****
في منزل سيرا كانت الأجواء مختلفة هذا الصباح، بداية من بحثها عن الجبن المفضل إليها مرورًا بمشاكستها لأطفال فريال وشاهندا، متعمدة تحذيرهم بعدم المساس بطعامها مرة أخرى، وصولاً بوجود “أبلة حكمت” وتوبيخها لسيرا بتعمد حين لمحت القلادة الذهبية الخاصة بها تقع أرضاً، فصاحت بغيظ:
-والله انتي حرام تلبسي دهب.
وضعت “شاهندا” الاطباق فوق المائدة الكبيرة، وهي تعلق ساخرة:
-ليه يا أبلة حكمت، لما سيرا متلبسش دهب مين يلبس!
-ربنا يديكي يا اختي.
رمقتها “أبلة حكمت” بضيق قبل أن توجه حديثها لسيرا المتابعة لحديثهما:
-السلسلة دي هتقع منك، ماتلبيسهاش تاني.
وضعتها “سيرا” حول عنقها وهي تبتسم باستفزاز:
-ماتخافيش يا ابلة، هحافظ عليها، يعني هي هتضيع مني بعد السنين دي كلها.
ضيقت “حكمت” عيناها بغيظ، وهي تسألها:
-انتي بتعايرني يا سيرا، ده أنا…
تراجعت سيرا سريعًا وهي تجلس بجانبها تحاول مراضاتها:
-اعايرك ايه بس يا أبلة حكمت هو أنا ماعرفش أن كان عندك دهب يوزن ايدك دي وايدك دي وأنتي عشان بنت أصول بعتيهم لعمو “صافي” عشان يشتري شقة في التجمع.
استكملت ” ابلة حكمت ” الحديث بفخر:
-وانقل لمستوى أحسن أنا وولادي، مافضلش كده محلك سر.
مالت شاهندا نحو فريال تهمس لها بضحك:
-اقسم بالله تلاقي صافي جوزها هيتجوز في الشقة دي.
-مايقدرش دي ممضياه على وصل أمانة.
توسعت أعين “شاهندا” بصدمة بالغة وهي تهمس بعدم تصديق:
-احلفي بجد عملت كده.
اكدت فريال بهمس:
-اه والله ماما قالتلي وحلفتني ماقولش لحد.
وضعت شاهندا يدها فوق فمها وهي تهمس بسخرية:
-وأنا اللي كنت بفكر استلف منها خمس آلاف جنية.
-اوعي دي تمضيكي تبيعي كليتك قبل ما تديهملك.
-بتقولي ايه يا شاهندا انتي وفريال بصوت واطي.
صدح صوت ” ابلة حكمت” بتبرم تسألهما بفضول، فمالت سيرا نحوها بشقاوة:
-تلاقيهم بيحسبوا الدهب اللي بعتيه لعمو صافي يعمل كام.
توسعت أعين “أبلة حكمت” بخوف متمتمه بخفوت:
-يالهوي الله أكبر من عينيهم، هيحسدوني وأنا غلبانة.
-أنتي هتستكيلهم يا ابلة حكمت ماتسيبهمش مع بعض وممكن كريمة تتلم عليهم ويعملوا عليكي حزب، وتلاتة على واحد حرام.
نهضت ” أبلة حكمت” سريعًا تنضم لفريال وشاهندا اللاتي حاولا الفرار منها، كي لا ينشب شجار بينهم بينما تسللت “سيرا” كاللصة بعدما أضرمت شرارة الحرب بينهم، ارتدت حذائها الرياضي قبل أن تخرج من بناية منزلها، ثم خرجت للطريق تردف بحماس طفولي:
-هربت منيهم.
بعد دقائق صعدت الحافلة الكبيرة واتخذت من مقعد بالخلف مكانًا لها، أجرت عدة اتصالات بصديقاتها من بينهم “فاطمة” وأوصتها بالتحدث مع يزن بطل حديثهما الليلي الفترة الأخيرة، ومن بعدها حاولت الاتصال بحورية وكالعادة وجدته مغلق.
تركت الحافلة وعيناها تستعد لخوض رحلة صباحية للبحث عنه بمحيط المنطقة في لمحة سريعة وصفتها بالخبيثة بسرها ولكن اصابها الإحباط حين لم تجده موجود بالخارج أمام معرضه، فأردفت بخفوت:
-لمي نفسك يا سيرا يا قليلة الأدب، بدوري على مين؟
رفعت أنفها بشموخ وهي تخطو خطوات واسعة نحو البرج الذي يقبع به المركز الرياضي، ولم تلاحظ أن قلادتها الذهبية سقطت أرضًا.
على الجانب الطريق الأخر كان يزن يقف داخل معرضه يتابع الطريق وهو يتحدث بالهاتف مع نوح يُملي عليه ما حدث معه في منزل ليالي، جذب انظاره الشيء الذي سقط منها ولم يحدد ماهيته، فأغلق الاتصال مع صديقه وتوجه لموقع ذلك الشيء ولكنه قد سبقه طفل صغير حين أمسك قلادتها يقلبها بين يديه وعندما لاحظ وقوف يزن أمامه سأله ببراءة:
-دهب دي يا عمو؟
لمح يزن اسمها الموضوع في إطار ذهبي يتدلى من القلادة فابتسم بعبث وهو يقول:
-اه دي بتاعتي يا حبيبي هاتها.
تمسك بها الطفل وبان بعينيه الشراسة للدفاع عن أحقيته بها:
-انت اسمك سيرا يا عمو؟
-لا يا لمض، اسمي يزن، بس دي تخصني، هاتها ياض.
حاول أن يأخذها منه ولكن الطفل تشبث بها بعند:
-لا ماتخصكش، انت عايز تسرقها مني، وفاكرني اهبل.
اندهش يزن منه فقال بغيظ:
-انت طفل ياض، انت اكيد واحد كبير متخفي في جسم عيل صغير، هاتها عشان أنا ممكن اشدها منك واطلع اجري.
رمقه الطفل بنظرة يغمرها السخرية فظهر كأنه شاب كبير وهو يردد الكلمات بدهاء لم يناسب عمره:
-انت اكيد جواك حرامي في جسم واحد كبير.
اخشوشنت نبرة يزن، وازداد اتساع عينيه كتعبير بسيط منه لتخويف ذلك المتمرد:
-لا أنا جوايا مجرم صغير، وممكن اخطفك دلوقتي لو مجبتهاش.
عادت إمارات البراءة تحتل ملامحه فسأله ببعض من الخوف:
-هتخطفني؟!
اكمل يزن طريق التهديد الذي سلكه محاولاً اقتناص القلادة منه بأي شكل حتى لو اخترق قوانين الطفولة ببعض الحيل:
-مش بس كده، ده أنا ممكن اوديك مكان….
قدمها له الطفل باستسلام وهو يرجوه بنبرة اوشكت على البكاء:
-خلاص يا عمو، ماتخطفنيش عشان خاطري، خدها اهي.
القاها بين يدي يزن ثم ركب بساط الهروب سريعًا مبتعدًا عن دائرة يزن بكل إمكانياته، بينما أردف يزن بخفوت والعبث يرسم خطوطه فوق صفحات وجهه:
-خد تعال، طيب اوريك هاخدك فين…
وضع القلادة بجيب سرواله، وهو يهز رأسه بتسلية:
-غبي كنت هفرجه على العربيات عندي.
*****
ظلت “يسر” في فراشها مفتقدة لحماسها، ولأي نشاط كانت ستُقدم عليه في هذا الصباح، سامحة لذكرياتها البائسة باكتساح ذهنها المشتعل بغضب وغيرة، غير قادرة على تخطي كلماته وأفعاله معها، فراح عقلها ينير لها طريق الانفصال عنه، كي تنقذ ما تبقى من شبابها، بعد أن سقطت في غيابة جب مظلم وتحولت من فتاة مُشعة بالحيوية للأخرى عجوز يغمرها العجز والقهر، فهمست بشرود ونبرتها الشبه باكية تصدح في الأجواء:
-كان عقلي فين وأنا بوافق، ما كان زماني متجوزة حد غيره ومفيش حاجة مضايقني.
-نصيبك بقى، تتجوزيني واعكنن عليكي.
انتفضت بفزع حين لاحظت وجوده بالغرفة، فردت بحنق:
-انت جيت امتى؟
-من وقت ما كنتي بتتمني حد غيري.
أجابها بنبرة قاسية يتدلى من حافتها غيرة محترقة لم تشعر بها هي من فرط غضبها منه:
-أنا مابتمناش حد غيرك يا دكتور نوح، أنا محترمة ومش زيك.
توسعت عيناه بوميض متأجج على وقاحتها معه، فسارعت بتوضيح مقصدها:
-آآ…قصدي يعني، عيني مش فارغة زيك.
رفع حاجبيه باستنكار ناري، فصاحت بسخط:
-يوووه، مش قصدي كده بردو، أنا قصدي إن أنا محترمة وبس.
عرقل وقاحة كلماته على طرف لسانه وغير ما كان ينوي يُسمعها إياه:
-ماشي يا محترمة، حافظي على كلامك معايا شوية، عشان أنا لصبري حدود.
-ماتهددنيش.
قالتها بتحذير طفيف، فتجاهلها وتعمد إغاظتها كعادته، حيث انتقل لخزانته ينتقي ثيابه بعناية، وصدر منه نغمة بسيطة تدل عن مزاجه الجيد، وضعت يدها أسفل ذقنها وهي تتابعه يُبدل ثيابه ثم وهو يضع عطره بغزارة:
-رايح تقابل مين؟ أكيد حد مهم في حياتك عشان تتجهز اوي كده؟!
كانت نبرتها هادئة أو ربما تخفت بثوب الهدوء الزائف، فأجاب بهدوء مماثل وهو ينظر لنفسه بالمرآة:
-صح، رايح أقابل دكتورة نيللي شريكتي في المعمل.
جذبت نفس عميق قبل أن تردف برُعونة:
-تصدق يا نوح، اوقات بتصعب عليا بجد.
أثارت استفزازه، فاستدار إليها وقرر الذهاب لحيث تجلس فوق الفراش وجلس أمامه يسألها بغلاظة:
-بصعب عليكي ليه؟! اشجيني.
هزت كتفيها وقررت اضطرام لهيب غضبه:
-يعني من اللي مريت بيه في حياتك، فأكيد سببلك مرض نفسي جواك، خلاك نفسك تحس باهتمام البنات بيك، لدرجة إنك دايمًا نفسك تتجوز تاني وكأن الجوازة التانية هي الحل لمرضك ده، بس الحقيقة هي مجرد مسكن بس، لكن أنت هتفضل زي ما أنت، بتعاني وبس.
فشل في إنقاذ نفسه من بحر غضبه الهائج بأمواجه العاتية، حين لمست تلك الحمقاء سفينة هدوئه وقامت بخرقها بكل رعونة، فهتف بتوعد حقيقي:
-طيب وحياة أمي يا يسر لأتجوز عليكي فعلاً سواء برضاكي أو غصب عني.
أخفت انفعالها خلف ستار الهدوء واكتفت بإلقاء نظرة مشفقة نحوه وهو يغادر الغرفة، تاركًا إياها تنفعل بضراوة وكالعادة صاحبها البكاء الحار.
*****
زفرت بقوة وهي تتمم على محتويات حقيبتها بعد انتهاء عملها، استعدت للخروج وبحركة تلقائية وضعت يدها حول عنقها تثبت طرف حجابها ولكنها لم تجد القلادة، فلمست جانبي عنقها تتأكد من وجودها، وعندها وجدت عنقها يصرح بفقدانه لقلادتها، صاحت بذعر شديد:
-يالهوي السلسلة، السلسلة راحت فين؟!
تساءل العاملين بالمركز عن سبب ذعرها وصياحها، وعندما أخبرتهم، اندفع الجميع يبحث معها حتى زوار المركز انشغلوا بالبحث في كل أرجاء المكان، وبعد عدة دقائق طويلة لم يتوصلوا بها لشيء فهتف أحدهم:
-ممكن تلاقيها وقعت منك في الشارع، لأني بعت ام محمد تدور في الأسانسير ومدخل البرج مش موجود فيه حاجة.
أصيب بالإحباط وهي تمتم بحزن كبير:
-ماشي خلاص.
لململت أشيائها المبعثرة مرة أخرى وتركت البرج بوجه تعيس للغاية، ولكن انبثق أمل بسيط داخلها يدفعها للبحث في الطريق علها تجدها، فصارت تتحرك هنا وهناك وتنظر بوجوه الواقفين بالطريق تستكشف بهم أيهم وجد قلادتها واتخذها سرًا، جذب انتباهها صوته الرجولي المتسائل بقلق بالغ أو ربما أوهمها بذلك:
-بدوري على أيه؟
أشارت إليه بالابتعاد والضيق يغزو ملامحها الجميلة:
-اوعى كده، ثانية، يا نهار أبيض، هتكون راحت فين بس.
تظاهر بعدم الفهم وأصر على وجوده معها رغم شظايا الحنق المتناثر منها:
-طيب ما تقوليلي وادور معاكي.
هتفت شزرًا:
-حاجة تخصني!
مالت شفتيه لبسمة ساخرة وهو يقول:
-ايوه ما أنا عارف إنها تخصك، امال هتدوري عليها ليه طالما ماتخصكيش!
زفرت بضيق، فقال بهدوء ينافي حاجته للضحك:
-ماتنفخيش، أنا بعرض مساعدتي، وبسألك سؤال بريء بدوري على أيه؟!
تبرمت وهي تجيبه على إصراره غير المبرر لها:
-على سلسلة دهب عليها اسمي.
تظاهر بالجدية حين استعلم منها عن سبب بحثها المتواصل:
-والسلسلة دي وقعت هنا؟
ضحكت ضحكة قاتمة يتخللها بعض من الاستنكار، ولكنها سرعان ما صححت نهجها بعدما أدركت وقاحة ما تُقدم عليه:
-لا كانت نازلة تتمشى هنا شوية، ايوه طبعًا أنا متأكدة كنت لابسها وأنا نازلة من الباص، وقلبت الجيم فوق مالقتهاش، يبقى وقعت في الشارع، صح؟
-ممكن بس دي حاجة بسيطة يعني، مش مستهلة العصبية دي كلها.
أشعل فتيل غضبها من جديد فاستنكرت قائلة:
-انت عارف جرام الدهب عامل كام دلوقتي؟!
نظر لها مطولاً ولم يتوقع إجابتها قط وبراءة ردود أفعالها معه، فلم يجد منها تصنع مثل باقي الفتيات ولا رقة متناهية تستفزه، طالت نظراته ولم يشعر بمرور الثواني، شعرت بالخجل الشديد والتي حاولت إظهاره على هيئة عصبية:
-أنا بسألك ليه، اوعى كده ادور براحتي.
-ما الشارع واسع يا بنتي وبعدين دي سلسلة دهب أكيد هتبان يعني لو موجودة فيه.
لمعت عيناه ببسمة ساخرة، مما الهب نيران استفزاها خاصةً بعد برود نبرته، فخرجت بعض الكلمات الخافتة منها بعبوس:
-هي بوز أبلة حكمت بصتلي فيها، ربنا يسامحها.
انعقد حاجبيه وتساءل بفضول:
-أبلة حكمت مين؟!
كانت ستجيبه ولكنها الجمت اجابتها التي كانت سترضي فضوله، وأجابت بأخرى يملأها الضيق:
-آآ…وانت مالك الله.
تظاهر بالانزعاج وهو يقول بشقاوته المعهودة:
-انت خُلقك ضيق اوي يا يسرا.
رفعت إصبعها في وجهه تحذره بانفعال ضاري:
-بقولك أيه ماتقوليش يسرا دي أنا عفاريت الدنيا بتتنطط في وشي.
أبعد يدها من أمامه وهو يقول بحنق زائف:
-لا لو على الصباع أنا كمان عندي صوابع كتير اوي، مايغركش الجنتلة اللي أنا فيها.
صاحت بنبرة منفعلة معترضة على حديثه:
-جنتلة؟! انت كده جنتل يعني وانت بتعطلني.
-طيب ما أنا عرضت اساعدك وانتي رفضتي.
انفلت لجام صبرها وهي تقول:
-تساعدني ازاي بقى؟! هو انت سايبني ادور حتى.
لا زالت تتحرك بحركات عشوائية تبحث هنا وهناك وهو يدور خلفها يحاول إقناعها بما يريده:
-لا حول ولا قوة الا بالله، ما الشارع انضف من حياتنا اهو، بصي أنا هانشر خبر إن في حاجة دهب ضاعت تخصني واللي هيلاقيها اكيد هيجبهالي، خلي بالك أنا مسيطر هنا.
-والله ما باين عليك أي سيطرة.
هدمت غروره بنظرة استهزاء لم تعجبه، فقال بخشونة مقصودة:
-تحبي اولعلك في المنطقة كلها عشان تصدقيني، وبعدين يعني ده جزاتي إن شايل همك.
كتمت ضحكتها بصعوبة بالغة، واضطرت لقبول عرضه عندما انحدرت آمالها في إيجاد قلادتها في قاع الفقدان:
-لا كتر خيرك، طيب أنا بكرة اجازة من الجيم…
قاطع حديثها حين نال مراده وقال بنبرة عادية هادئة:
-هاتي رقم تليفونك وأنا هتصل عليكي لو حد لاقاها.
رفضت رفض قاطع وهي تخرج هاتفها من حقيبتها:
-لا أنا مابديش رقمي لحد، هات رقمك انت.
انعقد حاجبيه ساخرًا:
-ودي تفرق في أيه؟!
أجابت بصدق يشوبه بعض التهكم الطفيف:
-تفرق أني ليا مصلحة فبتصل عشانها، لكن انت بقى تقعد تتصل وتقولي بندور عليها وحركات الشباب دي، خلي بالك أنا صاحية ومركزة اوي.
ضيق عينيه متظاهرًا بالإعجاب نحوها، ولم يمنع ابتسامته الساخرة في الظهور فوق شفتيه:
-اه يا لئيمة، أبهرتيني.
عدلت حجابها وهي تنظر له بغرور، بينما هو ضحك على مظهرها فبدت كالطفلة حين يمدحها أحدهم، ولم تنهي فقرة اندهاشه بها عند هذا الحد، فقالت بنبرة متكبرة:
-ومتخافش أنا بتصل دايمًا في اوقات مناسبة يعني.
اعطاها الهاتف بعدما سجل رقمه، وكان سيحاول استقطابها بحديث آخر، فالتحدث معها له لذه أخرى يحاول استكشاف ماهيتها، ولكن وجود زيدان المفاجئ لهما جعلها تنهي الحديث معه بتوصية غريبة:
-ماتنساش بقى تنشر الخبر، وحافظ عليها، سلام يا استاذ يزن.
ردودها العبثية جعلت من ابتسامته تتسع تلقائيًا وهو يشير إليها بالوداع، فخلع زيدان نظاراته الشمسية متسائلاً بفضول:
-مين دي يا يزن؟!
أجاب بشرود يغمره الإعجاب:
-دي أكتر واحدة عبثية شوفتها في حياتي.
أطلق زيدان صفيره بشقاوة:
-يا سلام يا عم.
انتبه يزن أخيرًا واستطاع إبعاد نظره عن أثرها، فقال بنبرة خشنة:
-جاي ليه؟!
-اطمن عليك.
أجاب زيدان ببساطة، فضحك يزن باستنكار:
-لا كتر خيرك يا باشا، اطمنوا أنا أحسن منكم.
ثم تركه وتوجه نحو معرضه، فخطى زيدان خلفه خطوات واسعه يسعى لإيقافه، يحاول أن يسترضيه:
-اهدى يا يزن، انت بقيت قماص اوي يا جدع.
دخل يزن معرضه ثم التفت واعترض دخوله مبتسمًا باستفزاز:
-لا بالسلامة أنت بقى، هنسيق المعرض، مش فاضيين.
ثم أغلق الباب الزجاجي في وجه زيدان، مما جعل من زيدان عبارة عن كرة مشتعلة، فأجرى اتصالاً سريعًا ينفث من خلاله غضبه:
-اقسم بالله يا سليم لو قولتلي أروح اطمن على الكلب ده ما يحصل أبدًا، الكلب قفل في وشي باب المعرض.
****
في المساء وبعد ذهاب العاملين من المعرض، ظل يزن وحده يعبث بهاتفه والملل يهاجم وحدته من حين لآخر، حتى ظهر سليم بغروره المعتاد وهو يدلف للمعرض، فاعتدل يزن بجلسته وأبقى نفسه على صمته دون أن يرحب بوجود أخيه كعادته.
فجلس سليم فوق كرسي كبير واضعًا ساق فوق الأخرى والاستهجان ينطلق في سباق كلماته:
-أيه هتطردني زي ما طردت اخوك؟!
حمحم يزن بخشونة قبل أن يجيب:
-ماقدرش.
رفع حاجبيه معًا ووبخه بشراسة:
-وقدرت تعملها مع زيدان عادي.
ابتلع ريقه بعد أن جف حلقه، ولم يستطع منع انفعاله، فقال بعصبية طفيفة:
-انت جاي تهزقني عشان خاطره؟
-وماله هو مش اخويا.
هتف بوقاحة:
-لا علشان بيطبلك بس الأيام دي وبيحاول يكسب رضاك.
-انت اتجننت ازاي تكلمني كده؟!
انفعل سليم بقسوة، ونوى أن يغادر المكان، إلا أن يزن سارع باعتذاره وأجلسه مرة أخرى:
-خلاص حقك عليا، اعتبرها زلة لسان يا سليم، ماتزعلش.
أبعد سليم يده بضيق واضح وهو يعاتبه:
-واللي قولته امبارح ده أيه بالظبط، بردو زلة لسان يا محترم.
-لا مش زلة لسان، عشان انتوا ظلمتوني وانت ظلمتني من غير حتى ما تسمعني مع أن مش متعود منك على كده!
حاول سليم أن يهدأ من نفسه، فقام بإلقاء كافة اللوم نحوه:
-بسمعك في أمور عادية وبسيطة، مش واحدة جاية تشتكي منك وانت عايز تتجوزها عُرفي.
واجهه يزن ببراعة لاعب محترف كاشفًا عما يحاول سليم إظهار عكسه:
-سليم أنت عارف كويس اوي أني ماعملش كده ولو على رقبتي، لكن أنت حبيت بس تعلمني الأدب، وللأسف طريقتك كانت غلط، يعني لو كنت اخدتني لوحدنا وواجهتني كنت هحترمك واقولك حقك وأنا فعلاً غلطان أن اعرف اشكال زيها مش مظبوطة.
أُشعلت حدقتي سليم بتهديد متقد:
-وأيه دلوقتي بطلت تحترمني؟!
-ماقدرش يا سليم، بس أنا حقيقي زعلت من معاملتكم ليا قدام مراتك وقدام مليكة مرات زيدان.
واجهه سليم بحقيقة ما يحاول تجاهله:
-الحرج ده يا يزن المفروض تحس بيه بسبب تصرفاتك مش بسبب تصرفاتنا احنا، المفروض بعد كده تعمل حساب لإنك مابقتش العيل الطايش اللي بنعديله تصرفاته، لا أنت بقيت كبير وواعي واللي قدك متجوز وفاتح بيت ومسئول عن اطفال، الفراغ اللي مالي حياتك أخرته مش حلوة وده اللي بحاول احذرك منه، انقذ نفسك بنفسك واحميها من حاجات كتير اوي غصب عنك ممكن توصلها حتى لو كنت شبح في نفسك وقادر تسيطر عليها.
تفهم جيدًا المغزى من حديث أخيه الأكبر، واعلن موافقته على حديثه وبذات الوقت الحق بعض من معارضته بطرف موافقته المعلنة:
-بس أنا بردو شايف نفسي أن ماقدرش على خطوة الجواز حاليًا، الخطوة دي بعيدة عني خالص.
-شيطانك بس اللي مهيألك كده، ايوه ما تضحكش…
منع يزن ضحكته التي كانت على وشك الظهور بعد تحذير سليم له، واستمع بجدية لباقي حديثه:
-انت ناقصك أيه عشان تتجوز، ما شاء الله ناجح في شغلك، وبنيت نفسك بنفسك، واخدت كارير غيري، وراجل تسد عين الشمس، أيه اللي ناقصك إنك تبعد عن طريقك ده واهو مجاش منه إلا وجع الدماغ.
-لا ليالي دي بت متسواش قرش واحد، دي واحدة دماغها تعبانة هيئتلها إنها ممكن تضحك عليك وعليا وتطلع بقرشين، سبوبة يعني.
-ما أنا عارف وفاهم من أول لحظة اتكلمت معايا فيهم، أيه بقى الجديد وعارف كويس إنك هتنهي الحوار ده من غير ما يكبر، أيه بردو اللي عايز توصله ليا، بتدافع يعني عن باقي البنات صحابك، مش هما صحابك بردو؟!
تساءل باستنكار ملحوظ وقبل أن يجيب يزن، رن هاتفه برقم مجهول، فأغلق الاتصال دون رد، وحاول توضيح وجهة نظره لسليم إلا أن هاتفه قاطعه مرة أخرى، فنفذ صبر سليم وقال:
-رد عشان خلقي ضيق.
نفذ يزن أمره وأجاب على الاتصال فوصل إليه صوتها المميز وهي تسأله بأدب:
-أستاذ يزن؟
ضحك بسخرية مقصودة:
-فعلاً بتتصلي في أوقات مناسبة جدًا.
لمح نظرات سليم المشتعلة فشهريار أخيه لن يتغير قط، حاول يزن إنقاذ نفسه بالنهوض والابتعاد عن دائرة سليم كي يتحدث معها براحة أكثر.
***
في منزل سيرا..
تجاهلت سيرا سخريته المبطنة وسألته بجدية:
-حد جالك ولقيت السلسلة ولا لا؟
-هو احنا لحقنا يا سيرا، دي ضايعة الصبح!
اجاب بنبرة عابثة، الهبت حنقها:
-انت شكلك طلعت أي كلام، وبتحور عليا وفاكرني هبلة لما تضحك عليا.
-يا نها اسود، ده مين ده اللي ضحك عليكي يا سيرا.
انتفضت سيرا بفزع وأوقعت الهاتف من يدها، حين وجدت “أبلة حكمت” تقف خلفها مصدومة مما سمعته!

يتبع….

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية غناء الروح)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى