روايات

رواية غوثهم الفصل الرابع والسبعون 74 بقلم شمس محمد

رواية غوثهم الفصل الرابع والسبعون 74 بقلم شمس محمد

رواية غوثهم الفصل الرابع والسبعون

رواية غوثهم البارت الرابع والسبعون

رواية غوثهم
رواية غوثهم

رواية غوثهم الحلقة الرابعة والسبعون

“رواية غَـــوثِـهِـمْ”
“الفصل الرابع والسبعون”
“يــا صـبـر أيـوب”
____________________
أخشاني بعدما من نفسي ضِعت
لكني ضعيف ومن نفسي رجعت..
أسألك أن تقبلني في رحابك، وأنا
أنا العبد الفقير قصدتُ بابك..
أناجيك برغم قلة الحيلة
ولا حيلةٍ لي سوى الرجاء..
أناجيك بقلبٍ يرتجف من الخوف
وأنتَ وحدك القادر على إزالة العناء..
_”غَـــوثْ”
__________________________________
الحُب حـربٌ والبُعد كَـربٌ..
فإذا أردت الرحيل فَغِب كما تشاء لكنك حتمًا ستعود،
فإذا كانت طُرقاتك تفضل الرحيل وتطلب الغياب،
أنا أناقضك لأن طرقاتي قوية تُجبرك على الإياب..
أيعقل أن يرحل المرء عن وطنٍ كان له ذات يومٍ بكل الأحباب؟ أم أن القلوب حينما تخشى الهوىٰ تفضل لنفسها العذاب، أرحل كما تشاء…
لكنك ستعود مُجددًا تطرق من جديد الأبواب..
وأنا صاحبة الكرم ولن أوصد في وجهك الباب،
حتى من نقاء الروح وسلامة القلب؛
لن ألقي عليك بكلمات العتاب،
ولا حتى سأسأل من قلبك حق الغياب..
<لا تُراهن على قوي تحدى ضعفه”>
اندمج “يـوسف” في الملف الذي يمسكه وهو يدقق في الأرقام بعينين ثاقبتين وذلك لقلة ثقته بمن يعملون هنا، استمر دون أن ينتبه للوقت الذي مر عليه حتى فُتحَ باب مكتبه مثل حركة دفع الإعصار ليطل بعدها جسد أحدهم، علم هو هويته بنظرةٍ خاطفة وأعاد عينيه لما يفعل وقد ابتسم بزاوية فمه وهو ينطق بتهكمٍ:
_قولتلك قبل كدا دا مش كباريه أمك علشان تدخل كدا كأنك داخل تحيي الليلة، مش فيه باب تخبط عليه يا أنكل؟.
أقترب الأخر منه بعدما أغلق باب المكتب ثم بحركةٍ سريعة مباغتة أخرج من ظهره سلاحه يشهره في وجه “يـوسف” وهو يقول بنبرةٍ عالية هادرًا من بين أسنانه:
_كدا خلصت معاك يا ابن “مصطفى” أنا مش هفضل تحت رحمتك كتير اللي هيخرج من هنا يا قاتل يا مقتول.
قال جملته ثم شد أجزاء سلاحه ليشرع في قتل “يـوسف”، لم يهمه الأمر بعد الآن، سيقتله حقًا ليتخلص منه بصورةٍ نهائية، يكفيه ذعرًا حتى الآن، لقد حان الوقت لكي يرد هو عليه ويتولىٰ زمام الأمور، والاسم هنا “قاتل أو مقتول” !! هكذا فكر “سامي” الذي أراد إنهاء كل شيءٍ، أراد أن يفعلها وهو يتخلص منه ومن الخوف الذي لاحقهما منه منذ علمهما بما عرفه هو، كانت شجاعة فريدة من نوعها يتسم بها هذا الوضيع عديم الشرف كما يلقبه..
من المفترض في هذه الحالة أن يخاف كثيرًا، يهاب الموت خاصةً مع نظرات الأخر الذي ازدادت حدةً بعدما أنتوى على هذا الفعل وقد ترك “يـوسف” مقعده ووقف خلف مكتبه وهتف بلامبالاةٍ يبرع في إصدارها:
_وماله، يلا أديني مستني.
أقترب منه “سامي” وهو يهدر من بين أسنانه بغيظٍ خاصةً بعد حركته الباردة تلك:
_ولا !! أنا مش هفضل تحت رحمتك، آخرتك هتبقى طلقة واحدة تخلصنا منك، لو فاكر إن بعد كل حاجة هتفضل زي ما أنتَ تبقى عبيط، هقتلك يا “يـوسف”.
ترك “يـوسف” موضعه تمامًا ووقف في مواجهته في وضعٍ شبه متلاصق، يفصل بينهما عدة إنشات قليلة فقط كاد “سامي” أن يفعلها حقًا، لحظة تهور منه شجعه عليها عقله الثمل ليرفع حينها “يـوسف” كف “سامي” الممسك بالسلاح ليضع فوهته عند موضع نبضه وهو يبتسم بشرٍ هاتفًا من بين أسنانه بنبرةٍ بدون مبالغة أرعبت “سامي”:
_ما تضرب !! وريني يا دكر، يلا أضرب كدا وخليك راجل مرة واحدة في حياتك، ها !! وريني أخرك كدا طيب !!.
كاد أن يفعلها حقًا وهدر فيه بنبرةٍ مهددة ترواحت نبرتها بين التوتر والخوف مما هو سيقدم عليه:
_متستفزنيش !! صدقني هعملهـ..
_أعـــملها بــقولك !!
صرخ بها “يـوسف” في نفس توقيت اندفاع الرصاصة من فوهة السلاح إلى الخارج لكن..
استقرت الرصاصة فوق سقف الغرفة بعدما رفع “يـوسف” السلاح للأعلى بحركةٍ مباغتة وهو يعلم تمام العلم أن الأخر أضعف من هذا الفعل، رجلٌ مثله تتخلله الصفات الخسيسة يخشى القيام بها، لولا قوة “يـوسف” لما كان فعلها والفضل في عدم إثارة الجدل يرجع لكاتم الصوت..
حالة ذهول سيطرت على “سـامي” وارتخى كفه ليعود بجوار جسده بعدما كان ممدودًا في مواجهة “يـوسف” الذي هتف من جديد بنبرةٍ لاهثة وكأن أنفاسه تتلاحق خلف بعضها:
_شيل اللي في إيدك دا يا حيلتها أنتَ مش قده، وإذا كنت جاي كدا تهددني علشان تخليني أخاف منك فأحب أقولك ريح شوية علشان الخوف دا أنتَ اللي هتموت منه من ساعة ما “عبدالقادر العطار” ظهرلك من تاني، افتكرت إنها خلصت كدا؟ بتحلم، هي لسه بتبدأ معاك يا ابن الرقاصة، علشان هييجي يوم وأنتَ وابنك تبوسوا رجلي أرحمكم فيهؤ بـــرة…بــــرة !!
هدر بها عاليًا وقد حقًا وصل لذروة الغضب، الخطوة التالية لن ترحم أحدًا، ستكون النتيجة حتمًا بموت “سامي” أسفل قدميه، لقد حذره بالخروج والآخر يحاول أن يفعلها مُجددًا، حاول أن تكون حقًا شجاعة يملكها لكي يتخلص من “يــوسف” الذي سحب منه السلاح منه في لمح البصر بحركةٍ أسرع من طرفة العين وهو يقول بأنفاسٍ لاهثة:
_ورحمة أبويا لو ما خفيت لأكون أنا اللي مخلص عليك، ومتراهنش كتير على صبري دي فرصة من دهب، هتخلص دفاع عن النفس وكل حاجة متسجلة، تحب تجرب !!.
يفعلها أو لا يفعلها هي نقطة فيصلية يفصل بين كلا الفعلين خيطٌ رفيعٌ لا يتبين من الأساس، خطوة واحدة كاد أن يفعلها ليصبح هو القاتل !! لحظة سارقة للأنفاس وكأن المشهد تبدل بواسطة مخرجٍ برع في الإنتقال بين الزاويتين، أما عن “يـوسف” فلوهلة تكالبت عليه شخصياته، المنتقم والبريء واللعوب والغاضب والطفل الصغير، كل منهم يفرض عليه رأيه ليخضع هو في نهاية الأمر لنسخة واحدة اسكتتهم جميعًا حينما ألقى السلاح أرضًا وهتف بنبرةٍ جامدة:
_خده وأمشي من وشي، مش هضيع نفسي علشانك.
لاذ “سـامي” بالفرار حقًا حينما حصل على إشارة الأخر له بالرحيل، لحظات قليلة مرت تبعها خروج “سامي” من غرفة المكتب يليها إرتماء “يـوسف” على أريكة مكتبه مُخللًا خصلاته بكفيهِ بتعبٍ أُثقل على كاهلهِ وبات أكبر من قدرة تحمله ففي غمضة عينٍ كاد أن يفقد حياته.
__________________________________
<“الماضي الأليم لم يتركه وشأنه”>
أصبح على عكس عادته منذ الأمس..
غريبة هي النيران التي تتأجج بالآخرين لتصيبنا نحن أيضًا بها، كأنها عدوى تنتقل عبر زرات الهواء لتثبت لك هذه النيران أنها لم تنطفأ بل هي خامدة فقط، وكل ما يتوجب فعله لكي تلتهب من جديد أن تُلقي عليها فقط لمحة مقود ليأجج هذه النيران من جديد..
جلس في محل عمله الخاص بالآواني الفُخارية شارد الذهن على عكس عادته يكون منتبهًا لكل ما يفعله، لكن !! لكن هذه المرة لا يعلم سبب ما هو فيه، لقد عاش بالأمس مع “يـوسف” ألمه وحزنه وهو يصرخ بقهرٍ عن معاملة عائلته القاسية له، حينها كان يود أن يخبره بمشاعره هو الأخر، لم يعلم أنه لم يصرخ ولم يُخبر أحدهم بما حدث معه حينما كان بنفس عمر “يــوسف” تقريبًا..
(منذ عدة سنوات بعيدة المدى)
برودة الشتاء القارص بدأت تظهر في الأجواء خاصةً في شهر “ديسمبر” كان المكان في أساسه واسع المجال لتظهر فيه البرودة بشكلٍ ملحوظٍ، عبارة عن مكانٍ خاص بتخزين أدوات الرخام، مكانٌ فارغ أصاب قلبه برجفة قوية، ظلمة المكان وحدها جعلت يضم رُكبتيه بكلا ذراعيه الصغيرين ضعفين القوة، لتوه انتهى من جلسات الكيماوي اللعينة ليبدأ في مرحلة جديدة في العلاج بعد رحلة مميتة مع مرض “السرطان” الذي تم الشفاء منه برحمة الخالق…
كان يرتجف بقوةٍ بسبب البرودة القاتلة التي دمرت المتبقي من جسده وخلايا جسده المُنهكة من الأساس !! كانت فترة قاتلة وهو يخفي رأسه بهذه القُبعة الصوفية التي صنعتها “رِقـة” له قبل وفاتها !! كان يردد بقلبٍ لم ييأس بنبرةٍ خافتة بعدما جلس هنا قرابة الـ عشرة أيام:
_يا رب…يا رب.
نزلت عبرات هذا الصغير بقوةٍ وهو يتوسل لخالقه أن يرأف به، لتوه خرج من المشفى وعاد لبيتهِ والليل الجديد بدأ يعلن عن نفسهِ وبالطبع سيظهر معذبه معه، هذا البغيض الذي كان ينهال عليه بالسُـباب والألفاظ الخارجة ولم يكتفْ بهذا فقط !! بل وصل الأمر أيضًا إلى صفعات على وجهه وضربات في أنحاء جسده، كان مثل العصفور وقع في يد طفلٍ مشاغبٍ ظل يُضيق عليه حرية النَفس، لازال يتذكر هيئته حينما أمسك ذراعيه يضغط عليهما وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_عارف يا “أيــوب” أبوك لو فضل رافع مناخيره لفوق كدا لحد ما توصل للسما وفرحان أوي بنفسه، مفيش حاجة هتكسره غيرك أنتَ، عارف ليه؟ علشان كدا كدا أنتَ ميت يا “أيـوب”، السرطان كل جسمك وكدا كدا مفيش فيك حيل تاني، ما قولنا يخلص الشغل ويخلص، لو حصلك حاجة أعرف إن أبوك هو السبب وعلى فكرة هو مش عاوز ييجي يلحقك علشان دماغه ناشفة.
حينها اشمئزت ملامحه ببغضٍ جليٍ وهو يكره من يحدثه ويكره مجموعة الرجال التي تأتي إلى هنا تتفحصه وترحل، وهو فقط يردد آيات القرآن التي بدأ يحفظها قبل وفاة أمه، العام السابق الذي مر عليه قُتِل به آلاف المرات، حتى الآن لازال يتعجب كيف أصبح على ماهو عليه؟ حينها قبل أن يتفوه أتته الصفعة على وجههِ على هيئة مفاجأة باغتته دون أن ينتبه هو لها ليزداد الألم في أنحاء جسده إثر اصطدامه بالأرض الأسمنتية أسفله ولازال أثر الكيماوي عالقًا بأنسجتهِ…
(عودة إلى هذا الوقت)
خرج “أيـوب” من شروده بعينين مغرورقتين بالدمعِ، لم يفهم لما تذكر هذا الموقف لكن يُمكن لأن طفولته كانت قاسية إلى حدٍ ما ؟! طفل فقد أمه بين ذراعيه نتيجة المرض الوحشي، وبعدها فقد نفسه صوته ثم مر عليه عامٌ بأكمله يخضع لعلاج الكيماوي ثم إختطافه !! منذ ذلك الحين وهو يلجأ للرياضة ويلجأ لألعاب القوة، لكن عندما ولج المعتقل !! بالطبع لن تفقده أي قوة إلا قوة القلب العامر بالإيمان بالله..
شعر بالضيق أكثر لكنه فعل آخر ما توقع أن يفعله، حيث فتح الهاتف على صورتهما في عقد القران سويًا بعدما حظىٰ بالقمر، لذا ابتسم بهدوءٍ شيئًا فشيءٍ ثم ولج لمخزنه، تذكر أمر اللقاء الأول الذي كسرت به الإناء الفُخاري وقد شمر ساعديه ليبدأ في صناعة واحدٍ من جديدٍ بحماسٍ غريبٍ عليهِ لعله يخرج من حزنهِ وقد لاحظ كومة طينٍ أخرىٰ فحملها يصنع من خلالها حاوية أدوات المطبخ وكتب عليها بخطٍ عربيٍ مميز من بين أناملهِ:
_”قَــمر أيـــوب”
ميز الأحرف بالتشكيل العربي وقد قرر أن يهديها لها، وجد نفسه يبتسم دون أن ينتبه لهذا وكأنها تملك فقط طيب الأثر بمجرد مرور طيفها الهاديء في أفق عقلهِ، الهوىٰ في بعض الأحيانِ يكون أكبر عدوًا للمرءِ وفي أحيانٍ أخرى يكون هو قوة المرء.
__________________________________
<“تتحول الفتيات أثناء سعادتها لفراشات”>
مراهقة !!
نعم لقد عادت مراهقة من جديد برغم بلوغها سن الرُشدِ، لقد عادت فتاة غريبة مجددًا، كانت لا تكترث بأي شخصٍ في الحياة تتعامل بتعالٍ وثقةٍ في جمالها ومرحها وطاقتها الحيوية، من الأساس كانت مطمعًا في أعين الكثيرين بكل ما فيها، لكن وحده فقط هو من حاز على التميز من بين الجميع، بالرغم من خِطبتها السابقة إلا أنها تتعامل كأنها المرة الأولى لها في الحُـب.
لقد جلست تتابع صفحته الشخصية عبر موقع “الفيسبوك” بعدما فتحه من جديد بعد فترة غيابٍ طالت بسببها، حقيقةً هي تراه بكل مافيه يملك صفات مميزة، لوهلةٍ ترى بداخلهِ طفلًا صغيرًا يود الخروج بكل حرية لكن القيود مفروضة عليهِ، وقد صدح صوت هاتفها برقمهِ لتتوتر في هذه اللحظة لكنها حسمت أمرها وردت عليه بمنتهى الثبات قائلة:
_أهلًا كابتن “إسـماعيل”؟.
انفرجت شفتاه بضحكةٍ يائسة وهو يعلم أنه لن يصل معها لمرحلة العقل خاصةً إذا كانت نبرتها بها لمحة سُخرية، لذا ماثل نبرتها وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_أهلًا يا “مطرقعة”أنا قولت أكلمك أسألك قولتي لأخوكِ ولا لأ ؟ وبعدها والدك أنا قولتلك آجي أكلمهم أنتِ مش راضية يا “ضُـحى” !! آخرة التأخير إيه؟.
سحبت نفسًا عميقًا وقضمت شفتها السُفلى بيأسٍ ثم هتفت بنبرةٍ هادئة لم ينفك عنها القلق أو لربما الخوف:
_بصراحة أنا قولت لـ “عُـدي” وهو قالي لما يرجع من الشغل أكلمه بس هو عرف إن أنتَ يعني العريس، ولما أقوله هخليه يفاتح بابا، بس أنا هقوله إني بكلمك علشان لو ناوي تطلع مؤدب أوي أنا هدمر صورتك، وهقولهم إن أنتَ بتطاردني.
توسعت عيناه بدهشةٍ وبصق المياه التي كان يرتشفها ثم هتف بنبرةٍ مندهشة مما تخبره عنه وكأنها تضعه في مأذقٍ:
_أنتِ بتطفشيني؟ دا أنتِ دماغك على البايظ خالص، كدا يعني هيوافقوا؟ أنا من رأيي تسكتي أنتِ ومالكيش دعوة خالص، سيبيلي أنا المهمة دي، ياريت مالكيش دعوة لحد ما أتصرف أنا، لو طاوعتك بدل ما أخش دنيا، هخش أبو زعبل.
ضحكت هي بنبرةٍ عالية لتجده يزفر بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة وهو حقًا لا يدري أنه يقف على هذه الدرجة من سلم علاقتهما سويًا بعدما ظن محاولاته بأكملها ستبوء بالفشل:
_بصي !! مش عاوز أبقى عيل ملزق كدا بس بعد اللي شوفته في حياتي عمومًا واللي عيشته آخر حاجة توقعتها إني أوصل لمرحلة زي دي، أنا حاليًا مستني كلمة بس تريحني وفعل يطمني، بس أنا اتسرقت يا “ضُـحى” على العموم أنا هحاول ومش هخبي حاجة على حد.
حينها اتسعت عيناها بهلعٍ وحقًا خشيت هذا الفعل لتندفع بغير هوادة تردع فعله بقولها الذي أعرب عن قلقها:
_بلاش يا “إسـماعيل”، ممكن؟.
أثارت حفيظته بجملتها وطريقتها التي بدت له كأنها مذعورة مما يقول ليسألها بنبرةٍ جامدة دون أن يقصدها بل خرجت رغمًا عنه:
_ليه إن شاء الله يا “ضُـحى”؟.
توترت وجف حلقها لتسكنه الأشواك المؤلمة وهي تقول بنبرةٍ طغى عليها التوتر وهي تقول بنبرةٍ مهتزة:
_بص، فيه حاجات أنا عاوزاها تكون خاصة بينا، حاجة بيني وبينك أنتَ ومش قصدي حاجة والله، بس بلاش تقول حاجات خاصة بحياتك أنتَ لحد غيري، لأن ببساطة ردود الأفعال مش واحدة ومش مضمونة.
لم يفهم مقصدها تحديدًا وللحق شخصٍ مثله سأم الظنون الحديث المُعلق دون دلالات واضحة أو مُعطيات مقررة، ما جال بخاطرهِ في هذه اللحظة أنه تشعر بالخجل ؟؟ أو ربما تخشى أن ترتبط بشخصٍ مثله لذا سألها بنبرةٍ خيم عليها الحزن:
_معلش يا “ضُـحى” هو دا معناه إنك مكسوفة حد يعرف حاجة ؟ مُحرجة يعني إنك ترتبطي بواحد زيي بظروفي دي؟.
بللت شفتها السُفلى بحركةٍ تلقائيةٍ ثم هتفت بنبرةٍ هادئة تستجديه وقد فهمت سبب حديثه ومن الأساس هي التي تتمتع بتهور غير محدود ولو تم توزيعه على أهل الشمال حتى الجنوب:
_صدقني يا “إسماعيل” أنا عمري ما أتكسف منك وعمري ما أحس إنك تقلل بيا، بالعكس أنا حاسة بحاجات كتيرة حاسة أني عاوزة أحكيلك عنها، بس أنا مش حابة إنك تتحط في موقف يخليك مش مرتاح وأنتَ بتفكر اللي قاعد معاهم بيبصولك إزاي، مش حابة إنك تحس نفسك تحت ميكروسكوب والنظرات كلها بتبص عليك، لما في الأول مقولتليش حاجة كنت مقلق مني، مش عاوزاك تقلق من حد كدا، صدقني والله…
بترت حديثها بيأسٍ وهي تحاول انتقاء الكلمات المناسبة حتى لا تشعره بأي شيءٍ يُحزنه أو يُصيب أمله بخيبةٍ هائل وهما لتوهما شرعا معًا في توطيد علاقنهما، وقد وجدت مبتغاها وهي تقول بنبرةٍ هادئة دبلوماسية:
_من غيرك كسوف أنا كنت مخطوبة قبلك لشخص ربنا يهديه ولا ياخده ميخصنيش، زي ما قولتلك خاني وحسسني إني شخص مش كافي لدخول علاقة أو أني بنت زي باقي البنات، ساعتها ساب عندي وعند أهلي شرخ كبير، فأنا مش حابة حد منهم يضغط على حد فينا، حابة يكون عندنا خصوصية لينا إحنا الاتنين، وصدقني أنا والله بفتخر بيك من غير أي حاجة، كفاية إنك راجل بجد.
حديثها أصابه بالتخبط حقًا، هو لم يعرف ما يتوجب عليه فعله؛ تارة يأخذ الصراحة سبيلًا له وتارة أخرى يجد إن إخفاء الأمر هو الحل الأنسب لذا أخرج حيرته على هيئة زفرات مُتتابعة يائسة بعد حديثها الذي أصابه بالحيرة ليهتف بنبرةٍ مُشتتة:
_ماشي، ماشي يا “ضُـحى” هيفضل سر ما بينا بس أنا كدا مش هبقى مرتاح برضه، أنا أتربيت على الأصول ومينفعش أكدب على الناس وأنا في بيتهم، بس اللي يريحك هعمله.
بلهفةٍ هتفت تحاول تؤكد له صواب قراره:
_والله هو دا اللي هيكون أحسن ليا وليك، صدقني أنا مش شايفة إن فيه أي مشاكل خالص في كل اللي قولتلي عليه وخصوصًا لما فكرت، بس كدا أحسن على الأقل لحد ما نقف على أرض صلبة وعلاقتنا يكون ليها مُسمى، مع السلامة.
أغلقت معه لتتركه في نفس الحيرة ويرافقها الإحباط بسبب إغلاقها المكالمة؟ لتوه أخذ القرار أن يذهب لوالدها يخبره بكل شيءٍ عن ماضيه وحياته ووالده الذي تاجر بالآثار وصغيره، كان يود أن يصارحه فنقاء قلبه لم يقبل بكذبهِ أو إخفائه وحب قلبه لم يقبل بكشف مثل هذه الحقائق لذا علم أنه كتبَ عليه أن يبقىٰ حائرًا في حين هي ترفرف بكل حُرية فوق قلبه تتخذ من الضلوع مقرًا لها..
__________________________________
<“المريض النفسي لم يكن مريضًا بالفطرة”>
حالة زحام شديدة في رأسه عانى هو منها..
حالات لوم وعتاب واستنكار واستهجان أُلقيت عليه نتيجةً لفعلهِ، لم يقو على مواجهة رأسه ومن يسكنوه معها، تناول العديد من المنبهات ولم تنفعه بأي شيءٍ، استمر في تدخين السجائر بشراهةٍ لينهي عبوتين منها خلال عدة ساعات !! يُقدم على الموت بصورة غير مباشرة وقد سأم الجلوس في هذا الصرح..
اللعنة على ابن الساقطة التي لم يتركه وشأنه، أكان يكفيه محاولة قتل بهذه الطريقة ؟ من الأساس كان على وشك الموت لكنه برع في رفع السلاح للأعلىٰ لكي يتفادى العيار الناري قبل أن يخترق صدره وخاصةً أن الأخر تهور وضغط زناد السلاح !!
خرج من مكتبهِ ليمر على مكتب “عُـدي” الذي جلس خلف مكتبهِ يخلع سترة حلته وبقى فقط بقميصه بعدما أنهمك في العمل وهو يدقق في أوراق العمل وملفات الحاسوب الموضوعة أمامه، هل هذا الموضوع متوارث بينهما !! أبتسم بهدوءٍ ودلف وأغلق الباب في نفس التوقيت الذي سحب “عُـدي” هاتفه لكي يقوم بعمل مكالمة هاتفية هامة..
حينها وقع بصره على “يـوسف” الذي سأله بنبرةٍ هادئة:
_جيت عطلتك ولا إيه؟.
ترك ما يفعله وجاوبها مُرحبًا بنبرةٍ تماثل هدوئه:
_أنتَ عبيط؟ المكتب مكتبك خش براحتك، أنا بس كنت هكلم “رهـف” دلوقتي بس مش مهم هكملها كمان شوية.
فرك “يـوسف” جبينه بكلا إصبعيه ثم هتف بنبرةٍ مبحوحة نتيجة المشاعر التي استثارت بداخلهِ يحثه على فعلهِ:
_لو محتاج حاجة كلمها علشان أنا دماغي مش فيا دلوقتي، هي أنسب حد يرد على كل حاجة مبهمة وأكتر واحدة هتاخد الموضوع بمحمل الجد، أنا جيت أقولك إني همشي علشان ورايا مشوار مهم، لو خلصت تقدر تمشي..
زادت حيرة الأخر الذي هتف بنبرةٍ ضائعة:
_الفكرة كلها إني بخلص حاجات “مادلين” طلبتها من “رهف” وأنا كنت بظبطهم كترجمة لغوية ومش عارف دلوقتي أكملهم ولا أكمل القديم، بس شكلي هكلمها.
أومأ له “يـوسف” دون اكتراث وللحق رأسه لم تتحمل من ثُقلها ما يزيد فوقها، لقد أصبحت بثقل عبوات الملح وهي تعج بغوغاءٍ قاتلٍ وإزدحامٍ لم يرأف برأسهِ منذ أن دلف له “سـامي” وقد أرخى جسده على الأريكة بعدما ألقى بثقل رأسه على ظهرها الجلدي، فيما أخرج “عُـدي” هاتفه يطلب رقمها بإحراجٍ لم يعرف سببه، منذ الأمس وموقفه يسبب له إحراجًا لم يدرْ سببه لكنه فسر ذلك بسبب توصيله لها ورؤيتها في هذه الحالة..
في الجهة الأخرىٰ كانت هي تجلس على الفراش..
صغيرة تتوسط الفراش بجسدها الضئيل وبجوارها عُلبة المحارم الورقية بعدما حاوط الاحمرار أنفها وتوردت وجنتاها بسبب الحرارة، ترتدي سترة شتوية ثقيلة وتتدثر تحت الغطاء وجسدها يرتعش بقوةٍ وقد نظرت حولها تبحث بعينيها عن شيءٍ تحاوط به رأسها لتجد الوشاح الخاص به..
توترت قبل أن تفعلها لكنها أخذته ووضعته على رأسها وهي تحاول أن تصد ارتجافة جسدها وألم عظامها وخاصة ساقيها التي شبه توقفت عن دورها، لم تعلم لما يصيب البرد دومًا عظامها، شعرت برائحته تحاوطها وكأنه بجوارها لتتعجب من هذا ولم تستغ الحوار لكنها شددت ضمتها بجسدها ليصدح الهاتف برقمهِ !! أكان ينقصها مكالمته؟ هي من الأمس لازالت تشعر بالخجل كلما لاح بخاطرها فعله وكيف تولى مسئولية توصيلها إلى البيت وكأنها إحدى فتيات عائلته، سحبت الهاتف تجاوبه بنبرةٍ مختنقة تمامًا بسبب الإعياء الذي دمر حنجرتها:
_مساء الخير يا “عُـدي”.
زفر بقوةٍ ثم هتف بنبرةٍ هادئة ردًا عليها:
_مساء النور، أولًا ألف سلامة عليكِ، ثانيًا آسف أني كلمتك فجأة وأكيد أنتِ تعبانة بس أنا.. أنا قولت أتطمن عليكِ أتمنى تكوني أحسن وروحتي لدكتور يعني.
أكمل الحديث بعدما تلعثم وأعاده من جديد بعدما انتقى الكلمات المناسبة ليجدها تسعل بقوةٍ بحنجرةٍ خشنة وكان سُعالها غليظًا حادًا وأضافت بعدها بنبرةٍ مختنقة:
_مش مستاهلة دكتور هو دور برد ماشي عند الناس كلها يدوبك شريط مضاد حيوي وكله هيبقى تمام، لو فيه حاجة بخصوص الشغل تقدر تطلبها وأساعدك فيها أنا تمام دلوقتي لس ماخدتش الدوا يعني مش تحت تحت تأثير الدوا.
أبتسم بإحراجٍ وهو يتابع نظرات “يـوسف” المصوبة نحوه ثم هتف مُتلعثمًا بنبرةٍ حاول صبغها بالهدوء وإخفاء التوتر منها:
_لأ متقلقيش أنا ظبطت كل حاجة تمام، تقدري أنتِ ترتاحي وإن شاء الله تفوقي أحسن من الأول، أنا قولت أتطمن عليكِ، ومعلش لو كنت فرضت نفسي إمبارح بس أنا مآمنتش تروحي لوحدك كدا خصوصًا إن ممكن حد يستغل الوضع دا بعد الشر يعني، عن إذنك يا “رهـف”.
أغلق المكالمة بعدما حصل على الإذن منها أسفل نظرات “يـوسف” الذي كان يراقبه بعينيه وما إن انتهى سأله ساخرًا بنبرةٍ تهكمية:
_دا اسمه إيه إن شاء الله؟.
هتف الأخر بنبرةٍ مُحرجة بعدما تواصل معها وتنافت ظنونه بشأن المكالمة والعمل وكأن كلاهما يتضاربان معًا:
_أُحرجت يا “يـوسف”، باين إنها تعبانة وخلصانة وأكيد مش هطلب منها حاجة في الشغل، أنا هحاول أظبط الدنيا ولو عطلت هتواصل معها بس كمان شوية، كفاية هي ضغطت على نفسها كتير الفترة اللي فاتت.
الحقيقة أنه لم يكترث أو تصنع عدم الاكتراث بنظرات “يـوسف” ثم عاد للحاسوب يطرق على لوحته بأناملهِ بحركاتٍ سريعة فيما زفر “يـوسف” مُطولًا وشعر بحاجته تزداد لهذه المقابلة، لقد حاول إخراس جميع الأصوات بداخلهِ لكنه فشل لذا استأذنه بالرحيل وأن يخبر البيت عن ذهابه بعيدًا وسيعود عما قريب…
ساعة أو أقل من ذلك بكثيرٍ وكان وصل لوجهته المنشودة وهي بالطبع عيادة طبيبه النفسي، هو الوحيد الذي يقوى على توجيهه واسكات رأسه تمامًا بل يبرع في تشكيله كما يشاء، وصل إلى هناك لكن الباب لم يُفتح بواسطة “جـواد” بل فُتِح بواسطة فتاة ما إن رآته طالعته بتعجبٍ ليقول هو بنبرةٍ هادئة وقد أدرك أنها شقيقته:
_مساء الخير، “جـواد” موجود؟.
حركت رأسها موافقةً بإيماء بسيطة ثم أشارت له أن يلج للداخل حتى دلف هو بثباتٍ خلفها وتوجه إلى الشُرفة ينتظره لتمر دقائق قليلة ظهر بعدها “جـواد” الذي هتف بضجرٍ زائفٍ:
_قال يا قاعدين يكفيكوا شر المُذبذبين..
رفع “يـوسف” حاجبه ثم هتف بوقاحةٍ:
_متخلينيش أتكلم قصاد أختك بقى.
ضحكت الأخرىٰ وهتفت تسأله بمرحٍ:
_يبقى أكيد أنتَ “يـوسف” صح؟ علشان “جـواد” علاقاته محدودة أوي بالعملا بتوعه ماعدا أنتَ بصراحة، تشرب إيه؟
تدخل “جـواد” يهتف بهدوء بعدما التفت لها:
_”فُـلة” اعمليلنا اتنين قهوة.
تحركت هذه الفتاة وهي تبتسم لهما، هذه المشاكسة التي بدأت لتوها العمل في مجال الطب النفسي وبدأت التدريب في عيادة شقيقها ومشفى عمهما الخاصة التي عادت لهما من جديد، كانت تشعر بالحماس من التقائها به، ليس لشيءٍ بل لأنها كانت تعلم بتواجده في المشفى الخاص بعمها، وقفت تصنع القهوة بمهارة شديدة، وأرادت أن تعلم سبب زيارته، هذا الذي ضرب الطاقم الطبي بأكملهِ لدرجة تسبب في عجزٍ بداخل المصحة النفسية.
جلس “جـواد” في مواجهته في الشُرفة الواسعة وهو يقول بنبرةٍ رسمية يجيد صبغ الحوار بها:
_شايفك مخنوق وإيدك عمالة تتهز وركبك، دا معناه إنك جاي غضبان ومحتج على حاجة، تحب نخليها جلسة رسمية أحسن؟ صدقني كدا أفضل ليك بكتير.
زفر “يـوسف” بقوةٍ وهتف بنبرةٍ جامدة:
_لأ !! أنتَ عارف رأيي كويس، أنا جاي أفضفض وتقولي حل، إنما غير كدا لأ يا “جــواد” متتعاملش معايا إني مريض، أنا معنديش أي حاجة تخليك تتعامل معايا كدا.
زفر “جـواد” مُطولًا ومال بجسدهِ للأمام وهو يقول بسخريةٍ متهكمًا عليه وعلى مجيئه إلى هنا:
_وجيت ليه؟ طالما أنا مش دكتور وأنتَ مش مريض.
هتف بنبرةٍ عالية بعدما أرتفع صوته أكثر بيأسٍ:
_جيت علشان أنا بعتبرك فاهمني، كل مرة بكون مكركب أو ضايع بحس إني هنا أنتَ هتفهمني، أظن الموضوع مش صعب علينا، دلوقتي اسمعني علشان لو الليلة دي مخرجتش الطاقة اللي جوايا هتخلص بقتيل، وأنا حاولت أعمل اللي قولت عليه مش نافع.
انتبه له “جـواد” وبدأ في سرقة الحديث منه خلسةً ليقوم الأخر بسرد كافة التفاصيل التي تخص عائلة “الراوي” ومعها ما يخص أسرته وكيف ظهر “نادر” على هيئة شبحٍ من الماضي يود سرقة ما يخصه، بل وأيضًا مواجهته مع “سـامي” الذي حاول أن يقتله اليوم !! أخبره بكل شيءٍ حتى أتت الفتاة تضع القهوة أمامهما ثم جلست على مقربةٍ منهما وفي حقيقة الأمر كانت تتلصص عليهما.
تحدث “جـواد” بحنكةٍ بالغة ودهاءٍ اكتسبه من عمله الذي أضفى خبرة فوق خبرته في التعامل مع البشر ليضيف بنبرةٍ هادئة حتى يُطمئنه:
_يعني حضرتك دلوقتي بتدور على مُبرر تخرج بيه غضبك، عاوز تروح تنتقم وتكسر وتضرب والاسم إن هما اللي دخلوا عرين الأسد، وبينك وبين نفسك فرحان إنك شايفهم خايفين منك ومهزوزين، حاسس إنك بتنتصر عليهم، حلو دا، بس اللي مش حلو إنك تعمي نفسك لدرجة تخلي غضبك يسوقك يا “يـوسف” للأسف مش هقولك اللي عاوز تسمعه.
انتفض “يـوسف” من محلهِ يهدر في وجهه بنبرةٍ عالية وقد أعماه الغضب المتصاعد حوله:
_أنتَ ليه مصمم تحبطني !! ليه مصمم إنك تقلل من جرحي؟ أنتَ عارف كويس أوي إني مشوفتش شوية ومش هسكت غير لما أرد القلم عشرة وأكتر، لو على اللي يريحني فانا مش هسكت غير لما يترموا في الشارع ويتشردوا ويجوعوا، هرتاح لما “سامي” يرجع زي ما كان جربوع و “عاصم” أرميه في مستشفى المجانين زي ما عمل فيا، و “نادر” يجوع زيي ويفضل يفكر هينام جعان ولا حد هيديه البواقي، عاوز “فاتن” قلبها يتحرق زي قلب أمي بغيابي، عاوز أحرقهم بجاز وسخ.
من يتحدث هو واحدٌ من ضمن الآخرين الذين يسكنوه ويعيشون به، واحد من ضمن الآخرين الذين يصدرون الأوامر عليه وهو في النهاية يُجبر على الإنصياع لواحدٍ منهم حتى يشعر بالسكون، وقد فهم “جـواد” ذلك بكل براعة ورد عليه بنفس الدهاء المصحوب بنبرةٍ دبلوماسية:
_طبعًا دا كلام “يـوسف” المنتقم اللي عاوز يفرم ويدوس ورافض ضعفه وقلة حيلته، بس أحب أفكرك إن اللي قدامي دا ناسي أنه عنده كل حاجة تخليه يخاف وتخليه يبعد عن العنف لأنك ببساطة مش مريض نفسي متشخص بمرض معين، بس عندك تعب نفسي، فيه بقى “يـوسف” تاني عارف إن عنده “قـمر” وعنده “غالية” وعنده عيلته كلها ومعاهم مراته اللي بيحبها، نسيت كل دول !!.
تأهبت حواس “يـوسف” وظهر ذلك من خلال نظراته التي لمعت ببريقٍ عجيب أدى إلى إتساع بؤبؤيه وكأنه ذُهِلَ مما استمع له وقد ارتخت قبضتاه ليبدأ الدم في حركته من جديد، حالة غريبة كُليًا أصابته ليُكمل “جـواد” متابعًا بنفس الطريقة وهو يُجني ثمار حديثه:
_شوفت !! مجرد بس اسمهم ما اتقال بتتبدل، محدش قالك متاخدش حقك ولا تسكت على ظلمهم ليك ولا ترضى باللي حصل، بس ياريت متضيعش نفسك علشانهم، متضيعش حياتك اللي بدأت تترسخ من تاني لمجرد لحظات غضب هتمر هتمر مهما كان الوقت، فيه عندك أخت أكيد ما صدقت إنك رجعت ليها، فيه أم قلبها ارتاح برجوعك من تاني، فيه “عـهد” اللي بقت مسئولة منك ومش ذنبها إنها تلاقي نفسها بتدفع تمن وثوقها فيك إنك تخسر الكل في لحظة طيش…
زفر “يـوسف” مُطولًا وسأله بصوتٍ جاف أجش بعدما وضع في هذه الحالة المُشتتة كُليًا بعد حديث رفيقه:
_والحل ؟؟ أنا جوايا نار هاين عليا أروح أجيب “عاصم” تحت رجلي وأحط “سامي” في فُرن يولع بيه، دماغي مش راضية تسكت حاسس إني لو قربت من حد هموته تحت أيدي.
عدل “جـواد” نظارته الطبية وهتف بثباتٍ:
_كل دا عادي، أظن أنتَ عارف طاقتك بتخرج إزاي وعارف إيه اللي يخليك تقدر تخلص من كل دا جواك، مش أنا اللي هقولك يا “يـوسف” متجيبهاش حِجة علشان تعك الدنيا فوق دماغك، فكر في اللي حواليك كويس، أنتَ مش وحدك.
إيماءة بسيطة هي فقط كل ما صدر عنه ثم عاد من جديد يجلس محله أمام “جـواد” وهو يواجهه ليقول بنبرةٍ حزينة بكل جوارحها بعدما استعاد هدوئه:
_طب فيه حاجة، “عـهد” بقالها أسبوعين عايشة في كوابيس مبتخلصش كل مرة أبشع من اللي قبله، التعب العضوي بعد الكابوس بقى أكتر، وجع في القلب وضلوعها، وساعات مبتعرفش تتنفس وساعات تخنق نفسها وساعات تفضل بالساعتين مش مع حد فينا، أنا مش حابب أشوفها كدا، مش حابب إنها تضيع أيام عمرها في الحياة دي.
زفر “جـواد” بقوةٍ وهتف بنبرةٍ هادئة:
_خلاص تيجي تتعالج هنا، الموضوع مش هياخد وقت على حسب بس الاستجابة ودرجة وضوح الكابوس نفسه وتمكن الإضطراب منها، واسمحلي أقولك إن إضطراب الكابوس أكبر مشكلة بتدمر الجهاز العصبي ومراكز الإحساس.
لوهلةٍ زاد خوفه قبل أن يُعارض في قدومها إلى هُنا، لن يرضخ بهذه السهولة أن يأتي بزوجته إلى هنا، هو من الأساس يتعامل الأمر بدهاءٍ بالغٍ حتى لا يُجبر نفسه على لقب المريض النفسي، لاحظ “جـواد” تخبط ملامحه وخاصةً من عروق ذراعه البارزة ليجده ناطقًا بنبرةٍ جامدة:
_ومين اللي هيعالجها أنتَ؟.
رجل شرقي دفعته غيرته على زوجته، حسنًا “جـواد” تريث ولا تُغضب نفسك فلا داعي أن تفصل رأسه عن جسمهِ، من الممكن أن تحتاج له في أي وقتٍ، لا تنس أنه مجرد فتى وقح، هكذا حدث نفسه ثم أعتدل واقفًا وهو يقول بنبرةٍ هادئة يزيد اشتعاله أكثر:
_عند سيادتك حل تاني؟ أقولك شوف حد غيري.
في هذه اللحظة أقتربت “فُـلة” صاحبة الاسم المميز وهي تقول بنبرةٍ هادئة تُلقي بالاقتراح أمامهما لعل وعسى تبدأ في مجال العلاج النفسي بأول حالة بعدما بدأت تسلك طريق عائلتها:
_طب ممكن أنا !! بص هو قرار متهور مني وحاجة مش معمول حسابها بس أنا قررت أني المهمة دي، أنا اللي هعالج البنوتة دي، وخلاص بدون نقاش، إيه رأيك ؟؟.
أعجبته الفكرة وراقه الإقتراح فيما تحدث شقيقها بنبرةٍ جامدة يوقفها من خيالاتها وهو يقول برفضٍ قاطعٍ:
_لأ طبعًا !! أنتِ لسه هتنزلي تدريب في المستشفى، عاوزة أول حاجة في العملي تبقى مرة واحدة كدا !! أكيد لسه محتاجة خبرة ووقت ومجهود، “فُـلة” !! بطلي تهور.
زفرت بقوةٍ مثل طفلة صغيرة تحتج على التحكمات لينطق “يـوسف” بنبرةٍ هادئة وقد زاد الاستمتاع لديه:
_وأنا موافق، وتحت أمرك بس أشوف نتيجة بعيني بدل ما..
ترك عبارته الأخيرة مفتوحة لتتسع عيناها بخوفٍ حينما استشفت التحذير في نبرتهِ لتجده يضيف بغموضٍ:
_اسألي أخوك وهو يقولك يا “باربي”.
صرخت في وجهه بنبرةٍ عالية في وجهه:
_”فُــلة” ولأخر مرة هحذرك.
ارتسمت السخرية على ملامحهِ وهو يسحب هاتفه ومفاتيحه بعدما تجهز للرحيل من المكان بالتزامن مع نطقه بنفس السخرية وقد ضحك عن السابق:
_مفارقتش كلها جاية من اسبيستون.
رحل تحت أنظار “جـواد” الضاحكة بيأسٍ لتصرخ شقيقته بغلٍ وقد تزايد الغضب بداخلها وياليتها ما قابلته، أهذا هو الأسطورة الذي تتحاكى عنه المشفى بأكملها؟ حسنًا حسنًا ستثبت له أنها بقدر المُهمة وتعالج زوجته حتى يشكرها أمام الجميع.
__________________________________
<“أتضع نفسك بمقارنة من لم تطوله عيناك؟”>
لن يكون العمل دومًا بنفس الوطأة..
فحتمًا هناك أيام تتسم بالمشقة وأيام تتسم بالراحة؛
أما اليوم !! فهو يوم شقائك يا “أيـهم” لقد توجب عليه أن يذهب صباحًا للمصنع الخاص بهم ثم يعود للوكالة الخاصة بوالدهِ ثم يشرف على التوزيع بنفسهِ، كانت عملية في غاية الصعوبة وبصفتهِ المسئول عن العمل بكافة شئونه بجوار عمله الأصلي هندسة الديكور الذي لم يتركها بل أخضع شهادته الأساسية لتمتزج بعمل والده.
أخيرًا دقائق فقط ينعم فيها بالراحة؟ لذا أرتمى على المقعد بأعصابٍ مُتهالكة تمامًا ورفع كفيه يُدلك عنقه وهو يفكر بكل جدية لما لم يذهب إلى البيت يتحمم ويتناول الطعام ثم يمازح زوجته أو يراوغها ثم يعود من جديد، وقد رفع صوتهِ يهتف بسخريةٍ تهكمية:
_إيه الدنيا !! دا حتى المثل بيقول من حق الكبير يتدلع.
تأوه بألم وهو يدلك عظام رقبته وجسده لتظهر أمامه آخر من توقع ظهورها في عمله ؟؟ ما هذا التبجح الذي تمتلكه حتى تدلف عمل طليقها من بعد إنقضاء عدتها؟ لذا أخفض كفيه بتلقائيةٍ ليجدها تدخل له وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_إزيك يا “أيـهم”.
رفع عينيه نحوها ثم أخفضها من جديد بعدما رمقها بنظرة تكفي وتوفي لكي تقتل كل من يتمتع بمروءة النفس، أما هي فدلفت تجلس مباشرةً دون أن تطلب الإذن، تتعامل كما لو أنها صاحبة المكان وقد آثارت تعجبه ودهشته من كم تبجحها ليجدها تجلس أمامه وهي تسأله بنبرةٍ أغرب ما مرت عليه في عمرهِ وكأنها صاحبة الحق:
_أنا عارفة إن وجودي مش مقبول هنا، وعارفة كمان إنك خلاص كملت حياتك من تاني وأتجوزت، بس بما أني أم ابنك بقى فأنا ليا حق أعرف ابني مين الست اللي هترعاه.
حقًا أصابته بالإشمئزاز من فرط الوقاحة، ألتوها تذكرت أنه صغيرها وأنها أمه؟ ألم يكن هذا الصغير الذي تخلت هي عنه بنفسها؟ ألم تكن هي من حصلت على المقابل نظير تركهِ؟ أهي معتوهة لكي تتحدث بهذه الطريقة ليجدها تضيف متابعة حديثها:
_أنا لما كنت بسيب البيت وأمشي علشان بزهق من تحكماتك فيا أنتَ وعيلتك، محسسني إني أقل منكم وانتوا بس اللي ليكوا حق تعيشوا وتقبوا على وش الدنيا، وأنا وسطكم مهمشة، زهقت ما صدقت أخرج من البيت وعلشان عارفة إني مش هقدر على مصاريفه ولا هينفع يعيش معايا أنا سيبته عندكم بس إنكم تجيبوا واحدة مبتخلفش ومعيوبة وتاخد ابني على الجاهز علشان تبقى حققت اللي نفسها فيه وأطلع أنا اللي وحشة كمان؟..
ضيق عينيه بغير تصديق وانتصب واقفًا وهو يقول بنبرةٍ هادرة يصرخ في وجهها بقولهِ منفعلًا:
_أنت مجنونة ؟! أو بجحة أو الاتنين مع بعض، ابنك دا أنتِ سايباه بنفسك علشان الفلوس قدام عينيه، ابنك دا فضل أيام مش عارف ينام وهو بيفكر مين ممكن يحبه إذا كانت أمه نفسها مش حباه وحساه علطول غلطة، ابنك دا جيه يسلم عليكِ أنتِ وأخوكِ مشتوه علشان الفلوس، ابنك دا عرف إنك وقعتي في الشارع وراح وراكِ يتطمن عليكِ سمعك بتغلطي فيه، وتقولي عليه عيل شقي ومفيش فيكِ دماغ !! جاية مستكترة عليه أم تحبه بجد؟.
انتفضت أمامه هي الأخرى تهتف بنبرةٍ عالية:
_مسألتش نفسك وصلنا لكدا ليه؟ من طريقتك معايا ومن بخلك عليا بكل حاجة نفسي فيها، كل حاجة بتعارض وترفض وتزعق وأنا كأني مهمشة في حياتك، رغم إنك عندك بس أنتَ حابب وضع السيطرة مش أكتر، وأخرتها تيجي واحدة تاخد على الجاهز وتبقى هي أم الواد ؟.
ترك مكانه وأقترب منها ينطق بنبرةٍ رغم هدوئها إلا أنها كانت مرعبة وقاتمة وخرجت من بين أسنانه المُطبقة حينما هتف:
_الواد دا اللي أنتِ من يوم ما خلفتيه وأنتِ بتعامليه كأنه بنك الحظ؟ الجوكر اللي هيقش حب العيلة والفلوس والاسم إنك جيبتي حفيد للعيلة، زيك زي البهايم بالظبط كل اللي شاغلهم العلف وأنتِ اللي شغلك الفلوس والتباهي قدام الكل إنك معاكِ بنك، زعلانة أوي إنها مبتخلفش وهتاخد ابنك على الجاهز؟ أقولك ؟ علشان هي بتحبه ومبسوطة بيه ومكتفية بيه ابن ليها وهو مكتفي بيها وفرحان وبيقولها يا ماما، أما أنا بقى؟؟..
ترك جملته الإستفهامية مفتوحة لتخمن هي فأضاف هو يقول بنبرةٍ هادئة بعدما ابتسم ببرودٍ جليٍ:
_أنا عن نفسي مبسوط لأني أول مرة أحس إني مع إنسانة بجد عندها إحساس ومشاعر، لقيت اللي حبيتها وكنت بدور عليها، لقيت واحدة معتبراني كل دنيتها وبقيت ليها كل حاجة، مش وخداني بنك يعد ويدفع، فوقي لنفسك علشان كدا كدا مش لزمانا تاني لا أنا ولا هو، نصيحة أخوية بقى بما إن عدتك خلصت خلاص تقدري تتجوزي أي حد، حاولي تنضفى نفسك قبل ما تدخلي حياة حد، علشان فيه ناس جت بعدك عمالة تلملم في القرف اللي كان متساب.
هذه الغبية ظنته مثل السابق سوف يخضع لأجل أبنه؟
بالطبع غبية فهي لم تعلم قدر محبة ابنها لهذه المرأة التي تخللت قلبه بأفعالها وبحنانها عليه، ألا تعلم أن ابنها تصدق وتضرع لكي تجاوره هذه المرأة؟ حسنًا لقد رحلت ولا يهمه من أين علمت بتفاصيل شخصية زوجته من المؤكد سألت عن اسمها وعلمت كل شيءٍ عنها، على كُلٍ لقد ذهبت من أمامه بعدما أتت تعكر صفوه..
لقد ابتسم بسخريةٍ وهو يتعجب من الشعور الذي تلاشى من داخلهِ تجاهها، سبحان المولى واضع الشعور ونازعه، حينما كان ينتظر فقط مرورها أمامه لكي يتهلل قلبه مثل الفتى الصغير وهي تبتسم له تقصده هو دونًا عن غيرهِ ثم تذهب مُجددًا لتصيبه بالإحباط، أخرج زفرةً قوية وهو يتذكر نفسها المشاعر تجاه “نِـهال” التي أصبحت له دار قَرَّ بها أخيرًا.
__________________________________
<“لا تحزن مننا، الأحق أن تحزن علينا”>
كانت تجلس بجوار “تحية” في المطبخ تعاونها في عمل الطعام وقد تخطى الوقت الكثير وشارف الليل على القدوم ولم يأت أيًا من الشباب، جلست هي بضجرٍ وهي تشعر بالضيق، لا تعلم السبب تحديدًا هل منه أم من نفسها؟ أم من الدنيا التي جعلتها ضعيفة حتى أنها لا تملك أي مكانٍ أخر تذهب إليـه لكي تتخلص من الشعور بالضيق من هنا..
تحركت “تحية” نحو الخارج وتركتها بمفردها ليدخل لها الأب الروحي الذي بمجرد نظرة واحدة يعرف ما بها، يعلم أنها حزينة، هذه الثرثارة التلقائية طالما صمتت عن الحديث يبدو أنها تشعر بالحزن، سحب المقعد يجلس في هذا المطبخ الكبير مقابلًا لها وسألها بنبرةٍ هادئة:
_جيت أشوف بنتي قالبة بوزها ليه؟ مالك؟.
زفرت بقوةٍ ثم اندفعت في وجهه بقولها:
_ماهو بُص بقى !! أنا مش هقولك علشان أنا عارفة هتعمل إيه كويس، هتطيب خاطري بكلمتين حلوين وتقولي متزعليش بس أنا غصب عني زعلانة، ومن غير سبب وخلاص اعتبرني مضروبة في راسي.
ضحك رغمًا عنه على طريقتها واندفاعها فيما زفرت هي بقوةٍ ثم ازدردت لُعابها بقوةٍ، حتى هذا لم تخبره بما تشعر هي به، لقد شارف غالبًا على الشهر دون أن يهتم بها، يبدو لا يكترث بوجودها، فقط يطمئن بتواجدها في البيت وهي تنظمه وتصنع الطعام والباقية هم في أولوياته وهي غالبًا بآخر القائمة..
لقد علم “نَـعيم” سبب حزنها لذا هتف بنبرةٍ هادئة:
_عارفة؟ أنتِ بتفكريني بـ “ندى” مراتي بالظبط، برضه الشغل كان ضرتها وكانت علطول زعلانة ومقموصة، غير أني ماكنتش بقول كلام حلو خالص، يمكن الصايع بتاعك يعرف يقول عني شوية، إنما أنا ؟ كنت ساكت، بصي يا بنتي السوق والحياة بتاكل الراجل، وجوزك بالذات من يومه كبير نفسه، كبير على أي حد حتى أنا بسيبه يكبر عليا، بس مش قلة قيمة، لأ خالص، علشان عارف إنه راسي ودماغه توزن بلد، هو مش هيقولك إنه بيحبك بس بتلاقيها كل يوم في خوفه عليكِ، مش هيقول فيكِ شعر ويتغنى بيكِ بس هتلاقيه بيبصلك كل يوم بفخر إنك معاه، مش هيقدر ييجي يحكيلك يومه ويقولك إيه اللي حصل، بس مجرد ما هييجي عندك هينسى أصلًا حصوله إيه، الست لو بتحب بودنها بصحيح، الراجل بيدي أضعاف بأفعاله.
زاد تخبطها أكثر وكأنه بدل حالها من المجني عليها للجانية؟ تُرى يبدو هذا الوغــد هو من تحدث معه، حسنًا عليه أن يتحمل عاقبة فعلهِ إذن، هي من الأساس هنا تحت رحمته كما يُقال، ضيق عليها الخِناق حتى أنفاسها أصبحت بأمرهِ هو، تركها “نَـعيم” بنفس الحال ثم خرج ليواجه “إيـهاب” في وجهه فأوقفه مشيرًا بعصاهِ وهو يقول أمرًا له:
_على شقتك ومراتك هتيجي وراك، لو شوفتك تحت الليلة دي أنا هخليك تطلقها وأظن أنتَ عارف لو هبت مني هعملها يا ابن “المـوجي” متراهنش على صبري، يلا.
كاد أن يتحرك لكنه عاد من جديد يخبره بلهفةٍ:
_بس “إسـماعيل” كلمني وقالي إنه لسه وراه مشوار تبع الشغل، لما ييجي طيب هيطلع كان عاوزني يقولي حاجة.
زجره “نَـعيم” بنظراته ينهاه عن التكملة وأضاف بأخر ثباتٍ لديه:
_ مالكش دعوة بيه يا “إيـهاب” مش هيتخطف.
ابتسم له ساخرًا وكاد يخبره أنه سبق وتم اختطافه لكنه لم ينطق وصعد لشقته، من الأساس يكره اللحظات الأولى لدخوله الشقة بدونها، دلف وخلع سترته يلقيها على المقعد ثم سحب المقعد المجاور وجلس عليه ينتظر هذه التي ستقيم عليه الحد، محكمة تأديبية سيخضع لها وهي من تسن القوانين عليه للحق اشتاقها كثيرًا، لدلالها المبالغ فيه ولعفويتها المُضحكة ولروحها المزهرة التي غالبًا إذا استمر في طريقته هذه ستنطفيء..
لا لن يفعلها، لن يكرر فعل ذلك المزعوم “أشرف الموجي”، لن يكن النسخة الأخرى منه وهو يكرهه بكل ما فيه، لن تصبح مثل أمه وهي تعاني بسبب زوجٍ قاسٍ غليظ القلب لا يعرف الرحمة ولا اللين، بالطبع كانت هي أحن الأفراد ولم يملك سواها، وقد وافتها المُنية لتتركه وهو على عاتقهِ مسئولية الطفل الصغير الذي لولا تواجده هو لكان والده قام ببيعهِ، زفر مرارًا وقد أظلمت عيناه وهو يتخيل صورة أبيه أمامه أثناء تركه لهم وهو يسير خلف ملاذاته..
دلفت الشقة وهي تجهل بتواجدهِ بها، ولم تعلم أنه بداخلها يجلس أو ربما ينتظرها، لذا زفرت بقوةٍ ثم أغلقت الباب ومرت من جوارهِ وهي تتجاهله كما يفعل هو لتجده أمسك رسغها برفقٍ وهتف بنبرةٍ هادئة:
_استني يا “سـمارة” أنا عاوز أكلمك.
كادت أن تقطع حديثه لكنه أصر أكثر عليها واعتدل واقفًا أمامها وهو يقول بنبرةٍ هادئة بعدما أمعن نظره في وجهها ليخرج الحديث من قلبه مباشرةً:
_عارف أني أهملتك وبقيت مشغول عنك، بس واله مش بكيفي كدا، أنا فوق دماغي هموم تقيلة تهد جبل لوحده، فلوس وحسابات وشراكة وناس حطينا في دماغهم وأخويا اللي مهدد في أي وقت، مش هقولك أنتِ عندي إيه بس يمين بالله أنتِ الست الوحيدة اللي دخلتها قلبي من بعد أمي، بصي علشان مهريش كتير أنا طبعي صعب وتقيل، بس بحاول والله علشانك أنتِ، أنا بكون معاكِ أنتِ واحد تاني غير اللي مع الكُل أصلًا، بالله عليكِ ما تزودي الهم بزعلك، أضحكي وخلي القلب يفرح.
نزلت عبراتها وهي تهتف بنبرةٍ باكية وقد حقًا شعرت بالألم رغمًا عنها يسري في روحها كونها تواجه هذه الحقيقة لا مفر من ذلك وكلما استمر الحديث منها كلما تهدج صوتها:
_عارف؟ كل مرة بحس نفسي تقيلة عليك مفتكرش نفسي غير وأنتَ جايبني من الشارع علشان تسترني من كلاب الشوارع، وأقعد أفكر مع نفسي كدا بأي حق أزعل منه؟ واحدة غيري تحط الجزمة في بوقها وتسكت إنك كتر خيرك آويها في بيتك وساتر عرضها وقافل عليها في بيتك، وحتة تانية جوايا تصرخ بالقهر لو دا فعلًا أخري هنا، علطول وغصب عني بفتكر أنا مين وأخري هنا إيه، بخاف أشوفها في عينك لما أجي أطلب حاجة أحسن تقولي أنتِ جاية من الشارع، بخاف علشان ماليش حد أروحله، يا أخي شوف الغلب حتى لو جيت أطفش هجيلك، ماهو أنا غصب عني ماليش غيرك خالص، والله يا ابن الناس ماليا غيرك أخد منه شوية الحنان اللي عمري ما شوفتهم، معرفش أنا حضن الأب والأم دول، أنا معرفش غير حضن نفسي وأنا بتضرب، والله ما غصب عني أني بطلـ….
تهدج صوتها وهي تبكي مُجددًا لتعجز عن تكملة الحديث لتجد نفسها بين ذراعيه وهو يضمها بكل قوتهِ، ليزداد بكاؤها أكثر، من الأساس سبب الغضب ليس منه بل من حياتها، تغضب من كل شيءٍ يتسبب في قهرها باعتباره الملاذ الآمن الوحيد في الدنيا لها، لتتفاجيء بأكثر الأماكن دفئًا يلطُمها بكل برودة، استمر عناقه لها بذراعٍ قوي والآخر يمسح على رأسها وهو يقول بأسفٍ لها وكأنه يعتذر لأمه:
_حقك عليا وعلى راسي من فوق كمان، دا بيتك يا هبلة أنا هنا اللي ضيف عندك وماليش ربع اللي ليكِ، يا شيخة ربنا ياخدني قبل ما أزعلك بالمنظر دا تاني.
ابتعدت عنه تضربه في كتفهِ وهي تقول بنبرةٍ باكية:
_متقولش كدا، بقولك ماليش غيرك يا “عـمهم”.
ابتسم لها ثم أقترب منها يسألها بمراوغةٍ نتجت عن خبثه:
_طب مفيش واحدة سي “إيـهاب” !!.
ابتسمت بدلالٍ وهي ترمقه بتعالٍ ثم حركت رأسها نفيًا لتجده يقربها منه أكثر وهو يقول بنبرةٍ هادئة بعدما ابتسم لها:
_مش مهم أنا هخليكِ تقوليها.
رفعت حاجبها له وهي تتهكم عليه بقولها:
_أبقى روح خلي “إسماعيل” يقولهالك.
ضحك رغمًا عنه وضحكت هي رغمًا عنها حينما وجدته يقترب مثها يلثم جبينها في مبادرةٍ منه للإعتذار عما فعل وهو من الأساس لم يتخيل أن تصل بها درجة حزنه لهذه الأفكار المآساوية لكن يكفيه أنها معه أخيرًا والأمر ينتهي بصحبتها.
__________________________________
<“تغيب الإثنان والواحد بإثنين”>
كان “عبدالقادر” في بيتهِ يجلس بردهته ينتظر كوب الشاي الخاصة بهِ لكنه لم يحسب أن “نِـهال” هي التي تخرج له بها وخلفها كانت “آيـات” التي اتضحت السعادة على ملامحها وقد فهم والدها سبب فرحتها ليقول بنبرةٍ ضاحكة:
_بركاتك يا “تَـيام”.
خجلت بشدة وقد ضحكت “نِـهال” هي الأخرى وجلست بجوارهِ وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_أنا عملت الشاي ليك علشان الست “وداد” تعبت شوية وقولنا نخليها ترتاح من اللي هي فيه، دوق كدا.
أخذ منها الكوب وهو يبتسم لها ثم تذكر حال حفيده صباحًا وكيف تبدل حاله مع الدارسة التي سئموا هم منها ليهتف لها بنبرةٍ هادئة:
_ أنا عاوز أشكرك علشان كل حاجة بتعمليها، البيت نور من يوم ما دخليته وكلنا هنا واخدين بالنا من الحال اللي اتغير، وأهم حاجة “إيـاد” دا أنا كنت قربت اتقهر عليه.
هتفت هي بلهفةٍ ردًا عليهِ بوجهٍ مبتسمٍ:
_بعد الشر عنك، أنا والله اللي مبسوطة معاكم هنا وبحاول أكون خفيفة على قلوبكم، بعدين بصراحة يعني عيلة اللهم بارك ربنا يحفظكم مفيش منكم والمحظوظ هو اللي يدخل بيتكم هنا.
تحدث معها من جديد وكذلك “آيات” وهي حقًا تشعر بالألفة هنا لوهلةٍ ظنت نفسها أنانية أنها أخذت كل شيءٍ هنا، حبهم ومكان أخرى لم يحبها أيًا منهم، هذا الأب العظيم الذي يحب أولاده بطريقةٍ غريبة عليها لم تختبرها من قبل، أبنائه الثلاثة كل منهم يجد ما يميزه عن الأخر، هي حقًا ممتنة وسامحت الحياة أخيرًا بعد أن أهدتها بهذه العائلة..
في مكانٍ أخرٍ كانت تفكر فيه كثيرًا وكثيرًا ولم ينفك عن عقلها، منذ الأمس وهي لم تراه ولا حتى هاتفها، يبدو أنه حقًا لازال حزينًا من كل شيءٍ حولهِ، زفرت بقوةٍ وهي تتذكر كيف كان يسرد شكواه عليها كأنها أمه، أين هو؟ لقد أشتاقته، وهل يعقل أنه هرب من الجميع؟ ألم حتى يجاوب على مكالماتها معه؟
زفرت “عـهد” بقوةٍ ثم ألقت الهاتف لتدخل “قـمر” غرفتها وهي تقول بنبرةٍ حانقة:
_الاتنين مش بيردوا !! طب “يـوسف” و غامض ماشي وممكن يكون في السمان رغم أنه كان هيقول يعني، بس “أيـوب” ؟؟ عمره ما ساب الحارة وغاب عنها، حاسة إني مش متمطنة يا “عـهد”.
زفرت “عـهد” بقوةٍ وهتفت بنبرةٍ قلقة للغاية:
_”قـمر” أنا على أعصابي أصلًا، ماظنش الأمر فيه حاجة، يمكن يكون مثلًا راحوا مشوار مع بعض؟ أو عمو “عبدالقادر” باعتهم يجيبوا حاجات الجهاز بتاع “آيـات”؟ بصي إن شاء الله تبقى كدا يعني، بلاش تخوفيني أنا من ساعة اللي حصل وعيلتك عرفت وأنا أعصابي بايظة.
ازدردت “قـمر” ريقها بتوترٍ وهي توميء برأسها موافقة، تحاول أن تصدق “عـهد” لكن هل يعقل أن يتغيب الإثنان معًا؟ وبأي وجه حق؟ حاولت أن تتمسك بالتضرع أن تمر الليلة مرور الكرام وأن يأتيا سويًا من جديد برفقة بعضهما.
__________________________________
<“زيارة مفاجأة لأصحاب البيت”>
الإثنان معًا قوة ضارية في وجه كل عدوٍ..
لم يتخيل أحدٌ أن يكون هما الإثنين معًا في مكانٍ واحد دون أي حدثٍ يذكر، فقط في هذا البيت البغيض بهذه الغرفة التي من المفترض أنها مُغلقة منذ فترة رحيله من البيت، ما هذه الأصوات التي تخرج منها؟ ومن الذي يبيت بداخلها؟؟
تحرك “سـامي” من غرفة المكتب بعدما غرق في التفكير مرارًا ومرارًا ليخرج أخيرًا على صوت جر الحقائب ليتحرك حينها نحو الأعلى ليفتح غرفة “يـوسف” ووجده بداخلها !! ومن هذا الذي يجلس معه؟ حرك رأسه نحوهما بتعجبٍ ليبتسم “يـوسف” بتهكمٍ وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_مش قولنا ١٠٠ مرة نخبط على الباب؟.
تبدلت ملامح “سامي” للإرتباك بكل خوفٍ فيما تحرك الأخر نحوهِ وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة وللحق لم تكن الضحكة صافية كما أعتاد بل كانت أخرى:
_نسيت أعرفك بنفسي، أنا “أيوب عبدالقادر بكر العطار”
أوعي تكون ناسيني علشان هزعل أوي زي ما أنتَ زعلتيني قبل كدا.
في قديم الزمان قيلت حكمة عظيمة مفداها:
“يَـومٌ لكَ ويَـومٌ عَليكَ” وها نحن نرى من كان منتصرًا بالأمس يهزم اليوم في عقر داره أمام ابنا غريميه؟ مقابلة ساحقة لروحهِ ودَّ على أثرها أن تنشق الأرض وتبتلعه بداخلها..
__________________

يتبع….

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية غوثهم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى