روايات

رواية الحب أولا الفصل الرابع 4 بقلم دهب عطية

رواية الحب أولا الفصل الرابع 4 بقلم دهب عطية

رواية الحب أولا الجزء الرابع

رواية الحب أولا البارت الرابع

رواية الحب أولا الحلقة الرابعة

كانت تدور حول نفسها بسعادة طفلة في عمر الثامنة بثوب أبيض يدخل في طرف التنورة شريط
من اللون الأزرق كالبحر رفيقها………تترك شعرها الناعم القصير يغطي آخر عنقها…….
(شهد….. شهد شوفي جبتلك إيه…….)
نظرة الى اخيها (حمزة) الذي يكبرها بثلاثة أعوام خطت عينيها في ابتسامة جميلة….. وبتسمت الشفاة
الصغيرة سائلة اياه وهي تلتقط عقد خرز جميل من اللون الأزرق………مصنوع يدوياً….بسيط……لكن
اعجبها بشدة……….
(دا ليا انا ياحمزة……..)
أومأ حمزة مبتسماً…..
(ايوا اشتريته من مصروفي….. حلووو…..)
اومات شهد بسعادة وهي تلامس اطراف
فستانها بفرحة اليتيم…….
(أوي…….. بص دا لايق على الفستان الجديد…..)
حانت من حمزة نظرة على الفستان ثم عقب
بحنق شديد………
(بس ده مش جديد انتي وخداه من بنت جارتنا….)
دارت شهد حول نفسها تتفحص الفستان قائلة
برضا تام……..
(أيوا بس هي مبقتش عيزاه ودتهوني…. وماما كمان غسلته وحطت فيه الشريط الأزرق ده عشان يبان انه جديد…… هي مش هتعرفوا كده…….)
(ولا تعرفوا………. تعالي البسك السلسلة……..) فتح
العقد ونداها بعيناه ان تقترب……..ففعلت وهي
تقول برقة……..
(ماشي يلا عشان اوريها لماما…….)
(عارفه الهدية دي ليه……..)سألها وهو يحاول قفل
العقد……فردت شهد بنباهة……….
(عارفه عشان غطيت عليك إمبارح….ومقولتش لبابا انك تحت بتلعب كورة……….قولتله انك في الحمام
والحمدلله انك وقتها جيت بسرعة ولحقت
نفسك…..)
انهى حمزة اغلق القفل الصغير وادارها اليه قائلاً
بجذل…….
(ودي بقا هدية جدعنتك معايا…. ولو حصل حاجة
زي دي نبهيني وشوريلي من الشباك ساعتها…..)
اومات براسها وهي تنبه عليه…….
(ماشي……… بس بلاش تتأخر تحت وبابا نايم… عشان بيزعقلي انا وماما جاامد……)
(وعد ياشوشو…. مش هتأخر……..حلو اوي عليكي..)
قالها حمزة وهو ينظر للعقد……فلمست شهد الخرز
باناملها مؤكدة…………
(جميل أوي انا حبيتوا……..)
اقترح حمزة بملل….
(انا زهقان اي رايك نلعب استغمايه…….)
هتفت بسرعة……..(يلا بينا…..)
خرجت والدتهما (كريمة..) من المطبخ تحمل صنية عليها القليل من الرز…….كانت امراة مكتنزة الجسد
بشوشة الوجه حنانها يطل من عينيها في صوتها الدافئ…..اماً كأي ام اصيلة تريد ان تعيش لأجل احبابها تريد ان تفني عمرها وصحتها لأجل راحة
أولادها وزوجها……
نبهت صغارها بنبرة مجهدة….
(بلاش ياحمزة…. جري وتنطيط في الشقة أبوك
على وصول…….)
ترجاها حمزة وهو يمسك بيد أخته كي تتقدم
معه……
(شويه صغيرين ياماما…. عشر دقايق بس……..)
اومات كريمة امام رجاء اعينهما……
(ماشي العبوا في الصالة بلاش الاوض… وبذات أوضة ابوكم سامعين……) اتجهت للمطبخ سريعاً
تتابع نضج الطعام على الموقد……
(انت اللي فيها…..) صاحت شهد بها بشقاوة وهي تشير له على الحائط كي يعد خلفه…..
فاومأ حمزة الصغير براسه ببساطة…… فهو من عشاق
البحث عن الأشياء المفقودة…….. ليس من هواي التخبئ خلف الأبواب او تحت الطاولات….. يحب
الظهور……. النظر في العيون بجرأة دون جبن
او اختفاء…..
وضع حمزة ذراعه على الحائط ودفن وجهه بها
قائلاً بصوتٍ مشاكس لطيف…….
(خلاويص…. اجيب البوليس……. عشرة… عشرين..)
ضحكت شهد وهي تبحث عن شيءٍ جديد تختبئ
خلفه….. ظلت تدور حلو نفسها فكل الإمكان مكشوفه
لدى حمزة……تريد الاختباء في مكان لن يتوقعها
فيه……
اتت عينيها على غرفة أبيها المغلق بابها….إبتسمت
ولمعة الفكرة في عينيها دون ان تحسب لشيء….
وضعت يدها على المقبض وفتحت الباب ببطئ
حتى لا يسمعها حمزة الملهي في العد بصوتٍ عالٍ………
عندما دخلت واغلقت الباب أول شيءٍ اختبأت
خلفه سريعاً كان المقعد الخشبي المتأرجح….
الخاص بوالدها……والذي لا يسمح لأحد
بالاقتراب منه….ان صح القول فكل شيءٍ ملك
لعثمان الدسوقي لا يلمسه شخصاً غيره……حتى
ان كانوا أولاده وزوجته !…..حتى الغرفة ممنوع دخولها إلا بإذن منه…….وحتى زوجته كريمة
تستأذن قبل دخولها !!…….
ليس فقط لانها غرفته سبباً آخر أهم انها بها أوراق واموال لا يفضل ان يطلع عليهم أحد سواه…….
حبست شهد انفاسها وهي تضحك خلف المقعد سامعه صوت حمزة من الخارج يبحث عنها بشقاوة
ثم لحظات وتزمر…..واخرى ومل…..والاخيرة نادى
عليها بحنق….ان تظهر وكفاها مزاح فقد
فقد الأمل في ايجادها………واحبط للأسف……..
ابتسمت شهد بانتصار وخرجت من خلف المقعد
ولكن صوت شخشخت مفاتيح أبيها وفتح الباب بعدها جعل قلبها يسقط صريعاً وقد اختبأت خلف
المقعد مجدداً…….. ترتجف من الرعب…….
عزرائيل حياتها آتى…..سيقبض روحها الآن…..أنه عندما يطيح ضرباً على جسدها الصغير يفضل خنقها أكثر بيده الكبرى…كـ…كـقطة تقع بين يدي من لا يرحم……….
يفضل تعذيبها وهي تترجاه باكية ان يتركها تعيش………لكنه لا يفعل….لا يفعل إلا عندما يشعر
ان روحها تنسحب من جسدها بالفعل…وفي آخر
لحظة يطلق سراحها….واعداً إياها بالموت
القريب…….
(في ايه وقف كده ليه……وفين امك واختك……)
سمعت هذا السؤال القوي يصدر من أبيها بالخارج
فارتجف جسدها بفزع…… خصوصاً ان حمزة لا
يعرف بأي غرفة هي…….وبالفعل كان يتمنى ان تكون أخته تختبأ في اي مكان إلا غرفة والده…….ان كان حتى الحمام سيكون العقاب أهون………..
(شهد في الحمام……..)لا يعرف بماذا يجيب…لكن هذا
ما وصل له فقالها وهو يتصبب عرقاً…….
فضيق عثمان عيناه في خطٍ مستقيم قاسٍ وهو ينظر للحمام ليجد كريمة تخرج منه وهي توزع الانظار بينهما غافلة…….
(انت جيت ياعثمان……..)
تافف عثمان بقرف وكانه ينظر لكومة قمامة تفوح منها رائحة قذرة……….مع ان العكس…..تلك المرأه
كانت أمرأه نظيفة جميلة……بسيطه بساطه تبعث
الراحة في النفس لا تصيب بالنفور كما يفعل
هو كلما رآها……..
شعورها بعد تلك النظرة الباردة والزفرة المشمئزة
اضاف على جراح قلبها ملح فازدادت لهيباً
وتضاعف الالم…..لكن تحملت كالعادة دون
تعقيب وقالت بنفساً راضية…….
(حمدالله على سلامتك هحضرلك الحمام…….
وهجهز الاكل علطول…..)
صاح عثمان سائلاً….
(استني عندك…….بنتك فين……)
ردت كريمة غافلة……
(كيان نايمه………..معاد نومها………)
تافف بجزع مكرراً السؤال بوضوح……
(مش قصدي على الصغيرة فين الكبيرة……….)
درات حدقتيها بينهم قائلة بقلق…..
(كانت…..كانت هنا…..فين اختك ياحمزة………)نظرة لابنها الذي هتف بخوف……..
(هنا……. كنا بنلعب….وهي أكيد مستخبية في اوضتنا……)
كان سيبتعد حمزة يبحث عنها في الغرف المغلقة
لكن ابيه منعه ومسكه من اذانه يقرصها بقوة
صائحاً بانفاس كريهة ونظرات خطرة…….
(بتلعبوا هنا….انا مش قولت مية مرة بطلو لعب وتنطيط انتوا إيه شياطين…….)
صاح حمزة وبدأ يبكي بخوف…….
(اخر مرة يابابا مش هتتكرر تاني……)
(ايوا عيط زي النسوان….نداب زي اللي جابتك…..)
القاه بقوة حتى ارتطم جسده النحيل أرضا
فمسح حمزة دموعه بحزن وانكسار شاعراً
بناراً تكوي قلبه وجسده بعد هذه الكلمات السامة…….المعتادة منه……..
وقف عثمان في منتصف الصالة بطوله الفارع وبجسده الصلب هادراً بصوتٍ عالٍ ينادي عليها…………
(شاااااااااااااااااااهـــد………..شاااااااااااااااااااهـــد..)
ارتجف جسدها الصغير بخوف وظلت تدعي
وتترجى الله بدموع وشهقات المكتومة…. ان يخفيها عن عيناه….ألا يجدها….ان يقل حجمها وتكن بجحم النملة ولا يراها…..او ان يخلق لها جنحات فتطير وتهرب تهاجر مع الطيور المهاجرة لأبعد مكاناً…..
مكاناً خالي من عثمان الدسوقي….من العزرائيل….
فُتح الباب الذي كان يفصل بينها وبينه….وظهرت
ساق عثمان من خلال بنطاله الأسود….فبلعت ريقها
وهي تراه من خلال الفتحات الخشبية الصغيرة
الموجوده في المقعد التي تختبئ خلفه….. ازدردت ريقها وهي تراه ينادي عليها بصوتٍ يفوح منه
القسوة وتوعد……….
ومع ذلك لم تجرؤ على الرد او الظهور….. خوفها كان أكبر……… تعلم ماذا سيحدث لها ان ظهرت…. لذلك
لن تجازف قط…….
عندما غفلت وشردت في خوفها صرخت…. صرخة قوية وكأن اصابها مس…….لتجد نفسها معلقة بين يداه بقسوة قابض في اللحظة التالية على عنقها……بمنتهى السادية والوحشية……..
(يابنت ال***….. بتلعبي معايا يا****…..)
سبها باقذع الكلمات…. تمس شرف أمها…. وتمسها
هي كطفله لا تعرف من الحياة إلا اللعب والضحك…
ويسعد قلبها البريء فستان مستهلك !!…….
حاولت الافلات منه وهي تتأرجح بقدميها شاعرها
بروحها تنسحب ببطء……مستغيثة بصوتٍ ضعيف
مختنق……
غلت الدماء في عروق حمزة الصغير وهو يراها
تموت امامه بهذا الشكل المخزي….. فصرخ حمزة
في أبيه بتمرد صبي تعب من حياة العبودية
التي يحياها هو وشقيقته و أمه…….
القاها عثمان على الفراش بقوة واتجه الى حمزة الذي يصرخ فيه ويدعي عليه…….. أراد ان يعلم الإثنين درسٍ لا يُنسى……. فاتجه الى أبسط الحلول بنسبة له……
فك عثمان حزام بنطالة من حول خصره ورفعه
عليهما وظل ينقله بينهما بمنتهى القسوة………
مرة يجلدها على ساقيها فتصرخ مستغيثة اللاشيء
ثم يرفع الحزام مرة أخرى ويضرب وجهها به
حتى تصمت !!….وللعجب تصرخ بوجع وتحاول
تقبيل يده طالبة العفو حتى يتركها….لكنه يرفض ويجلدها مرة واثنين وثلاثة……يأدبها حتى تصمت ولا تصرخ في وجهه وهي تجلد بعنف ؟!!…….
كان خسيس……قاسي…. وحش…..عديم
المشاعر……..فاقد الإنسانية……. ينهال عليهما دون
أية شعور بالذنب….. وكانه ينفث عن غضبه من خلالهما……..
اتسخ الفستان الجميل بقطرات دماؤها وتمزق
العقد الذي احبته فوقع أسفل قدميها ومن
كثرة الضرب والبكاء شعرت بشيء دافئ
ينساب من بين قدميها…..
نظرة للأسفل بعيون باكية وجسد ينتفض من هول الوجع….لتجد نفسها تتبول دون شعور منها……….
فنظر لها والدها بقرف وابتعد….ولم يتوقف عن سبها ونعتها بالقذارة………
الحياة قاسية….لكن الاكثر قساوة….ان ترى قسوة
الحياة من خلال عائلتك…….ان تعيش الرعب في كنفك الدافئ……….أقصد البارد………..
…………………………………………………………….
في الصباح الباكر ترجلت من سيارة الاجرة….
امام أرض المقابر…..
نظرة للمكان من حولها…. تقريباً اتت في بداية
شروق الشمس……. كان المكان هادئ والهواء باسط……
رائحة القبور غريبة…. تبعث شيءٍ مفجع في
النفس….هنا ترى عن قرب ما تظنه انت انه سيأتي بعد عمراً طويل……….
الموت ؟!!
الكثير هنا فارق احباءه……..منهم من مات نتيجة جوع…..او مرض….او قهر………والاغلب مات وهو يسعى ان يعيش حياة ميسورة……..
هنا من آتى حامل أثقالاً على ظهره…..وعكسه اتى خفيف الحمل يرى مقعده في الجنة……….
النهاية الحتمية هنا…
مهم انكرت او تناست…..ومع ذلك هي كالبشر
غريزتها الفطرية تجعلها ترى العمر فرصة تتماشى
مع الحياة…..يمكن ان تحقق رغباتها واحلامها
دون ان تؤذي أحد………
الأحلام ليست من المحرمات كما يخبرها والدها…
قال يوماً ان الأحلام محرمة على النساء……وان الحلم الوحيد المسموح لهن هو الزواج وانجاب
الأطفال…..
نظرة للسماء بعينين ضائعتين متسائلة داخلها بحيرة………
كلٍ منا له حق ان يحلم…..وان كانت الأحلام محرمة على النساء ما كان خيالهن وصل للأفاق ؟!…..
سحبت نفساً بارداً وسارت بين المقابر….تلقي السلام
بهمساً احترماً للموته……..حتى وصلت لقبر والدتها
(كريمة)وقفت امام القبر والقت السلام وقرأت
الفاتحة……ثم تسمرت مكانها تنظر للقبر بحزن
ووجع….وكأنها مزالت تدرك ان امها ماتت وتركتها
منذ سنوات طويلة………
“وحشتني……بقالي اسبوعين مجتلكيش….أكيد وحشتك وانتي اوي والله……متزعليش مني….
انتي عارفه انا مش بيبعدني عنك غير الشديد القوي………”
نزلت دموعها فمسحتها وهي تبتسم بمحبة
مستأنفة…
“عايزه احكيلك عن الحاجات اللي حصلت معايا الفترة دي……..أجرة المطعم اللي حكتلك عنه…
اللي في شارع الصاوي….بس بنتك لازم يطلعلها
عفريت العلبة….والعفريت المرادي……عاصم
الصاوي صاحب المطعم ويعتبر مالك نص شارع
الصاوي….اللي بأسم عيلته……المهم ياستي حطني
في دماغه وناوي يوقفلي على الوحدة…ولو حصل اي حاجة هيقولي بسلامة……..كل ده لانه مش بيحب يتعامل مع الستات في الشغل…..شوفتي تخلف
اكتر من كده…… ما علينا…بنتك قدها…..يعني اللي
تعيش سبعة وعشرين سنة مع عثمان الدسوقي…قادرة تتخطى وتتعامل مع اي راجل……هتفرج وبكرة يعرف اني مش جايه
غير عشان اشتغل وثبت رجلي في المكان……”
ارجعت خصله من شعرها للخلف وهي تقول ضاحكة…….
“كيان كانت ناوي تجيلك معايا بس الشغل خدها…
لسه زي ماهي مجنونه وشقية…….ومش بتبطل شتيمة في المحامي اللي شغاله عنده…..واضح
انه مطلع عينها…..بس مش قادره تفهم لحد
دلوقتي ان ده العادي………وشعار اجددنا
بيقول……..مش هتوصل غير لم يتمسح بيك البلاط……وانت وشطارتك بقا…… ”
صمتت قليلاً ولاح الحزن في عينيها وصوتها فبدأت
تخبر امها بحيرة…..
“حمزة بقاله كام يوم مش مظبوط……متعصب دايما
وبيتنرفز من أقل حاجة……مش طايق نفسه…ودا معناه انه ياما متعارك مع نجلاء خطبته ياما مع امها…….نفسي اساعده اوي ياماما…بس ما باليد
حيلة الفلوس اللي كانت معايا مكنتش هتساعد
حتى في تمن أوضة على السطوح…….وانتي كمان
عرفاه نفسه عزيزة…….حتى لو اللي بتساعده دي أخته……..”
عدلت حقيبتها على كتفها قائلة بكبت…..
“طولت عليكي في الكلام…..هسيبك دلوقتي…ووعد
هجيلك في اقرب وقت احكيلك فيه عن الشغل في شارع الصاوي….دا اذا كملت وسبني الصايغ في حالي…..”
“سلام ياحبيبتي…….”انسحبت مبتعدة عن المقبرة
ببطء كنسيم يداعب أوراق الشجر….
……………………………………………………………
حياتك كفيلم سينمائي مقدر لك ان تعيش دور البطولة………تحدد انت البداية والنهاية…واترك
الحبكة الدرامية مفاجأة حصرية لك وحدك…
ففي النهاية هي اختياراتك ونتائجها…. وهو فيلمك
وانت البطل…. والمشاهد….. الناقد….والداعم……..
فلا تنفي أحلامك…..ولا تلغي كيانك……
فتحت باب المطعم باكراً…..انه أول يوم عمل…..
ستبدا اليوم بفرش الطاولات…..بمسح ارضية المطعم
واشعال اعواد البخور برائحة المسك والعنبر…..
شغلت الراديو على الإذاعة الدينية…….سمعت بعض اللقاءات الدينية المتداول فيها الأسئلة المعتادة..
آخر شيء تبقى هو الطهي….وهذا أفضل شيء تقوم
به……وسط الخضراوات التوابل والبهارات المحمصة
سمفونية تسلطن الرأس…….النار تفعل العجب…..
يقولون ان حلاوة الحب هو الجنون والاشتعال الذاتي…….. وليس العكس…
وهي ومقلاتها المفضلة يشتعلا على الموقد
والخضراوات وتوابل يتراقصا بسعادة كسعادة
طاهية ماهرة تعرف كيف تبرز النكهات
باحترافية فنان……
تقدمت منها خلود تنظر للمقلاة وهي تشم رائحة
الطعام الشهي…….فانشدت باعجاب……
“سيدي ياسيدي على الروايح……الله… الله….طالع لمين الاوردر ده……..”
قالت شهد وهي ترش القليل من الملح
وتقلب بمعلقة الخشب….
“لمدام لارا……..لازم نوصله على الساعة اتناشر
الضهر عندها عزومة…….بس اي رايك…. ”
ردت خلود وهي تعود وتقطع الطماطم…..
“رايي في إيه الجواب باين من عنوانه الريحة تهبل……..”
بعد مدة….قالت شهد وهي منهكه في الطهي…..
“خلود حضريلي مقدير السويسرول بالفراولة اللي
عملناه قبل كده لمدام لارا……اصلها طلبته تاني
مع الاوردر ده…..حضريها قبل مانسى… خلينا
نكسب وقت…… ”
“عيني………”ثم انحنت خلود تجلب الاشياء
الذي اشتروها أمس وقالت وهي تستقيم واقفه…..
“على فكرة بشير زمانه جاي ومعاه ورق الدعاية
اللي طلبتيه للمطعم………”
اومات شهد مبتسمة……
“كويس اوي……..نعمل إعلان قبل الافتتاح…..”
قالت خلود بحماسية مفرطة…..
“وأول ما أوراق الإعلان تيجي هخلي بشير يأجر
كام عيل كده ويوزعوا في كذا مكان….وهنكتب
الخصومات خسمين في المية يوم الافتتاح….
وانا واثقه بعون الله اللي هياكل عندنا يوم
الافتتاح…. هايجي مرة واتنين وعشرة وهيبقا زبونا……”
قالت شهد……. “ان شاء الله………”
……………………………………………………………..
بعد مدة…….بقلب ردهة المطعم التي يتم استقبال الزبائن بها…… علقت لوح ورقي أبيض….. ستدوي عليه الملاحظات الهامة…… الخاصة بقوانين المكان تجنباً للمشاكل وعدم الاحراج كذلك لأحد………
نظرة شهد للوح الورقي وبين اصابعها القلم الأسود
انحنت تكتب شيءٍ ما….لكن توقفت سريعاً وخفق قلبها بفزع عندما سمعت نحنحة رجولية خشنة
تاتي بالقرب من الباب………
استدارت تنظر الى أول زبون للمطعم……لكن
سرعان ما ارتفع حاجباها معاً مرددة بذهول……
“استاذ عاصم؟!……..اهلاً اتفضل……..”
تنحنح مجدداً بخشونة لها هيبة كحضوره تماماً…
تقدم منها وعيناه تأسرها كالعادة…… تخترقها بشكلاً
يزعجها……. هل ينظر في عيون للناس بهذا الشكل المريب و…….. والوقح……..
بلعت ريقها وهي تحاول الهروب من مرمى
عيناه مرحبه بلطف……
“نورت المكان………اتفضل……..”
كانت ملامحه متحجرة وعيناه هادئتين وهو يخبرها
بتسلط ازعجها………
“انا مش جاي اضايف…..انا جاي اشوف الشغل ماشي إزاي….خصوصاً انه يعتبر أول يوم ليكي…….”
ماهذا الهراء……ماذا يعني بأول يوم…..هل هو أول
يوم لها بروضة فاتى يطمئن……لا تحب عبث
الرجال وحتى ان كان صاحب المطعم التي
استأجرته منه……..
دار عاصم بعيناه حول المكان متمتماً بفتور…..
“كويس…..المكان بقا احسن شوية……بس لو مكنتيش غيرتي لون الحيطه دي….كان هيبقا أحسن…….”
قالت شهد مختصرة……
“كان لازم اغيرها عشان احس بتجديد……”
هز عاصم راسه قائلاً باستهانه…..
“آآه…….يلا اهي فلوس بتترمي على الأرض….الجمال
عمل اكتر من كده وفي الاخر طلع من المكان خسران……”
اتسعت عينا شهد بصدمة وعندما وجدته جاد
في حديثه تمتمت منزعجة دون النظر له……
“يافتاح ياعليم يارزاق ياكريم…….حقيقي….في ناس
وجودها معانا مهم……..بيدونا طاقة ايجابية كده…”
وضع عاصم يداه في جيب بنطالة وتحدث
بغطرسة وهو يهز راسه وكانه معه كل
الحق…
“انا واقعي يانسه لا سلبي ولا اجابي….ومع ذلك هتفضلي تحت عيني انتي وشغلك لحد ما أطمن
من ناحيتك…..ساعتها هيكون قدامك السنة اللي مكتوبة في عقد الإيجار…….”
تساءلت مقتضبة…..
“افهم من كده انك هتزرني كتير ؟!…….”
اوما عاصم بمنتهى السلاسة……
“كل يوم زي دلوقتي الساعة عشرة……في
مشكلة عندك……”
اتكأت على اسنانها قائلة بقنوط……..
“لا طبعاً….دا مكانك…..بس لازم اكتبها عندي…
عشان منساش……”
فتحت غطاء القلم امام عيناه الهادئة بمنتهى العصبية واتجهت الى اللوحة وكتبت بعصبية مكتومة تكاد تسمع صوت القلم وهو يحك في
اللوحة الورقيه ……..
(زيارات صاحب المطعم ستبدأ يومياً الساعة
عشرة………)
أبتسم عاصم بتسلية وهو يشعر بشيءٍ رطب حلو كالشهد يصب على قلبه……. يشرق صباحة ويجعله مختلفاً عن اي يومٍ مر عليه……ربما يجب ان يواظب على هذه الزيارة الصباحية فهي ستفرق معه جداً………
“ممكن تديني القلم…….”
طلبه البسيط جعلها تجفل وتنظر للوحة مجدداً تقرأ ما عليها خوفاً من ان تكون قد اخطأت في شيء او خانها تعبيرها وشتمت إياه كما فعلت في سرها
وهي تكتب……..
“ها….. القلم…..”
اوما براسه وهو يلاعبها بصوت الهادى والملامحه الصخرية……
“ايوا القلم………هاتيه………”
بللت شفتيها بتردد ثم مدت القلم….اخذه عاصم وبجوار الجملة كتب……
(صباحاً………)
نظرة شهد للكلمة وابتسمت….البسمة كانت تخص
الجملة الطويلة والتي كانت متوازنة حتى اتت كلمة
(صباحاً…)والتي كانت متناقضة مع خطها…..فقد
كتبها بالرقعة بخطٍ جميل اعجبها وغارت منه للحظة….
يبدو انه يجيد الرسم…….تبرهن بهذا……
“افهم بقا بتضحكي على إيه……..”
سألها فتلاشت البسمة بتدريج مجيبه ببساطه…
“أبداً خطك عجبني…….اصلي مكنتش بحب اكتب بالرقعة……..يعني كنت بستصعبها….. بس ماشاء
الله شكلك مش بتكتب غير بيها…..”
ردد عاصم وهو يستريح على احد
المقاعد….. “تعوود……..”
بعد رؤيته يجلس شعرت شهد بالحنق فهي يجب
ان تتابع عملها وتنهي الطلبات في معادها
خلود وحدها لن تلاحق على شيء……يجب ان
تباشر العمل……..
ماذا ستفعل ستصبر قليلاً ربما ينصرف
الآن اقتربت منه قائلة……
“تحب اعملك شاي…. ولا تتغدى……..”
نظر عاصم لها عن قرب….. بخصلاتها السوداء الناعمة القصيرة والتي تغطي جبهتها … شعرها معقود للخلف تضع شريط أبيض فوق رأسها……..ترتدي مريول المطبخ يغطي فستانها المشمشي الطويل……
عاد لعينيها ملامحها الصغيرة الانثوية ورغم جمالها الأخذ الانجذاب الاكبر كان لعسليتاها البراقتان كبركتان من العسل الصافي تنادي الجائع…..
ينافسا لمعة الذهب…… وحجر الكهرمان…….لم يرى عيون جميلتين بديعتين جذابتين ساحرتين……….
كعيناها هي……
حتى الآن يسأل نفسه لماذا اتى……ولماذا سيواظب على المجيء لهنا كل يوماً في الصباح…….
عقب عاصم أخيراً على سؤالها بتعجب…….
“مش عايز شاي…….لكن غدى إيه اللي هتغداها
الساعة عشرة ؟!!…….”
جلست شهد في المقعد المقابل له بحنق مخفي عن الأعين…..
“يعني عادي…..الاوردر اللي هطلعه كمان ساعتين
صحابه هيتغدو الساعة اتناشر……”
(كن حسيسا وابتعد لنرى اكل عيشنا يا هذا….)
ابتسم عاصم واخفض انظاره……عيونها قالتها…
العيون العسلية صريحة وشفافة لأبعد حد…..
أراد ان يتحدث معها أكثر….ولا يعرف لماذا تلح عليه تلك الرغبة الغريبة تجاه امرأه…….
“جايز….بس انا كده كدا…..مبحبش اكل من الشارع…
اكل المطاعم…. انتي عارفه مش بيراعوا ضميرهم في الشغل…….”
قالت شهد بحمائية واضحة…….
“بس انا غيرهم……انا نضيفه جداً في شغلي…تقدر
تدخل المطبخ وتشوف بنفسك…….”
رد عاصم بغلاظة…..
“ما الاهتمام ده بيبقا في الاول بس…….”
تمتمت شهد وهي تخفض رأسها……
(اللهم طولك ياروح…..وبعدين بقا…….)ثم رفعت راسها فوجدته ينظر اليها بصمت…..فقالت
بابتسامة صفراء وهي تجز على اسنانها……..
“منور……..”
حرك حاجب و رد دون تبسم……. “بنورك………”
لم تتلاشى البسمة المكفهرة
واقترحت…
“تحب اعملك شاي…… قهوة……عصير……”
امتنع بهدوء وهو يسالها عن مايدور في
رأسه…….
“مش عايز اتعبك………بس انتي فعلاً بتعرفي
تطبخي كويس…….ولا اي كلام….. ”
تلك الجلسة وهذا السؤال يفسر للناظر انها مقابلة رسمية مع رجل يبحث عن زوجة تجيد الطهي وتربية الأطفال وشرط اساسي ان تكون متعلمة حتى تذاكر
للأولاد !……
الصبر……فانا افقده مع هذا العاصم………
انعقد حاجباها ثم عقبت بتعجب….
“اي كلام إزاي يعني؟!…….بعرف اطبخ طبعاً… وقريب اوي هدوقك اكلي…. عشان تطمن بنفسك……”
أحب ان يزيد شرارة التحدي بينهما
فقال….
“مقولنا مليش في اكل المطاعم……..”
ردت شهد بمنتهى الثقة……
“وانا قولتلك انا غيرهم…….. وارهنك انك لما تدوقي
اكلي……مش هتبطل تطلب الاكل من عندنا…..”
قال عاصم بصوتٍ أجش……
“الثقة الزايدة دي بتودي في داهية يانسة شهد….”
احتد التحدي بينهما فقالت شهد…..
“بلاش تحكم غير لما تدوق بنفسك…… انا ممكن اقدملك دلوقتي حاجة بسيطه من اللي طبختها
تاكلها وتقولي رأيك…….”
رفع عاصم حاجباً عابثاً سائلاً اياها وهو يميل
للأمام قليلاً… “وياترى دي رشوة؟!….”
مالت مثله للأمام واجابة
بهمساً سري…….
“اعتبرها عربون محبة……..”
عند هذا القرب وهذا الرد شيءٍ داخله تحرك…حركة
لأول مرة يستشعر بها……رمش بعيناه مرتين وهو ينظر لملامحها الجميلة الهادئة والمنتظره…..
نهض عاصم بهدوء واخبرها بتسلط وهو على
وشك الخروج من هنا……..
“طولت عليكي………انا ماشي… وكل يوم الصبح الساعة عشرة هتلاقيني فوق رأسك زي ماتفقنا…….سلام يانسة……….. شهد… ”
خرج امام عيناها بهدوء عكس دخولة سابقاً…..
استدارت شهد للوحة الورقية لتنظر لاخر
كلمة خطاها بقلمة بخط الرقعة الأنيق
(صباحاً….)
كل صباح ستراه…………سيتلف اعصابها قليلاً ثم
يوزع طاقته السلبية عليها…..ويستفزها ثم
يرحل……ليس لديها طاقة لرؤيته كل صباح
هذا صعب…….صعب……….
صاحت خلود عليها من المطبخ……..
“ياشهد….. ياشهد تعالي شوفي الأكل مش ملحقه على كل ده لوحدي……..”
“جايه………. جايه ياخلود……..” ابعدت عيناها عن اللوحة واتجهت للمطبخ سريعاً تنهي مابدأ…..
……………………………………………………………..
عندما دلف عاصم الى الصاغة لم تمر الدقائق الا ووجد حكيم فوق رأسه يجلس في المقعد المجاور
له قائلاً بمنتهى الاريحية…..
“اطلب ليا واحد قهوة ياعاصم… وسيب الشغل ده وسليني شويه لحسان زهقان……”
رفع عاصم عيناه عن الاوراق وجز على أسنانه
مقطب الحاجبين ……
“زهقان !!…. وسليك؟!….. انت شايفني ارجوز… امشي على شغلك ياحكيم انا عندي شغل قد كده
فوق راسي……”
طلت البراءة في عينا حكيم متحججاً….
“البازار شغله مريح وبعدين الصبي بتاعي
واقف فيه…….”
ارتاحت يد عاصم على سطح المكتب
وساله بملل……..
“كويس اي بقا المطلوب مني……جاي ليه…. ”
اخبره حكيم بمنتهى الهدوء……
“عشان اشرب القهوة ودردش معاك شويه……الا قولي
صحيح اي أخبار الجيران الجداد انا شايف المطعم فتح…….”
احتدت نظرات عاصم وتحدث بغضب
مكتوم…..
“آآه كويس انك فكرتني…….الواد اللي جبتهولي
هنا عشان يأجر المطعم…… تعرفوا كويس……”
رد حكيم بجدية وهو يشير على عنقه……
“عيب ياجدع….طبعاً اعرفه دا انا اضمنه برقبتي….”
سحب عاصم ياقة قميصه وقربه من سطح
المكتب واندفع بغضب……..
“رقبتك اللي هقطعهالك ان شاء الله…..”
مسك حكيم قبضة عاصم متعجب من
فعلته…..
“في اي ياعاصم وحد الله ياجدع احنا اخوات….يرضيك ترمل تلات ستات وتحرق
قلبهم عليا……”
تركه عاصم بضيق وهو يستغفر عدة
مرات………ساله حكيم بجدية………
“ماتحكيلي اي اللي حصل…….”
زمجر عاصم مجيباً……..
“البيه اللي جبته طلع مش مأجر المطعم ليه….”
سال حكيم……… “امال لمين…….. للجيران……”
رد عاصم بقرف……. “لا ياخفيف لاخته…….”
عاد حكيم يسال بحيرة…..
“اخته ؟!!….اخته مين ؟!……”
رد مقتضباً…… “بتقول اسمها شهد……..”
اوما حكيم بتذكر…….
“شهد…..هو فعلاً عنده اختين بس انا معرفهمش…
طب وعملت إيه معاها…..”
“هعمل إيه ماهي شورتك……”اخذ نفساً حاد
مضيف باقتضاب…..
” مرضتش اقطع بعيشها قولت هحط عيني عليها الشهر ده لو لقتها هتعملي مشاكل وصداع في
الشارع همشيها……انا مش ناقص وجع دماغ….”
تحدث حكيم بضيق مستجد……
“عندك حق….والله ياعاصم انا معرفش انه ناوي يأجره عشان اخته….لو كنت اعرف كنت كنسلت
على الحوار مانا عارف انك مش عايز تأجر
لحريم…… صغرني البيه………بس لم أشوفه…….”
ضرب حكيم على ركبته بحنق…..د
فقال عاصم بعدم اهتمام……
“ملوش لازمه….هيقولك الكلمتين اللي اخته
قالتهم…..”
سأله حكيم….. “وهي قالت إيه……”
رد عاصم بملل وهو ينظر للدفاتر أمامه…..
“قالت انها شغاله معاه بتساعده بس……بس باين
انها بتحور…….”
ساله حكيم بخبث….. “هي حلوه ياعاصم……”
رفع عاصم عيناه عابساً…. “وانت مالك……”
اتسعت عينا حكيم وهو يترجم الرد الغير متوقع منه
لذا رد عليه بنفس الأسلوب…….
“الله…..انت اللي مالك هي كانت من بقيت عيلتك….”
رد عاصم بمنتهى الجمود……
“لا مش من بقيت عيلتي…بس مش حلو انك تكلم عن اخت صاحبك….هو مش حمزة دا صاحبك برضو ؟!….”
ازدادت لمعة المكر في عينا حكيم……
“زماله……يعني مستجدعة…..لكن مش صاحبي صاحبي يعني…….”
اكتفى عاصم بـ…….. “طيب…..”
أبتسم حكيم ملح بسمجة……
“طيب إيه…. مردتش برضو…….هي حلوة……”
شرد عاصم في الدفتر مجيب
ببرود……
“عادية…………حتى عينيها عادية……”
لم تكن عادية…..ولا حتى العيون عادية…..عسليتاها
البراقتين تلاحقه حتى وهو ينظر للدفاتر…..وكانه
ينظر اليهما……….
هتف حكيم مستفهماً بعبث…….
“انا مش بسأل عن العيون…… انا بسأل عن الجمال الجوهر الداخلي…….”
“اتقي الله احنا لسه على الصبح…….”قالها بوجه مكفهر…….
فاوما حكيم مكتفي بهذا القدر…..وسأله…..
“ماشي ياسيدي………اي رأيك نطلع اخر النهار نصطاد……..”
نظر له عاصم بتعجب واضاف وهو يرجع راسه للخلف استحسن الفكرة……
“نصطاد…..يااه…….بقلنا ياما مطلعناش نصطاد…..مينا
جاي معانا ؟……”
اوما حكيم مبتسماً…….
“أكيد دا هو اللي كلمني في التلفون وقالي تعالى نسهر على البحر وهات عدة الصيد معاك…..
هتيجي… ”
أومأ عاصم بالموافقة…..
“طالما فيها صيد يبقا جاي…….”
مزح حكيم قائلاً…….
“بس ونبي براحة علينا لحسان انت حظك في الصيد
دايما حلو ……بحس انك بتشطب على سمك البحر كله……..”
غمزة له عاصم قائلاً بلؤم…….
“متقلقش هسبلك شوية تمزمز فيهم…..عشان الفسفور…….”
……………………………………………………………..
جفف وجهه بالمنشفة ثم تركها حول عنقه باهمال
التقطت عيناه عقارب الساعة المعلقة على الحائط
والتي تشير للعاشرة صباحاً……….
حرك حدقتيه مجدداً لعند غرفتها فوجدها مغلقة ويتسلل من عقب الباب خطٍ من الضوء……
انعقد حاجباه مستغرباً الوضع فهي لم تخرج من الغرفة حينها وظل الضوء متشعل حتى انهُ رآه
هكذآ عند خروجة لصلاة الفجر….وظل هكذا منذ
آخر مشادة بينهما ليلاً وتبجحها امامه وتبريرها لخطيئة كانت على وشك ارتكبها مع نذل يستغلها ليصل لغايته منها……….
الغبية لم تفهم بعض ان حبها له وهماً وشعارات فارغة….وان شعار (الحب أولاً…)التي كانت ترفعة
في وجهه سابقاً لم يجدي نفعاً لا لإصلاح حال
حبيبها السابق…او تغيير نظرته هو نحوها كسبباً يجعله يتعاطف معها لأجل قصة حب طائشة بينها وبين صعلوك من صعاليك الساحة المعروفين ….
قصة تدفعها للتهور والهروب من بيت اهلها للذهاب الى شقته !!……
لم تكن يوماً ساذجة او سهلة الغش….كانت واعية ذكية خبيثة………لا يعرف كيف اوقعها (عادل..)في الحب وجعلها عمياء العين والقلب….وفعلت فعلة
أصغر فتاة في هذا الزمن تستنكرها ؟!…….
لم ينسى أبداً اليوم الذي صاحت فيه امام الجميع
متحدية والديها وعلى رأسهم هو…….
تحدث والد داليدا (ناصف) بقلة حيلة قائلاً….
(انا مش عارف اعمل إيه ياسلطان…….الولد من كلامه تحسو كويس ومحترم….لكن لم سألنا عنه….انا وانت
عرفنا انه رد سجون….وحشاش…ومبهدل اهله……)
تحدثت كذلك والدة داليدا (سهير)
بحرقة……..
(احنا نرفض…….زي المرة اللي فاتت وخلاص…..
ونقفل على السيرة دي………..وبنتك نحبسها في البيت متخرجش أبداً لحسان ياذيها ولا يقرب منها احنا مش ناقصين……اديك شايف جرايم القتل اليومين دول…..كل واحد تعجبه واحده يروح متقدملها اهله يرفضوا يروح مخلص عليها…..)
هدر سلطان بصوتٍ هز جدران البيت…..
(طب يبقا يقربلها كده…..وساعتها هيقرأ الفاتحة على روحه…..انتي بتقولي اي يامرات عمي امال انا روحت فين……..داليدا مسئوله مني…….دي أختي الصغيرة
ولو فكر يقربلها هيكون حفر قبره بأيده……)
فركت سهير في يداها من شدة الخوف وقالت
له بهمساً وعيون تذرف الدمع………
(ربنا يبارك فيك يابني……..لكن ياضنايا….الامر ميسلمش….الواد ده رد سجون وانا خايفه عليها….
وبيني وبينك……….البت رايداه…….وبتحبوا…وانا قلبي متوغوش من ساعتها……طالما مياله ليه…..
ممكن يملى دماغها بالكلام……..ويضحك عليها…….)
هز سلطان رأسه سريعاً وهو يتحدث بمنتهى
الثقة عن صغيرة عاشت بين كنفه طوال سنوات عمرها العشرون………
(مستحيل…..داليدا متربية على ايدي…….متعملش كده…….داليدا ناصحة وجدعة واكيد عارفه مصلحتها
فين….. وعارفه ان الواد ده مش مناسب ليها……..وأكيد انتي فهمتيها ده…….وعرفتيها ان سيرته مطمنش….ومفيش حد شوفناه غير لما
قالنا عنه بلاوي…….مفيش حسنة واحده
سمعناها تشفعله….. )
(الحسنة اللي تشفعلوا عندي ياسلطان اني بحبه….)
صاحت بها داليدا بعد ان خرجت من غرفتها إليهم مرتديه اسدال الصلاة واضعه الوشاح على شعرها باهمال……..
تقف صامدة امامهم تتحداهم…….بتعنت……..وكأن
الأمر بات بنسبة لها حياة او موت………
لم تهتز ملامح سلطان ولم يرف له جفن رغم ان
عيناه اظلمة بشكلاً مخيف و صدره اشتعل فجأةٍ بالغضب منها ومن قلة احترامها لحديث الكبار……
بل انها تخيب ظنه بها وتصغره امام والديها بعد ان كان يكتب فيها شعراً عن الادب والاخلاق و………والذكاء…
اين هم ياترا….ما شاء الله…..فتاة وقحة قليل الادب
غبية….. وساذجة……تقف امامه تقيم حرباً لأجل
حبها لشاب فاشل مستهتر………وغد…….من اوغاد الساحة……….
وكأنها فخورة بانجازها والذي سيجلب لعائلتها
وغد سيضع رؤوس الجميع في الوحل….زائد
المشاكل التي ستأتي لهم من خلفه….دا ان
توقفت عقولهم واصابهم العته ووافقوا
حتى يسعدوا الاميرة المدللة……
تباً لسعادتك ياغبية…….لن يقف امامك غيري…ويمنع
هذا المرض الخبيث من الإنتشار في جسدك….حتى
ان اضطرراً لاستئصال قطعة من قلبك المحب للمعاتيه !!………
نهض والدها من مكانه ومسك ذراعها بقوة صارخاً
(اي اللي خرجك من اوضتك…مش قولتلك متخرجيش منها…….انجري على اوضتك بلا قلة
ادب وحيا………انجري………)
كذلك نهضت امها وتضامنة مع زوجها قائلة
لابنتها بتوعد……
(ادخلي اوضتك يادليدا…..وعدي يومك على خير…….)
نظرة اليهم بعينين عميقتين اللون…متالمتين
وهي تقول بحرقة………
(انتوا بتعملوا معايا كدا ليا هو الحب حرام….
ذنب…انا بحبوا وهو كمان بيحبني وشريني….
وطلبني بالحلال……..طلبني منكم بدل المرة عشرة….وكل مرة بترفضوا………)
قالت سهيرة بتعب من تصلب راس
ابنتها……
(واحنا بنرفضوا من الباب للطاق….مش مناسب يابنتي………لو اتجوزتيه هيبهدلك وهيبهدلنا
معاكي……)
قالت داليدا بنفي…….
(مش هيحصل ياماما….عادل وعدني انه هيتغير صدقيني…….)
زمجر ناصف وهو ينظر لابنته بغضب وقارب على
فقدان اعصابه….وضربها لأول مرة……ربما يعود
عقلها لمكانه……….
(شايفه قلة ادب بنتك شايفه تربيتك ياسهير….بنتك بتعرفنا كلنا انهم بيتكلموا بيتقبلوا….شايفه تربيتك اللي تكسف………)
قالت داليدا بشجاعة امامهم…….
(انا مبعملش حاجة غلط يابابا…….الحب مش حرام ولا عيب……احنا طالبين الحلال…….)
قالت سهير…….
(وهو ده واحد يعرف الحلال يابنتي……)
اصرت داليدا واجابت……
(يعرفوا……… بدليل انه جه اتقدملي……..)
لوح والدها بسبابته وهو يصر بتزمت شديد……
(مفيش جواز من الصايع ده….ولو كان اخر واحد
في الدنيا…….لا يعني لا………)
نزلت دموع داليدا وهي تتجه لسلطان لتقف امامه
وتمسك يده قائلة بتذلل……..
(قول حاجة ياسلطان ابوس ايدك بلاش تفضل
واقف ساكت كده……قولهم ان الحب مش عيب
ولا حرام……….قولهم حرام يكسروا قلبي…….)
اجابها بخفوت دون تعبير مقروء……
(أهلك بيعملوا الصح يادليدا….الواد ده مش هينفعك…….انتي تستاهلي احسن منه…..)
انتفضت داليدا ترفع وجهها اليه مشدوهة……
ثم بلعت غصة حادة في حلقها وهي تحاول
اقناعة برجاء…….
(انا مش عايزه غيروا…..اقف جمبي ياسلطان اقنعهم….وانا اوعدك ان عادل هيتغير وهيبقا احسن من الأول بس انتوا ادوله فرصة…ودوني انا كمان فرصة اثبتلكم كلامي………)
قالت امها من خلفها باستياء……
(فرصة اي يابنتي….دا جواز…….جواز مش لعب عيال…….عايزه تتجوزيه وبعد كام شهر
يطلقك وتتحسب عليكي جوزاه……..)
استدارت داليدا تقول بنبرة شاجنة……
(مش هطلق منه….انا هفضل معاه لاخر نفس في عمري…..بقولكم بحبوا…والله بحبوا…وهو وعدني
انه هيتغير………..صدقوني……..)
قال سلطان بمنتهى الهدوء…..
(داليدا هاتي تلفونك…..عشان عايز اخد رقم عادل
من عليه واكلمه يمكن نتفاهم……….)
نظرة اليه داليدا بدهشة وقد عادت ألوان الحياة لوجهها تدريجاً وهي تساله بدهشة……
(بجد…بجد ياسلطان…….ثواني….ثواني هجيبوا……)
ركضت لداخل غرفتها بلهفة…..فنظر ناصف لابن
اخيه مشدوهاً…….
(اي اللي بتقوله دا ياسلطان…….احنا مش قولنا…)
قاطعه سلطان بتعبير غير مقروء….
(أصبر ياعمي…….أصبر……..)
عندما اتت داليدا اليه راكضاً بلهفة ولمعة السعادة تضوي في سوداويتاها الحزينة…..
(الرقم اهو ياسلطان……..)
اعطته الهاتف مُضيء برقم حبيبها…….
كانت تنظر اليه بتراقب ممتلئ بالاماني….لكن
سريعاً انكسرت على أرض الواقع عندما أخرج
سلطان شريحة الهاتف ومزقها ثم إطفاء الهاتف كلياً
ووضعه في جيبه….. قائلاً بصوتٍ كالجليد المسنن أوصل الصقيع لجسدها وجمد قلبها بمكانه…..
(ادخلي على اوضتك…..وحسك عينك اسمع نفسك حتى وانتي جوا……..)
ثم مسك ذراعها وقربها منه امام والديها….ولم يمانع
أحد……فالطالما كان لسلطان صلاحيات كافية لضبط
سلوكها وكسر شوكتها كما يقال………هسهس بنبرة مهيبة بالقرب من وجهها الاحمر وعينيها السوداء الجاحظة بالألم…..
(ومفيش حاجة عندنا اسمها بحبوا وعيزاه…..في حاجة اسمها اللي تشوفه يابااا………عشان ابوكي وأمك مش هيضروكي….لا دول عايزنلك الأحسن
وكلنا عايزنلك الأحسن……..إلا انتي عايزه ترخصي
نفسك……….بأسم الحب……….)
نزلت دموع داليدا فجأه امام عيناه ومزالت متسعة العينين بوجع وصدمة والدموع تجري على وجنتيها
بكثرة………..لا تعرف كيف تمنعها…ولا تعرف بماذا ترد
فامام عيناه المظلمة توقف كل شيء داخلها…إلا قلبها
كان ينبض على غير هُدى وكأنه أمام أكبر
مخاوفها……….
ترك ذراعها برفق قائلاً بصوتٍ قوي جعل
جسدها يرتجف بفزع……..
(كلامي خلص………على اوضتك يانسة……..)
ركضت من امامه حينها بصمت….لكن الدموع كانت تحاكي قلبه سراً بانه كسرها بهذا أليوم….فهي كانت تنتظر عونه…….وهو خذلها لأول مرة………..
نفض تلك الذكريات من راسه وهو يتجه إلى
غرفتها مطرق على باب الغرفة عدة مرات
“داليدا…….داليدا………داليدا……….”
عندما لم يجد رداً أمسك مقبض الباب وفتحه…
ودخل…..
عندما دخل وجد الغرفة مضاءة لكنها نائمة على الفراش……متسطحة على بطنها…….رافسة الغطاء
في آخر الفراش….وتنام بمنتهى الاريحية بثوب القصير الأزرق المطبع بالورود الصفراء….والتي
كانت ترتديه أمس وهي تقوم باستعراض رقصها الغريب في المطبخ !!……..
كان شعرها البني الكثيف يغطي رأسها….وكانها مدفونه اسفله……
جز على اسنانه وهو يشعر بفوران يجتاح جسده مجدداً…..شعور غريب ينتابه كلما رآها في وضع غير لائق…….شعور اتى من فراغ…….فهو لم يكن يوماً منجذب إليها…….لكن عندما أصبحت زوجته بات الشيطان يصور له كل ماهو مخل !!…….
والآن رغم مقته لها ولفعلتها……تُحرك مشاعره كرجل بشكلاً او بأخر………
حانت منه نظرة على غرفة الأطفال التي تبيت
فيها…..ورغم انه يعرف الغرفة جيداً ككل ركن في هذا البيت إلا انه عندما تأملها شعر بانها غريبة
عليه……فمن تسكنها طبعت عليها بروحها المرحة الجامحة كذلك برائحة ورد الجوري عطرها
المفضل والتي تستخدمه في كافة اغراضها
الانثوية………
غرفة غير مرتبة….على المقعد ملابس……وفي الأرض
ملابس………..وهناك قطعة داخلية تخرج من درج
الدولاب…………..اغراضها ملقيه على تسريحة
الزينة بأهمال………كل شيء غير مرتب ومع ذلك يكشف عن الاميرة المدللة…….
هذا الشيء كفيل بان يجعله يبتسم رغم غضبه
السائد منها……….
اقترب سلطان من الفراش ومسك الغطاء وغطى جسدها….. حتى يضمن ثباته في تلك اللحظة…..ثم جلس على حافة الفراش وبدأ ييقظها وهو
يلامس كتفها برفق…..
“داليدا……داليدا قومي الوقت اتأخر….والصلاة
قربت تبدا………”
ادارة وجهه للناحية الاخرى متمتمة بعيون
مغلقة…. “سبيني شوية ياماما ونبي……..”
فغر فمه بصدمة مصححاً….
“ماما !!…..داليدا انا سلطان……..قومي… ”
تمتمت بقرف وهي شبه نائمة….
“بكرهه…………بكرهك ياسلطان………”
لوى سلطان فمه وهو يدفعها في كتفها
بشكلاً غير آدمي…….
“لا ونبي حبيني……مقدرش أعيش من غير
حبك دقيقة واحدة……….”
تحركت داليدا توليه ظهرها منزعجة…. “هشششش…….”
“هش في عينك قومي بقولك……..”دفعها في كتفها بقوة……….جعلتها تنتفض في نومتها وهي تمسك الغطاء كحامي لها من بطشه………
“في حد يصحي حد كده….مابراحه……….وبعدين
انت إزاي تدخل اوضتي كده من غير ما تخبط…”
رد سلطان ببرود وهو ينهض من
مكانه…..
“خبط بس الظاهر نومك تقيل….الساعة بقت
حداشر قومي اغسلي وشك والبسي خلينا
ننزل تحت…. النهاردة الجمعة…..ولا ناسيه احنا
قولنا اي بليل……….”
اومات براسها دون تعبير مقروء…..
“تمام……..ممكن تخرج عشان اغير هدومي…….”
“خارج أصلا الأوضة شكلها يسد النفس…….وريحتها
مكمكه………..هوايها شويه مش كده…….”
بعد تلك الكلمات فتح الباب وخرج….فنظرة داليدا
للغرفة بصمت……متفحصه الفوضى المحيطه بها
ثم بدات تحرك انفها يميناً ويساراً حتى وصلت
لان تشم الثوب الذي ترتديه……….
“عنده حق…….انا هقوم اخد دش……….”ابعدت
الغطاء عنها وهي تلملم اغراضها وتخرج ملابس
أخرى ولم تنسى غسول الاستحمام المعطر
بورد الجوري……
………………………………………………………………
“يابت فكي التكشيره دي…. معقول دا وش عروسة مفتش على جوازها شهر……..”
نطقت بتلك الكلمات أميرة شقيقة سلطان
الكبرى…..
نظرة لها داليدا بملامح مكفهرة ولم تعقب….. فلكزتها
اميرة في كتفها قائلة بمناغشة…..
“طب احكيلي يمكن نحلوها سوا……..”
ارتفع حاجبي داليدا مستنكرة…..
“نحل اي بس ياميرة مقولتلك…. مفيش حاجة….”
همست لها أميرة بلؤم…….
“يابت اسمعي مني….. اكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة وانا اكبر منك بعشرين سنة………”
نظرة لها داليدا بصدمة…مزالت لا تصدق ان ابنة
عمها المرحة تلك اكبر ابناء عمها عبد القادر…..
حقيقة (أميرة)بالمجمل شكلاً وروحاً تتناقض
مع سنها المسجل في البطاقة….لذلك دوماً داليدا
تنسى هذا الرقم وتتعامل معها وكانها بنفس
عمرها…………
“طب والله مابين عليكي…. انا مش مصدقه ان الشحطه دي بنتك لا واصغر مني بسنتين بس….”
قالتها داليدا وهي تشير على (جنة) صاحبة الثّمانية
عشر…….. تلك الفتاة تحمل جمال والدتها وهدوء ووقار والدها….. وتصلب عقل خالها…… والباقية
تاتي……..
دفعت جنة النظارة الطبية لأخر عينيها وهي تنظر لداليدا بتحذلق قائلة…..
“لا وإيه أطول منك كمان………..”
لوحت داليدا بيدها مستنكرة….
“ياشيخة اتلهي الطول هطل………”
قالت جنة بمنتهى الهدوء المستفز……
“طول عمرنا عرفين ان القُصر خيبه وطول هيبة…..
جبتي هطل دي منين…… لسه مخترعاها جديد… ”
هتفت اميرة بتوبيخ….
“بس ياجنة كلمي مرات خالك عدل……”
قالت جنة بفتور…. “لازم تعرف الحقيقية ياماما…….”
تخصرت داليدا كالعادة حينما لا يعجبها
حديث أحد…..
“واي هي بقا الحقيقة ياطه يا حسين…….”
قالت جنة بالسان ذلق…….
“انك قصيرة القامة… ودا معنديش ليه تفسير علمي… لكن اللي اقدر اقولهولك انك لازم تعرفي حجمك الطبيعي وسط العيلة……. قزمة…….”
أحمر وجه داليدا واشارة على نفسها
بغضب….. “قزمة ؟!…. انا قزمة……. انا…….”
ازداد لسان جنة فصاحة مستفزة……
“أيوا وده ملهوش علاج……لكن لازم ترضي باللي
ربنا قسمه ليكي ومتبصيش للاطول منك..
لحسان تتعبي…… او رقبتك تتلوح……… ”
(هاتي برطمان الملح ده ياجنة……)صاحت حنان جدتها من أعلى السطح أمره…..كانت ستلبي طلب جدتها لكن داليدا اوقفتها وقد فار الدماء في
عروقها فقالت……..
“استني عندك….. انا هجيبه عشان اوريكي مين
هي القزمة……..”
نفخت داليدا ذراعيها وكانها تدخل حلبة مصارعة
تقاتل بينما تنظر لجنة بعدائية وكانها خصم لا يستهان به….. اتجهت الى الرف الرخامي بمنتهى التفاخر…. وعندما مدت يدها لتصل لعلبة الملح
لم يساعدها طولها حتى عندما شبت بيداها
ووقفت على أطراف أصابع قدميها لم تصل….

لذلك ضحكت جنة عليها وقد اصابة العدوى أميرة
فضحكت وهي تراقب محاولاتها عدة مرات……
كطفل صغير يريد الوصول لحلواه !……
زفرة داليدا يائسة وهي تسحب مقعد صغير وتقف عليه حتى تستطيع جلب علبة الملح……
عندما انهت المهمة نزلت من على المقعد ونظرة
لجنة بتفاخر قائلة وهي تعطيها الملح
بجذل…..
“خدي ادي ده لمرات عمي….. وقوليلها داليدا اللي جبته ليا…… عشان مكنتش طيلاه…….”
نظرة جنة لعلبة الملح بيدها معقبة…..
“داليدا انتي مصدقه نفسك…. انتي وقفتي
على الكرسي………”
رفعت داليدا راسها بصلف….
“ومالو برضو انا اللي جبته……..”
“اي شغل العيال ده………”تاففت جنة وهي تخرج
من المطبخ……..
فصاحت داليدا من خلفها بتوعد….
“طب لما ترجعي ياجنة… ونعمه لجيبك من النضارة اللي من ساعة مالبستيها وانتي رفعه مناخيرك لفوق…….وعملالي فيها مدرسة تاريخ….. ”
“حقها…….. السنة الجايه هتدخل الجامعة ادعلها تجيب مجموع كويس وتدخل الكلية اللي نفسها فيها…….” قالتها أميرة مبتسمة وهي تكشف عن
القدر التي تطهي بها الدجاج………
قالت أميرة بمحبة…….
“ربنا يحققلها كل احلامها…. انا بحب انكشها مانتي عارفه…….”
قالت أميرة برفق وهي تغلق غطاء القِدر….
“عارفة يادودا…. بس نصيحة من بنت عمك…. بلاش تقفي على الكرسي ده تاني…..لحسان تكوني حامل ويحصل حاجة لقدر الله…….”
كانت داليدا تشرب كوب من الماء وعندما سمعت تلك النصيحة سعلت بقوة ومن بين السعال قالت
بصعوبة…..
“متقلقيش انا واخده بالي….وبعدين لسه بدري….”
بدات أميرة بتقطيع فصين من الثوم وهي
ترد مستنكرة……..
“لا بدري ولا حاجة انا اتجوزت وانا في سنك كده
وحملت علطول….لكن النصيب بقا….بعيداً عنك وعن السامعين قعدت فترة بسقط من غير سبب لحد
ماتعلجت وبعد سنة جبت جنة وبعدها الولادين الصبيان………والحمدلله على كده…..”
“ربنا يباركلك فيهم……”ثم سالتها باهتمام…..
“صحيح ياميرة هما اخواتك البنات مجوش
النهاردة ليه………”
ردت أميرة بحزن…….
“كل واحده ملهيه بعيالها….بس والله كانوا ناوين يجوا النهارده بس الظروف…..انا بس عشان سكنة في الساحة جمب امي اموري متيسره وبعرف اجيلكم….لكن هما ياعيني عليهم كل واحده متغربه في محافظة شكل مش بنشوفهم غير كل تلات
شهور مرة…….”
هزت داليدا كتفها قائلة…..
“سنة الحياة……..هتعملي إيه…….”
اومات اميرة قائلة بتمني…….
“على رأيك…..بس امي بتزعل أوي من بعدهم عنها…بس انا بقولها بكرة يجوا عيال سلطان ويشغلوكي عنهم…….”
جف حلق داليدا بتوتر وهي تحاول إغلاق
الموضوع………
“آآه ان شاءلله….بس برضو انتوا حاجة تانيه….
انت ولادها…. ”
“معلوم بس اعز من الولد إيه……”اولتها ظهرها
وهي تبحث عن علبة البهارات…..فحركت داليدا شفتيها يميناً ويساراً بحسرة مجيبة…..
“ولد الولد طبعاً !………..”
في اللحظة التالية دخلت جنة عليهن وهي
تقهقه بصوتٍ عالٍ….. وقبل ان تسالها أمها نظرة
هي لداليدا وقالت بمزاح….
“حتى تيته مصدقتش انك انتي اللي جبتي الملح……..”
زمت داليدا شفتيها وهي تنظر للارفف العالية
عليها قليلا………
“وهتصدق إزاي وهي معلقة كل حاجتها في
برج ايفل كده………”
ضحكت اميرة قائلة بلؤم….
“دا عشان ماما أطول منك بس…….”
صاحت داليدا بنفاذ صبر……
“جرالكم إيه انتوا الاتنين هو انا قزمة بجد….”
قالت جنة بتحذلق…….
“لا طبعاً انتي اطول من القزمة بشوية……”
“بس ياجنة……”اخرستها أمها ثم ربتت على
كتف داليدا تواسيها قائلة…..
“متخديش على كلامها يادليدا……انتي طولك مظبوط……..”
اومات داليدا بثقة……
“انا بقول كده برضو….. انتوا اللي طوال أوي…..”
بعدها سألت أميرة ابنتها….
“ها ياجنة… تيتة خلصت صنية البطاطس…..”
اومات جنة براسها معقبة باعجاب……
“آآه خلصتها وحطت صنية الرز في الفرن…… بس مقولكيش ياماما…..صنية البطاطس طلعه من فرن الحطب إيه حكاية……”
ابتسمت اميرة مجيبة ابنتها……بينما داليدا تقف جوارهن شاردة الذهن……
“جدتك طول عمرها بتحب تخبز وتساوي
الصواني فيه…….. دي مصدقت جدك عملهولها
فوق السطح…… جمب عيشة الفراخ……”
قالت جنة بتفاخر…..
“ست من ريحة الزمن الأصيل…….مش زينا بقينا دلوقتي بنساوي الاكل في المكرويف…….”
“الزمن اتغير برضو ولا اي ياداليدا……” لامست اميرة
كتفها برفق……
فانتفضت داليدا على لمستها
قائلة بدهشة……
“في حاجة ياميرة بتنادي عليا…….”
قالت جنة بتعجب…….
“لا دي تاهت مننا ياماما……. انا هطلع اشوف
اسامة ويحيى بيعملوا إيه………”
قالت امها من خلفها……
“أكيد بيلعبوا كورة في دخلت البيت……..”
“روحتي فين ياحبيبتي……”سالتها أميرة مجدداً….
فهزت داليدا راسها بنفي ….. “معاكم والله…….”
إشارة أميرة على باب الخروج……
“بقولك إيه شكلك تعبانه سيبي الاكل وطلعي
قعدي برا شوية………”
رفضت داليدا سريعاً……
“وليه بس يأميرة مانا هساعدك…….انا مش
تعبانه والله… ”
“عارفه بس انتي لسه عروسة ومش عايزين
نتعبوكي كفاية سلطان………” لكزتها في
كتفها بخبث…….
فأحمرة وجنتي داليدا وارتفع هدير قلبها فقررت الانسحاب دون تعليق على حديثها………
………………………………………………………………
عندما خرجت لصالة المنزل الكبيرة سمعت ضجيج يأتي مدخل البيت الشاسع…..اتجهت لباب الشقة المفتوح…..فرأت سلطان يلعب مع أولاد شقيقته
أميرة بالكرة……….والتي كانوا توأم في عمر الثالثة
عشر…….(أسامة……ويحيى…..)شقيقي جنة الصغار…….
والذين كانوا هالة من الشقاوة والعفرته……إبتسمت داليدا وهي تراقب لعبهم الصبياني….العنيف قليلاً
ورغم عنفه وغلاظته تعلو الضحكات بالمرح……
وأيضاً سلطان رغم ضخامة جسده وطولة الفارع
إلا أنه كان مستمتع وسطهم……يلعب معهم ويمرح
وكأنه يقاربهم سناً……..
لم تنتبه انها تحت مراقبة عينا الصقر كما تراقبه بشكلاً صريح يراقبها هو بمواربة ذكورية……من
أسفل اهدابه……حتى انه حاول ان يشاكسها ودفع الكرة نحوها………
مسكت داليدا الكرة سريعاً قبل ان تصطدم في وجهها وهتفت بصدمة شاهقة…….
“حاسب ياسلطان…….”
رفع سلطان انظاره عليها مدعي الدهشة
ببراعة….
“داليدا ؟!….اي اللي موفقك هنا…….في حاجة….”
اشتدت خفقات قلبها امام نظراته المتفحصة لها
والتي ترسماها من أول حجاب رأسها الى أطراف
العباءة البيتي الجميلة التي تلتف على جسدها النحيل ببراعة بارزة معه مفاتنها بحياء……..
عدلت داليدا حجابها بيد مرتجفة تحت تأثير نظراته الثاقبة……… وقد اهتزت حدقتيها معاً وهي تجيب
بصوتٍ مهزوز……..
“لا يعني…..سمعت صوتكم وانتم بتلعبوا…فـ…فقولت اتفرج………انتوا بتلعبوا إيه………”
أجاب أسامة بوجه أحمر وشفاه
مبتسمة ببراءة…..
“الكلب الحيران………تعرفيها يابلة داليدا……..”
اومات داليدا وهي ترد له البسمة
البريئة…… “آآه اعرفها……..”
اندفع اسامة يقترح بلهفة…….
“تحبي تلعبي معانا دور…..دي هتعجبك أوي…..”
رد يحيى مكفهر الملامح عكس توأمه المحب
لكل شيءٍ خصوصاً الجنس اللطيف…….
“أسامة بيقولك كده عشان هو اللي عليه الدور….”
برر أسامة سريعاً وهو ينظر لاخيه ثم لخاله
الواقف امامهم يتابع بصمت……
“لا طبعاً انا عايزها تلعب معانا….اللعبة دي عايزة
اكتر من اربعه واحنا تلاته بس……..فحلو لو جت تلعب معانا………”
رفض يحيى منزعجاً من الفكرة……
“مينفعش….دي مرات خالك……ماتقولوا حاجة ياخالو………”نظر يحيى لسلطان بحمائية الرجال
فرد سلطان ببساطه…..فقد كان المكان مغلق
ولم يراهم أحد وفي النهاية التوأمين تربوا
على يد داليدا وليسوا اغراب عنها…….
“مفهاش حاجة لو جت تلعب يايحيى……دا لو
هي عايزة…….”
“أيوا عايزة…….إلعب…….”خلعت داليدا حذاءها
وهي تتقدم منهم بحماسية كالأطفال……..
لوى يحيى شفتيه ونظر لاخيها
مزمجر…..
“بس برضو انت اللي فيها ياسامة………”
رفض أسامة مشير الى داليدا برجاء……
“داليدا اطول مني وهتعرف تلمس الكورة….لكن انا قصير ومش بعرف المس الكورة وأنتوا طوال وبتحدفوا في العالي……..”
صاح يحيى بصلابة…..
“انت هتعيط ماتنشف ياسامة……..”
انعقد حاجبي داليدا من جدالهم الفارغ….فتدخلت قائلة بتطوع……..
“براحة على اخوك يايحيى……..انا هقف مكانه……”
هتف سلطان بنظر لئيمة……
“هتبقي الكلب الحيران !!…….”
بطرف عينيها صححت…. “اسمها صياد السمك……..”
ابتسم سلطان ساخراً………
“بجد اول مرة أعرف….. اقفي في النص….
يامراتي….. ”
مطت داليدا شفتيها بغيظٍ وهي تقلده بهمساً
وتحرك شفتيها بضجر……..
“بطلي برطمه وركزي هنا…….على الكورة…….”
قالها سلطان بانتشاء غريب ….
اومات له داليدا براسها بانصياع وعيناها تشع تحدي نحوه………ثم تخصرت في وقفتها كعلامة على الاستعداد للقادم منه……..
حدف سلطان الكرة لليحيى…..فاتجهت داليدا سريعاً
ليحيى تحاول خطفها منه….لكن يحيى كان الاسرع
في اعطاها لشقيقه………فركضت داليدا لعند أسامة
الذي اعتذر برقة…..
“اسف يابلة داليدا………قواعد اللعبة………”القاها
لسلطان خلفها………
فاستدارت الى سلطان الذي نظر لها بشر شقي وهو يبتسم من زواية واحدة…. قائلاً…….
“تعالي خديها يا…….يامراتي……”
“هاجي اخدها…..وهتقف مكاني دلوقتي…….”
عندما تقدمت منه القاها لاسامة…..فسريعاً اعطاها اسامة ليحيى…..اقتربت داليدا من يحيى قائلة
برجاء……
“يحيى هات الكورة وانا هعملك صنية مكرونة بالشاميل…”
ظهر الاستهجان على ملامح يحيى فقال
بجفاء…….
“بس انا مش بحب المكرونة انا بحب البط….”
هزت داليدا راسها بقرف….
“بط يع…يع….خليها معاك…..مش عيزاها……”
ضيق سلطان عيناه بخبث بعد تعليقها……فالتقط الكرة من يحيى…..فاتجهت اليه داليدا لاهثة محاولة ان تعرض عليه امكانياتها الفذة في طهي المكرونة
لكنها تذكرت انه لا يحب أكثر أكله تبدع فيها !
فصمتت وعيناها معلقة على الكرة محاولة الوصول إليها ولو حتى لمسها………..
لكن سلطان لم يعطيها الفرصة واعادها ليحيى
سريعاً فهو يعلم انها اذا ذهبت لاسامة ربما يقع
في فخ رجاؤها الانثوي اللطيف ويسلم لها الكرة
امام عينيها الجميلة بالخداع…..
وهذا لا يريده ان يحدث الآن…….فهو مزال يستمتع
بحيرتها أمامه……….
عادت داليدا تمسح قطرات العرق عن وجهها الأحمر بيدها وتبلع ريقها وهي تخبره للاهثة…….
“يحيى هديك عشرة جني………”
“خالو هيديني خمسين……..ألقف ياخالو……”غمز يحيى لسلطان فضحك سلطان متابع الحديث بانتشاء……
فعقبت داليدا وهي تكاد ان تبكي من اسلوب هذا الصبي الفظ الجلف كخاله……..
“آآه ياوطي يابو قلب قاسي……….على فكرة بقا لو فضلت بالاسلوب ده مش هتلاقي واحده تبص في وشك……احنا مش بنحب الرجالة القاسية…..بنحب الحنينين زي أسومي كده……..”قرصت وجنتي
أسامة بملاطفة فابتسم بحرج……
فهتف يحيى بنزق……..
“انا كده كده مش بحبكم……..لان معظم البنات تافهة……..مع احترامي ليكي يامرات خالي….”
قالت داليدا بغضب يتافقم داخلها…….واصبح الأمر اكثر من لعبة بنسبة له……..
“احترام……دا انت هزقتني…..هات الكورة وانا اسامحك……..”
“لا…………خديها بمجهودك………….”القاها الى سلطان………
فاخذها سلطان ولوح بها لها قائلاً باستفزاز…..
“تعالي خديها يادليدا شكلك تعبتي….تعالي……”
اقتربت من بوجه أحمر مجهد وانفاس لاهثة……
“هات……”
عندما حاولت ان تصل للكرة رفعها قليلاً فمدت يدها فرفعها اكثر وكانه يلاعب جرو صغير…..
جزت داليدا على اسنانها مصممة على اخذها منه…
فبدات بالقفز حتى تصل فضحك وهو يشاكسها
كصغيرة مدللة……
“الكورة اهيه انتي مش طيلاها….. خدي……”
زفرة داليدا بجنون ونفضت حجابها الذي كشف عن نصف شعرها بعد المجهود الرهيبة التي قامت به
في تلك العبة السيئة جداً…… التي استنزفت معها طاقتها ومع ذلك لم تحصل على الكرة حتى الآن…..بسبب سلطان الغليظ……..ويحيى
الجلف…….
ضربته في صدره بغضب ثم بمنتهى الجنون المعروف عنها قفزت عليه وعلقت ذراعٍ في عنقه وباليد الثانية لامست الكرة المتعلقة أعلى كف
يده…….. وكانها تصعد أعلى الجبال……..
“كسبت…..كسبت….. انت اللي فيها مش قولتلك….”
صاحت بها داليدا وهي تضحك وعيناها تشع ألق
الانتصار………ومزالت على وضعها في احضانه
بل وانها لم تتوقع ان تكون ثابته بهذا الشكل
بفعل ذراعه التي تحيط خصرها عندما قفزت
عليه فجأة……
تلاقت بعيناه وكانت النظرة لعيناه عن قرب غريبة
تخلق فوضى داخلها……تسري رعشة بجسدها……… تتعب جزءاً من قلبها…….
دفء يشع من جسده الصلب…. وعطر رجولي يداهم انفها………وذراع قوية تحتوي خصرها…..
“سلطان…….”همست باسمه امام عيناه التي تأسر
نظراتها بقوة……..
الم يحرر قيدها………ويتركها……فهمست راجية
“سلطان……..”
اشتبكت أعينهما في عناق حسي لا يخضع لعقارب
الساعة…………..عناق رغم اللهفة والمشاعر الدافئة المستجدة به كان…………كان مؤلم………
“في واحده عاقلة تعمل كده……..”
أخيراً خرج صوته متحشرجٍ متأثراً من هذا القرب…
حرر سلطان وثاقها وهو ينظر لها بقوة منتظر
ردها……..
“جت معايا كده مخدتش بالي………”احنت راسها أرضا كطفلة مذنبة………
نظر سلطان خلفها للصغار……..فوجدهم ينظروا اليهم ببلاها وقبل ان يعقب أحدهم…..سمعا صوت جدتهم
تصيح منادية…….
“الاكل ياولاد……..سلطان…. داليدا…….أسامة..
يايحيى انتوا راحتوا فين……..”
ركضا التوأم سريعاً لعند جدتهم حنان…….وكذلك
كانت ستفعل داليدا هروباً من نظراته وسؤاله….
“استني عندك……….”
توقفت مكانها وهي توليه ظهرها….وقلبها يخفق بجنون يسارع انفاسها المضطربة…….
عندما شعرت انه يقترب منها اغمضت عينيها…..
منتظرة التوبيخ والكلام الجارح كالعادة…..
لكنها تفاجأت بأنه يسحب وشاح راسها للأمام
حتى يخفي ما كشف من شعرها اثناء اللعب……
فتحت داليدا عينيها تحدق فيه ببلاها…وشفتاها مفتوحة باتساع……..
عندما لاحظ سلطان نظراتها سحب يداه…..
وهو يأمره بغيرة……
“اقفلي بوقك ده………جوز اميرة هيتغدي معانا
عايزك تدخلي الحمام زي الشاطرة كده تعدلي الطرحة و مشفشف شعراية من شعرك برااا الطرحة…….سامعة… ”
قلبت داليدا شفتيها بتهكم…….
“سامعة…… في أوامر تانيه ولا كفاية كده………”
“لما يبقا فيه هقولك……انجري قدامي……”اشار
لها بمنتهى الغرور ان تسبقه……..
زفرة داليدا عدت مرات بعصبية وهي تسير
أمامه بغضب……
ارتفع حاجب سلطان وهو يراقب مشيتها المائعة…
والتي لا أمل في تغيرها مهما علق عليها…..
“ماتعدلي الماشية المايعة دي………..إيه بتترقصي
وانتي ماشيه……. ”
“ياقليل الأدب……..”أحمرة وجنتي داليدا بشدة وهي تركض لداخل شقة والديه بعدما فهمت على ماذا
كان ينظر وهو يسير خلفها………
……………………………………………………………
مرو يومين الإجازة في لمح البصر……وها هي الآن
تجلس خلف مكتبها تتابع عملها عبر الحاسوب بينما
تنتظر دخول أستاذها حتى تخبره بمواعيد بعض العملاء…..
عبق عطره وصل الى انفها قبل رؤيته…. فابتسمت تلقائيا وهي تنظر نحو باب الدخول……
لتجده يدلف من الباب سريعاً نهضت واقفة
باستقبال رب عملها بإبتسامة شبة عملية…….
لكن سريعاً تلاشت البسمة على محياها وهي تراه مقطب الحاجبين عابث غاضب لأ بعد حد…..بل
وبدون النظر إليها…. أمر…….
“هاتيلي قهوتي على المكتب……….”
ثم دخل المكتب واغلق الباب عليه بصمت مريب….
مطت كيان شفتيها مفكرة بعمق وهي تحرك حدقتيها يميناً ويساراً ثم حكت في فكها وتمتمت سراً….
“هو قالب بوزة ليه عالصبح……..يكونش اليومين اللي غبتهم أثروا في الشغل فعشان كده مش
طايقني؟!….” زفرة كيان مضيفة بحيرة……
طب ماهو عارف…. يكونش نسي…. ولا يكون
ضارب خناقة مع خطيبته….وحتى لو
متخانقين انا مال أهلي…….. ”
(القهوة ياكيان…..)
قصف صوته كالرعد من داخل المكتب مما جعلها تنتفض بفزع ثم أتكات على اسنانها بعصبية وسارت
بخطوات غاصبة باتجاه المطبخ لتعد القهوة
للسيد المبجل…….
في المكتب كان يسير في المكتب ذهاباً وايابا بعصبية متحدثاً عبر الهاتف بقلة صبر……
“جبلي صورة من المحضر….وانا هتصرف…..”
دلفت كيان للداخل وهي تحمل صنية عليها فنجان قهوة وكوب ماء…..
عندما مرت من جواره بحذر وهي تحمل الصنية…
وجدت سليم منشغل جداً بالمكالمة الهاتفيّه
لدرجة انه لم ينتبه لوجودها واصطدم في
الصنية بين يداها……..وقد اتسخ قميص
الحلة الأبيض بـالقهوة……….
اتسعت عيناه فجاه عليها بعد رؤية قميصه… وقد انتشر بريق الغضب فيهما ببطئ……..
تراجعت كيان للخلف وبلعت ريقها بتوتر وهي
تعتذر بارتياع……
“اقسم بالله…….اقسم بالله انت اللي دلقتها……”
“اانااااااا……..”اتسعت عيناه اكثر تكاد تبتلعها
الآن……
اومات وهي تفرك في يداها مبررة……
“آآه انت….خدتها بالحضن…..يعني مش شايفني داخله بيها……..انت اللي الغلطان وآلله………”
كور سليم قبضته جانباً محاول التغلب على
غضبه وهو يقترب منها…. فاغمضت كيان عينيها
وقد لامس ظهرها الباب المغلق من شدة
التراجع للخلف………
أنتبه سليم لانكماش جسدها كالاطفال بخوف بل ولعينيها المغمضة بقوة ورموشها المرتجفة بهلع
ملحوظ………
وكانها تتعرض للعنف يومياً……..فقد اخذت وضعها
منتظرة ان تنال عقابها منه ؟!….
“كيان……..”
فتحت كيان عينيها ببطء فكشفت عن فيروزيتان حزينتان يلمعان بالدموع…….همست تلقائياً بشفاه
مرتجفة……
“انا………انا آسفة…….”
مؤثرة عيناها حتى في حزنهما…… ساحرتين !….
اوما سليم وهو يبتعد عنها عدت خطوات
مطمئنها بصوتٍ أهدى……
“حصل خير……زي ماقولتي انا اللي غلط الاول ومخدتش بالي……..”
ثم استرد الحديث بتساؤل…..
“بس……إزاي جه في بالك اني ممكن امد ايدي عليكي….عشان سبب تافه زي ده…….إزاي أصلا
جه في بالك اني مسموح ليا اعمل كده معاكي
او مع غيرك…….”
اهتزت حدقتيها……. وبهت لونها فجاة……وشعرت بغصة قوية تشطر حلقها لنصفين……وهي تلاحق
ذكريات مؤلمة لها ندوب مطبوعة على روحها
لم تمحى ولن تشفى منها بعد فلم تجد لها علاجاً حتى الآن….. وبطل اسواءالذكريات والدها
(عثمان الدسوقي….)
كم مرة تلقت الصفعات والضربات ونالت أشد
العواقب لاتفه الأسباب…..
كلما اوقعت شيءٍ وكسر……..كلما اعترضت على
أمراً يريده….كلما تجاهل رغباتها كطفلة فبكت
بحزن معبرة عنه…فتعاقب….وتعاقب حتى….
تصمت لأمره وترضى…..ويظن ان الصمت الرضا
او ان الحق معه….لكن في الحقيقة هو كسرة
نفس ظلت معها حتى وقتنا هذا ……
ربما هي محظوظة لانها أصغر اخواتها فلم ترى جبروت عثمان الدسوقي كما يجب ان يكون
فبعد وفاة امها تركهما يحملون مسئولية
بعضهم بمنتهى الجحود…….
وقد توفت والدتها في فترة مراهقتها وقد كانت شهد وحمزة يكبراها بالكثير…….كرسا معظم اوقاتهما لها
من عطف لحب لاهتمام…. اعتنيا بها كما لو انها طفلتهما الصغيرة……..لن تنكر انهما كانوا نعم السند
والعطف من يوم ان فتحت عيناها على الحياة…
“هاتيلي قميص من الهدوم اللي شيالها هنا…..”
انتبهت كيان لتلك الجملة لذا نظرة اليه لتجده يفتح ازرار قميصه ويخلعه امام عيناها……..ليظهر جزءه العلوي الرياضي……من بشرة برونزية الى صدر عريض صلب وذراع قويتين بارزتين بالعضلات
وبطن مسطحة تحكي عن لياقة بدنية عالية
يمتمع بها………
جحظت عينيها فجأه واحمرت وجنتيها فوضعت يدها على عينيها صائحة بحنق……
“استغفر الله العظيم……..ليه بس كده…….”
نظر سليم لظهرها بعدم فهم……
“ليه بس إيه………كيان هتيلي القميص بقولك.. ”
لم تستدير بل لوحت بيدها قائلة بوجنتين
مشتعلتين بالحرج…….
“هجيبه بس لو سمحت استر نفسك ولم اخرج
ابقى أقلع براحتك…….”
رفع سليم حاجباه معاً معقباً على الأمر
باستخفاف….
“انتي عبيطه…….انجزي ياكيان مفيش وقت عندنا
جلسة في المحكمة كمان نص ساعة…..”
فارت الدماء في عروقها فاستدارت إليه
ترمقه بحنق شديد……ثم رفعت سبابتها
تلوح بها بكبرياء…….
“اي عبيطه دي…هو انا بلعب معاك…لو سمحت
ياستاذ سليم نحترم بعض في الشغل شوية…..”
انعقد حاجبي سليم وهو ينظر لوجهها ثم للخصلة
المنسدلة على صدغها……اقترب منها ومد يده بتلقائية يزيل الخيط الرفيع المتعلق بها……
“اي اللي على شعرك ده……..”
ارتبكت كيان واهتزت حدقتيها وهي تشعر بانفاسه الساخنة الممزوجة بعطره تلفح صفحة وجهها الحمراء بينما اصابعه تلامس خصلتها يزيل
شيءٍ بمنتهى الحرص والاهتمام……
خفق قلبها بجنون كمؤشرات للخطر القادم عليها….
ابتعدت عنه في لحظة……
فجفل سليم ونظر لوجهها….. بوجنتيها الحمراوين وعينيها الخلابتين……وشفتيها الـ….التي تقضمهم بمنتهى التوتر………
“انتي كويسه…..الفتله دي كانت متعلقة في شعرك……..”رفع الخيط الرفيع امام عيناها
بطرف اصبعه فارجعت كيان الخصلة التي
كان يلمسها خلف اذنها ثم قالت بارتباك……
“هجيب لحضرتك القميص……..”
خرجت سريعاً هاربة….لا تعرف من ماذا…..لكن
المؤكد انها تهرب من شيءٍ ان اكتشفت هوايته
لن تحبذه أبداً…….
…………………………………………………………….
بعد ساعات طويلة مرهقة بداخل قاعة المحكمة
خرجا الإثنين حيثُ سيارة سليم الذي يصفها
جانباً…
استلقت كيان بجواره وهي تخرج تنهيدة تقيلة
مجهدة………
نظر لها سليم بطرف عيناه وهو يدير محرك السيارة……..
“انتي كويسة……..”
ردت بتلقائية وهي ترجع شعرها البندقي
للخلف………
“تعبت أوي…… وجعانه أوي…..”
رفع حاجبٍ مردداً… “جعانه…….”
أدارت راسها إليه تخبره بتلقائية والبراءة تطل من عيناها الفيروزية……
“آآه ينفع واحنا في طريقنا للمكتب تاني….على السكه كده……….انزل اشتري أكل……….اصلي مفطرتش من الصبح…….”
اوما سليم وهو ينطلق بسيارته مقترحاً
بفتور….
“تمام…..لو تحبي انا ممكن اغديكي في مطعم كويس……..”
هزت كيان راسها مصرحة وهي ترفع ابهامها
بثقة……
“لا لا مفيش داعي….انا بروح مطعم كده……”
سالها سليم….. “واسمه إيه المطعم ده……”
لفظت الإسم بارتياح غريب……
” مطعم ام ناني طواجن ومشاوي…….”
“نعم……”أدار رأسه اليها سريعاً……
ففغرت كيان شفتيها مندهشة…..
“انت أول مرة تسمع عن ام ناني….دي مكسرة الدنيا
في اسكندرية……دا انضف مطعم ممكن تاكل فيه……..”
انعقد حاجباه بتشكيك…….. “متأكده ؟!……..”
انبسطتْ ملامح كيان واقترحت بحماسية
شديدة…….
“اضمنهالك برقبتي……بُص انا عزماك…هو على الطريق هنتأخر نص ساعة بس…. قدروا وقت
البريك ونتغدى هناك…..قولت إيه…..”
واثناء القيادة رد سليم عليها مفكراً…..
“على حسب المطعم اللي هروحه…..ممكن ميعجبنيش….”
اشارت كيان على جانب عنقها مقلدة حمزة حينما يصر على شيءٍ ويكن جاد مئة بالمائة به…..بينما
تقول بمنتهى التفاخر……..
“هيعجبك….بقولك اضمنهولك برقبتي ….
عيب بجد ياستاذ دا انت مع كيان…على فكرة انا
لولا النصيب كان زماني مرشدة سياحية…..”
“لا والله……” نظر إليها بطرف عيناه وقد
كبح ضحكته بصعوبة…….
اومات كيان مصرة وبالغت بالقول……..
“آآه والله…..انا الأماكن اللي بخترها لازم تكون
سوبر ستار………أماكن معديه…..متقدرش تمسحها
من ذاكرتك أبداً حقيقي…….”
لمعة عيناه بتسلية فقال…..
“حمستيني…….يبقا نطلع على مطعم أ…..”
اضافت بمنتهى الفخر……
“ام ناني طواجن ومشاوي……..”
فلتت الضحكة من بين شفتيه ولم يتوقع انه سيجد ضحكاته المسروقة منه وسط الضغوطات والافكار المزدحمة بداخل رأسه…….
نظرة كيان الى انبساط ملامحه الرجولية بضحكة خشنة جذابة اطالت عمقاً حتى وصلت الى عيناه
العميقتين والتي تكاد تضيع في ظلامهم الحالك
كلما نظر إليها بقوة……..
ادارة وجهها للناحية النافذة مبتسمة…..وهي تتابع الطريق الراكض أمامها…….
بعد دقائق صف السيارة جانباً وترجل منها برفقة كيان التي اتسعت ابتسامتها وهي ترى المطعم
الشعبي الصغير مفتوح ابوابه ويعج بالزبائن……
“هو ده……”أشار عليه سليم دون تعبير واضح………
اومات كيان وهي تخبره بصلف…..
“شوفت زحمة إزاي من حلاوة وطعامة الأكل….”
لم يعقب سليم بل دخل برفقتها يدور بحدقتيه حول المطعم البسيط ورائحة اللحوم والدهون التي تفوح
منه رغم انها شهية جداً…… إلا انها غريبة قليلاً…….
عند دخولهما من الباب تقدمت منهما سيدة ممتلئة الجسد سمراء البشرة تلف وشاح راسها بشكلاً عشوائياً بل كل ما بها يضج عشوائية مفرطة
غير محبذة أبداً…….
“ام ناني…….. وحشاني……”راى كيان تسلم عليها بحرارة فردت الأخرى بحفاوة……..
“ابله كيان….ازيك يا ابله بقالك كتير مجتيش عندنا… هو اكلنا مبقاش بيعجبك ولا إيه……..”
وزعت كيان انظارها عليهما بتساوي وهي
تخبرها…..
“لا طبعاً هو انا اقدر استغنى… بس الشغل بقا… جبتلك كمان معايا ضيف… استاذي المحامي سليم الجندي……..شكرت في أكلك فأصر يجي يدوق بنفسه……”
رحبت السيدة به بحفاوةٍ
شديدة……
“ينور… دا مكانكم…. أهلا يا استاذها…….”
اختصر سليم بـايماءة بسيطه…..
“اتفضلوا…… المنيو قدامكم اختاروا منه اللي يعجبكم كله موجود……..” اشارت لهم السيدة بالجلوس على أحد الطاولات ثم ذهبت سريعاً لتساعد في تخفيف الزحام…….
جلسا الاثنين امام بعضهما على أحد الطاولات… ثم مسك سليم ورقة المنيو وبدأ يقرأ مابه…..
انزلت كيان ورقة المنيو قليلاً للأسفل حتى
ظهرت عيناها الفيروزية بوضوح فسالته
ببراءة….
“اي رايك في المطعم…….”
رد بفظاظة وهو ينظر لعيناها الجميلة
بقوة……
“لسه مكلتش عشان أقول رأيي…….”
هتفت كيان مبتهجة…..
“مش قصدي على الاكل على المكان…….محستش براحة نفسية….. ”
رد بفتور…… “لا…… عادي……”
سالته بنفس الابتهاج لعلها تجد شيءٍ
أعجبه هنا……
“طب وريحة الأكل والاجواء والزحمة…..”
رد بفتور دون النظر إليها…….. “عادية….”
وضعت الورقة جانباً وقالت
مستاءة….
“انت مفيش حاجة بتبهرك أبداً….”
هز راسه سائلاً بخشونة……. “مش فاهم……..”
انحنت كيان على الطاولة وقالت بهمساً
جاد….
“يعني اسمحلي اقولك ان قلبك ومشاعرك من كتر الركنة تربُة……..محتاج تنضف تمسح التراب تفتح
الشبابيك تدخل الشمس والنور لحياتك…..بتبصلي كده ليه………قولت حاجة غلط….. ”
توقفت وهي ترى عيناه مسمرة عليها بدهشة…لأول
مرة يجد من يحدثه عن دواخل شخصيته….وللعجب
يكن رغم الاندهاش البادي عليه مستمتع بالحديث
الخارج عن أطار العمل المحدد بينهما…..
هز راسه وهو يدفعها للمتابعة….
“كملي المفروض اعمل إيه كمان……”
قالت كيان بإختصار….
“يعني تشوف ناس تروح اماكن جديدة…… تغير روتينك العادي من الشغل للبيت ومن البيت للشغل……”
ضيق عيناه بخطٍ مستقيم
معقباً….
“مركزة معايا اوي ياكيان…….”
قالت كيان ببساطه……..
“طبيعي على فكرة انا بقعد في مكتبك اكتر ما بقعد في بيتنا……..”
رمقها بنظرة خطرة قائلاً بخشونة…..
“وانا جايبك تقعدي ولا جايبك تشتغلي……”
صاحت كيان بعد تلك النظرة
بارتياع….. “مانا بشتغل والله……”
ضحك سليم فجأه فهدأت من روعها وهي تضع
يدها على قلبها بفزع……
“بعد بصتك شكيت في نفسي…….”
تلاشت الضحكة بتدريج حتى قال
ساخراً…….
“قلبك رهيف….دي تضاف لشخصية المحللة
النفسية…… برافو…….”
هتفت بحرج ….. “بتتريق يا استاذ……..”
سالها وهو ينظر لقائمة الطعام مجدداً…..
“خلينا ناكل مش قولتي انك جعانه…..هتختاري
إيه….. ”
كانت سترد كيان وهي تبتسم برقة لكنها وجدته
يداعب ساقيها من أسفل الطاولة……
تلاشت الابتسامة ونظرة كيان اليه بصدمة وقد
أحمر وجهها بغضب وهي تهتف بعصبية……
“أحترم نفسك ياستاذ سليم….ولم رجلك…..”
ارتفع حاجبه بصدمة حقيقية…… “نعم……”
اشتعلت وجنتيها بحرج….وقالت
بغضب طفيف…..
” انت عمال تخبط في رجلي ولا مش واخد بالك…….”
عبس وجه سليم قائلاً بصلابة…
“بس انا محركتش رجلي من مكانها…….هلمسك إزاي
يعني…..وبعدين انا هعمل كده ليه أصلا……”
برمت شفتيها ونظرة اليه بازدراء
مغمغمة….
“الله واعلم إيه اللي في ضميرك من ناحيتي…..”
هتف سليم بحنق شديد…..
“كيان انتي الكوري آثر على دماغك…..”
“عرفت منين اني بتابع كوري…….يووه ياستاذ سليم رجلك لو سمحت…….”صاحت بعصبية وهي تقفز واقفة….
نهض سليم كذلك خلفها هاتفاً بنفاذ
صبر….
“يابنتي انا مجتش جمبك أصلا… انتي ليه مش مصدقة…….”
شعرت كيان بان مزال هناك من يداعب ساقيها لذا
اتسعت عينيها برعب…..وتمتمت………
“أمال….. امال… اي ده……” نظرة اسفلها لتجد
فأرين صغيرين يقفزوا ويلعبوا حول ساقيها…..
انتفض جسدها مشمئزاً بخوف ثم سريعاً
صعدت فوق الطاولة صائحة برعب…..
“فار……فار………فار…….”
“فار ؟!….. فار هنا……….”انحنى سليم ينظر اسفل الطاولة ليرى الفئران بالفعل تهرب من اسفل الطاولة
إلا مطبخ المطعم !!…….
زم سليم شفتيه بقرف وهو ينظر اليها وكانت هي أيضاً رغم الخوف والفزع تراقب دخولهما المطبخ
بصدمة…..وكانه مسكنهم الأمن !!……
عندما احتدت نظرات سليم النارية عليها ادارة
وجهها مبررة الموقف……..
“على فكرة المطعم كويس واكلهم حلو……يعني
حتى لو عندهم فيران ده مش ذنبهم…….”
“مش ذنبهم ؟!………تمام معنى كلامك انك هتقعدي تاكلي…….”سحب سليم نفساً حاد منتظر ردها….
شعرت بانقلاب معدتها مع تذكر الفئران وقد اوشكت
على التقيؤ…وهي تخبره برفضٍ تام……
“لا طبعاً انا بطني وجعاني ومش عايزة أكل…..”
قال ساخراً….. “غريبة مع انك كنتي جعانه…..”
حملت حقيبتها على كتفها وقالت
بامتناع…. “نفسي اتسدت…….”
أراد ان ينال منها قليلاً على تلك العزومة
الفاشلة بكل المقاييس لذا قال بسخط…..
“إزاي دا ام ناني طواجن ومشاوي برضو… قعدي
قعدي…..على ماتلـفـلـنا الفارين في سيخ ناخدوه معانا اهو نقزقز فيهم في السكة………”
نظرة كيان له بقرف وعندما ترجم عقلها كلماته المقززة انقلبت معدتها أكثر لذا وضعت يدها على فمها وركضت للخارج بسرعة…….
تحرك سليم للحاق بها…..هو يضحك بقوة فعلاً لن ينسى هذا الموقف ولو بعد مائة عام……..
عندما وصل اليها وجدها تستقل السيارة بمكانها جواره…… ففتح الباب وجلس جوارها سائلاً…
“انتي كويسة…….”
هتفت كيان وهي تكاد ان تبكي من شدة الحرج
ومن سخافة الموقف بداخل…….
“استاذ سليم لو سمحت…..متكررش كلامك ده تاني
انا معدتي قلبه خلقه……..”
سالها وهو يكبح ضحكته
بصعوبة…..
“بقالك اد إيه بتاكلي عند ام ناني؟…….”
اجابة باقتضاب…. “تلات سنين………”
هتف سليم بتعجب وكانه يرى معجزة
حية أمامه……
“بجد !!….. تلات سنين ولسه عايشة……”
لم ترد عليه بل اشاحت بوجهها بحرج أكبر
فقال سليم بمزاح غليظ……
“اتكتبلك عمر جديد….دا طلع زي مابيقولوا معدة المصريين تطحن الزلط………..بس مقلوش الفيران بصراحه……”
خجلت كيان وهي تخبره…..
“بس انا مكنتش باكل فيران……”
استخف الإجابة فلوى
ثغره…. “مفرقتش كتير والله……”
أرادت ان تغير الحديث
فقالت….”احنا اتأخرنا على المكتب….. ”
اوما براسه وهو يدير محرك
السيارة….
“نتغدى الاول وبعدين نطلع على الشغل…..”
قالت بامتناع ومزال شعورها بالتقيؤ يموج في
حلقها……..
“نتغدى ؟!…..بس انا مليش نفس……معدتي وجعاني……….”
تجاهل حديثها وانطلق بسيارة لوجهةٍ محددة……..
…………………………………………………………….
تنهدت بارتياح وهي تغلف اخر طلب لليوم…..
أول يوم في المطعم بدون زبائن !…. ومع ذلك
الطلبات التي اتتها عبر الهاتف كانت كفيلة بان
تظل لعشر ساعات واقفة على قدميها…..
وجبات الطعام التي تعدها وتعرضها عبر الانترنت
هي التي شجعتها لدخول مجال الطهي والتطوير
فيه….واصبح لها زبائن متنوعة……فهناك من يطلب الوجبات المعتادة شبه تقليدية….. وهناك من يفضل الوصفات الغربية لعدة مطابخ معينه كالاسباني
….الفرنسي…الامريكي…. الهندي….ولانها تحب
الطهي بجميع انواعه وأيضاً كانت الشهادة الجامعية
جزءاً منه ابدعت وتعلمت حتى عندما تمتلك مطعم احلامها تكن مؤهلة لكل شيء…….
رفعت عيناها لخلود بتساؤل…….
“ها ياخلود خلاص…….اديتي لبشير عناوين الزباين
اللي هيوصلهم الاوردرات…….”
اومات خلود وهي تحمل الكيس عنها….
“اه كله تمام……هاتي عنك……”
رفضت شهد وخطت به للخارج……..
“خليكي………انا هطلع…..عشان أأكد عليه…”
عندما خرجت شهد حاملة الاكياس وجدت بشير يفتح باب السيارة ويتقدم منها قائلاً…..
“كده خلاص ياست شهد……. ولا لسه فيه حاجة
تانيه……”
هزت شهد راسها وهي تأكد عليه بجدية…..
“لا كده تمام….. العناوين في الورقة معاك…. ركز يابشير اوعى تلغبط الاوردرات زي المرة اللي
فاتت…..”
ضحك بشير قائلاً بحرج….
“يااه ياست شهد……….لسه فكرهالي…..”
ابتسمت شهد متذكرة مواقف العمل الطريفة
بينهما فهو وخلود كانوا أحياناً يعملون معها
عندما يكن لديها ضغط في العمل….وطبعاً
كان المكان الانسب للطهي مطبخ بيتها……….
“هي دي حاجة تتنسي……دانت احرجتني
مع الزبونتين يومها……”
اتجه بشير للسيارة واستقل بها
قائلاً…..
“قدر ولطف…… اهيه عدت……”
اكدت عليه مجدداً….. “ماشي بس خد بالك…….”
اوما براسه وهو يدير محرك
السيارة……
“عنيا حاضر………..سلام عليكم…….”
انطلق بسيارته بعدها فادارت شهد ظهرها كي تدخل المطعم لتجد صوتٍ رجولي يوقفها….صوت بات مألوف لها مؤخراً….لكنه مزال مزعج ويستفزها……
“ماشاء الله أوردرات من أول يوم كده….دا
الجمال ذات نفسه معملهاش….مع ان المطعم
ده….. كان الفرع التاني ليه…….”
إغتصبت شهد البسمة وهي تستدير له…. لتراه يقف
عند سيارة سوداء فارهة امام المحل الشاغر الذي يفصل بين المطعم والصاغة…….يقف مستند على سيارته وفي يده الهاتف ينظر له باهتمام……..
“امسك الخشب ياستاذ عاصم…. مش كده…..”
رفع عيناه القاتمة للشهد الذأب في حدقتيها……
فضاع قليلاً وتلبك داخلياً….. لكن في الأخير
رد باعجاب خفي……
“مانا قولت ماشاء آلله……. بس برافوو…. شكلك
عارفه انتي بتعملي إيه كويس……”
هزت راسها متسائلة……
“ودي حاجة كويسة ولا وحشة…….”
“في الحالتين ترجعلك…….” كان رد قاطع شعرت
بعدها بالحرج فقالت وهي تستدير مغادرة
للداخل…
“تمام عن إذنك…….”
“شهد……….”
نداها مؤجرها الغليظ لأول مرة باسمها مجرداً دون القاب مسبقة…..وهذا ازعجها بشدة ……لكن الازعاج
الأكبر من تلك الخفقة العالية…..أصأبت قلبها بخلل
لا تدري لِمَ……..لكن المؤكد انها كلما نظرة اليه شعرت بالحنق والضيق….وكانه يستفز اعماقها محاول نزع
قناع التحضر والهدوء التي تتحل بهم امام الجميع
سحبت نفساً طويلاً تهدأ من جنون خفقاتها ثم استدارت إليه منتظرة بنظرات هادئة……
آآه من عيناكِ إذا اصابت الهدف !!…ابتلع عاصم
ريقه وهو ينظر اليها بأمر قوي………
“الساعة عشرة هتلاقيني فوق رأسك……..”
لم تعطي اية إشارة بل ظلت معلقة عيناها
عليه وهو كذلك لمدة دقيقة…….
ثم انسحب بهدوء من أرض المعركة….معركة اسلحتها مخفيه عن الأعين……معركة نشأت بداخلهما دون سابق انظار……..
انطلق بسيارة السوداء امام عيناها الحانقة….و…
الضائعة…..لن تنكر انها ضاعت لأول مرة وهي
تحادث رجلاً…………..
عندما وصل للمنزل صعد الى غرفته ليبدل ملابسه باخرى مريحة حتى يذهب للصيد كما اتفق مع حكيم……..
لم يتصادف بأحد اثناء طريقة للأعلى…..فقرر بعد
ان يبدل ملابسه ان يطمئن على جدته قبل
خروجه ويبلغها حتى لا تقلق…….
فمن يوم وفاة والديه وسفر أخته….وكل الاهتمام الفائض يصب عليه هو…..وهو لن ينكر ان اهتمامها
هو الشيء الوحيد الدافئ في حياته…..ورغم انه في اواخر الثلاثينات من عمره…..إلا انه مزال بحاجة
لتلك الاشياء البسيطه التي تمنحها له………
عندما فتح عاصم الباب أضاء الغرفة وهو يخلع
سترة الحلة……..
لكن لم يلبث إلا وانعقد حاجباه بشدة…..وبرزت عروقة في لحظة وتحولت نظراته الفاترة الى
نظرات سفاح على وشك ارتكاب جريمة……
التوى فكه بتشنج وازداد سعير انفاسه الغاضبة
وهو يرى (رُفيدة…)تستلقي على سريره بمنتهى الاريحية ترتدي قميص نوم قصير يشع اغراء ويكشف عن الكثير

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية الحب أولا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى