روايات

رواية أغصان الزيتون الفصل المائة 100 بقلم ياسمين عادل

رواية أغصان الزيتون الفصل المائة 100 بقلم ياسمين عادل

رواية أغصان الزيتون الجزء المائة

رواية أغصان الزيتون البارت المائة

رواية أغصان الزيتون
رواية أغصان الزيتون

رواية أغصان الزيتون الحلقة المائة

||^ أغـصان الـزيتـون ^||
الفصل المائـة :-
الجُـزء الثـاني.
“الطيور المهاجرة قلما تعود؛ لكنّها طير لم يهاجر من الأساس.”
____________________________________
باتت بين شقيِّ الرُحىٰ، طفلها الذي تبنتهُ واحتسبتهُ جزءًا منها، وأبيها الروحي الذي تكفل بها وعاش طيلة حياتها يسعى لإرضائها تعويضًا عن فقدها المؤلم لوالديها، بين عقلٍ يسحبها نحو العائلة وقلب يدفع بها لقبول المساومة التي يفرضها عليها “حمزة” وتشبثهِ بوجودهما معًا تحت كنفهِ!.
أصابعها التي تتسرب من بين يديهِ أصابتهُ بالقشعريرة المضطربة، وكأن معدتهِ أُصيبت بالغثيان، وقلبهِ يدق قرعًا عاليًا كأنه أبصر بما ستفعلهُ؛ حتى انفرطت كامل يدها من بين أصابعه وابتعدت بخطواتٍ تقترب من “مصطفى”، حتى أطلق الأخير تنهيدة مرتاحة وهو يبعد عيناه عنها لينظر إليه قائلًا :
– خلاص مبقاش في حاجه تجمعنا بيكم يا عيلة القُرشي، كل واحد يروح لحاله بقى.
بقيت عينا “سُلاف” على الأرض، تسير جوار عمها الذي يدفع مقعدهِ المتحرك للأمام، دونما ترفع عيناها نحوه أو تلقي عليه نظرة وداع، وهو گالعاجز، لا يقدر على منعها وإبقاءها معه عنوة، ولا يستطيع التغلب على نزعة الحسرة التي كَست قلبهِ، واقفًا هكذا يعتريه الجمود، لحظات طويلة جدًا مرت عليه، حتى رأى نصب عينيهِ سيارة “راغب” تمر من أمام المخفر وهو قائدها، لقد انتصر في النهاية، ولم يخسر في هذه الحرب الباردة سواه هو.
*************************************
صوت بكاءها المكتوم كان ينخر في آذانهِ گالسُم القاتل، حاول أن يتصنع عدم سماعه لكن قلبه لم يطاوعه أن يرى صغيرتهِ على تلك الحالة بدون أن يمدّ لها حنانهِ وعطفه.
فتح عليها الباب فرآها مرتمية هكذا على فراشها، تأن بخفوتٍ وصوتها مدسوس بين أقطان وسادتها. حرر “مصطفى” تنهيدة مهمومة من صدره، واقترب منها بمقعدهِ وهو يسألها في حيرة :
– يعني كنتي عايزة إيه يا سُلاف؟ اسيبك تروحي معاه بيته عشان يفضل ماسكك من إيدك اللي بتوجعك!.
لم تجبه، لم ترفع حتى وجهها إليه، فتابع هو :
– مكنش ينفع يا بنتي.. بعد ما عرف إننا ملناش في حق في الطفل ده مكنش ينفع أبدًا تاخديه.
سحبت شهيقًا لصدرها كتمتهُ لحظات، ثم اعتدلت لتواجهه وقد تبينت حُمرة وجهها وعينيها، ومازالت تسعى خلف تعلقها الشديد بالصغير :
– قولتلك أصبر عليا يا عمي وأنا هاخده وامشي.
لم يقتنع “مصطفى” بإصرارها بتاتًا، وصمم على تذكيرها بعدم أحقيتها فيه :
– يابنتي أبوه عارف إنك مش أمه.. يعني اتحسمت خلاص، العيل ده مش من حقنا.
فـ انفعلت “سُلاف” أمامه غير شاعرة بنفسها :
– ولا من حقه هو.. هو اللي رماه واستغنى عنه من الأول، ليه عايزني أسيبه دلوقتي وانا اللي اهتميت بيه وسعيت كتير أوي لحد ما وصل الدنيا!.. أنا أحق واحدة بزين يا عمي.. ده كان التعويض الحقيقي عن اللي حصلي بسببهم.
ربت “مصطفى” على ساقها محاولًا إخماد ثورتها المتفاقمة:
– العوض الحقيقي هو اللي احنا حققناه يا سُلاف، إحنا خدنا حقنا تالت ومتلت، ولسه كمان لما القاضي يقول كلمته هـ…..
لم تتحمل “سُلاف” أي كلمة بشأن الأمر، حتى إنها لم تتحمل سماع صوت عمها نفسه، لتنتفض وتصيح بغير بادرة :
– مـفيش أي حـاجه تـعوض إنـي عـمري ما هـكون أم.. مفيش حاجه يا عمي مـفـيش.
غادرت الغرفة بإندفاعٍ حتى لم تنتبه لإصطدامها بـ “نضال”، بينما الأخير شاعرًا بالشفقة الشديدة عليها، وإنها من ذوات الحق الأكبر من بينهم جميعًا؛ لكنها لم تسعد أبدًا بالنتيجة النهائية التي حصدوها، وكأن “زين” كان النفس الحقيقي لها، الروح التي ترفض مغادرة جسمها، والآن مطالب منها أن تعيش بلا روح!.. مقابل الحفاظ على انتمائها للعائلة. خسرت أمومتها التي ظفرت بها من بين مخالب الصدفة، الصدفة التي جعلت من “أماني” متوفاه لتفوز هي بالعوض الحقيقي عن خسارتها الفادحة.
*************************************
لأكثر من نصف ساعة، جالسًا في سيارته غير قادر على الدخول للمنزل، ينظر إليه من الخارج، وكأنه بات منزلًا للأشباح وليس المسكن الذي عاش فيه عمره كله، غادر الجميع، وبقى هو وحيدًا هكذا. تذكّر أخيرًا أن طفله بالداخل، وأن قطعة من قلبه هناك قادرة على على إحياء شغفه من جديد، كي تستمر الحياة على الأقل، فـ صعد إليه حتى يضمهُ لصدرهِ البارد، عساه يجد بعضًا من الدفئ هناك. وقف أمام باب غرفتها، لحظات غاية في القسوة، يلتقط فيها أنفاسهِ بصعوبة شديدة، ثم فتحه ليتفاجأ بـ المربية “أم علي” تحتضن الصغير وتُطعمه، فرمقها بنظراتٍ مستفهمة، حتى أجابته هي دون سؤال مباشر :
– الهانم قالتلي أفضل مع زين، بس لو سيادتك يعني مش عا….
أشار إليها بكفهِ كي تصمت، وأبدى ترحيبه الشديد بتواجدها هنا :
– بالعكس.. انتي الوحيدة اللي هقدر أئتمنها على زين، ياريت تخليكي هنا على طول وانا هدفعلك ضعف مرتبك.
ابتسامة تلقائية صعدت على محياها وهي ترد بـ :
– ربنا يخليك يا بيه.
دنى منها وهو ينظر للصغير متسائلًا :
– خلص رضاعة ولا لسه؟.
نظرت “أم علي” للرضاعة فإذا بها تكاد تنتهي، فـ سحبتها من فمه وهي تقول :
– آه خلاص.
بسط إليها ذراعيه كي يحمله عنها :
– طب هاتيه وانزلي انتي دلوقتي.
وضعته بين ذراعيهِ وهي تحذره :
– خلي بالك محتاج يتقرع.
قطب “حمزة” جبينه بغير فهم حتى أعادت هي صياغة عبارتها :
– قصدي يعني تخبط على ضهره بالراحة.
أومأ “حمزة” بتفهمٍ وهو يتبع تعليماتها، ثم جلس على حافة الفراش وهو يمسح على ظهر “زين” بحنوٍ بالغ، وكأنه يستشعرها هي فيه، حتى إنه بدأ يهذي وكأنه يتحدث لعاقلٍ ناضج :
– مامي مشيت!.. مكنتش متخيل أبدًا إنها ممكن توافق تمشي وتسيبك!.. كنت فاكر إنك ضماني الوحيد عشان تفضل موجودة، اتضح ان ملهاش أي ضامن!.
نهنهات خافتة بدأت تصدر عن الصغير وكأنه يبادله الحوار، مما دفع “حمزة” للإندماج معه أكثر وكأنه وجد أخيرًا من يفهمه ويشعر به :
– تلاقيك مش مصدق زيي!!.. عندك حق.
نهض “حمزة” وبدأ يُهدهدهُ قليلًا بعدما شعر بزمجرتهِ وبوادر البكاء بادية على نبرته :
– لأ أرجوك تهدا، أنا مش هعرف أتصرف معاك وانا لوحدي.. على الأقل اديني فرصة أعوضك شويه عن غيابها.
وقعت أنظارهِ على كنزتها الموضوعة على مقعد منضدة الزينة، فـ أحس نبضاتهِ تزايدت بعنفٍ وهو يخطو نحوها، وبرغبةٍ جامحة كان يمسك بها ويتحسس نعومة ملمسها، گأنه يلمس بشرتها هي، ورائحتها فاحت بالقرب من أنفهِ مثلما تكون مرّت من جوارهِ، فأحس بالنقمة عليها وبدأ يلعن في نفسه، بم يكن يومًا ضعيفًا أمام امرأة، هذه الحالة المتملكة منه لم يختبرها من قبل، لا سيما هي، تلك التي عذبتهُ أيامًا وليالي، وكرّست نفسها ومجهودها للثأر منه وهو الذي كان بلا ذنب. قذف “حمزة” كنزتها بعيدًا عنه، وتشكلت تعابير الحنق على وجهه وهو يبتعد عن أشيائها المرصوصة فوق المنضدة بنظام، ثم تمتم بخشونةٍ :
– في ستين داهيه!.. هي فاكرة نفسها إيه؟!.
بدأت تفوح رائحة غير مستحبة بتاتًا، مرفقة بأصوات غريبة تصدر عن “زين”، فـ أبعده “حمزة” قليلًا بعدما تشكلت تعابير الإشمئزاز على وجهه، ثم تركه على الفراش وهو يهتف بـ :
– مكنش وقته خالص على فكرة انت عارف كده؟؟.
كانت حركة الصغير ساكنة إلى حدٍ ما، كأنه ما زال
في حالة إخراج لنفايات معدتهِ، فـ ابتعد عنه “حمزة” وفتح الباب مناديًا :
– ياأم علي!. تعالى لو سمحتي.
دقيقتين وكانت تقف بين يديه ليردف آمرًا :
– شوفي زين ولما تخلصي عرفيني.. أنا تحت.
وخطى نحو الدرج وهو يتفحص سلامة ثيابهِ وهمس بتبرمٍ :
– الأبوة مش سهلة فعلًا.
*************************************
منذ شروق الشمس، وهي على حالتها تلك، جلست في نفس الشرفة على نفس المقعد تحتسي نفس المشروب الذي تُفضله، مياة باردة مثلجة بشرائح الليمون والنعناع الطازج، وإذ بها تحس إنها مرت بالكثير في الشهور القليلة السابقة، سبحان من أعانها وثبتّ قواها حتى هذه اللحظة، بينما بداخلها أنثى هشّة ضعيفة، لم تحتاج سوى غصن قوي تترعرع من فوقه، وحياة بدائية عادية للغاية لا همّ فيها ولا حزن. أجفلت “سُلاف” عيناها فـ أحست بدخول أحدهم عليها، التفتت فرأت “راغب” يجاورها جلستها، ومازالت آثار النعاس مغلفة وجهه ولم يتخلص منها بعد. نظرت عيناه للفراغ وهو يقول :
– على فكرة انا حاسس بيكي أوي يا سُلاف.. مكنتش أحب أبدًا إنك تكوني في الحالة دي بعد ما حققنا هدف عيشنا سنين بنخططله ونسعى عشانه.. أنا كمان زيك.
ترك رأسه تستند على ظهر المقعد وبقيت عيناه على السماء متابعًا :
– أنا كمان لسه مش متخيل إني مش هكمل ما يسرا، مش هحقق اللي خططله وتبقى معايا للأبد، إحنا الاتنين خسرنا عشان مكسب تاني اتضح إنه مش كافي بالنسبالنا.
تنضّحَت عينا “سُلاف” بالدموع، وسالت من بين جفونها گمجرى النهر وهي تستمتع لتلك الحقيقة الموجعة :
– بس احنا لازم نتعايش مع الوضع ده.. ما هو مبقاش ينفع يا سُلاف، أكيد انتي نفسك حاسه بكده.
استدارت رأسها نحوه تنظر إليه مستنكرة هدوءهِ المثير لإنفعالها، فرأت عبراتهِ تقف على حافة جفونه، ومازال يأبى ترك نفسه لضعفٍ ينتابه، فهدأت عاصفتها التي لم تقم بعد، وضغطت على ذراعه گنوع من الدعم :
– لازم تنسى يا راغب، لازم تنسى عشان تقدر تعيش.
هربت دمعتهِ أخيرًا لتتغلغل بين بصيلات ذقنهِ وهو يسألها :
– انتي هتعرفي تنسي؟.
تضاعفت دموعها وقد امتزج صوتها بأنين البكاء وهي تقول :
– بس زين مش ميت عشان أنسى.
ومالت رأسها على كتفهِ ليربت عليها، بينما هو أيضًا يعاني من هطول دموعهِ الغزيرة، تنفيسًا عن مكبوتات بقيت مدفونة مطولًا بداخلهم ولم يجدوا القدرة لتجاوزها بعد، علّ ذلك يكون سبيلًا للراحة، حتى وإن كانت راحة مؤقتة وسيعود الألم من جديد، گجرعة مقننة من مسكن الآلام، ولكنها جُرعة لها آثار جانبية.
*************************************
فتح “حمزة” عيناه ليرى سقف الغرفة، ثم أغمضها من جديد وتلفت جسدهِ كي ينام على جانبه الأيسر. فتحهما من جديد فلم يجد “زين” بجواره، التفت مرة أخرى لينظر إلى سريرهِ الصغير فلم يكن بداخله أيضًا، فـ نهض من جلسته وتناول هاتفه كي ينظر من خلاله عبر الكاميرات، باحثًا عن المربية خاصتهِ لعلها أخذته، فلم يجد لها أثرًا. بدأت تعابير الإستهجان المنزعج تغزو وجهه، وهو يبحث مرارًا وتكرارًا بداخل المنزل كله فكانت النتيجة گسابقتها، فـ بدأ ينظر للكاميرات الخارجية عله يصل لشيئًا، فـ تفشّت عليه تعابير الدهشة الممزوجة بإبتسامة منطفئة، وسرعان ما توجه نحو النافذة ليفتحها كي يتأكد من صدق ما يراه، فـ وقعت عيناه عليها بالفعل، وهي تحتضن الصغير وتُقبلّه مرات عديدة حتى تشبع. ركض “حمزة” للداخل، حتى إنه تناسى تمامًا نصفه العلوي عاريًا، وأسرع بعجالةٍ كي يلحق بها قبيل أن تطير مهاجرة أرضهِ مرة أخرى….
************************************

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

الرواية كاملة اضغط على : (رواية أغصان الزيتون)

‫3 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى