روايات

رواية ندوب الهوى الفصل الثاني عشر 12 بقلم ندا حسن

رواية ندوب الهوى الفصل الثاني عشر 12 بقلم ندا حسن

رواية ندوب الهوى الجزء الثاني عشر

رواية ندوب الهوى البارت الثاني عشر

رواية ندوب الهوى الحلقة الثانية عشر

“سعادة مُفرطة على هيئة هواء يطير في الأجواء
ليستنشقها الجميع شاعرًا بأن الحياة تبدلت
كم يكون هذا الهواء النقي؟”
ولجت إلى داخل المنزل وسارت في الرواق بسرعة شديدة لتصل إلى الدرج ثم صعدت عليه ركضًا وهي تلهث بعنف والخوف يزداد داخلها وقلبها يخفق بقوة من أثر هذه المفاجأة التي واجهتها بشراسة غير معقولة، دقت الباب بقوة ثلاث مرات متتالية لتستمع إلى صوت “جاد” الصارخ من خلف الباب بعنف معلنًا أنه قادم..
فُتح الباب أمامها ولم تنتظر أن يتحدث هو بل أسرعت تتساءل عن شقيقتها والعرق يتصبب من وجهها بالكامل:
-هدير فين؟
استغرب هيئتها الغير مُرتبة وتوترها الذي يظهر بوضوح غير لهاثها بعنف أمامه وسؤالها الملهوف على شقيقتها!:
-جوه ادخلي
دلفت إلى الداخل ووقفت جوار الباب تزيل عن قدميها حذائها ثم تقدمت للداخل خطوات قليلة فأغلق الباب مُستديرًا ينظر إليها باستغراب شديد ليراها تستدير تنظر إليه تتسائل بعينيها عن مكان شقيقتها فأردف قائلًا:
-في اوضت النوم
سارت إلى الداخل واختفت في الممر المؤدي إليها، تقدم بخطواته إلى الداخل ليذهب إلى غرف الصالون ولكن أعاق ذلك صوت الباب الذي ارتفع دقه بقوة مرة أخرى
عاد أدراجه إلى الباب مرة أخرى وداخله مدهوشًا مما يحدث ولا يدري ما هو، فتح الباب ليرى ابن عمه أمامه بمظهر غير مُرتب هو الآخر والعرق يتصبب منه مثلما أتت “مريم” قبله، بل ويبدو أنه كان في شجار ما، أفسح له الطريق ليدلف وتسائل باستغراب:
-ايه اللي عمل فيك كده
ألغى سؤاله الذي وقع على مسامعه أو تجاهله أيهما أقرب، وتسائل بحدة وثقة وهو يدلف إلى الداخل يبحث بعينيه عنها:
-فين مريم؟
استغرب “جاد” سؤاله عنها بهذه الطريقة وربط مظهرها بمظهره ودخولها بهذه الطريقة ثم هو خلفها يبحث عنها؟..:
-وأنتَ بتسأل عليها ليه وبعدين رد عليا ايه اللي عمل فيك كده؟
تقشعرت ملامح “سمير” بالضيق والرفض لأسئلة “جاد” وهو يريد أن يعلم أين هي ثم مَن ذلك البغيض ثم كثير من الأشياء في رأسه:
-جاد أنا مش فايقلك هي فين
أبصره بتمعن وتحدث إليه بقوة وحدة وهو يدفعه للإمام ليدلف إلى صالون الشقة:
-هو ايه ده اللي مش فايقلي هو أنا بقولك تعالى نلعب ما تظبط ياض.. مين عمل فيك كده وعايز مريم ليه؟
زفر “سمير” بغضب وهو يدري أن ابن عمه لن يصمت إلا عندما يعلم كل ما حدث:
-ما هي السبب في اللي أنا فيه ده
ضيق عينيه الرمادية وهو ينظر إليه باستغراب من حديثه الغريب وتسائل باستفهام:
-إزاي
قص عليه “سمير” ما رآه بداية من وقوفها مع ذلك الشاب ثم إلى أن تلمس يدها وكل ما مر وهو هناك إلى قدومه إلى هنا، وظهر الغضب والضيق الشديد على ملامحه ومع خروج كل حرف من بين شفتيه يُظهر أكثر كم هو مُختنق ويود الفتك بذلك البغيض الذي رآه، وقف “جاد” على قدميه متقدمًا إلى خارج الغرفة ليستفهم عن الذي حدث معها ولما أتت إلى “هدير”؟. ربما لتخبرها بما حدث فقط! أم هناك شيء آخر؟..
قصت “مريم” كل ما حدث معها إلى شقيقتها “هدير” والتي كانت على دراية تامة بكل ما حدث في السابق من ذلك المجرم المجنون الذي أراد شقيقتها أن ترافقه دون مسمى موجود في حلال الله، وعندما تقابل بالرفض أخرج هواية المجرم الحقيقية ومهنته عليهم..
أردفت “مريم” بخوف وضعفٍ شديد لشقيقتها وهي تجلس على الفراش أمامها:
-أنا خايفة يا هدير دا مجرم ومجنون ممكن يعملي أي حاجه
صاحت شقيقتها بحدة وصوتٍ جاف بعد أن نظرت إليها بقوة تنفي حديثها:
-أنتِ اتهبلتي يا مريم يعملك ايه دا أنا اقطعه بسناني
أكملت حديثها بعد أن توجهت للين لتقنعها بعدم الخوف منه ولكنها فشلت في ذلك:
-متخافيش يابت دا بس بيهوش مش هيعمل حاجه زيه زي مسعد بالظبط
وقفت “مريم” على قدميها وأجابت شقيقتها بتأكيد مما تقوله وتود تذكيرها بما كان سيفعله الاثنين:
-بس هو حاول قبل كده يرمي عليا مايه نار ومسعد حاول يغتصبك يعني مش بيهوشوا
ارتسم الضيق على ملامح “هدير” بوضوح وهي تستمع من شقيقتها إلى ما حدث من قِبل ذلك المعتوه “مسعد”:
-يوه يا مريم هو أنتِ لازم تفكريني بالغم ده.. مش هيعمل حاجه أنا بقولك أهو ولو خايفة أوي نعمل محضر في القسم
تعلقت “مريم” بتلك القشة التي يتعلق بها الغريق لإنهاء خوفها ولعيش حياة طبيعية مثل أي شخص آخر:
-أيوه.. أيوه هو المحضر وعلشان نثبت إنه بيتعرضلي سمير يشهد باللي شافه، أكيد هيخاف.. أكيد
نظرت إليها “هدير” بتمعن، إن “مريم” على عكسها تمامًا فعندما كان “مسعد” يطاردها كانت تواجهه بشراسة بينما شقيقتها تنتفض رعبًا الآن بعودة ذلك المختل:
-خلاص يابت متخافيش بقى الله!.. ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾
أردفت “مريم” متمتمة باقتناع وهي تجلس تحاول أن تشعر ببعض الهدوء والراحة:
-ونعم بالله
استمعت إلى صوت دق باب الغرفة وصوت “جاد” خلفه يستأذن بالدخول، وقفت “هدير” على قدميها لتفتح له الباب فتقدم إلى الداخل وهو ينظر إليها باستغراب وعيناه الرمادية تتسائل عن الذي يحدث من خلفه فنظرت إلى شقيقتها تشير إليها بعينيها..
أكمل سيره إلى داخل الغرفة ثم جلس مقابل “مريم” على مسافة مناسبة وتحدث بهدوء وصوتٍ رجولي:
-سمير قاعد بره من ساعة ما دخلتي هنا ومش عايز يمشي غير لما تفسرليه اللي حصل
أومأ برأسه بجدية وهو ينظر إليها مسترسل حديثه:
-يمكن مالوش الحق في كده بس هو شايف نفسه مسؤول عنك في أي مكان برا الحارة لأنك أخت مرات أخوه وهو هنا عنده حق
رفع وجهه إلى “هدير” الذي مازالت تنتظر عند باب الغرفة وتستمع إلى حديثه المُرتب المُقنع:
-ولو أنتِ مش عايزة تقولي لسمير على حاجه وشايفه أنها متخصوش ممكن تقوليلي أنا عليها لأني بعتبر نفسي زي جمال بالظبط
رفعت “مريم” نظرها إليه بخجل بعد حديثه ذلك وأردفت بهدوء ونبرة الصدق تحتل المرتبة الأولى في حديثها:
-أنتَ بالنسبة ليا أخ أحسن مليون مرة من جمال، وهقولك اللي حصل بس قدام سمير لأني مش عايزاه ياخد عني فكرة وحشة بسبب اللي شافه
وقف على قدميه لتقف هي الأخرى وأشار إلى الباب قائلًا:
-سمير مستني في الصالون
خرجت أمامه بعد أن أومأت إليه برأسها وذهب هو خلفها ثم وقف على أعتاب الغرفة واستدار إلى زوجته التي كانت خصلات شعرها تنسدل خلف ظهرها براحة مرتدية عباءة منزلية مغلقة ومحتشمة ولكن تناسبة هو فقط لـ التصاقها على الجسد:
-غيري العباية دي لو هتطلعي بره
كانت تتقدم إلى المرآة لتخفي خصلاتها أسفل الحجاب وتذهب إليهم وبعد أن استمعت إليه جذبت العباءة بيدها إلى الأمام وأردفت مُجيبة إياه بجدية واستغراب:
-مهي محترمة أهي يا جاد
نظر إليها بجدية شديدة تظهر على وجهه كما تظهر تفاحة آدم بوضوح وإلى الآن يبدو أنها لا تعلم كيف يغار عليها من الهواء المار جوارها وحتى لو كانت محتشمة ومن بالخارج أخاه:
-غيري العباية دي لو هتطلعي بره يا هدير
أخذت نفسً عميق وزفرته بصوتٍ مسموع أمامه مُتمتمة بالموافقة على ما يقول ثم أخذ الباب بيده وهو يغلقه ويخرج وهي تذهب إلى الخزانة لتبدل ثيابها..
بعد أن خرجت “مريم” وخلفها “جاد” إلى سمير، جلست بخجل بينهم ونظراتها إلى “سمير” تحمل الحرج والخوف بينما هو لم يكن يريد أي شيء سوى تفسير عما رآه وكأنها زوجته أو شيء يقارب هذا الدور في حياته ويهمه ما حدث وغار بشدة من ذلك الرجل عندما لمس يدها بينما هو لا يستطيع التحدث إليها حتى!..
حضرت “هدير” هي الأخرى إليهم بعد أن قدمت الضيافة لهم وسلمت على “سمير” مُرحبة به، ثم جلست جوار زوجها بعد ذلك بدأت “مريم” بقص ما حدث معها منذ أول يوم رأت به هذا المجرم المختل، أردفت بكل ما حدث بدايةً من أنه أراد مرافقتها تحت أي مُسمى غير ما يكون الخطوبة أو الزواج، وبعد أن رفضت قام بالمحاولة مرات أخرى بطرق ملتوية وثم جعلته شقيقتها أن يرى أنه إذا أقترب منها مرة أخرى سينال شيء لا يريده حقًا، ثم ذهبت إلى والده في ذلك الوقت والذي لم يعجبه الوضع أبدًا فعاقب ابنه أمامها.. وانتهت القصة هنا إلى اليوم نهايةً بقدومه مرة أخرى يُصر على مرافقتها..
الآن أصبح الجميع على علم بما حدث، وكان كل منهم في عالم يفكر أولًا في من يخصه، نظر “جاد” إلى زوجته بجدية شديدة مُرتسمة على وجهه وداخله يفكر كيف استطاعت أن تتحمل هذه المسؤولية وحدها؟.. كيف أصبحت رجل المنزل بعد وفاة والدها وتصرفت في كامل الأمور وحدها؟ أكملت دراستها مع عمل لتوفر الاحتياجات اللازمة لها ولشقيقتها وللبيت والجميع بما فيهم شقيقهم الأكبر والذي تنازل بسهولة عن دوره ومهمته إلى شقيقته الصغرى التي عرضت نفسها إلى الأخطر من الخطر نفسه وهي تمر يوميًا على كلب شهواني كـ “مسعد” كل يوم وغيره كثير من المؤكد قابلتهم ولكن لم يكن دورهم كبير كدور ذلك الحيوان..
بينما “سمير” نظرته إلى “مريم” لا يدري لماذا أصبحت هكذا! يرى حقًا أنها تخصه ومسؤولة منه هو لا غيره، يشعر بأنه عليه حمايتها من أي شخص يريد أن يؤذيها، يراها زوجته، أو ربما خطيبته ولكن لا يراها شقيقته بتاتًا، ربما يشعر بـ الإعجاب الكبير ناحيتها، ربما يريد التحدث معها والتودد إليها والنظر إلى عينيها العسلية الصافية المماثلة لشقيقتها، ربما يريدها له!؟.
❈-❈-❈
جلس “جمال” بوجه شاحب أمام عيني “مسعد” المشتعلة بالغضب لعدم حضور ماله إليه والآن بالتحديد، بعد انتهاء المدة المحددة بينهم لإحضار ماله الذي قد أعطاه له اعتقادًا أنه سيتزوج شقيقته:
-فلوسي فين يا جمال
-زفر “جمال” بحدة وهو يعتدل أمامه في جلسته ليتحدث بغيظ وضيق منه:
-ما أنتَ عارف الحال يا مسعد ولا عايزني اجي احكيلك القصيدة كل يوم
أردف الآخر يتهكم عليه وهو يتذكر عندما أخذ منه ماله واعدًا إياه بزواج شقيقته:
-وكان فين الحال ده وأنتَ بتاخد مني الفلوس يلا
لوح له “جمال” بيده بعصبية وحنق وهو يراه يصر على أخذ ماله الذي لا يأتي شيء بجانب ما يملكه، ولكنه يفعل ذلك فقط ليضيق عليه الطريق:
-بقولك ايه دول هما عشر تلاف عُمي مش هتزلني بيهم
-زفر “مسعد” دخان سيجارته بحدة وعصبية ووقف على قدميه متقدمًا منه ليجلس أمامه على الناحية الأخرى من المكتب:
-لأ هزلك وازلك وازلك كمان… فلوسي لو ماكنتش عندي بعد أسبوع بالظبط أنتَ عارف أنا هعمل ايه
نظر إليه “جمال” باحتقار وحقد يظهر على ملامح وجهه بالكامل وأردف مُجيبًا إياه بسخرية وتبرم:
-عشر أيام ويكونوا عندك على الجزمة
استغرب أنه هذه المرة من وضع المهلة المحددة ثم لعب على أحبال عقلة الملتوية:
-ايه تكونش ناوي تخفف ايدك
استخف به وهو يلوي شفتيه عائدًا بظهره إلى الخلف:
-سبتهالك يا أبو السعد والهنا ابقى خففها أنتَ
تعمق باللعب وهو يسير على أحبال عقلة الملتوية منتقلًا إلى أحبال عقلة الذائبة والمائلة إلى التلاشي:
-لأ مهو أنا مش محتاج، أنتَ اللي محتاج بس الصراحة أنا لو عندي جوز أختي اسمه أبو الدهب كنت خففت ايدي وسحبت حتتين منه أو من أختي نفسها
فكر “جمال” بحديثه بجدية وكأنه نوى فعل ذلك حقًا بعد أن وجد أن ذلك لن يفرق معهم من الأساس فهم في حال جيد، بل جيد للغاية حتى أن هدير تعطي والدته أموال كثيرة من الحين إلى الآخر..
استرسل “مسعد” حديثه وكأنه حرباء تتلون بألوان عديدة مختلفة على حسب الفكرة التي يريد أن يوصلها إلى عقله:
-ويسلام بقى لو يقع عليك عريس متريش لأختك الحلوة الصغيرة هتبقى قُضيت معاك
نظر إليه “جمال” بجدية وداخله يرفض الفكرة تمامًا فربما هو وافق على شقيقته “هدير” لأنه لا يخاف عليها من بشر إنها تستطيع أن تجعله يتمنى الموت إن أصبحت زوجته ولكن “مريم” لن تفعلها:
-متفكرش فيها يا مسعد، يمكن وافقت على هدير علشان بتعرف تخربش وتاخد حقها من عين التخين وكانت هتقرفك في عيشتك إنما مريم لأ
رفع نظرة إلى سقف الغرفة بهيام وهو يُجيبة ويتذكر ملامح وجهها المحرمة عليه:
-ومين قالك إني فكرت فيها.. أنا كل تفكيري في برنسس الحارة اللي هتجيلي راكعة يا جمال يا ابن الهابط
ظهرت سخرية شقيقها على وجهه بعد الاستماع إلى كلمات ذلك الأحمق الذي يظن أنها تترك “جاد” الشاب، الناضج الصالح، وربما يظهر عنفوانه عليه في بعض الأوقات، يحبها وتحبه ويعمل ويملك ما تتمنى أي امرأة لأجله هو! لأجل رجل كبير! قليلًا ويصل إلى عمر والدها الراحل، لأجل رجل لا يعرف للدين باب ولا للرحمة طريق وما يهمه بها شيء ندركه جميعًا:
-وهي مع جاد أبو الدهب!. مظنش يا.. يا مسعد يا ابن الشباط
ابتسم بسخرية هو الآخر وأردف بثقة وكأنه يعلم أن حديثه سيحدث حقًا:
-بكرة نشوف كلام مين اللي هيمشي
“في المساء”
جلس “جاد” في صالة منزلة أمام التلفاز وزوجته في المطبخ تحضر عصير البرتقال لهم هم الاثنين، أخذ ريموت التلفاز ثم قام بخفض صوته قليلًا وترك الريموت مرة أخرى وهو يمسك بالهاتف لإجراء مكالمة هاتفية، أتت عليه زوجته من الداخل تتمايل بجسدها الناعم المخفي داخل قميص طويل مطبوع بالورود الملونة والذي لا يُظهر من جسدها سوى مقدمة صدرها العلوية وذراعيها، ولكن مع ذلك يبدو القميص الطويل وكأنه جسدها من شدة التصاقه عليها، تحمل صينية العصير على يدها ثم وضعتها على المنضدة أمامه بعد أن أقتربت منه وجلست جواره..
أشار إليها بالصمت وهو يرفع الهاتف على أذنه ليتحدث بجدية وعملية شديدة رأتها كثير من المرات وهي تتابعه من نافذة غرفتها:
-أيوه يا عبده خلصتوا ولا لسه
صمت ليستمع إجابته وبعدها أومأ برأسه وكأنه يراه مُكملًا الحديث بجدية:
-آه تمام.. عربية ياسر محمد سلمها لـ حمادة وهو هيتصرف فيها شغلها خفيف
مرة أخرى يصمت ليستمع إليه من الناحية الأخرى وأردف مُجيبًا إياه:
-أنا هكلمه واخليه يبعت حد ياخده بكرة آخر النهار بس اتاكد إن طارق هيخلص شغل فيه النهاردة
مد يده إلى الطاولة الصغيرة وأخذ كوب من العصير الطازج وارتشف منه بهدوء وهو يستمع إليه ليُجيب بعدها قائلًا:
-ماشي تمام أنا كده كده نازل بكره
هتف بسخرية وهو يبتسم:
-هو أنا يعني علشان عريس أهمل شغلي.. هنوفق في الاتنين متقلقش أنتَ
ضحك بشدة على شيء قد قاله له الآخر على الناحية الأخرى ليتحدث بضيق وهو يبعد الهاتف عن أذنه:
-مع السلامة بقى وأنتَ عيل رخم
تساءلت زوجته باهتمام وهي تبصره بعينيها العسلية بعد أن أغلق الهاتف:
-أنتَ هتنزل الشغل بكرة بجد
مال للأمام قليلًا يضع كوب العصير على المنضدة مرة أخرى ثم اتجه بكف يده ليضرب فخذ قدمها اليسرى التي جواره وهو يقول بسخرية وتهكم مازحًا:
-آه أكيد هنزل بقى مش هفضل قاعد جنبك كده
ابتسمت له بحبٍ وأردفت بهدوء:
-ربنا يوفقك
اعتدل في جلسته جوارها ليعود مستندًا بظهره إلى الخلف مُعاكسًا للاريكة ووجهه مقابلًا لها:
-ويوفقك أنتِ كمان خلاص امتحاناتك واقفة على الباب بتخبط
ابتسمت بسخرية وهي تستمع إلى حديثه ثم أردفت بغرور واضح ونبرة لعوب تحتل صوتها وهي تتحدث إليه مُشيرة بيدها بمرح:
-متقلقش عليا أنا لو فضلت من دلوقتي لحد الامتحانات مذاكرتش بردو هتخرج، أنا كنت من أوائل الدفعة
أبصر غرورها وحديثها معه رافعًا أحد حاجبيه ينظر إليها بدهشة، ثم أردف بعد إنتهاء حديثها بمكر وخبث يظهر عليه وواضح في حديثه ويده التي امتدت إلى جانب خصرها الأيمن:
-ايه الغرور ده… خفي شويه أحسن تفرقعي حتى بصي الجوانب زادت إزاي
ضربت على يده بكف يدها بحدة ليسحبها سريعًا وهو يضحك بقوة فداهمته بحدة ثم لانت وهي ترفع حاجبيها إليه متحدثة بغرور:
-بس يا قليل الأدب.. أنا لسه زي ما أنا عود مظبوط بالمللي
ضحك بقوة وهو يراها تلقي كل هذا الغرور عليه مرة واحدة ونظر إليها من الأعلى إلى الأسفل بسخرية ليثير حنقها أكثر وأكثر مردفًا بسخرية:
-أااو مهو واضح يا وَحش
ضغطت على فكها بقوة وهي تراه يهزأ بها لتردف بحدة مُضحكة:
-بطل تريقة عليا
مالت عليه بدلال وخصلاتها تعاكسها لتبقى بجانب وجهها ولتظهر أكثر فتنة وجمالًا، هتفت بعفوية ودلال لا يخلوا من الغرور:
-وبعدين لو مش عاجبك يعجب غيرك
نظر إليها بحدة واعتدل في جلسته هذه المرة ليقترب منها وهنا لن يتقبل الحديث أبدًا مهما حدث، لن يسمح لها أن تتحدث بهذا الشكل مرة أخرى ولا تفكر به من الأساس فهي لن تفتن شخص غيره إلى موته، أردف بصوتٍ حاد:
-هدير…. هتخيبي ولا ايه ما تتعدلي في كلامك
عادت للخلف برأسها تعود بخصلاتها هي الأخرى ونظرت إليه قائلة بجدية مُستغربة تحوله:
-أنتَ بتتقمص ليه دلوقتي أنا بهزر
لن يتقبل هذا بأي شكل من الأشكال لا مزح أو جدية، هتف بقوة وصوتٍ حازم:
-ده مفهوش هزار ولا شيفاني بقرون قدامك هعدي الكلام ده واهزر فيه
وضعت يدها برقة على ركبته تترجاه بعينيها العسلية قبل حديثها لتعدل ما قالته:
-طيب خلاص متبقاش بايخ بقى
نظر إليها وهو صامت لم يتحدث فنظرت إلى الناحية الأخرى وتنهدت بهدوء وهي تفكر في شقيقتها “مريم” وما تعرضت له من ذلك المجرم الحيوان، أردفت بخوفٍ ولهفة قائلة:
-أنا بجد خايفة على مريم أوي يا جاد مع إني ببينلها غير ده بس أنا خايفه عليها أوي
زفر “جاد” بقوة وهو يتذكر ما علمه منهن وما حدث معها، لقد كان هذا صعبًا للغاية حقًا، أمسك بكف يدها يضغط عليه بقوة ليمدها بالأمان والطمأنينة:
-بكرة الصبح هنروح نعمل محضر وإن شاء الله هيتمسك ويشوه على الفحم ده طلع عليه قواضي تانية أصلًا توديه ورا الشمس
أجابت وذهنها معلق بشقيقتها وما يمكن أن يحدث من قِبل ذلك المجرم الآخر:
-يارب
ابتسم “جاد” ومد يده إلى وجهها ليجعلها تنظر إليه وتحدث بود ليجعلها تطمئن ثم أبتعد عن ذلك الحديث وهو يعبث معها حتى لا تتذكر ما يعكر صفوها:
-إن شاء الله متخافيش… إنما ايه الحلاوة دي، كل ده ورد ايه قاعد في الجنينة
صاحت بقوة وهي تنظر داخل رمادية عينيه الساحرة والخلابة بعد أن نظرت إلى قميصها:
-إن كان عاجبك بقى.. أنتَ مفيش فرصة تفوتها إلا لما تتريق عليا
غمز لها بعينيه وهو يعبث معها بنظرة ماكرة خبيثة تعلمها جيدًا:
-بانكشك يا وَحش الله، ما تقوم تدلع لينا شوية كده زي امبارح
تهكمت بسخرية وتشدقت قائلة بقوة:
-ليه حد قالك بايعه وسطي
أقترب منها وهو يحرك يده على قدمها قائلًا بعبث ومكر مازحًا معها:
-لأ حد قالي إنه زي الجلي بيرقص رقص حتى وهو ثابت
-لا يا شيخ
أومأ إليها برأسه وتعابير وجهه تدعوها للضحك وهو يتحدث إليها:
-بأمانة
تهكمت بسخرية واضحة لتجعله يتمايل معها على الأنغام بقوة وهي تقول بمكر:
-إن كان كده بقى يبقى أنتَ كمان تتحرك مع الجلي أهو تفرد عضلاتك دي بدل الغيبة عن الجيم
استحسن الفكرة كثيرًا وود فعل ذلك حقًا فقال بجدية:
-بس كده يلا بينا
أخذ هاتفه من جانبه ثم ولج إلى أحد التطبيقات الذكية يبحث عن أغنية بخلده تحمل التصنيف الشعبي خالية من الألفاظ الخارجة والكلمات البذيئة ليتمايل معها عليها دون أن يلوث أذنه وأذنها بأغاني قاطعها هو وإياها معًا..
ارتفع صوت الهاتف بالأغنية فألقى الهاتف مرة أخرى على الأريكة ووقف يبعد الطاولة عنهم قليلًا ثم تقدم ناحيتها يأخذ يدها وجميع أعضائه تشتعل بالحماس ليفعل ذلك معها بينما هي استغربت كثيرًا لموافقته السريعة دون اعتراض وكأنه كان ينتظر شيء كهذا..
جذبها لتقف أمامه ثابته فحركها بيده وهو يتحرك معها بخفه على هذه الأصوات التي تضج مسامعهم، لحظات من برودها وهي تنظر إليه وتراه بهذه الحيوية وهذا النشاط وسريعًا بعدها دلفت معه بحالته تلك لترتسم الابتسامة باتساع على محياهم وتتحول إلى ضحكاتٍ رائعة وهم يتمايلون معًا لتبتسم لهم السعادة مرحبة بهم في عالمها..
❈-❈-❈
“بعد مرور أسبوع”
ولجت “مريم” إلى السطح وهي تزفر بضيق وحدة من إزعاج “جمال” لها طوال الوقت، فقررت أن تصعد إلى السطح لتتنفس بعض الهواء الرطب الآن في هذه الساعة..
نظرت إلى جانبها الأيمن بعد أن دلفت لتراه يجلس على المقعد الموجود وبيده سيجارة يدخنها وكوب من الشاي أمامه على الأرضية، نظرت إليه للحظات ثم فكرت هل تجلس هنا!.. سريعًا نهرت نفسها وتفكيرها كيف تسمح لنفسها بأن تجلس معه دون وجود أحد آخر..
استدارت سريعًا لتهبط مرة أخرى وهي تزفر بضيق وانزعاج شديد، ألا يوجد مكان تجلس به قليل من الدقائق لتشعر بالراحة!.. وبينما هي تبتعد رأته بطرف عينيها يقف سريعًا من على المقعد داعسًا السيجارة بقدمه ويتوجه ناحيتها يهتف بصوتٍ جاد:
-استني يا مريم
وقفت مكانها لتراه يقترب منها إلى أن وقف جوارها على مسافة مناسبة، أردفت وهي تستدير تنظر إليه بجدية شديدة:
-نعم فيه حاجه
سألها باستغراب وجدية وهو ينظر إليها باهتمام يدقق النظر في ملامحها دون خجل:
-أنتِ مالك مبقتيش طيقالي كلمة ليه؟.. دا أنتِ حتى مش طايقة تبصي في وشي
نظرت إلى الأرضية عندما وجدته ينظر إليها هكذا وأجابت عليه بعفوية شديدة ثم بترت حديثها في المنتصف عندما وجدت نفسها تقول أشياء لا يجب أن تتحدث بها:
-أنا!، بالعكس بقى دا أنتَ…. وأنا ليه هعمل كده يعني
وضع يده بجيب بنطاله وآمال رأسه إلى الجانب وهو ينظر إليها بدقة:
-ما أنا بسألك أهو
جذبت أطراف أكمام العباءة على كف يدها بتوتر وهي تُجيبه بابتسامة هادئة:
-لأ أنتَ بيتهيالك كده بس أنا فعلًا بكلمك عادي
ضيق عينيه السوداء ناحيتها وأقترب قليلًا ومازالت يده بجيب بنطاله وهتف بسخرية:
-لأ مش واضح وبعدين حاسس أنك بتهربي مني دايمًا ومش عايزة تكلميني ولا تسمعيني حتى
أبتعدت هي خطوة للخلف وتحدثت هذه المرة بحدة ليتوقف عن هذا الحديث الغير صحيح والذي إذا استمع إليه أحد سيقول أن بينهم شيء ما:
-لأ بجد بيتهيالك أنا مش بعمل كده ولو ده حقيقي مكنتش هقف معاك دلوقتي
أشار برأسه إلى ناحية الدرج وأردف مُجيبًا إياها بسخرية وتهكم واضح:
-ما أنتِ كنتي نازلة جري ولا أنا مش واخد بالي من دي كمان
نظرت إليه بهدوء وأجابته بطريقة فظة وهي توضح له سبب ذلك الإحساس الذي يقول عنه:
-الفكرة بس أن مش بحب أبقى مع حد غريب في مكان لوحدي
ابتسم وهو يخرج يده من جيب بنطاله وأبتعد قليلًا ينظر إلى الخارج ثم نظر إليها وقال بحبٍ وشغف:
-بس أنا مش غريب بالعكس.. أنا قريب وقريب أوي كمان
لم يستمع إلى ردها عليه بل نظرت إليه باستغراب وفكرت في حديثه الذي لأول مرة يكون واضح هكذا ومنذ فترة وهو مهتم بها من الأساس وذلك يوترها إلى أبعد حد:
-ممكن تديني رقمك
تساءلت باستفهام:
-ليه؟
أجابها بصدق وجدية وهو ينظر إليها ويقترب مرة أخرى:
-علشان اطمن عليكي لحد ما الواد ده ينقبض عليه
امتنعت عن ذلك قائلة بآسف يظهر بطريقة فظة:
-آسفة مش هينفع
تسائل بجدية مستغرب رفضها مع أنها في يوم قد اعطته لـ “جاد” أمامه دون امتناع:
-ليه؟
وضعت يدها أمام صدرها بتحفظ وأبصرته باستغراب متسائلة داخلها كيف له أن يتحدث هكذا ومن أين أتى بكل هذه الشجاعة:
-نفس الحكاية مش هينفع أكلمك.. يعني هكلمك بصفتك ايه؟..
عاد يضع يده في جيب بنطاله بهدوء مُميت ونظر إليها بحبٍ رأته قبل في عيني “جاد” لشقيقتها ولكنها كذبت نفسها من رؤيته هنا:
-على راحتك بس قريب هتكلميني يا مريم وبصفتي حاجه كبيرة وقريبة ليكي أوي يمكن أكتر من نفسك
-عن اذنك
تركته سريعًا وعادت مرة أخرى تهبط الدرج لتبتعد عن حديثه الموتر للأعصاب والذي يلعب به على أحبال حبها له، لقد استغربت كثيرًا من حديثه معها هكذا لأول مرة، ربما شعرت بأنه يقترب منها منذ زواج “هدير” و “جاد” ولكنه لم يتحدث أبدًا بهذه الصراحة من قبل وقد فهمت ما الذي ألقاه عليها ولكنها منعته عن عقلها حتى لا تأتي بالمتاعب إلى قلبها قبل عقلها وهي مازالت في بداية الطريق..
❈-❈-❈
وقفت “هدير” في مطبخ والدة “جاد” تعد معها الطعام للعشاء لزوجها ووالده بحبٍ كبير بينها وبين والدته وهم يتسامرون في الحديث معًا..
حملت صينية المكرونة على يدها بعد أن انتهت منها وبقي فقط آخر مهمة لفعلها وهي تسويتها، وضعتها أمامها على رخامة المطبخ متسائلة:
-ها يا ماما فهمية احطها في الفرن كده
نظرت إلى الصينية وهي تقطع السلطة وأومأت برأسها بهدوء والابتسامة على وجهها:
-أيوه كده حلوة أوي يا حبيبتي تسلم ايدك
استدارت “هدير” لتذهب إلى الفرن في الناحية الأخرى وهتفت بابتسامة عريضة تُجيبها:
-يسلملي عمرك وكلامك الجميل
نظرت إليها والدة زوجها بحبٍ وحنان وهي تمدح بها وكأنها ابنتها قائلة بحماس وطريقة شعبية:
-كلام ايه يابت يا هدير طب والله أنتِ ما يُعلى عليكي في الطبيخ وبعدين دا جاد بيشكر في أكلك وده مش من العادي يابت افرحي
تركت الصينية في الفرن بعد أن اشعلته ووقفت جوارها تتسائل بلهفة عن حديث زوجها الحبيب عن مأكولاتها:
-بجد بيشكر في أكلي؟
أكدت والدته الحديث بجدية وهي تقص عليها ما حدث بالأمس من ابنها وزوجها ومازالت تقطع السلطة:
-إلا بجد، امبارح وهو هنا الحج كان بيقوله يتغدا معانا مرديش أبدًا وقال ايه أكل هدير ياما.. أكل هدير ياما، قولتله قوم يا واد أمشي من هنا
ابتسمت “هدير” بسعادة بعد الاستماع إلى ذلك الحديث منها ثم جاملتها بود ولين قائلة:
-لأ بس بردو مفيش أحسن من أكلك ده أنا هتعلم منك واعمله علشان ابقى جمعت كل حاجه حلوة يحتاجها
ابتسمت باتساع وهي ترى زوجة ابنها تود أن تجعله لا يفتقد بها شيء بل تجمع كل ما هو يريده بها لتوفر له الراحة والسعادة معها، تحدثت هي الأخرى بابتسامة عريضة:
-تعجبيني يابت يا قمر أنتِ اتشكلي كل يوم وخليه يلف حوالين نفسه كده من جمالك، قفلي عليه كل البيبان علشان عينه متبصش بره أبدًا
أردفت “هدير” سريعًا بعد هذه الكلمات من والدته بلهفة وثقة من حديثها ومنه هو أولًا:
-لأ لأ جاد مش بتاع كده مش بيبص بره ده بيغض بصره في أي مكان
تركت والدته السكين من يدها وتقدمت إلى حوض الغسيل لتغسل يدها وهي تهتف بفخر واعتزاز بولدها:
-طبعًا تربيتي أنا والحج رشوان ده الحيلة
تساءلت “هدير” باستنكار وهي تستند بظهرها إلى رخامة المطبخ:
-هو صحيح انتوا خلفتوا جاد بعد تسع سنين
-أجابتها بجدية شديدة وهي تحمد ربها على هذه النعمة الذي من عليها بها، وأكملت حديثها بجدية ولهفة لرؤية صغار ولدها:
-أيوه بس الحمدلله دلوقتي نحمد ربنا ونشكر فضله.. وشدوا حيلكم انتوا بقى مش عايزين تأخير عايزين قطط صغيرة كتير كده تلعب حوالينا
تمتمت “هدير” مُبتسمة:
-إن شاء الله
نظرت إليها “فهمية” باستغراب لعدم رؤية حماسها فصاحت بجدية وحزم متسائلة:
-اوعي تكوني مش ناوية وتقوليلي التعليم وابصر ايه
أجابتها “هدير” بصدق خالص ونظرة بريئة من عسلية عينيها الصافية:
-لأ لأ والله أنا سيباها على ربنا واللي هو عايزه هيكون
رفعت غطاء القِدر وهو على الموقد وسارت تقلب محتوياته بالملعقة الكبيرة وهتفت قائلة:
-ونعم بالله يا حبيبتي
مرة أخرى تسائلت “هدير” بفضول:
-هو سمير وجاد أخوات؟. راضعين على بعض قصدي
ابتسمت “فهيمة” باتساع وهي تتذكر تلك اللحظات التي مضى عليها أكثر من ستة وعشرون عام:
-أيوه، أم سمير سابته معايا وهو عمر سنة وراحت مشوار مع الحج عطوة وفضل هو زن زن طول عمره زنان الواد ده وكان جاد عمر سنتين ولسه بياخد لبن طبيعي فقومت مرضعة سمير
استمعت إلى حديثها وابتسمت بعمق وما لبثت أن تتحدث إلى أنها استمعت إلى صوت باب الشقة يُفتح ثم يُغلق مرة أخرى فاستشعرت أنه زوجها:
-ده شكل جاد طلع
وقف على عتبة باب المطبخ جوارها وغمز إليها بعينيه بخفه ثم أردف وهو يشاكسهم بمرح:
-يا مساء الفل على أجمل اتنين في الدنيا
استدارت والدته تنظر إليه بسخرية وهتفت قائلة مُبتسمة:
-شوفي البكاش
رفع يده وأشار إلى نفسه بطريقة درامية وكأنه حزين ثم ابتسم وهو ينظر إليها:
-بقى أنا بكاش يا أم جاد.. دا أنا الحيلة يا أم جاد
-بس يا واد بقى الله
نظر إلى زوجته التي كانت تتابع الموقف بينه وبين والدته بابتسامة عريضة وأردف وهو يمسك بزر القميص الذي جذبه منذ لحظات ليقع بيده عن عمد:
-هدير زرار القميص انقطع تعالي خيطيه
أعتدلت في وقفتها وهي تتجه إلى الفرن لتلقي نظرة على الصينية التي وضعتها:
-طب خمس دقايق بس هشوف صينية المكرونة
غمز إليها وهو يقترب ويذهب إلى الداخل قائلًا:
-تعالي بس والحجة هتشوفها
فتحت والدته الثلاجة ونظرت إليه من خلال بابها وهي تتهكم عليه وقد فهمت أنه يريدها لغرض آخر:
-زرار بردو يسطا جاد.. روحي، روحي ياختي شوفيه عايز ايه
نظرت إليها باستغراب من حديثها الذي لم تفهمه وحاولت الإعتراض ولكنه لم يدعها تكمله
-لأ بس هشوف…..
تقدم منها ثم جذب يدها وخرج بها من المطبخ بقوة وهو يلعن ذلك الرأس اليابس:
-ما قالتلك روحي بقى الله
رأته يأخذها باتجاه غرفة نومه هنا فامتنعت وقد فهمت ما الذي يريده وفهمت أيضًا ما الذي كانت تتحدث عنه والدته فقالت باحتجاج:
-في ايه يا جاد ماينفعش كده
دلف بها إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه بقوة ودفعها خلفه لتواجه الباب بظهرها فاقترب منها بشدة قائلًا بصوتٍ خافت:
-هو ايه ده اللي ماينفعش؟
هتفت باسمه بلين ورقة لتجعله يتركها تذهب للخارج حتى لا تحرج أمام والدته ولكن أتى ذلك بنتيجة أخرى:
-جاد
أمسك بكف يدها ورفعه إلى فمه يقبله برقة وحنان بالغ والشغف داخله نحوها يزداد يومًا بعد يوم، تحدث بحبٍ وحنان:
-وحشتيني يا عيون جاد
ابتسمت بخجل وهي تنظر إلى رمادية عينيه الخلابة التي تجذبها إليه من نظرة واحدة وأجابته بلين ورقة بالغة وهي ترفع كف يدها الأخرى إلى وجهه تتحسس وجنته اليسرى بيدها بحنان وطريقة جعلته مجنونًا:
-وأنتَ كمان على فكرة
أقترب منها ووضع قبلة سريعة على شفتيها ثم عاد للخلف قائلًا بنبرة رجولية خبيثة:
-خمسة استراحة بقى قبل الحج ما يوصل!
امتنعت وحاولت أبعاده عنها لتخرج إلى والدته حتى لا تتأخر عليها:
-لأ لأ بجد والله عيب كده
نظر إليها باستغراب وقربها منه أكثر بعد أن وضع يده الاثنين حول خصرها يقربها منه حتى لا تبتعد:
-هو ايه ده اللي عيب يا مجنونة أنتِ، أنتِ مراتي يا وَحش
حاولت أبعاد يده بجدية وهي تتحدث بحزم مقررة أنها لن تجاريه فيما يفعل هنا بالأخص أمام والدته وربما يحضر والده في أي وقت ليتناولوا العشاء معًا:
-مراتك بس ده مش بيتنا وبعدين أبوك زمانه جاي علشان نتعشا… أبعد بقى الله يخليك زمان ماما فهيمة بتقول علينا ايه دلوقتي
ضحك بقوة أمام وجهها وأقترب منها يحرك أنفه أمام أنفها وهو يلامسها وهتف بقوة وداخله طاقة مكبوتة يريد إخراجها الآن عليها:
-هتقول عرسان.. عرسان
زفرت بحنق وضيق شديد وهي لا تصل إلى فائدة من الحديث معه:
-يوه يا جاد أبعد بقى كده
-تعالي أنتِ بس كده
ابتسم بمرح وجذبها إلى داخل الغرفة بخبثٍ ومكر شديد تحلى به لينال منها ما يريد فحاولت أن ترفع صوتها وهي تبتعد عنه بقوة خائفة من أن يأتي والده الان أو تناديها والدته..
-على فكرة بقى لو طلع صوتك هتقول
علينا كتير
زفرت بوجهه بضيق وانزعاج شديد فابتسم بوجهها محاولًا ارضائها معبرًا لها عن كم الاشتياق بداخله لها وكم يريد عناقها ووجودها معه الآن..
فمالت رأسها ناحيته عندما استمعت إلى كلماته وحركاته تجاهها وكم يبدو عليه اللهفة والشغف تجاهها، أقترب منها ووضع قبلة حنونة رقيقة على شفتيها وكأنه يخاف خدشها بشفتيه الغليظة الرجولية..
أقترب أكثر ثم أكثر متناسيًا وجودهم في منزل والده ووجود والدته بالخارج ولحظات أخرى ويأتي والده يتناولوا الطعام سويًا ولكنه عندما أقترب منها أبتعد كل شيء عن ذهنه سواها هي فقط.. هي من بقيت داخله وخارجه وبكل الحب يعترف بذلك، أنها استحوذت على عقله وقلبه وجسده وكل ما به ووصلت لمرحلة لم يكن يعتقد أن هناك من تنالها منه لقد وصلت إلى أسمى درجات الحب وما بعد الهوى..
❈-❈-❈

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية ندوب الهوى)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى