روايات

رواية أزهار بلا مأوى الفصل السادس 6 بقلم نورا سعد

رواية أزهار بلا مأوى الفصل السادس 6 بقلم نورا سعد

رواية أزهار بلا مأوى الجزء السادس

رواية أزهار بلا مأوى البارت السادس

رواية أزهار بلا مأوى الحلقة السادسة

ـ عشان يرفعوا الفديو على الـ ـدارك ويب!
شهقت بعنف وهي تضع يدها على فمها سريعًا، دارك ويب! الموقع المُظلم! ذلك الموقع الذي يفعلون فيه كل شيء مُحرم
على وجهة الأرض هو كان يُستخدم فيهِ! فعند تلك النقطة أنخرط “ياسين” في نوبة من البكاء الشديد، تركت هي كل شيء في يدها سريعًا ونهضت من مكانها واقتربت منه، ركزت على ركبتيها لكي تجلس أمامه ثم فتحت له ذراعيها على وسعهما لكي يرتمي بداخلهما سريعًا، تشبث فيها وكأنه يقول لها احميني من ذلك العالم! ربتت على خصلاته المموجة وهي تحاول أن تُهدئه بكلماتها، كان ينحب ويبكي بعنف في أحضانها، ورغمًا عنها بكت هي الأخرى على بكاءه؛ فكيف على طفل في مثل عمره أن يرى كل تلك القسوة من العالم ومن البشر؟ وكيف على بشر أن يفعلوا كل تلك الأشياء في براعم صغيرة مازالت جذورها تُنبِت! وكأنهم يريدون أن يقلعوا تلك الجذور قبل أن يظهر لها ملامح! وكيف على أنسان أن يكون بكل ذلك الأذى في الأساس؟ وكأن الله انتزع من قلوبهم كل معالِم الرحمة والأنسانية التي يتميز بها أي إنسان سوي! ولكن بالتأكيد يوجد عبرة لكل ما حدث، حتى وأن كانت غير ظاهرة لهم الآن ولكنها بالتأكيد ستوضح الرؤية عاجلًا أم أجلًا!
༺༻
انتهت “ليلى” من جلستها مع”ياسين” ثم ترجلت نحو مكتبها، كانت تجلس وهي تحاوط رأسها بيديها، تفكر في كل حرف وقع على مسمعها، تفكر في كيف تساعد هؤلاء الأطفال، وأثناء اهنماكها في التفكير دخلت عليها “سلمى” عابسة الوجة، رفعت وجهها لها ثم سألتها مستفهمة:
ـ مالك؟
جلست الأخرى أمامها وهي تتنهد بعمقٍ ثم قالت:
ـ أنا من امبارح للنهاردة عرفت بلاوي مكنتش أتخيل أنها موجودة يا “ليلى”
تنهدت “ليلى” هي الأخرى وهي وتنظر إلى اللا شيء أمامها وهي تقول:
ـ أكيد مش أسوء من اللي عرفته.
ثبتت “سلمى” نظراتها هلى صديقتها وبشغفٍ سألتها:
ـ عرفتي إيه؟؟
صمتت لثوانٍ ثم بدأت “ليلى” أن تقُص عليها كل ما عرفته من “ياسين” أخبرتها لماذا ذلك الطفل يتعامل معهم بتهجم واضح وحذر شديد، فهمتها أنه يفتقد الأمان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كانت الأخرى تسمعها بأسى واضح على ملامح وجهها، وبعدما افرغت “ليلى” من حديثها وصمتت، بينما “سلمى” فتنهدت بإرهاق وقالت:
ـ واضح أن الولاد دول عانوا كتير، أنا كمان لسه عارفة أن سمير….
بدأت هي بقص الجزء الذي يخُص “سمير” كانت مفاجأة “ليلى” مضاعفة، كل ما ترك على رأسها هو كيف؟ كيف على طفل مازال ينمو جسده أن يعرف تلك السموم؟ كيف على طفل مازال يكتشف الدنيا؛ ينغمس في جانبها المظلم بتلك السرعة؟ بعدما فرغت “سلمى” من الحديث قابلت “ليلى” وهي تنهض سريعًا وتهتف بنبرة غاضبة:
ـ هي أزاي مديرة الدار دي متقولناش كل اللي بيحصل ده؟؟ أزاي متعرفش أن في ولد صغير من اللي عندها بيدخل جسمه السم ده؟ أزاي أصلًا الحاجات دي بتدخله وهو هنا!
وقفت “سلمى” مقابلها ثم قالت لها بهدوء وهي تحثها على الجلوس من جديد:
ـ هي ملهاش الحق أنها تقولك أن “ياسين” مر بكذا وكذا يا “ليلى” لأن بيساطة هي متعرفش أنهي نقطة في حياته بالظبط اللي وجعاه! وهو ده شغلك.
جلست أمامها بعدما راقبت ملامح وجهها التي بدأت أن تَلين ثم واصلت:
ـ أما “سمير” فهي متعرفش عنه حاجة، هي مكنش في بالها أنه بيعاني من مشكلة كبيرة أصلًا! واللي كان بيجبله الحاجات دي طفل من برا المفروض أنه صاحبه.
انتهت من حديثها وحل الصمت بينها، ولكن بعد فترة وجيزة سألت “ليلى” وهي تقضم في أظافرها بتوتر ظاهر جليًا على ملامح وجهها:
ـ والمفروض هنعمل إيه دلوقت مع “سمير”؟ أحنا لازم نتحرك.
نهضت “سلمى” سريعًا من مكانها وهي تنظر لصديقتها وكأن عقلها بدأ أن يعمل من جديد، أخذت دفترها التي دوّنت فيه كل ملاحظتها التي تخُص الطفل ثم قالت “لليلى” وهي تهمّ للرحيل:
ـ لازم أبدأ أني أساعد سمير أنه يتعافى من السم اللي دخل جسمه، وده مش هيحصل غير لما “سهام” تعرف، أنا هتحرك دلوقت على مكتبها، عشان أقولها اللي المفروض يحصل.
أومأت لها صديقتها دلالةً على موافقتها بما هي تود فعله، ثم سحبت الأخرى حقيبتها وقالت لها:
ـ وعايزاكِ تطلبي منها أنها تنقل “سمير” أوضة “مالك” و “ياسين” وأنا هروح أكلم الولاد أنهم يقربوا من “سمير” أكيد ده هيفرق معاه جدًا.
ابتسمت لها “سلمى” بحزن ثم أضافت لها:
ـ هو بُعده عن الكل كان هو السبب الرئيسي في اللي حصله.
ربتت الأخرى على كتفيها بهدوء ثم حثتها على الرحيل، وبالفعل تحركت صديقتها متجهة نحو مكتب السيدة “سهام” بينما هي اتجهت نحو غرفة الأطفال، مشت ممر طويل حتى أصبحت تقف أمام الغرفة، مدت يدها وفتحت بابها وهي تدور بعينيها على فراش الأطفال، حيث كان كل غرفة تحتوي على خمسة أفرِشة بجوار بعضهم لا يفصلهم غير مسافة صغيرة، وقعت بنظرها عليهم فترجلت نحوهم وعلى محياها ابتسامة بسيطة، كان “مالك” يختبئ أسفل المفرش القُطني و “ياسين” هو الذي مازال مستيقظًا، اقتربت منه على الفراش وهي تفتح له ذراعيها، وبفرحة عارمة ارتمي بجسده نحوها وسكن في أحضانها، ربتت على خلاصته وهي مازالت مُبتسمه، بعدما خرج من أحضانها سألها مستفسرًا:
ـ أنتِ لسه ممشيتيش؟
هزّت رأسها بالنفي وهي تقول له مُردفة:
ـ لا لسه، قولت أجي اسلم عليك قبل ما أمشي.
ابتسم لها بهدوء ثم قال لها:
ـ كنت مبسوط النهاردة أني قضيت اليوم معاكِ، وكلامي معاكِ حسيته أنه ريحني، حاسس أني مش محبوس زي الأول!
كانت تنظر لملامحه العاذبة وهو يتحدث ببساطة، ابتسمت هي دون أن تشعر ثم مسكت كف يده الصغير وقالت له:
ـ طول ما أنت حابس نفسك جوا مخاوفك هتفضل خايف، لازم تتحرر وتخرج برا مخاوفك دي، الماضي خلاص حصل وانتهى، المستقبل هو اللي لسه قدامنا!
وفي حركة مفاجأة منه ارتمي في أحضانها دون كلمة! وكأنه هكذا يشكرها على ذلك الشعور الذي تحرر مِنه، شعور الخوف وعدم الأمان! ربتت على ظهره بحنان ثم خرجته من أحضانها، كانت عيناه تمتلئ بالدموع، مدت يدها ومسحتها له وهي تقول له بملامح حزينة على حاله:
ـ أنا عارفه أنك قوي يا “ياسين” واللي خلاك تعدي اللي فات، هتعرف تبني معايا اللي جاي.
أومأ لها بقوة وكأنه هكذا يطرد كل شعور سلبي يريد أن يؤثر عليه، ابتسمت هي وربتت على وجنتيه بحنو وهي تقول له بنبرة عابثة:
ـ بس أنا بقى عايزة منك طلب وخايفة لتكسفني.
هزّ رأسه بالنفي وهو يقول لها بملامح بريئة:
ـ مقدرش أكسفك! قولي عايزة إيه؟
انتهى من جملته وهو يقترب منها لكي تتحدث، أما هي فجارته وأقتربت منه وبصوتٍ منخفض كانت تقول له:
ـ تعرف”سمير” صاحبكم؟
أومأ لها سريعًا وانتظرها تواصل؛ فاسترسلت بالفعل وقالت:
ـ أنا عايزاك تقرب منه أنت و “مالك” ومتسبهوش لوحده.
نظر لوجهها بتعجب وهو يعقد جبينه بعدم فهم، كانت ملامح وجهها جديّة لذلك سألها:
ـ أشمعنا يعني؟
نكست رأسها للأسفل ثم أردفت بنبرة حزينة أتقنت تمثيلها:
ـ عشان هو زعلان أنه لوحده، ومش بيلاقي حد يلعب معاه، وحاسس أنه ملوش صحاب.
ابتسم لها عندما فهم، وبحماس يقفز من مقلتيه قال لها:
ـ بس كده؟؟ خلاص وعد أنا و”مالك”هنفضل معاه دايمًا، عشان ميحسش أنه لوحده.
ثوانٍ ثم أضاف:
ـ وممكن كمان تكلمي مَس “سهام” تنقله عندنا هنا، عشان هو لوحده في الأوضة التانية.
ابتسمت على تفكير ذلك الطفل، غمزت له وبمشاكسة كانت تقول له:
ـ وأنا هخلي مَس “سلمى” هتروح تتكلم مع مَس “سهام” في الموضوع ده.
انتهت من كلماتها وهي تغمز له بمشاكسة، وانتهى اللقاء بابتسامة تُزيّن وجههما.
༺༻
أما “سلمى” فكانت تجلس أمام السيدة “سهام” بملامح يظهر عليها التوتر جليًا، لاحظت السيدة أنها تريد أن تقول شيء،؛ لذلك خلعت نظراتها الطبيعة وبعدما نظفت حنجرتها قال لها:
ـ وصلتي لمعلومات جديدة يا أستاذة “سلمى”؟
وكأنها هكذا شجعتها لكي تقول لها ما يقبع بداخلها، نظرت لها ” سلمى” وبوضوح وعلامات الجديّة التي يتغللها نظرات الحُزن كانت تقول لها:
ـ أنا يا أستاذة عرفت معلومات مهمة جدًا تخُص الطفل “سمير” كان لازم حضرتك تعرفيها.
قلقت الأخرى، وباهتمام كانت تسألها:
“سمير”؟؟ ماله؟؟
لا تعلم كيف تقول لها، ولكن في نهاية الأمر لابد أن تعلم؛ لذلك نكثت رأسها للأسفل وقالت لها بصوتٍ مبحوح:
ـ أنا عرفت أن الولد بِستنشق نوع من أنواع المخدرات المُنتشر حاليًا.
صُدمت السيدة، شهقة مُفزعة صدرت منها وهي تنهض وعينيها مفتوحاتان على وسعهما غير مستوعبة ما وقع على مسمعها، وضعت يدها على فمها سريعًا غير قادرة على التحدث، وقفت “سلمى” سريعًا ومسكتها برفق من معصمها وحثتها على الجلوس من جديد وهي تهدئها قائلة:
ـ أهدي، أنا… أنا أتكلمت معاه والمشكلة شبه أتحلت والله.
جلست الأخرى والصدمة مازالت مُسيطرة عليها، كوبت رأسها بين يديها ثم همست بصوتٍ يُكاد يُسمع قائلة:
ـ بيشِم؟ بيشِم إيه وأزاي؟؟
طرحت سؤالها وهي ترفع عينيها لها وهما مغرورقتان بالدموع، نظرت لها الأخر بقلة حيلة ثم أردفت:
– الغراء…أو..أو الكُلّة بمعنى أصح.
جلست على كرسيها وهي تشعر أن الأرض تدور من حولها، نظرت لها بتيهٍ ثم سألت:
ـ أزاي؟ وصل ليها ازاي؟
وفي محاولة من “سلمى” للتخفيف عليها قالت لها:
ـ قولي الحمد لله أننا عرفنا دلوقت، بس.. بس أحنا محتاجين نتحرك.
أخيرًا هدأت السيدة، أخذت نفسًا عميق ثم قالت وهي تُهِم بمسح دموعها:
ـ قوليلي إيه المطلوب يا دكتورة؟ ومين اللي بيدخله الحاجات دي هنا أصلًا؟؟
تحمست الأخرى، أعتدلت في جلستها ثم مسكت ورقة وقلم من على ذلك المكتب وبدأت في رسم مخطوطات وهي تشرح لها الخطوات القادمة قائلة:
ـ دلوقت أول خطوة وهي أني هاخد “سمير” وهعمله تحاليل عشان أعرف هو حالته إيه، وعشان اسأل حد متخصص طريقة سحب المُخدر من جسمه هتكون أزاي.
أومأت لها السيدة بالإيجاب في حين أن هي أنتقلت للنقطة الأخرى وقالت:
ـ تاني خطوة وهي الشخص اللي بيجبله المخدر ده، الولد ده لازم أشوفه يا مدام “سهام”
وجهت لها أخر جملة وهي تنظر لها مباشرةً، أومأت لها الأخرى لكنها سألتها:
ـ بس ليه عايزة تقابليه؟ ما نمنعه من الدخول هنا تاني وخلاص.
هزّت “سلمى” رأسها بالرفض وهي تعقب على حديثها قائلة:
ـ مينفعش عشان كده أحنا مش بنحل مشكلة، أنا لازم أعرف الولد ده بيشتغل تبع مين، وليه بيجيب “لسمير” بالذات وأزاي أصلًا أتعرفه على بعض!
نظرت لها السيدة بأعجاب ولم تعقب عليها، ولكن “سلمى” عادت مرة أخرى للورقة وواصلت وهي تكتب على تلك الورقة:
ـ الخطوة التالتة وهو دورنا كلنا، أنا دوري أعرف إيه اللي مخبيه “سمير” ودور الدار هنا هو الأحتواء.
أومأت لها السيدة وعلى ثغرها ابتسامة صغيرة، نهضت من مكانها وتقدمت منها، مدت لها يدها لكي تصافحها بحرارة وتقول لها بمتنان:
ـ أنا مش عارفه أقولك إيه، لولاكي مكنتش عرفت اللي بيحصل، بجد أنا مبسوطة أنكم مخيبتوش ظنّي! وبشكر ربنا أني مسمعتش كلام الناس اللي حواليا اللي قالو في حقكم أنتوا وزمايلكم الأخصائيين كلام حقيقي مش في محاله إطلاقًا، حقيقي أنا بشكركم من كل قلبي.
ابتسمت لها “سلمى” بهدوء وهي تبادلها المصافحة وتقول لها:
ـ ده شغلي يا مدام “سهام” ودورنا أننا نعدي بالولاد دي لبر الأمان، زيكم بالظبط!
انتهت تلك المقابلة بأتفاق “سلمى” مع السيدة “سهام” على موعد لأخذ الطفل لمشفى لكي ينتهوا من أجراءات التحاليل اللازمة، وطلبت منها أنها تذهب مع “سمير” بمفردها للمشفى لكي لا يخاف ولا يفقد الثقة فيها، ووصتها أيضًا أن تتعامل معه بطريقة طبيعية ولم تخبره أو تعاتبه على أي فعل الآن.
༺༻
كانت “سلمى” خرجت من الدار ودلفت لسيارتها، رأت اسم “حسن” يُنير شاشة هاتفها، ألتقطت هاتفها سريعًا وأجابت عليه، بعد السلامات والتحيّات سمعته يسألها لماذا تأخرت اليوم، شعرت في تلك اللحظة أنها تُريد أن تشاركه ما حدث معها في هذا اليوم الدسم بالنسبة لها، وبالفعل ابتسمت ثم قالت له بحماس:
ـ اتأخرت عشان حصل حاجات كتير أوي النهاردة، تعرف أني أكتشفت أن في طفل بيشِم كُلّة يا “حسن”؟؟
ـ يا حول ولا قوة إلا بالله، أزاي بس الكلام ده، تعرفي أن ده مسير أغلب الولاد اللي حياتهم كده، أنا كنت بنزل أنا وصحابي نوزع أكل على الناس المشردين وكنا بنشوف الحاجات دي بعنينا وأكتر كمان.
انتهى من حديثه ولم يعطيها الفرصة على الرد فقط واصل حديثه قائلة:
ـ المهم هنروح أمتى نشوف فستان الخطوبة؟ أنا شوفت بدلة..
كانت تنظر للهاتف وهي عاجزة عن الرد، كانت تسمعه وهو مازال يثرثر بحديث فارغ بالنسبة لها، وبغضب قاطعت حديثه وأعتذرت وأغلقت الهاتف معه، كانت تنظر للهاتف بنظرات خاوية، لا تعلم لماذا شعرت أنه مثله مثل من تريد أن تهرب منهم!
هو يقلل من أهتمامتها مثلهم، هو لم يسمعها مثلهم، هو لم يكترث لإنجازتها مثلهم! ترى أن لا يوجد شيء مميز بهِ لكي تربط حالها بهِ، تشعر أنه لا يوجد ما هو مشترك بينهم لكي يستطيعا أن يواصلا الحياة سويًا، هو لم يشبهها، لا يوجد بهِ ما كانت تبحث عنه بعيدًا عن بيتها، أليست كلها أسباب لكي ترفض تلك الزيجة؟ هكذا كانت ترتب أفكارها وتحدث حالها، ولكنها نهت تلك المناقشات الداخلية لأنها وصلت أسفل بناية منزلها، اِلتقطت هاتفها ثم ترجلت للأعلى وهي تفكر ماذا ستقول لوالدتها؟
༺༻
كانت “ليلى” وصلت منزلها للتو، وبتعب وإرهاق شديد كانت تخلع ملابسها وتقف أسفل صنبور المياة لعله يُهدئ من روعتها من ما سمعته اليوم؛ فهي منذ ما علمته عن هؤلاء الأطفال المساكين وهي تشعُر بالخوف يحاوطها! علمت اليوم أنها منذ نضجها وهي بعيدة كل البُعد عن الجانب المظلم للحياة! لم يأت في ذهنها ولو للحظة واحدة أنه يوجد أناس يفعلون ما علمته اليوم، لم تتخيل أنه يوجد نفوس يمكن أن تتحمل كل تلك القسوة وهي لم تنضج بعد! غلقت صنبور المياة وأخذت نفسًا عميقًا، شعرت أنها تخلصت من كل شعور سيء كان يرهقها، انتهت من أخذ حمامها الدافئ ثم دلفت لغرفتها لكي تبدل ملابسها، وكعادتها ترجلت للمطبخ لكي تُعِد الطعام لزوجها الذي من المفترض أن يأتي على موعد الغداء كما وعدها! ولكن مهلًا… مضى ثلاث ساعات وهي في انتظاره وهو لم يأتي، نهضت من على الأريكة بيأس وهمّت لكي تدلف لغرفتها وتنام، لكنها سمعت صوت مُفتاحًا يوضع في باب منزلها، وقفت في مكانها تنظر للباب وهي تضم ذراعيها أمام صدرها تنتظر دخوله البهي!
لم يلبث أن يقول أي شيء فور دخوله حتى اسقبل أنفجارها وهي تصيح عليه غاضبة:
ـ هو ده اللي أتغيرت ومش هتأخر تاني يا “عامر”؟ برضه بتعمل اللي كان بيحصل، واللي دايمًا بيحصل وهيحصل!
تنهد وهو يغلق عيناه ثم فتحهم مرة أخرى لكي يستعد أن يسمع تلك الخُطبة كاملة، ترجل نحو الأريكة وجلس عليها وهو ينظر لها بملامح عابثة، أما هي؛ فتقدمت منه وواصلت صياح عليه قائلة:
ـ وكلمتك عشرين مرة وبرضه مرتدش عليا! هو أنت كنت بتضحك عليا ولا على نفسك؟؟
نظر لها وعلى وجهه نصف ابتسامة ثم قال لها بعدم أكتراث لكل ما تفوهت بهِ:
ـ كان عندي ضغط شغل يا “ليلى”
ابتسمت هي الأخرى بسخرية وعقّبت قائلة:
ـ ومن أمتى وأنت معندكش ضغط شغل يا “عامر”؟ عامةً براحتك، أنا عملت اللي عليا.
انتهت من كلماتها ثم دلفت إلى غرفتها، غلقت الباب خلفها ثم لهثت بعنف، هو سيظل هكذا ولن يتغيّر، فهو منذ ظهوره في حياتها وهو هكذا، شخص عملي لأقصى درجة، كل ما يهمه في الحياة هو عمله فقط، يأتي دائمًا عمله في مقدمة أولوياته، ويليه زوجته ومنزله! تعلم أنه عندما تقدم لخطبتها فعل ذلك من أجل الزواج، الزواج من أي فتاة بسيطة غير متمردة فقط، وهي عندما وافقت بهِ كان لذات السبب الأول أيضًا، وافقت من أجل الزواج فقط! وقتها كانت تقدمت في العمر وفرصتها في الزواج أصبحت قليلة، عندما خضعت لحديث الأهل كان من أجل أن تتخلص من ثرثرة العالم في أذنها! وأيضًا لكي تنجب! فهي كلما تقدمت في السن كلما قل فرصتها في الإنجاب، وما كانت تخشاه هو ما حدث، نتيجة تأخرها في الزواج منعها من الإنجاب، أو بمعنى أصح تأخرها في السعي هو السبب الحقيقي!
تتذكر دائمًا أنها عندما بدأت فحوصات لكي تُنجب نصحها الطبيب بعمليات الحقن المجهري، ولكن هذه العملية تحتاج لزوجها! تحتاج لسعي مِن الطرفين لكي تحصد نتيجة مُرضية، ولأنه هو دائمًا غير موجود، ومشغول طوال الوقت في عمله؛ ضاعت فرصتها في الإنجاب بسببه! عندما جاء وقال لها أنه معها هذه الفترة لكي ينتهيا من العملية؛ كان الطبيب يقول لها أنها دخلت في سن اليأس ومن الصعب أنها تُنجب!
كل ذلك مر عليها كشريط لفيلمٍ قديم، كل ما حدث لها نتيجة أختيارها الخاطئ، نتيجة خضوعها لشيء مسيري من أجل أرضاء الناس! وها هي يُضيع عمرها من أجل رضاها للناس!
༺༻
في صباح اليوم التالي كان الأطفال “مالك” و”ياسين” ومعهم “سمير” مجتمعون في غرفتهم بعدما تم نقل “سمير” معهم في الغرفة، كان ثلاثتهم يجلسون على الفراش بجوار بعضهم يلعبون سويًا بأوراق “الكوتشينة” كانت ضحكاتهم ترن في الغرفة، وأنسجامهم مع بعضهم كان واضح چليًا عليهم، ولكن عندما وقع “الشايب” في يد “مالك” تذمر قائلًا:
ـ تاني مرة يقع معايا، كده ظلم.
ضحك الأطفال عليه، نظر له “سمير” بتعاليّ وهمي ثم قال له:
ـ يلا يا “مالك” أجهز للحُكم.
نفخ “ياسين” صدره بطريقة مُضحكة ثم أضاف هو الأخر بفخر:
ـ لازم تنفذ أحكامنا يا بني بدل ما ننفذ أحكام تانية مش هتعجبك.
ختم كلماته وهو يغمز له بمشاكسة، أغتاظ “مالك” منهم، ضيق عيناه ثم مسك الوسادة التي كانت بجانبه ودفع “ياسين” أولًا بها ثم “سمير” تعالت الضحكات أكثر بين الأطفال، وفي ثوانٍ كانوا بداخل معركة يتخللها الضحكات والسعادة، ولكنها وفي طرفة عين كانت تُختم بصراخات مدوّية في الغرفة!
ابتعدَ “سمير” سريعًا عن “مالك” الذي صرخ عندما مسك ذراعه وكان سيهجم عليه وهم يلعبون سويًا، عندما رأى “ياسين” حالة صديقه اقترب مِنه سريعًا وبعده عن “سمير” وهو يعتذرله عن ما حدث! كان في بداية الأمر جسده يرتجف بشكل ملحوظ، كان “ياسين” يربت على ظهره برفق وهو يحثه على الهدوء، وبعد لحظات هُدئ بالفعل ولكنه كان مازال يلهث بعنف،
كان “سمير” يراقب ما يحدث أمامه بعدم فهم، ولكنه شعر بغصة مريرة أصابت قلبه، أحساس الرفض كان يداهمه، كل ما يفكر فيهِ أن ما حدث بسبب أنه لعبَ معه دون رضاه! ظن أن “مالك” كان يريد أن يلعب من صديقه فقط وهو أقتحم علاقتهم ببعضهم! كان يشعر أنه سيظل منبوذ إلى الأبد! كل ذلك ما شعر بهِ وما فكر فيهِ وهو يلملم بقايا قلبه المُحطم ويبتعد عنهم، نظر لهم مرة أخرى والدموع تتكون في عيناه ثم ركض لغرفته السابقة وجلس على فراشة القديم وجهش في البكاء، كان يظُن أنه هو سبب صراخات الصغير، ولا يعلم أن من تسيب في كل ذلك هو العالم وما مر بهِ ذلك المسكين، ولكن “مالك” بعدما هدأ من تلك الحالة التي احتالته نظر له “ياسين” بحُزن وقال له بحزم:
ـ هتفضل لحد إمتى كده يا “مالك”؟ هتفضل لحد إمتى بتخاف لما حد يقرب منك ويلمسك؟؟ اللي أنت فيه ده مينفعش، أنت مش عارف تعيش حياتك!
كان الأخر يستمع لكلماته وهو مُطرق الرأس، تنهد “ياسين” بهدوء ثم واصل بلين عكس ما كان عليه:
ـ أنا مش عايز أعرف يا “مالك” أنت إيه اللي حصلك، بس عايز أعرفك أن اللي بيحصلك ده بسبب الحاجة اللي أنت مخبيها عليا، أنا مش بقولك كده عشان تحكيلي بس بقولك كده عشان تلحق تعيش حياتك.
صمت لثوانٍ ثم استرسل قائلًا:
ـ مش هتعرف تساعد نفسك غير لما تخرج برا مخاوفك، الماضي خلاص انتهى، في مستقبل لسه قدامك يا “مالك”.
ابتسامة بسيطة رُسمت على ثغر” ياسين” عندما تذكر أنه دون أن يشعر ردد حديث” ليلى” معنى ذلك أنه تأثر بهِ بالفعل!
بعد صمت دام لثوانٍ سمع “ياسين” الجملة التي كان يُريد أن يسمعها، تقدم “مالك” مِنه وبنبرة مرتجفة قال له:
ـ رأيك أني أكلم حد من المَسات الجُداد؟ تفتكر هيكون في فايدة؟
صمت للحظات ثم نظر في نقطة خاوية أمامه وواصل:
– ولا هتعرّى قدامهم وبس!
ـ أنا متأكد أنهم هيساعدوك يا “مالك” متأكد.
نبرته الواثقة جعلت الخوف يتلاشى من قلبه، حثه “ياسين” على التحرك الآن، أومأ له بالموافقة ثم ترجل نحو مكتب السيدة “سهام” بينما “ياسين” فذهب يبحث عن “سمير”.
دخل” مالك ” لمكتب السيدة وطلب منها أن تتواصل مع “سلمى” لأنه يحتاجها، لم تقول له “سهام” أن “سلمى” اليوم في عطلة من العمل لأنه لا تريد أن تُضيع فُرصة حديث “مالك” بالتأكيد الولد يُريد أن يتحدث معها في شيء يخصه، وهذا ما كانت تريده منذ زمن؛ أن يتحدث ويفصح عن ما بداخله؛ فكيف عليها أن تُضيع تلك الفرصة من يدها؟
بعد ساعة تقريبًا من اتصالها “بسلمى” كانت وصلت للتو، تعجبت من وجود “مالك” في الغرفة؛ فهي عندما هاتفتها قالت لها يوجد أمر هام وأنا أحتاجك فيهِ عاجلًا، رغم تعجبها لكنها دخلت وحيّت السيدة والولد ببتسامة هادئة، وقبل أن تسأل على أي شيء تقدمت منها “سهام” وقالت لها بصوتٍ منخفض:
ـ “مالك” حابب يتكلم معاكِ، هو اللي طلب مني أكلمك، ومينفعش نفوّت فرصة زي دي، أنا واثقة فيكِ أنك هتخليه يقول كل اللي كتمه جواه يا “سلمى”.
ختمت كلماتها وهي تربت على كتفيها بهدوء، ابتسمت لها الأخرى وأومأت لها بمعنى لا تقلقي، نظرت السيدة ” لمالك” وقالت له:
ـ هسيبكم تتكلموا براحتكم، عن أذنكم.
بعد انصرفها من المكتب، تقدمت “سلمى” من “مالك” ومسكت كف يده وحثته على الجلوس على الكُرسي المقابل لها ثم قالت بمرح ومشاكسة:
ـ قولي بقى إيه الموضوع المهم أوي أوي اللي عايز تكلمني فيه؟
لحظت أنه متوتر لأقصى درجة، جسده كان يرتجف بشكل ملحوظ، كان يفرك في كف يداه بشكل متكرر، ويتجول بعيناه في أنحاء الغرفة وكأنه يخشى شيئًا ما! اقتربت منه بجسدها ومسكت هي كفيّ يداه اللتان كانا يفركهما بتوتر وقالت له بنبرة دافئة:
ـ عايزاك تعرف “مالك” أن أي حاجة هتقولهالي هي سر بنا، ولو هي مشكلة فأحنا هنحلها سوا، هنحلها سوا أنا وأنت وبس.
نبرتها الهادئة بثت في نفسه الأمان، كان العرق يتكون على جبينه لا إراديًا، نظر على باب المكتب والذي كان مغلق، اقترب بجسده مِنه وبصوتًا يكاد أن يسمع كان يقول لها:
ـ أنا… أنا عندي خوف من اللمس، مش بستحمل أن حد يلمسني، بخاف وبترعب، غصب عني بصرخ، وغصب عني بترعش، غصب عني مش بقدر أستحمل أن حد يلمسني.
كانت “سلمى” تراقب تعابير وجهه وحركة جسده، رجعت هي بظهرها للخلف وسألته بتركيز:
ـ ليه يا “مالك” ليه بتخاف؟ أكيد في سبب، صح؟.
اقتربت منه من جديد وبنبرة ليّنه سألته:
ـ إيه سبب الخوف؟
عيناه ترقرقت بالدموع، لحظت أنه حاوط ذراعيه بكفيّ يداه وهو ينظر في الفراغ، مر عليه ثوانٍ من الصمت حتى قال ما لم تتوقعه بالمرة:
ـ عشان أنا أتعرض للأعتـ ـداء الجنـ ـسي.

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية أزهار بلا مأوى)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى