روايات

رواية بنت المعلم الجزء الثاني الفصل الرابع والأربعون 44 بقلم حسناء محمد

رواية بنت المعلم الجزء الثاني الفصل الرابع والأربعون 44 بقلم حسناء محمد

رواية بنت المعلم الجزء الثاني الجزء الرابع والأربعون

رواية بنت المعلم الجزء الثاني البارت الرابع والأربعون

رواية بنت المعلم
رواية بنت المعلم

رواية بنت المعلم الجزء الثاني الحلقة الرابعة والأربعون

” اليوم الثالث في غيابه ”
انضم يونس إلى موسى في منزل عامر، لم يوافق جابر بأن يغادر دون أن يتناول الافطار معهم أولاً وكانت فرصة مناسبة بأن يعتذر منه عن موقفه من إبراهيم، موضحًا أنهم مرحبين كثيرًا بوجوده هو فقط وأن الزمن لن يمحي اثار الماضي أبدًا .. تفهم يونس واحترم مبدأ جابر الذي راق إليه حنانه في طريقته وأسلوبه الهادئ اللين، قدم عامر كوب الشاي إليه متسائلاً بأهمية:
متعرفش البنات راحوا المصنع ولا لسا ؟!
هز يونس رأسه بالنفي:
لا لسا أنا جاي وخالي كان رايح يشوفهم
ارتشف موسى من كوبه مرددًا بتفكير:
تفتكروا محمود راح فين
نظر عامر إليه وهتف بضيق:
أكيد وراه مصيبة، أنا مش فاهم ازاي ده أخو سالم
ومن ثمّ استكمل بعدم فهم موجه سؤاله إلى يونس:
بس برده أنا مش فاهم هو ماله ومالك ؟!
أضاف موسى باستنكار :
قصدك تقول هو ازاي اضايق من كلام مروه مع ابن عمتها ومش مضايق من طلال اللي يعتبر خطيبها!!!
رد عليهما يونس بلامبالاة :
ومين قال إنه مضايق مني وبعدين أنا أصلا معرفش سبب المشكلة دي كلها
نظر عامر إليه بملل من هدوء أعصابه الذي لم ولن يتغير:
هو امبارح على العشا مكنتش قاعد معانا وسامع مرتضى بيحكي ولا أنت في مايه البطيخ
ضحك موسى بخفة مغمغم بمزاح وهو يرمق يونس:
ابن عمك ويفهمك برده
أخذ رشفة من الشاي وسألهم بتعجب :
هو مش انتوا بتقولوا أن طلال أخو سفيان، اومال هو فين من كل ده ؟!! يعني هو كان موجود وأنا معرفوش!!
رد عليه عامر وهو ينهض يغلق التلفاز مستعدًا للرحيل:
لا مكنش موجود هو انسان لو شوفته هتعرفه من بروده واستفزازه
استقام موسى يهندم قميصه :
دا على كده لو اتقابل مع محمود هيعملوا كوكتيل لذيذ
أشار عامر على يونس مردفًا غامزًا :
ويا سلام لو معاهم يونس كمية تلج وهتطفح في وشنا
قهقه موسى وهو يرفع كتفيه ببراءة لنظرات يونس المقتضبة، ومن ثمّ ابتسم بسماجة وهو يرمق عامر من أسفل لأعلى بضيق .. خرجوا من المنزل متجهين إلى المصنع مباشرةً، فقد أعطى عامر العمال في مصنعه إجازة لآخر الأسبوع لعدم قدرته على التركيز معهم وهو منشغل مع الفتيات، بينما جهز موسى كل الرحلات التي من المفترض أن تخرج من مكتبه وأبلغ شريكه وفي الأساس صديقه المقرب بغيابه لأسبوع أو أقل،
؛***********
في منزل عبده
رفض أن ينضم إلى طاولة الطعام، وجلس على المقعد يفكر في اسوأ شيء ممكن أن يكون ردة فعل أخوه … جميع الأهالي من صغيرهم إلى كبيرهم لا يدور بينهم سوى ذلك الأمر، ضجة وثرثرة كثيرة عن وقوع أفراد عائلة سويلم بين بعضهم.. وبدأت الأقاويل تختلف من هنا وهناك، وأسئلة عن سبب انفعال محمود وانقلابه على الفتيات!! وما جعله يصل إلى تلك الدرجة ؟!!
: اعملك شاي يا بابا؟؟
هز عبده رأسه بشرود، فعادت سمر إلى مقعدها وعلى وجهها تعابير حزينة .. تطلع سعد إليها مشيرًا أن الأمور ستكون على ما يرام ولا داعي لقلقها المبالغ به، فمصير محمود إما أن يهرب قبل عودة عمه، أو ينتظر ويلقى حتفه، وسعد يفضل الاختيار الثاني كثيرًا …
: ايوا يعني ابني راح فين ؟! فص ملح وداب !!
تمتم سعد بسخرية بالغة :
هو كده كده هيدوب مسألة وقت بس لحد عمي ما يرجع
حدجته رحاب بغضب شديد ثم نظرت إلى سالم وقالت بكدر :
فين أخوك يا سالم، قاعد ولا فارق معاك هو فين ولا ايه اللي جرى ليه
رد باقتصار وهو ينهض :
معرفش ولا يهمني أعرف
استكمل يأمر سعد :
قوم روح المصنع وأنا هخلص شغلانه واحصلك
انتفضت رحاب تصيح بانفعال :
ده كله من ابن اختك اللي ظهر زي عفريت العلبة فجأة
انكمشت قسمات وجه عبده باستنكار لِما تتفوه به زوجته:
وهو يونس اللي قال لابنك يعمل راجل على بنات عمه ويضربهم ولا اي حد نلبسه عمايلنا والسلام !!
: الواد ده جاي على خراب زي أبوه
رد عليها بغضب شديد ولهجة لا تتحمل النقاش:
ملكيش فيه ولا ليكي دعوة يقعد ولا يمشي، وصدقيني يا رحاب لو سمعت بس أنك قولتيله نص كلمة لهيكون يومك ما يعلم بيه إلا ربنا، هو أنا ناقص ولا ملاحق منكم
كتمت غيظها وهي تعض على شفتيها بصيق، لا احد منهم يهتم لغياب محمود منذ الأمس، لا يعلموا أين ذهب فجأةً؟! ولِما لم يعود بعد!! .. انتبهت ندى إلى نظرة زوجها فلحقته للخارج لفهمها أنه يريد أن يقول شئ :
اياكي تتدخلي في اي حاجه لو محمود رجع وأنا مش هنا
فتحت فمها للتحدث فرفع سبابته مستطرد بتحذير:
اياكي يا ندى بأي شكل من الأشكال تتدخلي لو بكلمة حتى، خلاص اكتفينا من عمايله وملناش دعوة
أومأت إليه برفق وودعته ثم ولجت تنظف المائدة مع سحر ومياده التي لم تهتم لغياب محمود مثلما غضبت من تصرفات مع مروه دفاعًا عن حبه ..
؛*********
: سالم عايزه السرير ده
نقل نظره إلى شاشة هاتفها يتأمل صورة فراش ثم عاد يتطلع لصغيره وهو يحتضنه برفق :
حاضر، عرفيني اجيبه منين وساعتين زمن ويكون عندك
هزت نيره رأسها بملل وقالت مشيرة على فراش صغير يجاور فراشها :
لا ده مش هتلاقيه موجود هنا، يعني لازم مول كبير أو نطلبه اون لاين لأنه هزاز بالكهربا وحاجه نضيفه مش زي ده
أمسك سالم يد صغيره يقبلها بلطف متمتم باستغراب:
مش أنتِ اللي اخترتي ده !! والله يا نيره أنتِ بمية رأي وبكره لما تجيبي ده تقولي لا مش هستعمله أصله بالكهربا وبخاف عليه منه
أشارت إليه بالتقدم وهي تهتف بحنق :
هات بس سيلم كده لاني قولتلك بطل بوس فيه وأنت ولا كأنك سامعني، وبعدين ما تجيب هو إحنا عندنا كام عيل!!
أنهت حديثها باستنكار تغاضى عنه سالم كما تجاهل أمرها بوضع سليم على الفراش .. وضع كفه الصغير بين راحة يده محدقًا به بابتسامة صافية، مشاعر جمه، وإحساس الاشتياق يرتوي بقرب روح ولد من جديد بقدومها ..
: هاته يا سالم شكله جعان
رمقها بضيق مرددًا بجمود :
ما هو ساكت اهو ولا هي جات على الساعة اللي جاي أشوفه فيها
لازال الصغير لم يتأقلم على الحياة خارج حدود رحم أمه، وأي صوت بجانبه يجعله ينزعج مثل نبرة والده التي علت قليلاً .. أمر طبيعي أن يبكي فهي وسيلته الوحيدة للتواصل مع الآخرين، لكن نيره لديها رأي مختلف تمامًا، تحاملت على نفسها ونهضت بعنف تصيح بحده :
حرام عليك تطرش الولد بصوتك، هقول ايه ما أنت مستهتر ومش مقدر وجود ابنك بين ايدك
ولجت والدتها على صوتها وهي تأخذ سليم وتعود به إلى فراشها، فوقف سالم وهدر بضجر :
أنتِ حالتك بقت صعبه ولازم تشوفي دكتور
: في ايه يابني ؟!
تساءلت والدة نيره بعدم فهم، فرد عليها سالم بملل:
كنت بقول فترة حمل وهرمونات وبصبر نفسي، لكن كده الوضع مينفعش يتسكت عليه
استكمل وهو يرمق نيره شزرًا :
اغسل ايدك قبل ما تدخل الاوضه، متشلهوش أحسن هدومك فيها جراثيم، بص عليه من بعيد عشان نفسك، متتكلمش وأنت شايله علشان دونه
ابتسمت والدة نيره وقالت بهدوء :
متزعلش دول أول يومين من خوفها عليه، لسا متعرفش مش فاهمه حاجه وشوقها ليه هو السبب في قلقها
هز رأسه بالنفي مردفًا بامتعاض:
ولما دخلت أول ما وصلت بوستها من رأسها ولفت خدت منديل معقم مسحت مكاني ده برده من شوقها لسليم
تطلعت والدة نيره إلى ابنتها بذهول فتمتمت الأخرى بارتباك :
مقصدش بس مناعة سليم ضعيفه وممكن يتعدي من غير ما ناخد بالنا
تحرك سالم كي يغادر فوقفت والدتها في طريقه :
أنت لسا جاي أقعد وبعدين هو انتوا كل كلمتين تمسكوا في بعض، خلاص بقا في سليم لازم تعملوا حسابه
: هعدي بليل لاني سايب مرتضى لوحده في المصنع
ثم التفت ينظر إلى نيره مغمغم باقتضاب قبل أن يخرج:
ابعتي السرير واللي محتاجه وهتصرف واجبهم
حركت رأسها بهدوء، ذهبت والدتها معه تتبعه إلى خارج المنزل ثم عادت وهي تقول بغضب :
واخرتها معاكي يا نيره، مش هترتاحي غير لما تخربي على نفسك وتقعدي تندبي حظك بعد كده
لم تُعقب فصاحت والدتها بضيق :
يكون في علمك الرجاله خلقها ضيق وجوزك استحمل وسكت وعداه العيب معاكي، هو مفيش غيرك خلف ولا ايه، ولا إحنا مخلفناش ومربناش باين كده
في نفس الوقت قابل سالم والد نيره في أول الطريق، بعد أن صافحه طلب منه بأن يجلس معه لأمر لا يحتمل التأجيل .. أراد والد نيره بأن يعود معه للمنزل ويجلسان معًا لكن لم يقبل سالم أولًا لأنه تأخر على مرتضى وثانيًا عكرت نيره مزاجه في بداية اليوم، وما سيقوله يحتاج إلى هدوء أعصاب وحنكة …
؛*********
دفع باب الصالون بعنف وهو يصيح باسمها بغضب، شهقت ساره بفزع وانتفضت من مقعدها وهي تنظر على الباب بخوف .. تنهدت براحه عندما رأت عبده يقف قبالها يرمقها بحده :
الله يسامحك يا معلم عبده بلعتني اللقمة واقفه
حدجها بثبات وصاح بكدر :
المره الجايه لو لسانك مبطلش برطمه هوقفها في نص زورك علشان صوتك ميطلعش تاني
وضعت ساره الخبز من يدها فقد بدأت للتو في تناول الإفطار بما أنها تأخرت على فتح الصالون في موعده .. دارت تقف أمام عبده مردده ببراءة :
ليه بس يا معلم هو انا عملت حاجه زعلتك
رمقها بسخرية وهتف بانفعال :
الشويتين دول تعمليهم على حد تاني
رفع يده مستكملا بتحذير :
لو فتحتي بوقك تاني بكلمة بالحصل هتشوفي مني أسود أيام عليكي وعلى عيلتك واللي يتشددلك
: اللي بيتشددلي كلنا عرفينه يا ريس عبده
ابتسمت بخبث فمن لا يعرف أنها تحتمي بالمعلم سالم وهو الذي يتعرض إليها فكل شيء للجوئها إليه.. احتقن وجه عبده بغضب من مغزى حديثها واستهزائها بتهديده، وسرعان ما تبدلت تعابيره ولانت عندما تمتمت ساره بتمسكنا :
أنا مش بتكلم دول هما اللي بيسألوني، هو أنا أقدر على زعل حد من السوالمة برده، يتقطع لساني لو قولت كلمة تانيه في حقكم
شعر بأن ما جاء إليه قد أبدى نفعًا معها فأعطاها نظرة مقتصرة وخرج .. عادت تكمل تناول طعامها وهي تضحك بتهكم، أثناء اندماجها في مشاهدة اللقطات الخاصة بمحمود على هاتفها دخلت زبونة تقول :
ساره عايزه اعمل شعري استشوار بس بسرعة
أشارت بأن تجلس وهي تلقي إليها الهاتف متمتمه بمكر :
خُدي اتفرجي على ابن المعلم عبده وهو مضروب من بنات عمه لحد ما أخلص فطار
التقت الهاتف ونظرت إلى الصورة بعدم تصديق :
ده مين فيهم !! هما بنات المعلم سالم اللي عملوا فيه كده!!
: لا دا حوار طويل أشرب الشاي واحكيلك
؛************
مكثت هند بمكتب والدها تنتظر رد التجار الذين لم يستملوا شحناتهم من الأعلاف… منهم من وافق على الانتظار وهناك من اعتذر على عدم قدرته للانتظار واكثرهم أصحاب مزارع ضخمة لن يتحملوا تكلفة تأخير الأعلاف عن الحيوانات … بذكاء وفطنة ورثها من والدها بدأت في توزيع الكميات الموجودة بالفعل بحصص أصغر تكفي لكل من أعتذر عن الانتظار ليومين أو أكثر ولكن تفي بمتطلباتهم حتى يتم الإنتاج من جديد،
ساعدتها مها ورحمه في ذلك، وذهبت خيريه ومروه إلى مكتب الحسابات يراجعوا أخر أموال دفعت في تصليح الآلات والمعدات .. لم توافق حسناء على الجلوس في المنزل وأصرت أن تنضم إليهن وكانت تتابع مع أمل عدد العمال الذين انضموا إلى الورديات لاحتياجهم إلى أيد عاملة كثيرة لإتمام كل هذه الطلبات في أسرع وقت مع فحص المهندس الآلات وهي تعمل ..
: عايزين نتصل بـ ربيع نستأذن منه يتأخر لبكره بدل انهارده
تطلع مرتضى إلى هند وقال بتفكير :
على الأقل لازم ياخد كمية تكفيه لبكره، ربيع ما شاء الله عنده اكتر من ٣٠ راس وكلهم تسمين بياكلوا كتير
رددت مها بتبرم واضح :
والعدد دا يكفيه ايه، دا عايز انتاج لوحده
أخرج هاتفه وهو يغادر المكتب :
هكلمه واسأله
: هو موسى وعامر لسا مخلصوش ؟؟!
هتفت هند تسأل أمل وحسناء وكل واحدة تدخل ومعها ورق تقرأ به .. تمتمت أمل بشرود وتركيزها بالورقة:
حملوا عربيتين وفاضل واحده
ألقت حسناء الورقة مردفه باستياء :
بصراحه كده إحنا بنحاول لكن مش هنقدر
واسترسلت بحيره :
تعرفوا تقوليلوا هنجيب فلوس منين وبابا قافل الخزنة
نظرت رحمه إلى هند متمتمه بنبرة ساخرة :
أكيد كبيرتنا عندها حل
ضحكت هند بخفة وردت على رحمه بتهكم يماثل أسلوبها:
حد قالك هضرب الأرض تطلع فلوس
قطع حديثهم صوت طرق على الباب، أذنت هند للطارق بأن يدخل وهي تتأكد من وضع حجابها .. دلف سالم جابر ومعه يعقوب والده الذي جاء يقدم مساعدته للفتيات إن احتاجوا لأشيء :
تسلم يا عمي عزيز مش عايزين نتعبك كفايا تعب يعقوب معانا اليومين اللي فاتو
تطلع عزيز إلى هند بعتاب وقال بلوم :
الكلام ده تقوليه لحد غريب شوفوا بس ايه يلزمكم وساعة زمن يكون قدامكم
واستطرد بخبث وهو يرمق يعقوب :
وبعدين كل واحد بيعمل للي ليه، وسالم أخويا ولو مكاني كان عمل اكتر ومسبش عيالي
ابتعدت حسناء بوجهها تنظر للنافذة تصطنع انشغالها، فاقترب عزيز منها متسائلاً بلطف :
عامله ايه يا حسناء ؟؟
ابتسمت بهدوء مردده بنعومة :
الحمدلله يا عمو
” عمو!! ” همس بينه وبين نفسه باستهزاء لتلك المخادعة التي تتحدث بنعومة ولطف، لم يرى ما فعلته أمس بمحمود تلك الماكرة صاحبة العيون البريئة .. طلب عزيز من يعقوب بأن يتبعه للخارج لأنه تذكر شئ ود أن يخبره به قبل مغادرته :
محمود اللي عمل في ايدها كده ؟؟
هز يعقوب رأسه فقال عزيز بتعجب :
دا اتجنن باين عليه!! مش هيجبها لبر غير لما سالم وعبده يقعوا مع بعض
واستكمل يسأله بشك :
هما صحيح اتلموا عليه وضربوه زي ما البلد بتتكلم
هتف يعقوب بتهكم :
والبراءة اللي جوه بتقولك يا عمو خليته يتنطط زي السمكة على الأرض
ضحك عزيز بإعجاب وسأله باقتصار :
وأنت هتفضل لابد ليها كتير ؟؟؟
: هي مين ؟!
ضيق عزيز عينيه يحدجه بخبث، فقد وصل إليه مغزى كلماته وذلك الأهم .. زفر يعقوب بضجر محدقًا بأثر والده إلى أن اختفى، التفت يعود للمكتب وهو يفكر في إجابة هو الآخر، إلى متى ؟؟!
وجد أن الشباب اجتمعوا في مكتب المعلم سالم وهند تتحدث غي الهاتف وحولها إخوتها.. عقد بين حاجبيه بضيق لتفاجئه بخليل بجلس بأريحية متطلع إلى حسناء، تمالك نفسه وتحرك إلى مقعد فارغ بجوار سفيان ..
؛؛؛
في المكتب المجاور جلست مروه ومقابل لها طلال، ووقفت خيريه أمام النافذة تتفحص النتائج على الآلة الحاسبة كما في الورقة.. رفضت مروه في البداية أن تقابل ذلك المتعجرف كما تصفه، وبعد إلحاح من خيريه وأمل وافقت على مضضٍ :
شايف أن صوابع محمود لسا معلمه على وشك
قالها ببسمة شيقة على شفتيه ونظراته تراقب مروه بجدية، فردت عليه بجدية وهدوء :
أنت تعبان في دماغك ؟!!
اختفت بسمته واقتضبت تعابيره مغمغمًا بحنق:
طولة لسانك هي السبب في مشاكلك
ومن ثمّ استرسل بنبرة غليظة كنظراته :
كفايا تمثيل على نفسك أنك البنت القوية اللي متتكسرش، مش بيهمك حد ولا بتخافي!! مروه اخرجي من دور مش دورك علشان تقدري تعيشي
رفعت حاجبيها بدهشة طاغية من هجومه الغير مفهوم سببه ..أراد أن يقابلها كي يلقي على سمعها كلماته الفظة تلك؟! أساءت ظنه عندما تخيلت أنه حضر مع باقي الشباب ليكون جوراها كما يفعل سفيان مثلاً!!
رمقته بتفحص وهي تسأله بفضول وثبات :
أنا مش فاهمه ليه اصرارك الرهيب إننا نرجع لبعض وأنت شايفني بالشكل ده!! ايه غصبك؟؟
قبل أن يرد قاطعته بوجوم :
استنى ما هو مفيش اجابه غير إنك عايز تثبت لدماغك التعبانه أنك متترفضش، مش قابل أنك تسمع الرفض لشخصك المبجل صح؟!
ابتسم شبه بسمة ساخرة:
مش فالحه غير في الجدال على الفاضي
ضربت على المكتب بحده وصاحت بنبرة مشمئزة :
وأنت كذاب واناني واقذر شخصية قبلتها في حياتي، ومش هندم على حاجه قد ندمي إني فتحت ليك الباب تاني وسمحت لنفسي أنزل لمستوى واحد زيك
ذهول عرقل لسانه عن الحديث، أدام يتطلع إلى ملامحها المتقززة وهي تنظر إليه بغضب مسترسلة بكراهية :
مش بيحب غير نفسه، ممكن يعمل اي حاجه علشان بس ميكونش غلطان حتى لو اتسبب في تدمير حياة ناس تانيه ملهمش ذنب غير أنهم عرفوك، أنا اتعلمت الدرس المرة دي بس كان تقيل شويه عليا وعرفت إني غلط لما سمعت كلام ماما وبصتلك بطريقة سطحية مع إني سبتك في المرة الأولى وأنا على اقتناع تام إننا مش شبه بعض، لكن قولت موقفه مع سوزي واللي هي جات حكاته طلعتك في نظري انسان شهم، الله يرحمها كانت غلبانه لدرجة أنها قبلت تيجي لحد عندي تبرأك وماتت قبل ما تعرف حقيقتك
تلعثم طلال بخشية قائلاً:
أنتِ بتتكلمي كده ازاي معايا؟؟ معقول مش قابله كلمة عن عيب فيكي تخترعي كل ده !!
اقتربت خيريه على صوت مروه المرتفع وهيئتها المنفعلة وهي تردف بجمود :
مفيش إنسان كامل يا طلال، كلنا عيوب وبنحاول نصلحها على قد ما نقدر، أنت غلطان بس في كلمة إني بمثل القوة
صمتت لبرهة وتمتمت بفتور :
لا مش بمثلها وأنا ضعيفة فوق ما تتصور، بس ضغفي وهزمتي بتظهر للي بيقدر ده، لو فهمت كلامي حد يداري الضعف ده، يسندني وميسمحش بكسرتي اللي أنت بتتكلم عنها بشماتة، يقدر يحتوي خوفي ويطبطب عليا، حاجات أنت مفتقدها ومتعرفش معناها
رتبت خيريه على كتفها وكأنها تخبرها بوجودها بجانبها لشعورها بهزيمة في نبرتها لم تعتاد عليها .. بلعت غصتها وهمست بأسف وهي تحدجه بحزن :
كل اللي قهرني إن ابن عمي سمحلك تلعب بيا وهو واقف
: أنتِ بتقولي ايه؟!
سألها بعدم فهم، فرددت بخفوت :
عارف لما تكون كبرت من صغرك وأنت شايف شحص معين ليك اخ حتى لو كنتوا ناقر ونقير بس في علاقة اخوة قوية، كل حياتك مبنيه أن الشخص ده أمان ليك ووجوده حماية، فجأة تلاقي نفس الشخص يكسر الثقة دي ويحطها تحت رجليه
: لا يا مروه أنا مكسرتش الثقة دي ولا أقدر أكون غير أمان وحماية ليكي
لأنهم لم يتركوا للعمال خبر بعدم إدخال محمود للمصنع سمحوا إليه دون أن يستأذنوا من أحد فهو أحد أفراد العائلة ولن يقدروا على منعه، ولأن هند لازالت تشرح تنظيمها لإدارة الموارد والوقت في إنتاج كل الشاحنات المطلوبة بسرعة لم ينتبهوا بأنه مر للمكتب الآخر لرؤيته مروه تجلس فيه من النافذة .. ظل محله يرمقها بعيون لامعة رحبت بعاتبها،
بينما وقف طلال ينقل نظره بينهم متسائلاً بضجر:
أنا مش فاهم ايه اللي بيحصل
استقامة مروه مردده بتجهم :
افهمك أنا يا استاذ يا محترم يالي فاكر بنات الناس لعبة
عقد طلال جبينه باستفهام وهي توجه حديثها لمحمود:
ولا تفهمه أنت يا محمود وتسمعه التسجيل
همس طلال بتعجب وعينيه تراقب محمود بتوجس:
تسجيل ايه ؟!!!
: اصله أناني زيك ولما راح يهددك تبعد عني كان بيسجلك، والاتفاق لولا سالم مكنتش عرفته وفضلت مغفلة فاكرة إن إصرارك عليا تمسكك بشئ فيا مش إثبات عايز تثبته للبيه
بلعت لعابها الجاف مغمغمه بخفوت :
لو عندك إحساس بسيط بلاش تكون سبب في نهاية علاقة أمل وسفيان، تعالى على نفسك المرة دي واقبل الرفض علشان سعادة غيرك
لم يقدر طلال على الرد ولا تبرير حكمها عليه، شعر بأن جميع من حوله متأزم منه … أخذ ما تبقى من كرامته المبعثرة وخرج من المكتب والمصنع بأكمله، حديثه مع محمود لم يكن سوى ردود تلقائية قالها بغيظ لأنه هدده بأسلوب اهانة رجولته، كما فكرت مروه في أختها هو كذلك وضع سفيان أمامه وقرر أن ينسحب لأجله،
: مروه أنا عملت كده من غيرتي عليكي، أنا بحبك
تحركت خيريه بهدوء وركضت للخارج تستغيث بأولاد اعمامها قبل أن يفقد محمود أعصابه مجددًا … فاستغل هو أنهما بمفردهما ودار يوصد الباب بالمفتاح تحت نظرات مروه المتوترة، وبحكمة هتفت بهدوء:
وأنا كمان بحبك كأخ، أخويا اللي من صغري طلعت على أنه أخ وبس
هز رأسه بالنفي معترض لطريق مسدود وضعته حياله.. كي تنقذ نفسها يجب عليها مسايرته لحين مجيء إخوتها أو يفتح الباب :
ليه مستكتر عليا أعيش حياتي زيك؟! هو مش أنت اتجوزت وخلفت وعشت مع مراتك من سبع سنين ؟ ليه دلوقتي عايز تقف في طريقي ؟!!
أقترب خطوة ببطيء متمتمًا بغرام جعلها تخشى ما ينوي فعله :
بحبك
صدح صوت طرقات عنيفة على الباب وسالم يتوعد إليه إن لم يفتح الباب على الفور … فقالت مروه ببسالة:
لو بتحبني حِب الخير ليا، اللي بتفكر فيه مستحيل يحصل، وهم في خيالك ومش هيتحقق
تابعت حركت يده وهو يخرج شيء ما من جيبه مرددًا بأسى :
يبقا ولا أنا ولا غيري يعرف يحققه
؛****

تمعنت في المُدْية الصغيرة ( مطوه) وهو يفتحها نصلها أمام عينيها متمتم بانكسار :
هقتلك واقتل نفسي واخلص من كل اللي أنا فيه
لم تتعجب من تصرفه بقدر استغرابها من هدوئها، لا تعلم لِما لا تشعر بالخوف أو القلق، ربما لأنها متيقنة أنه مجرد تهديد ولن ينفذه !! .. رسمة بسمة صغيرة على ثغرها وهي تقول بثقة :
وهو اللي عايز يقتل حد بيستأذنه
اضطرب محمود من السكينة المسيطرة على تعابيرها، ضغطت بقوة على المُدْية مردفًا بجمود :
مش هتكوني لغيري يا مروه
بدى أن أحدهم يحاول كسر الباب فقالت مروه باقتصار :
امشي من الشباك يا محمود وبلاش فضايح
واستكملت بخشيه من كسر الباب في أي لحظة :
لو أخوك دخل ومع سالم هتبقا مشكلة
لم يتحرك محمود وظل يرمقها بثبات، فاقتربت منه بغتةً ووضعت النصل الحاد على رقبتها وهي تقول بصرامة:
مش هكون ليك وهتفضل أخ بالنسبالي لحد ما أموت اقتلني ياله وريح دماغك
انصدم محمود من حركتها وأبعد النصل وهو يدفعها مغمغمًا بغضب :
مجنونه أنتِ دي مطوه مش لعبه
عقدت يدها بتحدي فوضع محمود الماديه في جيبه وذهب يقفز من النافذة فالمسافة بينها وبين الأرض قصيرة لأنها طابق أرضي.. تنفست الصعداء واسرعت تفتح الباب، هرعت هند إليها وهي تتفحصها بقلق والتفوا باقي الفتيات حولها بخوف .. بينما بحث سالم عن أخوه في المكتب بغضب شديد، فوقف سالم جابر في النافذة وصاح بحنق :
نط من الشباك، فاكر أنه هيفلت كده يعني
تساءلت هند بخشية :
عملك ايه ؟! أنتِ كويسه ؟؟
أومأت مروه بهدوء وهتفت بتلقائية :
كويسه مفيش حاجه متقلقيش، كان عايزني أقبل اعتذاره
انكمش بين حاجبي مرتضى متسائلاً بعدم تصديق:
قفل الباب ودخل زي الحراميه يعتذر ؟!
تطلعت مروه إلى سالم عبده وصمتت، فهم الجميع أنها تكذب ونوايا محمود لم تكن خير كما صرحت.. تحدثت هند بنفاذ صبر :
ياله كلكم ارجعوا البيت وأنا هستنى
رد عليها سالم جابر باقتضاب :
مفيش داعي تستني أنتِ كمان، هوزع علينا اللي فاضل وكده كده الشغل كله بره المكتب
أضاف مرتضى بتأييد :
وقعدتكم في المكتب ملهاش لازمه
أتلفت أعصابها مما يمرون به تبعًا … هزت رأسها برفق واتجهت إلى الغرفة المجاورة تلملم الأوراق مع إخوتها، أخذت حسناء هاتفها وخرجت تقف في الممر تنتظرهن، وما أن رأت خليل يتقدم منها اصطنعت أنها تنظر إلى شاشة الهاتف :
ألف سلامة عليكي
اصطنعت تركيزها في الهاتف متمتمه باقتصار :
شكرًا
: أول ما نزلت الإجازة وعرفت باللي حصل جيت على طول اطمن عليكي واشوفك لو محتاجه حاجه
رفعت عينيها تنظر إليه باستغراب، ثم سألته بجدية :
سمر عامله ايه ؟؟ بقالي فتره مشفتهاش
لم يكن غبي وفهم ما تقصده بتذكيره بابنة عمها، أغلقت حسناء الهاتف واسترسلت بعفوية عكس ما تشعر به :
خُد بالك سمر حساسه ومش بتحب تختلط بالناس كتير ويمكن تضايق لما تشوفك واقف معايا
ابتسم مغمغمًا بعاطفة جعلتها تشعر بالغثيان من أسلوبه:
هو أنتِ اي حد، غلاوتك كبيره اوي عندي يا حسناء
لم ترد عليه ورفعت هاتفها تنظر إلى الساعة، حينها تعمد خليل فرض نفسه عنوة وسألها بصوت مرتفع قليلاً ليصل لمن يراقبهم على مسافة قريبة عاقد ذراعيه أمام صدره مستند على الحائط:
بس زي ما اتفاقنا احتاجتي أي حاجه في أي وقت كلميني وأنا عيوني ليكي
لم تلاحظ نظراته الخبيثة وهو يتطلع إلى الجهة الأخرى، لكن طفح كيلها من طريقة أشخاص سمجة يستغلوا غياب والدهن للتقرب منهن وخليل أحدهم .. رمقته بضيق وقالت بحده :
ولا عيونك ولا ودانك يا خليل
واستكملت بتبرم :
معلش يعني بلاش العشم الزيادة بيني وبينك، يكون أحسن لو احترمت الحدود اللي بينا، وشكرًا لذوقك وانك شاغل نفسك بس متقلقش اعمامي وولادهم موجودين
ها قد حضرت الهوية الخفية لشخصيتها المرهفة، أبتسم يعقوب على ملامح خليل الباهتة ولاعب حاجبيه بتسلية، ثم سار باتجاههم مرددًا بسخرية:
ناس بتحط نفسها في مواقف بــايخه زيها
كاد أن يرد عليه خليل لكنه وجده يضع الهاتف على أذنه وكأنه يتحدث إلى أحد ما .. مر بجانبه يمشي بعنجهية وعندما تعلقت عينيه عليه غمز بعبث، عادت حسناء تقف مع رحمه إلى أن خرجوا سويا مع مرتضى.. أثناء ذلك لحق خليل بـ يعقوب واوقفه بقوله المستفز:
ما تسيبها على راحتها بدل ما أنت كاتم على نفسها
دار يعقوب يرمقه بهدوء مرددًا باستهزاء:
طيب ما تخليك في حالك أحسن، دا أنت لسا سامعلك كلمتين دشملوا كرامتك
: على قلبي زي العسل
قالها بسماجة مبتسمًا بسمة صفراء.. ضحك يعقوب واضعًا يده فوق كتفه :
هو اي كلام بتقوله على أساس تغظني بقا، المفروض إني اولع وأمسك في خناقك دلوقتي!!
أشار مرتضى إلى مها بأن ينتظروه خارجًا ودار خطواته حيث يقف الاثنين، تسمرت حسناء محلها تحدق بهما بفضول لمعرفة الحديث الدائر بينهما ..
: مالكم واقفين كده ليه ؟!
سألهم بعدم ارتياح، ثم نظر إلى يعقوب :
مش قولت هتروح تبص على عبدالله في المحجر وترجع؟!
أومأ يعقوب برفق مردفًا بدهاء :
ياخي أخوك دمه عسل زي العسل اللي على قلبه، الكلام معاه بياخد الواحد من غير ما يحس
وعلى حين غرة انقلبت تعابيره وهو يحدج خليل بنظرات قاتمة، تتابع مرتضى حركته وهو يبتعد عنهما ثم رمق أخيه باقتضاب .. ضحك خليل وهتف بلامبالاة :
هو اللي مش بيقبل الهزار
: يبقا متهزرش
رفع خليل كتفيه متمتم بعدم فهم :
اي كلمة منه بتتقمص زيه، مقولتش حاجه لكل ده بس هو اللي شايلني فوق دماغه ومش قابلني
ردعه مرتضى بحنق:
ياعم وأنت مالك بيه من أصله طالما مش قابلك
واسترسل بجمود وهو يرحل إلى الفتيات :
وعلى فكره أنت خاطب لو ناسي وفي كل الحالات حسناء ويعقوب هيرجعوا
وكأنه يقتصر عليه تفكير يستحيل حدوثه .. اتبعه خليل مردد بامتعاض :
وأنا مالي يرجعوا ولا ميرجعوش
توقف مرتضى عندما رآه يلحقه وسأله بضجر :
أنت رايح فين ؟؟!
جاوبه وهو يضع يده في سرواله ويمشي بتمخطر:
رايح لسمر، كلمتها من شويه وعرفتها
: الصبح كده !!!
انتبهت مها إلى مرتضى فاقتربت منه تسير بجواره واخوتها خلفهما … سلك خليل الطريق الثاني كي يمر على منزله أولاً يأخذ الهدايا التي جهزتها والدته وأخته تغريد لأجل سمر :
مش هتفرق صبح من ليل مادام مبلغها، ربنا يتمم لهم على خير ويصلح حالهم
ردد مرتضى بخفوت على تعقيب مها :
بس على الله عمك ميطردوش من على الباب
ابتسمت بخفة على كلماته وسألته عن سبب تجهم وجه عندما وقف مع خليل ويعقوب.. كل ما يريده خليل هو جدال يعقوب وكأنه يتلذذ بغيظه وذلك منذ صغرهم، ولصداقة يعقوب ومرتضى القوية تفاقم شعور الغيرة لديه، خاصةً أنه رأى تفضيله عند أخوه، حاول مرتضى شرح الخطأ الذي فهمه خليل وأن صداقته لن تمس معزته، ومرت السنين وكبروا والشعور يترسخ داخله لوقتهم هذا .. كل ما يريده مرتضى أن يفصل حسناء عن تلك السخافات، فهي ليست وسيلة للضغط على يعقوب من قِبل أخوه، وفي المقابل على يعقوب أن يدرك أن أفعال خليل لا يقصد بها حسناء بأي شكل لكن ازعاجه هو المرغوب ..
؛****
: بابا أنت عرفت منين ؟؟؟
صاح ابراهيم بغضب :
كل ده اللي همك، بتكدب عليا يا يونس وتقولي أنك مع صاحبك وأنت في البلد، خلاص مش فارق معاك أبوك
ابتعد يونس عن سالم جابر فصوت الهاتف مرتفع ومن المؤكد سيستمع إن استمر والده في الصياح .. سار لخارج المخزن ونظر حوله يرى ما ان كان هناك أحد من أقاربه:
ما أنت يا ابراهيم بتزعل لما أقولك إني جاي هنا، وبعدين مفيهاش حاجه لما أقف مع بنات خالي هو مسافر
جاء صوت ابراهيم المتهكم بانفعال :
بنات خالك اللي واحده منهم بتلف عليك وابن عبده ضربها
تجمد يونس بذهول مما استمع إليه!! ظن أن والده علم بكذبه من صديقه ولكن تلك التفاصيل تبرهن عكس ذلك تمامًا .. على الجهة الثانية ضرب إبراهيم جبهته بتلقائية عندما وقع بلسانه وتفوه دون أن يعي ما يقوله:
لا كده الموضوع مش زي ما توقعت، عرفت الكلام ده منين يابابا ؟! وايه حوار بتلف عليا ده كمان !!
تهرب إبراهيم من أسئلته وقال بحده:
حالا يا يونس تتحرك من عندك وترجع يإما هتلاقيني عندك ووقتها هخليهم يطرودك بنفسهم
أنهى جملته وهو يسعل بصوت مرتفع فاردف يونس باقتصار قبل أن يغلق :
خُد علاجك يابابا وأنا مسافة الطريق وهكون عندك
ابتسم براحة على قلق يونس الدائم لسوء صحته، أغلق الهاتف متنهد برضا لولا اتصال رحاب تشكي إليه لظل غافلاً عن كذبه معتقد أنه بالفعل مع صديقه .. بينما فطن يونس أن هناك أمر غريب يدور حوله، بعيدًا عن كشفه لتمثيل والده للمرض كي يجبره على العودة كما يلجأ دائمًا إذا أراد إنهاء الحديث لصالحه، لكن من أخبره بما حدث!!
سبب شجار محمود مع مروه لا يعرف به أحد سوى العائلة، وهذا يثبت أن والده يخفي عنه صلته بشخص ما ؟!
: يونس أنا راجع البيت هستقبل ماما وهاجر وبعدين أوصلهم لخيريه لو عايز حاجه اجبها معايا رن عليا
التفت يونس إلى عامر وقال بشرود :
استنى هعرف سالم إني مسافر واجي معاك اسلم على مرات خالي واعرفها برده
“مسافر!!” رددها عامر باستغراب واستكمل بتعجب :
مش قولت هتقعد لأخر الأسبوع
: بابا تعب فجأة
انتظره عامر إلى أن أخبر سالم ومن ثمّ اتجهوا إلى منزل عامر أولا يستقبل والدته وأخته، وبعدها أخذهم إلى منزل المعلم سالم .. كانت صباح وخيريه في انتظارهم منذ أن اتصل عامر وأخبرها بمجيء والدته من السفر لزيارتها، ولج عامر معهم للمجلس وهو يراوغ خيريه بمزاح، وهاجر ووالدته يشاركون بينهما لكن في صف خيريه…
أثناء توديع صباح ليونس تفاجأت بهبوط مروه لتوديعه هي الاخرى، قطبت جبينها باستنكار وانتظرت مغادرته ثم سألتها باستغراب :
عرفتي منين أنه مسافر ؟!
تلجلجت مردده بارتباك :
أصله معاه رقمي وبعت رسالة على الواتس أنه ماشي
: بيعرفك أنه ماشي علشان تنزلي تسلمي عليه !! ورقمك اللي معاه ده مش للضرورة بس ولا على الفاضي والمليان
نظرت مروه إليها وهتفت بتوتر ملحوظ :
لا هو بعتلي بس بيشوفك هنا ولا لا
رمقتها صباح لبرهة ثم قالت بلهجة صارمة :
ابعتيله رقمي ورقم ناديه ونجاة يكلمنا إحنا حبيبتي ملوش لازمه يخدك وسيط واحنا موجودين
هزت رأسها مرات متتالية ودارت تصعد الدرج:
حياتنا كلها في النور يا مروه، والضلمه منعرفش نعيش فيها
كلمات بسيطة أوصلت الرسالة الصريحة بسلاسة فقهتها، تركتها تقف على الدرج ودخلت للمجلس حتى لا تترك خيريه بمفردها أكثر.. أسرعت مروه بإكمال صعودها عندما انتبهت أن عامر سيخرج يغادر للمصنع، ازعاجها تفكير صباح المخطئ في حقها … فهي في الأساس لن تقبل بمثل ما تصورت صباح، وكل ما قالته هو الحقيقة بداخلها، لكن ربما بحسن نيتها وقعت لسوء ظنها كما توهم محمود..
حسمت قرارها وامسكت الهاتف تحذف رقم يونس، ثم أرسلت إليه رسالة بأرقام صباح وناديه ونجاة تطلب منه إذا أراد شئ يتحدث مع إحداهن، وكما فعلت برقمه مسحت المحادثة … حينها شعرت بأنها على صواب، فالحفاظ على صورتها وثقة عائلتها في المرتبة الأولى
على صعيد آخر تعجب يونس من رسالتها كما أنه فهم بأنها حذفت رقمه لاختفاء الصورة من المحادثة، ود أن يتصل بها لكنه تذكر أمر والده وصدفة تفعل مروه هذا ؟!!
وكي لا يضع نفسه في موقف محرج، رأى رسالتها ووضع الهاتف على المقعد بجانبه دون أن يرسل أي رد .. انتبه للطريق وهو يقود السيارة يفكر في ذلك الخفي الذي أخبر إبراهيم بوجوده؟؟ وترى هل هناك سبب يجهله في إصرار والده على إبعاده عن عائلة والدته!!
؛*********** بقلم حسناء محمد سويلم
شهقت ناديه وهي تضرب على صدرها بفزع :
مطوه !!!
هزت مروه رأسها بتأكيد فقالت نجاة بحسرة وهي تنظر إلى هند :
هو إحنا موعدين بالاشكال دي ولا ايه
ردت مروه عليهن وهي تجول بعينيها بين إخوتها:
يا جماعه محمود لا يمكن يأذي حد فينا دا تهويش قال يعني كده هخاف منه
رفعت حسناء حاجبيها وأشارت على يدها المكسورة:
يا شيخة دي كان بيسلم عليا بيها
عقبت هند بسخرية :
بالله عليكي يا مروه الثقة دي بلاشها، كنت زيك ولولا ستر ربنا كان زمان وشي شبه ايدي
صاحت ناديه بحرقة :
حسبي الله ونعم الوكيل فيه، ربنا ينتقم منه ويوقف حاله
واسترسلت تسألها بكدر :
ولما سالم قالك على التسجيل ده مقولتيش ليه ؟!
: هو أنا لحقت ياماما، ما أنتِ شايفه نطلع من ده ندخل في اللي بعده مش عارفين حتى نشم نفسنا
نظرت ناديه إلى أمل وقالت بسخط :
لو سفيان كلمك في موضوع أخوه ده تاني تبلغيه أنه هيحصله، هو لعب عيال عايز اخطب، عايز افسخ، دا ايه المرار ده
كانت ملامح أمل حزينة وهي تستمع بالاتفاق الذي أقيم بين محمود وطلال .. لاحظت نجاة حالتها فأردفت بهدوء:
متقلقيش حبيبتي أنتِ وسفيان ملكمش دعوة بأخوه، الغلط من الأول على مامتك لأنها اللي أصرت على رجوعه رغم اعتراض مروه
تطلعت ناديه إلى نجاة وهدرت بحنق وهي تنهض :
ياختي مرارتي مش ناقصه، أنا قايمه أعمل عصير وانزل لصباح أسلم على أم عامر
تمتمت بتبرم وهي تمشي :
أهو نحافظ على الموجود بدل ما يطير زي اللي قابله، مفيش بت تصمل شهرين على بعض مع عريس، حسبي الله ونعم الوكيل في اللي بصين في عيشتنا
استغلت هند جلوس نجاة معهم وقالت بصوت منخفض:
كنت عايزه اتكلم معاكي في حاجه صغيره بس ماما ناديه وماما صباح لو عرفوا هتكون مشكلة
اعتدلت نجاة بقلق وسألتها وهي تتفحصهن بخشية :
في ايه ؟! أبوكم بخير صح ؟؟
غمغمت حسناء باستنكار :
يا ماما واحنا اللي هنعرف بابا بخير ولا لا وهو مش بيرد علينا أصلا!!
: محتاجين فلوس ضروري واللي في خزنة المصنع خلصه
تنفست نجاة بصوت مسموع وهو تضع يدها على صدرها براحة، اعتقدت أن هناك مكروه أصاب المعلم سالم … نظرت إلى هند وسألتها بعدم فهم :
وصباح وناديه لو عرفوا فيها ايه ؟!
اجابتها مها بتلقائية :
لأننا عايزن الخزنة اللي تحت تنفتح
قطبت نجاة جبينها باستفهام، ثوانً وفهمت مقصدهن فضحكت بخفة مردده باستغراب:
آه انتوا فاكرين إن في واحده فينا تعرف تفتح الخزنة
“فاكرين!!” قالتها رحمه بشك !! أومأت نجاة بهدوء مردفه بجدية :
ايوا منعرفش نفتحها، بس أمر الفلوس مقدور عليها، بكره الصبح أروح البنك أسحب المبلغ اللي محتاجينه
واستكملت توضح إليهن:
سالم عامل لكل واحده فينا حساب باسمها في مبلغ، لقدر الله حصل حاجه وهو مش موجود، واحده فينا وقعت في مشكلة وهي في مكان بعيد كده يعني
تطلعت رحمه إليها متمتمه بدهشة :
أول مره اسمع عن الحساب ده !!
ومن ثمّ أضافت بلامبالاة:
المهم إن فكرة أمل مش هتتعمل
رمقتها مروه بتهكم، فصاحت رحمه بعدم اكتراث:
آه يامروه كنت هزعل لو بعنا الدهب علشان نوفر الفلوس، وبعدين حلوة فكرة الحساب دي لما بابا يرجع نبقا نقوله يعمل لكل واحده فينا كده يمكن نحتاجه
وضعت نجاة يدها على رأسها بألم من بدأ الشجار بين رحمه ومروه، نهضت تخبرهم بانضمامها لصباح وناديه وتركتهن في الجدال على راحتهن .. جلست مها جوار هند تتحدثان في أمور المصنع، وأمل تحاول الفصل بين مروه ورحمه بصعوبة، وحسناء تجلس في عالم موازي تتذكر يعقوب وشهامته معهن !!
؛**********
بعد آذان العصر، خرج سالم مع والد نيره من المسجد، ظهر الوضع طبيعي إلى أن جلس سالم على الأريكة أمام والد نيره، وبجانبهما نيره تحمل صغيرها بين أحضانها :
معلش يا عمي لو هعطلك، خمس دقايق لازم تكون شاهد عليهم
شعر والد نيره بأن الأمر لا يبشر بالخير قط، نظر إلى ابنته التي وضح الاستغراب على وجهها .. أخذ سالم تفس عميق وقال بهدوء:
هما كلمتين اخرهم يا أيوه يا لا من نيره
تطلع إليها واستطرد بتعابير جادة :
نيره لو هترجع من هنا على بيتي يبقا على اتفاق إننا مش هنخلف تاني، هو سيلم وبس، ومتحاولش لا دلوقتي ولا بعدين في الموضوع
جحظت أعينها بصدمه احتبس لسانها عن الكلام أثرها، لا تستوعب ما قاله للتو !!.. قال والد نيره بصدمه لم تقل عن ابنته:
ايه يا سالم الكلام ده !! دا ابنكم مكملش أسبوع يابني، خلفه تاني ايه اللي بتتكلم فيها
ملس على شعره مردد بحكمة :
معلش لما النقط تكون على الحروف هنرتاح بعد كده
لم تنطق نيره وظلت تحدجه بذهول، من هدوئه وطريقته الرزينة أدرك والد نيره أنه ليس قرار طائش في وقت ضيقه بل من الواضح أنه حسم الأمر :
وهي دي النقط اللي عايز تكمل بيها حياتك مع بنتي؟؟
قبل أن يرد سالم هتف والد نيره بضيق طفيف:
تحرمها من الخلفة وتقولي هترتاح
حرك سالم رأسه بتفهم مغمغمًا بسلاسة:
مش بجبرها أنا مديها حق الاختيار في وجودك بينا
: أنت قولت الاختيار الأول إني لو هرجع معاك مش هخلف بش مقولتش ايه الاختيار التاني
كان تعقيب نيره على سلاسته في الحديث، مع أنها متأكدة من الاختيار الثاني إلا أنها أصرت بأن تسمعه يقوله بنفسه :
حقك ترفضي وننفصل بهدوء
حرك والد نيره رأسه يمينًا ويسارًا بعدم استيعاب، ومن ثمّ عنف سالم بحده :
وأنا اللي بقول عليك عاقل ، لا دا كلام أبوك يشهده لو يرضاه أنا موافق
: عاقل ايه ياحاج الله يكرمك هي بنتك خلت فيا عقل، ولا أبويا ولا الجن الازرق هيغيروا رأي، مش هدخل نفسي في مغارة وأنا غارز من يوم حملها
طفح كيله واستكمل بانفعال جعل وجهه يحتقن وعروقه بارزة :
لو أنت ترضى على ابنك اللي أنا شوفته هقوم اخدها ونسى اللي قولته، دي حرمتني أدخل شقتي ويبقا يوم اسود لو موجوده في اوضة ودخلت من غير ما اغسل ايدي واغير هدومي دا لو جربان مش هتعامل بالطريقة دي، بلعت لساني جوه بوقي وقولت ومالوا عشان حامل، إنما تولد وتحرمني اشيل ابني ولا ابوسه كده كتير
استقام مردفًا بنبرة محتدمة :
كفايا واحد نحارب بعض فيه، لو واقفت كلمني ولو لا عرفني أبلغ المأذون
استأذن منه وغادر رغم إلحاح والد نيره بأن يعود يجلس ويتحدثوا بهدوء للوصول إلى حل، لم يريد سالم أن يفقد أعصابه أكثر احترامًا له فاعتذر منه على أن يقابله في موعد غدًا ..
؛*********
: مالك يا سفيان مش بتاكل ليه ؟؟
نظر سفيان إلى والدته متمتم بحنو :
كنت واكل مع الشباب في المصنع قبل ما أرجع
تطلعت والدته إلى طلال متسائلة باستغراب :
وأنت يا طلال ؟!
وضع الملعقة من يده وقال بجمود :
ماما أنا هجهز ورقي واسافر الإمارات
ابتسمت والدته بهدوء مردفه ببرود :
برحتك
تعجب طلال من ردة فعلها فهتف باستغراب :
بس كده!! طيب كويس كنت مقلق لما أقولك
هزت رأسها بلا اكتراث وهي ترمق هيفاء بحسرة :
أنت وهي مبقاش في حاجه مستغربها منكم
واسترسلت بخذلان :
الحمدلله عادل مات بدري ومشفش كل ده
سألها سيفان بقلق:
ماما أنتِ كويسه ؟!
أومأت إليه برفق وهي تنهض من مقعدها بوهن :
الله يسامحكم على اللي عملتوه فيا
بكت هيفاء ووضعت وجهها بين يديها تشهق بصوت مرتفع، لم تخرج من المنزل منذ خطبتها، أخذوا منها الهاتف ومُنعت من تكملة دراستها خوفًا من تواصلها مع خالد وتقترف فعل اهوج كما فعلت سابقًا، وإلى أن تتم السن القانوني خلال عام وتتزوج لن ترى الطريق وعليها تنفيذ أوامر والدتها .. ألقى طلال الملعقة بعنف وغادر الغرفة بضيق، فلم يكن سوى سفيان الذي انتظر قليلاً ثم صعد يطمئن على والدته ويخفف عنها شقاء التفكير…
؛***********
بعد ساعتين ونصف وصل إلى شقتهم، أغلق الباب وألقى المفاتيح على الطاولة.. التلفاز يعمل على قناة الطبخ كما يفضل، ورائحة شهية منبعثة من المطبخ، مزاجه رائق بعد أن كدر صفوه، أبتسم يونس بسخرية ودخل للمطبخ، فتح الثلاجة وأخذ زجاجة مياه يشرب منها دون أن يسكب في الكوب .. رمقه ابراهيم بانزعاج وقدم إليه كوب زجاجي:
محدش بيشرب من الازازة كده
تفحص يونس الأواني قائلاً بتهكم :
ورق عنب مره واحده دا ايه الروقان ده
: قولت أكيد هتيجي جعان
أغلق يونس الغطاء بحده والتفت مردفًا باستهجان :
وهو المفروض يكون ليا نفس أكل
أبعده إبراهيم يغسل الخضار ببرود، فصاح يونس بضيق :
بابا فهمني لو سمحت ايه اللي مخبيه عني
رد عليه دون أن يلتفت:
امشي غير هدومك واغسل إيدك على ما اجهز السفره
: مش هتحرك من مكاني غير لما أفهم
نظر إبراهيم إليه وقال بحنق :
كله من عامر هو اللي طلع في دماغك البلد، وبرده لو مكنتش كذبت عليا وسمعت كلامي وقطعت علاقتك بيه كان زمانا عايشين مرتاحين
عقد بين حاجبيه باستنكار مردد بحيره :
وفيها ايه لما اتكلم مع ابن عمي!! طول عمري وحيد وطلعت من صغري لقيت أمي مايته ومعرفش غيرك، ولا أهل ولا قرايب لحد ما قدرت اتواصل معاه وانت بنفسك كاتبلي عنوان اخوالي وقولت مش هتمنعني لو في يوم قررت أروح أتعرف عليهم
تمتم إبراهيم من بين أسنانه بحقد:
كنت غلطان مفكرتش إن سالم هيخدك مني، واهو حصل واتشقلب حالك وعقلك اتلحس بيهم، دي حتى بينته مسبتش فرصة ولا ضيعت وقت
أشار يونس إليه وهتف بتعجب :
مين قالك الموضوع ده!! مفيش حد يعرف التفاصيل دي غير العيلة ودا معناه أن في صلة بينك وبين حد منهم!!
ضحك إبراهيم باستهزاء :
لو أخر يوم في عمري مليش دعوة بالعيلة دي
ودار يكمل تقطيع الخضروات، استند يونس على الحائط وهو يحدق به بشك .. زفر بضيق وتقدم يأخذ فاكهة من طبق موجود بجوار الثلاجة، لفت نظره إضاءة هاتف والده تقريبًا هناك أحد يتصل وهو على وضع الصامت، التقطه بعفوية يتأمل اسم المتصل وهو يفتح فمه ليخبره…
تسمر محله يقرأ الاسم مرارًا لعله مخطئ “رحاب” لا يعرفوا امرأه بهذا الاسم إلا واحدة فقط !!
وضع يونس الهاتف مكانه بسرعة قبل أن يلاحظه إبراهيم، ثم خرج من المطبخ ودلف غرفته .. جلس على الفراش بشرود، بحث في ذاكرته عن صاحبة الاسم، يعطي إلى نفسه احتمالات كثيرة كي لا يسوء ظنه، لكنه لم يجد سوى زوجة خاله عبده!! لا يعلم غيرها بهذا الاسم ولا يوجد تفسير ثاني … مسح وجهه ونهض يبدل ملابسه، عليه التصرف بطريقة طبيعية إلى أن يتأكد من شكوكه.
؛************
لأن والدة عامر واخته حضروا في المنزل، رفض موسى أن يمكث عنده لعدم إحراج عامر بوجوده بينهم .. وبما أن مرتضى يببت في الطابق الأرضي بمنزل المعلم سالم مع مها، أصر عليه بأن يأتي إلى شقة الضيوف بالجهة الأخرى من المنزل وسيطلب من مها بأن تصعد مع إخوتها ويبيت يتسليان معا … جهزت صباح إليهما العشاء وهبطت به تخبرهم بأنها اتصلت بسالم جابر لينضم إليهم، فهم الثلاثة سيصدوان محمود إن فكر المجيء فجأةً..
لم تخلوا الجلسة من المزاح والضحك، وكلا منهم يتذكر طفولته ويحكي مواقفه المشاغبة، لم يشعر موسى بالغربة بينهما وكأنه نشأ معهم .. وهذا لأن مرتضى وسالم يتصرفان بعفوية دون وضع كلفة بينهم،
؛؛؛؛
مر الليل بسكونه وحل نهارًا يحمل خفايا مريبة، شمس ساطعة على انقلاب سيغير حياة البعض ويكون علامة لن تمحى في الصحف .. كحلول المطر في يوم من أيام الصيف، أو تهب عاصفة تقلب الموازين رأس على عقب، دائمًا ما نقول تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، لكن تلك المرة ستأتي الرياح مع اتجاه السفن!!!
شهقت بذعر وهي تنظر من نافذة شقتها للبهو .. نعم إنه محمود معلق كالذبيحة في الباب الحديدي الخاص بمنزلهم، ركضت سميه توقظ سعد بخوف :
سعد قوم بسرعة
تململ في الفراش بنعاس، فصرخت بجانب أذنه من هول المشهد :
أنت لسا هتتمطع قوم شوف المصيبة
انتفض سعد من صرختها قائلاً بفزع :
مصيبه تشيلك قطعتي خلفي
نظرت إليه بارتعاب وهمست بخشية وكأن أحد ما يراقبهم:
أخوك متعلق في البوابة تحت
رمقها بتهكم وتمدد في الفراش يبرطم بحنق من ثرثرتها .. وعلى حين غرة قفز فوق الفراش يردد حديثها بصدمه، ركض إلى النافذة فوجد أنها ليست هلوسة وبالفعل محمود معلق من قدميه المقيدة بجنزير من الحديد ..
هرع يركض لخارج شقته وأخذ يقفز على الدرج وهو يصرخ بهلع، خرجت ندى من شقتها على صوته تسأله بقلق بالغ :
في ايه البيت بيولع ولا ايه !!
لم يرد عليها وأكمل قفز الدرج وهو ينادي على والده الذي خرج من غرفته وهو يرتدي جلبابه بسرعة مرددًا بتوجس:
استر يارب
لحقته سحر للخارج وهي تعدل حجابها وكذلك رحاب التي استيقظت للتو، صرخ سعد في وجه عبده الذي نظر إليه قائلاً بذهول :
أنت اتلبست يالا !!
وضع سعد يده على شفتيه وهمس نفس الطريقة التي أخبرته بها سميه :
ابنك متشعلق في البوابة
: سالم رجع
رددها عبده بخوف وخرج بعجلة إلى البهو .. لطمت رحاب على وجهها وجلست على الأرض تصيح بصوت مرتفع، ثبت عبده محله يستوعب المشهد بصدمه طاغية.. تحرك سالم إلى الباب الحديدي المفتوح على مصراعيه ومحمود معلق بالمنتصف، لا يوجد أثر ضرب أو ما شابه لكنه فاقد الوعي تمامًا .. أشار إلى سعد بأن يقترب ليساعده في تنزليه، فلوح سعد بيده إلى رجلان قويان البينة يقفا قبالهم على وجههم شر مخيف، وبالفعل كما توقع عندما حاول سالم فك محمود، سار الرجلان باتجاههم وهتف أحدهما بصوته الخشن:
ارجع ياريس سالم لسا معاد فكه مجاش
احتقن وجه سالم وأمرهم بسخط :
مسمعش كلمه منك ليه وغوروا من هنا
: معندناش أوامر بالكلام ده واللي هينزله هيتعلق مكانه
كاد أن يفتك بهم سالم فأمسك عبده يده وأعاده للخلف :
حصلني عند عمك قبل ما البلد كلها تصحى تتفرج علينا
استمع سالم إلى والده ولحقه إلى منزل عمه وهو يهدر بحده بمن يقفوا يشاهدون ابن أحد كبراء القرية معلق بطريقة مزرية ..
: والكيلو بكام انهارده ؟؟!
تساءل سعد الرجلان بجدية وهو يشير على محمود، وكزته سمر في بطنه بعنف وحدجته بغيظ لتفاهته التي لا تنتهي..
؛****
في المنزل المجاور
: تعالى يا خلود مالك واقفه كده ليه ؟!
ابتعلت خلود لعابها بتوتر وقالت بتلعثم :
بابا محمود متعلق على بوابة عمي
سقط كوب الماء من يد جابر ونهض بصدمه مرددًا بخشية :
سالم رجع
تجاهل نداء زينب كي يأخذ علاجه قبل أن يغادر، فطلبت من خلود أن تعطيها الأدوية وستذهب خلفه ..
؛******
يجلس في المجلس يحتسي كوب الشاي التي أعدته ناديه عندما انتبهت لصوت سيارة وقفت أمام منزلهم بعد صلاة الفجر .. تهللت أسرارها عندما وجدته يدخل للطابق الأرضي ببسمة صغيره استقبلها بها، عرضت أن تجهز الطعام فرفض وطلب منها بأن تترك الجميع دون أن توقظهم .. لكن لم تتحمل ناديه كتم الخبر فاتصلت بالهاتف على صباح ونجاة ولكن نبهت عليهما بأن تلتزمان الصمت إلى بزوغ الشمس كما أمرها..
ولج عبده إلى المجلس وهو يهتف بلوم :
ايه يا سالم مش كفايا اللي حصل من بناتك، هو ابني ملطشة
نظر إليه بثبات قائلاً بهدوء :
وهما بناتي ملطشة لابنك
ردد عبده بتبرم :
لو متعرفش البلد كلها ملهاش سيرة غير ابني اللي انضرب من بناتك، بقينا ضحكة البلد ولبانه في بوقهم
: قولتلك مره واتنين لو مش عارف تربيه أنا أتصرف
صاح عبده بنفاذ صبر :
يا سالم دي مش طريقة، اعمل حساب ليا
وقف المعلم سالم أمامه وصاح بنبرة متماثلة :
وانتوا معملتوش حساب ليا ليه، لما أنا لسا عايش وبيعمل كده اومال لما أموت هتعملوا ايه فيهم
في نفس الوقت دخل جابر وعبده يهتف بضيق :
خلي رجالتك تنزله واعمل فيه اللي يريحك
نطق جابر بحنكة :
ملوش لزوم الناس تتفرج علينا يا أبو هند
رفع المعلم سالم حاجبيه بدهشة وغمغم بصرامة :
ولما دخل نص بيتي وضرب بنتي وطلع يجري ورا التانيه وكسرلها ايدها في الشارع الناس متفرجتش
: والبنات طلعوا بمية راجل وخدوا حقهم منه
رد عليهم باقتصار:
اديك قولت حقهم مش حقي
في الأعلى وقفوا الفتيات في الشرفات ينظروا إلى ابن عمهم بتشفي وشماته، لكن الغريب هو حزن مروه البادي على وجهها .. لا تفهم ما يدور برأسها لكنها أخذت ارتدت ادناء الصلاة فوق ثيابها المنزلية وهبطت للمجلس..
طرقت بخفة ودخلت تستأذن والدها بالتحدث معه، علم من تعابيرها ما تنوي قوله .. فأشار إليها بأن تتقدم:
بابا لو سمحت خليهم يسيبوا محمود
توسعت عيون عبده غير مصدق أن مروه تدافع عن ابنه، لكنه أبتسم وهتف بإعجاب :
اهي صاحبة الشأن قالت سيبه
ارتبكت مروه بعض الشئ ثم تمتمت برجاء :
لو سمحت يا بابا خليهم ينزلوه، راغب وهاجر زمانهم شايفين أبوهم بالمنظر ده
عقب جابر عليها بحنو :
الله يجبر بخاطرك يا مروه
واسترسل برفق موجه حديثه إلى المعلم سالم:
عشان خاطر الكلمتين بتوع مروه سيبهم ينزلوه وغلاوة بناتك
نظر المعلم سالم إلى مروه لبرهة وأخرج هاتفه يرسل إلى رجاله بأن يتركوا محمود … تنفس عبده الصعداء واتجه إلى مروه يقبل جبينها :
حقك عليا أنا
ابتسمت بسمة صغيرة بخجل، غادر عبده مع سالم بسرعة ليتأكد من إنهاء تلك الورطة.. والمعضلة الحقيقية في وجود ساره حيال المنزل تلوك العلكة باستفزاز وما أن لمحت عبده اختفت فجأةً دون سابق إنذار…
مكثت مروه إلى أن خرج جابر من المجلس، فصلت خطوات بسيطة وجلست بجواره على الأريكة، نظرت إليه لثوان وارتمت في أحضانه دموعها تنجرف بحرقة.. رفع المعلم سالم ذراعه يحاوطها برفق، وبيده الأخرى يملس على رأسها بحنو، تركها إلى أن هدأت من نفسها وابتعدت تمسح وجهها، فرمق جلبابه إثر دموعها وقال بمراوغة :
كده بليتي الجلابية اللي حِلتي
جملة اعتادوا عليها منه كلما بكت إحداهن في حضنه، ابتسمت مروه وهمست بخفوت :
حمدلله على سلامتك يا بابا
استرسلت بنبرة مختنقة:
متسافرش تاني لاننا بنتبهدل
: طيب لو موت
رددها بجدية جعلتها تنفجر في البكاء بشهيق وصوت مرتفع دخلت صباح وناديه لوصوله إليهم بالداخل.. أخرج محرمته وقدمها إليها مغمغم بمزاح :
دا لسانك طلع فيكي على الفاضي
استقام يستقبل بناته واحده تلو الأخرى في عناق حار .. جاء دور حسناء التي ارتكبت قليلاً ولكنه سحبها في أحضانه كأخواتها، تفحص يدها المكسورة مردفًا بحده :
كله بحسابه
هتفت صباح مبتسمة :
المهم أنك رجعت بالسلامه يا حاج، هنقوم نحضر لقمة ناكلها وبعدين تشوف الحساب ده
هز رأسه بالنفي وقال بهدوء :
لا اقعدي الأول في كلام كلكم تحضروه
عادت صباح محلها والقلق يتراقص على قسمات وجهها مثل الباقية، أشار المعلم سالم إلى هند بأن تتقدم تجلس بجواره على الجهة الأخرى من مروه.. أمسك يدها بين كفه وتطلع إليها يهتف بلهجة تطغو بمشاعر الحنان:
في طلب منك ومش عايزك ترفضي عشاني
رتب على يدها مستكملا بهدوء :
توفقي نكتب كتابك على موسى كمان أسبوع مع خيريه وأمل
تدلى فم الفتيات بذهول .. وكذلك أمهاتهن المندهشين من قراره المفاجئ، رمشت هند بأهدابها بتوتر وتلجلجت باضطراب :
كتب كتاب
أومأ إليها متمتمًا برجاحة :
صدقيني لو مش شايفه يستاهل عمري ما هخليكي تخدي الخطوة دي، ثقي فيا
عند ذكر الثقة كأنه وضع الدواء على جرح القلق، لا تنكر خوفها الشديد من تلك الخطوة الغير محسوبة الآن.. لكنها لديها ثقة عمياء في صحة تفكيره والدها :
وثقة في قرارات حضرتك وأكيد هوافق
كان رد هند متلعثم لشعورها بالتوتر، فاقترب منها يقبل جبينها وكأنه يبعث الطمأنينة والأمان في وجوده .. التفت إلى مروه وسألها بفضول :
رد خيريه وأمل عارفه إنما أنتِ يا مروه ؟!!!
قطعت مروه عناء الرد وقصت إليه اتفاق طلال ومحمود، ومواجهته التي انتهت بأن يبتعد كي لا يفسد علاقة أمل وسفيان .. صمت المعلم سالم بوجه خالي من التعابير :
ويونس فين ؟!!
ردت صباح بعدم ارتياح لهدوئه:
امبارح جه سلم عليا وبلغني إن والده تعب فجأة وسافر
أومأ بتفهم ونظر إلى مروه مغمغم بلامبالاة :
نفس الكلمة اللي قولتلها لهند هقولها ليكي
ابتسمت مروه وهتفت بزهو :
يروح قرد يجي غزال
ضحك بانبهار لعدم نسيانها لجملته عندما تم طلاق هند وأحمد .. حدج حسناء وقال بجدية :
دورك يا حسناء
ازدردت لعابها واعتدلت بتأهب للاستماع بإنصات :
في واحد طلب إيدك وكلمني وأنا مسافر، اديته معاد يجي انهارده بعد العصر تقعدوا مع بعض
شعرت بغباء عقلها وهي تعيد الصدمة رويدًا على فهمها.. تحدثت نجاة باستغراب ودهشة :
في ايه يا سالم!! ليه الاستعجال مع بالبنات مره واحده!!
باقتصار جاوبها دون أن يعطي مجال للنقاش:
عريس حسناء أعرفه معرفة شخصية هو وأهله وأنا مرحب بيه جداً ولو حصل وفاق بينهم كتب كتابها مع إخوتها
نهض يأخذ عصاه وتحرك للخارج:
حضروا الفطار لحد ما أرجع
هزت رحمه تلك الساكنة وهي تهمس بصوت منخفض:
أنتِ اتكهربتي كده ليه؟! حسناء سمعاني!!!
دارت بوجهها تسألها بخفوت :
هو أنا سمعت صح ؟!
شعرت بعدم الاتزان فوقفت وهي تنظر حولها بعدم فهم وصعدت إلى غرفتها .. في الخارج أثناء سيره في البهو لفت انتباهه صوت قادم من شقة الضيوف، غير واجهته وتحرك للجهة الثانية..
يمشي يترنح يمينًا ويسارًا وهو يفرك وجهه بنعاس وصوت احتكاك قدمه بالشبشب البلاستيكي عالياً، حدق المعلم سالم به وهو يتثاءب بخشونة وقال بسخرية :
أتمنى الإقامة في بيت اللي مخلفينك تكون مريحه
فتح سالم فمه على وسعه متسمر مكانه، استعاب شكله فهتف بإحراج:
حمدلله على سلامتك يا عمي
ظهر خلفه مرتضى وموسى ولم تختلف هيئتهم عن سالم شئ.. تهكم المعلم سالم عليهم:
مناظر تفتح النفس على الصبح
؛*****
أغلقت باب غرفتها وبحثت عن هاتفها دون تردد تتصل به، لم يأتي رده أول مرة فحاولت مجددًا .. هتفت باسمه بلهفة:
يعقوب
بجمود بانٍ من نبرته قال :
خير
ضغطت على شفتيها بخجل ولكن ما باليد حيله فقد وقعت في مأزق حقيقي :
في واحد متقدم ليا وجاي بعد العصر
: مبروك
كأنه جاء بدلو به ماء بارد وسكب فوقها!! بدأت تستعيد تركيزها وتعي ما تفعله .. لجأت إليه لأنها لا تتخيل أحد يأخذ محله في قلبها، بنبرة مهزوزة سألته باستنكار:
دا ردك ؟!!
لهجته الساخرة جعلتها تندم أشد الندم على عدم السيطرة على مشاعرها التي دفعتها بالاتصال به :
والمفروض أعمل ايه
: متعملش أنا غلطانه
قالتها بفظاظة وأغلقت المكالمة بغضب، تجمعت العبرات في مقلتيها وهي تهدأ روعها بشتى الطرق .. بعد ربع ساعة استمعت إلى مها تخبرها بأن تهبط لأن المائدة جاهزة، انضمت إلى التجمع الأسري برسم ملامح طبيعية إلى حد ما، وبعد أن انتهوا تحججت بألم يدها كي لا تذهب معهم للمصنع برفقة والدهن، مكثت في غرفتها تبكي بقلق كاد يقفدها الوعي .. تصورت أنه يحبها ولن يتخلى عنها بتلك السهولة، ولكن الخطأ لأنها وثقت به من الأساس!!
لأول مرة تتمنى أن تقف الساعة، ولكن دائماً تسير الأمور عكس ما نريد، استعمت إلى صوت آذان العصر ودقات قلبها تدق طبول حرب العقل والقلب .. تهدجت أنفسها ونجاة تقف أمامها لتأخذها للأسفل لأن العريس يجلس ينتظرها، لا تعلم كيف انتهت من تبديل ثيابها ولا شعرت بنفسها وهي تختار الحجاب .. سرت رعشة في أوصالها ونجاة تفتح باب المجلس، أخفضت رأسها بخجل وتحركت للداخل ببطيء واستحياء :
هجيب العصير
تركتها والدتها بمفردها !! ولِما نبرة السعادة تلك المنبعثة من صوتها !! تجمدت محلها تفرك في يدها بتوتر .. أوشكت على مغادرة المجلس من شدة ارتباكها، فصاخ الآخر باستهزاء :
هتقضي الشوفه الشرعية وأنتِ واقفه
توسعت عيونها بعدم تصديق، هل هذا صوته ؟! أم أنها تتوهم نبرته المميزة!! رفعت رأسها تحدق بصاحب الصوت والذي لم يكن سواه، يبتسم بخبث متمتمً غامزًا :
دا جعفر طلع بيتكسف
؛**********

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية بنت المعلم الجزء الثاني)

‫6 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى