روايات

رواية خطايا بريئة الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم ميرا كرم

رواية خطايا بريئة الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم ميرا كرم

رواية خطايا بريئة الجزء التاسع والثلاثون

رواية خطايا بريئة البارت التاسع والثلاثون

رواية خطايا بريئة
رواية خطايا بريئة

رواية خطايا بريئة الحلقة التاسعة والثلاثون

إزالة الأذى عن طريق القلوب ، أعظم أجراً وأشدّ إلحاحاً من إزالة الأذى عن طريق الأقدام.
-جلال الدين الرومي
—————–
وقفت أمام بنايتها تنتظر سيارة كي تقلها بعدما استعار “حسن” بالأمس سيارتها كي يوصل “ثريا” بها لهناك.
فقد نظرت لساعة يدها متأففة من تأخرها على عملها وهي حقًا تكره عدم الانضباط ولكن ماذا تفعل… يأست من الانتظار

في تلك الأثناء كان هو قد تحضر للذهاب لعمله وأصرت والدته أن يتناول معها الفطور في شرفة منزلهم فكانوا يتبادلون أطراف الحديث حين لمحها، فقد هب من جلسته وتحجج لوالدته:
-“كرملة” انا هتأخر لازم امشي…سلام
شهقت والدته
وانتبهت لمرمى بصره، لتعقب قائلة :
-هتتأخر برضو عليا انا… ماشي روح يا ابني بس على الله تتشجع وتقولها.

تنهد هو محبطًا وأجابها وهو يلتقط مفاتيحه وباقي متعلقاته:
-لسه مجاش الأوان يا “كرملة”

-خد بس اول خطوة وسيبها على ربنا وإن شاء الله خير
أومأ لها ولكن بينه وبين ذاته كان مازال مترددًا، ليسرع في نزول الدرج وقبل أن يخرج من باب البناية تهادت خطواته كي يبدو الأمر غير مفتعل ثم اقترب منها قائلًا ببسمة بشوشة هادئة:
-صباح الخير يا بشمهندسة

ردت هي ببسمة متحفظة:
-صباح الخير يا دكتور

تسأل بأهتمام:
-طمنيني قريبكم حالته ايه؟
اجابته بتلقائية:
-ماما “ثريا” و”حسن” راحوا امبارح البلد ولسة للأسف في العناية

حاول أن يطمئنها:
-أن شاء الله هيقوم بالسلامه

هزت رأسها بأمتنان ثم زفرت بعمق وهي تنظر لساعة يدها من جديد، ليتسأل هو:
-مالك يا بشمهندسة شكلك متأخرة

-جدًا وطالبة أوبر واتأخر

-اومال فين عربيتك!

-مع” حسن”

فور نطقها بأسم الأخر تجهمت معالمه وثارت دمائه حين تذكر عجرفته وطريقته الغير متحضرة، وذلك الموقف السخيف خاصًة الأمس ولكنه ألتزم بـ ثباته الانفعالى واقترح متوجسًا من ردة فعلها:
-لو تحبي ممكن اوصلك…

زاغت نظراتها بتردد ولم تجب ليكرر هو ببساطة متفهمًا:
-ممكن تقعدي ورا وتعتبريني أوبر

تنهدت بعمق وقالت بتردد ظهر جلي على كافة تقاسيمها:
-مش عايزة اتعبك…انا هستنى اكيد مش هيتأخر اكتر من كده

-مفيش تعب…اركبي لو سمحتِ يا بشمهندسة وبلاش حساسية زايدة

قالها وهو يضغط على زر التحكم ليفتح سيارته المصفوفة بجانب الرصيف أمامها ثم توجه لبابه وقام بفتحه دون أن يفرض عليها مكان جلستها ويفتح لها بابها وتركها هي من تقرر وراهن ذاته أنها ستفعل كي تثبت له انها ملتزمة بمعاهدة السلام التي أبرمها معها…وبالفعل بعد تفكير عُضال منها نَحت أفكارها وتقدمت من سيارته مضطرة ليبتسم هو بسمة متفائلة اخفاها سريعًا حين جلست في المقعد الذي يجاوره…ليباشر قيادته وينطلق بها..في حين هي كانت متوترة بشدة وتتسائل أين كان عقلها حين وافقت حقًا تستغرب حالها فنعم تشعر بلأمتنان له، ولكن لمَ دائمًا تسعى أن لايتفهم تصرفاتها بشكل خاطئ أهو عرفان له أم ماذا حقًا لا تعلم كل ما تعلمه أنها تتوتر بشدة منه ومن صراحته ومن تلك النظرات النافذة التي تشعر انه يخترق دواخلها بها…

تعمد هو أن يخفف توترها الذي لاحظه من حركة اناملها التي تفركها ببعضها:
-“شيري” احسن دلوقتِ

هزت رأسها، ليستأنف هو يحاول جذب أطراف الحديث معها:
-في المدرسة مش كده!

هزت رأسها من جديد دون حديث مما جعله يغمض عينه بقوة ويلقى ذلك السؤال الذي أرق مضجعه وكاد يموت فضولًا ليعرف إجابته:
-طيب انا عارف ان مش من حقي اسأل بس بصراحة كنت قلقان امبارح لما ركب معاكِ العربية…ليتردد لبرهة ويستأنف متوجسًا:
-اكيد حاول يضايقك مش كده؟

تسائلت مستغربه اهتمامه:
-وليه تقلق !

تعالى وجيب قلبه عند سؤالها وفرت الدماء من وجهه محرجًا وحاول التبرير بنبرة مبطنة يعلم انها ستفهم المغزى منها:
-اظن انتِ عارفة طليقك اكتر مني وعارفة بسأل ليه…

تنهدت بتثاقل وتفهمت سبب قلقه فكيف لا يفعل وهو أول من شَهد على انكسارها لذلك أجابته ببسمة باهتة:
-متقلقش محصلش حاجة انا بقيت بعرف اتعامل معاه و اوقفه عند حده …وعلى فكرة بعتذر عن اللي قاله

تنفس براحة وهدأ وجيب قلبه وهدر بتفهم يدهشها في كل مرة:
-متعتذريش انتِ ذنبك ايه…هو انا كان ممكن اتفهم موقفه واتعاطف كمان معاه بس رد فعله واتهامه صدمني

هزت رأسها بأسف وقالت ببسمة ممزقة تعتلي ثغرها:
-“حسن” طول عمره مندفع تخيل وصل بيه انه فاكر أن في حاجة بينا…لتهز رأسها ساخرة وتضيف:
-غبي…
جمدت نظراته عليها لثوان يحاول أن يستنبط أي شيء من معالم وجهه ولكنه لم يجد غير بسمة ساخرة تدل على استبعادها للأمر…ليتنهد محبطًا فيبدو أن تلك الأمنية البعيدة سيستحيل تحقيقها…فقد صب كافة تركيزه من جديد على الطريق وظلت العديد من الأفكار تعصف به لحين اجفلته هي و شهقت متفاجئة بعدما لاحظت ذلك الحشد من السيارات في الجهة الأخرى من الطريق:
-يا خبر ده في حادثة يبقى علشان كده أوبر اتأخر

ابتسم بهدوء رغم ضجيج رأسه:
– حظك حلو إنك ركبتي معايا كان زمانك واقفة مستنية

هزت رأسها تؤيد حديثه ثم قالت بعرفان شديد صدر منها بكل عفوية:
-انت ابن حلال يا دكتور وديمًا بتظهر في وقتك

تهللت اساريره من مدحها وتسائل بحاجب مرفوع مترقبًا:
-طب دي حاجة كويسة مش كده!

اجابته دون ذرة تفكير واحدة:
-اكيد طبعًا بصراحة مواقفك معايا كلها جدعة اوي ولما بفتكر إني كنت قليلة الذوق معاك ببقى مضايقة جدًا..

مط فمه يدعي الأسف دون أن ينظر لها:
-بصراحة اه انتِ كنتِ قليلة الذوق اوي

لمحها من طرف عينه ترشقه بنظرة حانقة جعلته ينفجر ضاحكًا ويلاحق الأمر قبل تثور وتعود لهجومها:
-اه بس خلاص انا نسيت علشان قلبي ابيض وسامحتك وكمان قبلت بمعاهدة السلام

شبح بسمة عابرة نمت على ثغرها من طريقته التي لم تعد ثير حنقها كالسابق بل بالعكس بدأت ان تعتادها وتجعل البسمة تتسلل لثغرها… لتتنهد ثم تقترح بعملية كي تغير سير الحديث:
-طب بمناسبة معاهدة السلام فكرتني ايه رأيك تطلع معايا الشركة علشان تشوف المخطط مرة تانية علشان لو محتاج تعديل قبل ما اشتغل

انكمشت معالمه بأسف وهو يجيبها:
-مش هينفع عندي عمليه كمان ساعة ولازم اكون في المستشفى قبلها…وبعدين ملوش لزوم يا بشمهندسة انا بثق في ذوقك وعارف ومتأكد انك هتبهريني

ثقته بها وبعملها راقتها كثيرًا ودفعت بسمة واثقة تتسلل لثغرها، وجعلتها تتحفز كي تبذل أفضل ما عندها.
بينما هو فكان يحاول أن يتروى ولا يتسرع كي لا يفسد الأمر و بينه وبين ذاته يقاوم ذلك الشعور القديم الذي طالما راوده نحوها وجاهد كي يتستر عليه للآن.
—————-
وقفوا جميعهم أمام الحائل الزجاجي يطالعون الطبيب المنتدب أثناء معاينته له بعد تلك الجراحة الحرجة التي خضع لها.

وها هي “ثريا” تهرول إليه ما أن خرج من غرفة العناية متلهفة:
-طمني الله يخليك يا دكتور

تنهد الطبيب قائلًا:
-ابنك حظه حلو يا ست “ثريا “

الرصاصة كانت قريبة جدًا من قلبه بس بفضل ربنا نجا

-الحمد والشكر لله
يعني هيفوق وهيبقى كويس

-إن شاء الله… هو هيفضل تحت الملاحظة لأن حالته لسه مش مستقرة ادعيله وخلي املك في ربنا كبير

هزت رأسها بحزن العالم أجمع وبقلب منفطر على فلذة قلبها
ثم سارت إلى أقرب مقعد تبتهل لله راجية:

-يارب متحرقش قلبي عليه ومتحرمنيش منه يارب ياشافي يامعافي اشفي ابني وارفع عنه، اللهم اني استودعتك عافيته فعافيه واعفو عنه واحرسه بعينك اللي لا بتغفل ولا بتنام.

بينما هو كان يقف بجوار “نادين” يرتكز على الحائل الزجاجي بجبهته يطالع حالة ابن خالته بملامح متهدلة من شدة حزنه عليه حتى انه لم يستطيع تماسك اعصابه و صرخ بها يسخر من بكائها التي صمت أذنه به منذ لحظة حضوره:
-ليكِ عين تعيطي وانتِ السبب… صحيح تقتلي القتيل وتمشي في جنازته

تقلصت معالم وجهها من هجومه الضاري عليها وغمغمت بخزي من بين دمعاتها:
-أنا عمري ما اتمنيت أذيته يا “حسن”

صدر من فمه ذلك الصوت المستخف الذي يشتهر به وعقب متهكمًا:
-ده بأمارة ايه إن شاء الله ده انتِ عمرك ما ريحتيه وطول عمره غرقان في مصايبك وأدي اخرتها راقد بين الحيا والموت بسبب غبائك

تعالت وتيرة بكائها وتوسلته وهي تخفي وجهها بكفوف يدها وتواليه ظهرها:
-كفاية حرام عليك…كفاية وبلاش تزود عذاب ضميري

وهنا هرولت “ثريا” مدافعة بعدما وصلها صوت صراخه:
-ملكش دعوة بيها يا “حسن” وانت اخر واحد تتكلم عن الغباء

وإِياك توجه ليها إتهام اللي بتتكلم عنها دي مراته ومستحيل هتقبل تضره هو خالها اللي الطمع عمى بصيرته

-لسة بتدافعي عنها وهو ايه اللي جابه هنا لقضاه غيرها

انكمشت “نادين” على ذاتها باكية وجسدها ينتفض مع شهقاتها بعد حديثه السام الذي جلدها وزاد من تأنيب ضميرها، بينما “ثريا” ردعته بقولها بدفاع مستميت رغم قهرها:

-ده قضاء ربنا وهي ملهاش دخل فيه…وإياك تفتح بؤك يا “حسن” بكلمة وإلا قسم بالله لتكون ابن اختي ولا عايزة اعرفك

لوح بيده متأفف من دفاعها ثم سار لخارج المشفى لكي ينفث غضبه بأحد سجائره، لتنظر “ثريا” لأثاره وهي على يقين أن اندفاعه وما صدر منه نابع من حزنه على ولدها ولكن رغم قهرها إلا أنها لن تدعه يتحامل على تلك الباكية التي اقتربت منها و ضمتها مواسية.

وحينها غمغمت “نادين” بخزي من ذاتها:

-أنا السبب ياماما “ثريا” هو عنده حق… يارتني انا كنت مكانه

ربتت “ثريا”على ظهرها واخبرتها بإيمان قوي ورضا تام بمشيئته وعيناها تفيض بعبراتها:
-متأنبيش نفسك يا بنتي ده قدر وبتاع ربنا

لتغمغم “نادين” برعب من بين نحيبها ويداها دون وعي تحتضن بطنها:
-بس أنا خايفة اوي

تنهدت “ثريا” وهي تجفف دمعها ثم حاولت طمئنتها رغم شدة ذعرها على فلذة قلبها:
-إن شاء الله هيقوم منها بالسلامة وهيرجع لينا وهيفرح بأبنه او بنته… متخافيش ربنا كريم

-يارب ياماما…يارب

أمنت بحرقة على دعائها ويداها تشدد على بطنها وكأنها تود أن تطمئن ساكنها عوضًا عن نفسها.
———————-
-حاولت اكلمها كتير يا “نغم” ومعرفتش اوصلها وحتى تليفون “يامن” مقفول… هو انتِ معاكِ رقم ماما “ثريا”

قالتها “ميرال” ل “نغم” عبر الهاتف بعدما يأست أن تتوصل ل “نادين”، وقد قصت عليها كل ما فاتها،لترد “نغم” من الطرف الأخر بقلق:

-هو انا اغيب يومين عنكم يحصل كل ده… على العموم مبروك يا “ميرال” ربنا يتمملك بخير

-كان نفسي تبقوا معايا وتشاركوني فرحتي

-معلش تتعوض وبإذن الله هرجع قبل الفرح علشان نحضرله سوا بس يارب نطمن على” نادين” وتبقى معانا

-إن شاء الله… ويارب تكون بخير

-انا هكلم طنط “ثريا” معايا رقمها ولو في جديد هقولك

-ابقي طمنيني…

-تمام

اغلقت “ميرال” معها وشردت تفكر في صديقتها وقد قررت أنها لن تتمم شيء من دونها.
——————-
جلست على المقعد بجواره تسند جانب وجهها بقبضتها بعدما غلبها النوم من شدة تعبها فمنذ ما حدث له وهي لم تذق طعم للراحة، أما عنه فقد استعاد وعيه وأول شيء سقطت عينه عليه كان هي بوجهها الصبوح الذي يتلخص في طلته أعظم امنياته

-واه هو أني موتت و في الچنة ولا إيه؟

قالها بصوت واهن وهو يحاول النهوض من رقدته ولكن تلك الضماضة التي تحاوط بطنه منعته وجعلته يتأوه بألم…فزعت هي وهبت إليه كي تمنعه وتساعده كي يستريح

– بعيد الشر عن جلبك يا “حامد”

-ايه اللي حوصل يا “جمر”

تسأل وهو يتحامل على ذاته ويستسلم لرقدته:

-ربنا ستر والحمد لله ربنا نچاك يا “حامد”

ابتسم بسمة رغم وهنها إلا أنها كانت تحمل الكثير من فيض قلبه:

-حبة جلب “حامد” جربي اتوحشتك خليني اطل في عيونك

قالها وهو يؤشر بيده لها كي تقترب اكثر، وبالفعل انصاعت له ليستأنف وهو يتمعن بوجهها الصبوح بنظرات والهة:

-خابرة يا جمر مكنتش هايب الموت غير علشان هيحرمني منيكِ

-واني كنت هموت من جهرتي عليكِ ودعيت ربنا ليل نهار ينچيك

-طب تعالي جاري عاوز اشبع من الدنيا ونعيمها بجربك

اكتسى وجهها بالحمرة تحت نظراته المُتيمة بها ثم تقربت أكثر من رقدته ومالت برأسها عليه هامسة بسعادة طفرت على كافة حواسها:

-جربت منيك بس يكون في معلومك اني مبجتش لحالي

طبع قبلة حنونة على جبهتها وتسائل مستفهمًا:
-كيف يعني يا جمري!

قطمت شفاهها و رفعت نظراتها له تطالعه عن قرب بنظرة عاشقة قبل أن تُبشره:

-ربنا كرمنا وعوض صبرنا خير وهيزيدنا واحد…أني حِبلة يا “حامد”

اتسعت عينه وهمس بشدوه متسائلًا:
-حِبلة…حِبلة…صوح ولا هتهزري معايا

-لع صوح والحكيمة هي اللي جالتلي أني مكنتش واعية لحبلي وكنت مفوضة أمري لله ومهرضاش اعشمك واعشم حالي من تاني بس ربنا كريم

دمعت عينه فرحًا ثم اتسعت بسمته شيء فشيء وكأن عقله يستوعب تدريجًا ما أخبرته به ثم صاح مهلل بسعادة عارمة وبرضا لا مثيل له وهو يكوب وجهها ويطالع عيناها الآسرة:

-يا فرچ الله… يا فرچ الله أني مش مصدج ان ربنا هيعوض صبرنا واحتسابنا خير..خابرة أني جلبي مزجطط من الفرحة وكن حظ الدنيا كلاته ألتجيته واتكتب على اسمي

-ربنا يفرح جلبك كُمان وكُمان يا جلب جمر

-أنتِ سبب هناي وفرحتي يا جمري و”حامد ” ملوش ايوتها عازة من غيرك

-ربنا يخليك ليا يا “حامد” وميحرمنيش منيك واصل

أَمن على دعائها وتسائل بعدها:
-ولا منيك يا حبة جلبي جوليلي
فين ابوي وامي علشان افرحهم

خرجت من بين يده وهي تتحسر على فرحته التي ستعكر صفوها حين تخبره ثم تلعثمت مترددة:
-هجولك الحج …ابوك الحكومة جبضت عليه عشان طخ جوز “نادين” بعد اللي صابك

اندثرت بسمته وتجهمت معالم وجهه وتشنج جسده متسائلًا:
-وابوي هيعمل إكده ليه!

لتشجع ذاتها كي تقص عليه ما حدث وما شَهدت به ضد أبيه ورغم ثقتها به ومعرفتها أنه لايقبل بتضليل الحق إلا أنها كادت تموت رعبة من ردة فعله:
-هجولك…
—————–
اسبوع مر على الجميع بصعوبة بالغة فمازال هو على حالة السكون التي عليها مما انفذ آخر ذرة تعقل بها فكل يوم تتسلل لغرفته وتجثو بجوار فراشه تخبره بالكثير والكثير كي تخفف حمولة قلبها،
فكانت تسترجع ذكرياتها معه وتلك المواقف التي لاتنسى بينهم، تتوسله أن يعود لها، وتبتهل لله بدعواتها وتخشع في صلاتها وبالأخير تغفى ودمعتها على خدها.

وها هي تجلس بين أصدقائها الذين حضروا خصيصًا كي يؤازروها في محنتها وقد اصطحب “محمد” “ميرال” إلى هناك ورافقتهم “نغم” وابيها الذي لم يرضى أن تذهب لحالها.

فكانوا يجلسون في تلك الغرفة التي أصرت البقاء بها داخل المشفى كي تجاوره. وبعد كثيرًا من الاحاديث المطولة بينهم وبعد أن أفضت كل واحدة ما بجعبتها للأخرى كانت هي تسند رأسها على كتف “نغم” من جهة ومن الجهة الأخرى تتمسك “ميرال” بذراعها وتميل عليها بمؤازرة وكأن كل منهم تميل عل الأخرى كي تستمد القوة منها.
——————–
قد باشرت العمل بعيادته وطلبت منه أن يحضر كي تعرض عليه بعض الأمور وبالفعل اتى وعرضت عليه الأمر وقد نال استحسانه كثيرًا…وها هو يقف في منتصف احد الغرف قائلًا:

-هايل مكنتش فاكر أنك هتقدري تنجزي كل ده في اسبوع بصراحة فاجأتيني

ردت وهي تمسد جبهتها منهكة:

-انت وثقت فيا وانا مكنتش حابة اعطلك اكتر من كده العمال كانوا بيشتغلوا ورديتين وبيسلموا بعض علشان ننجز

ابتسم بسمة واسعة واخبرها بامتنان:

-مش عارف اقولك ايه؟

-متقولش حاجة يا دكتور غير لما تكمل واسلمهالك

تهادت بسمتة وخضراويتاه اخذت تشملها بنظرة نافذة لم تلحظها هي وكانت تعبث بحقيبتها حين صدح صوت أحد العمال قائلًا:

-تأمري بأي حاجة يا بشمهندسة قبل ما نمشي

-خلصتوا يا “توفيق”

-اه احنا شغلنا خلص بس النقاش لسه شغال هو والصنايعي بتاعه قدامه شوية

ردت وهي ملتهيه في حقيبتها:

-خلاص ماشي يا “توفيق” تقدروا تمشوا

-طيب عن اذنك يا بشمهندسة

-اتفضل

قالتها وهي تزفر يائسة بعدما لم تجد شيء يجدي بحقيبتها، ليقول هو:

-طيب هنمشي ولا في حاجة تانية

لم تلتفت لصيغة الجمع الذي قصدها وردت:

-لأ خلاص تقدر تتفضل يا دكتور

انا هنزل اجيب حاجة من تحت و هستنى الفرش هيوصل كمان ساعة

تسأل باهتمام شديد:

-هتجيبي ايه ؟

مطت فمها بحرج واخبرته وهي تتهرب بنظراتها:

-ابدًا بصراحة جعانة وكنت هجيب بسكوت من أي سوبر ماركت

-طيب انا هستنى معاكِ و ممكن نطلب أكل

-لأ انا مش بحب الأكل الجاهز وكمان علشان هتغدى مع الولاد

-طيب خليكِ هنزل انا

-لأ ملوش لزوم تعطل نفسك معايا انا هنزل…

صمم بجدية وبنبرة لا تقبل النقاش بعد عنادها:

-مينفعش ومتنسيش أننا في منطقة شعبية يعني ممكن حد يضايقك

تنهدت و وافقت وهي تشعر بالحرج منه وفي غضون دقائق كان قد أتى محملًا أكياس عدة وزع بعض منها على العمال الذين لم ينتهوا من عملهم وقام بتسلميها باقي الاكياس بيدها لترمش هي مستغربة:

-ايه كل ده!

رفع منكبيه واجابها ببساطة:

-بسكوت

طالعت الأكياس التي بيدها لتجد انواع عدة من البسكويت والكيك والشكولاتة بأنواعها

-ده كتير اوي

-مش كتير ولا حاجة…انا طلبت ليا انا والرجالة شاي من الكافتيريا اللي تحت وطلبتلك قهوة قولت اكيد محتجاها… ثواني والراجل هيطلعهم

هزت رأسها وكم كانت تشعر بالامتنان له فهي حقًا تشعر أن رأسها سينفجر وبحاجة ماسة للقهوة بعد ذلك اليوم الطويل الذي أنهكها …لتنظر حولها تبحث عن أي شيء تسند عليه جسدها كي تريح قدميها من عذاب ذلك الحذاء اللعين التي ترتديه، ليتحرك هو ويحضر أحد المقاعد الخشبية ويخرج من جيبه عدة مناديل ورقية ويقوم بمسح الغبار عنه كي يهيئه لها، فكان يفعل كل ذلك دون حديث وإن انتهى حثها بعينه أن تجلس وحين فعلت تنفست براحة و قامت بسلت حذائها لتجده يقوم بجذب أحد العلب الكرتونية التي بها أحد المستلزمات ويقوم بطيها و ويضعها تحت قدميها دون أن يتفوه بكلمة واحدة مما جعلها مشدوهة بما فعله فكيف هو لماح ومتفهم ومراعي ومهتم لهذا الحد حقًا كان يدهشها بأخلاقه ونخوته ورغم أن صراحته الزائدة و وضوحه يوترها إلا أنها حقًا تشعر بالامتنان له كونه ساندها في مواقف عدة.

-سرحتي في ايه يا بشمهندسة

قالها وهو يستند بخصره على احد الصناديق القريبة منها وقد لاحظ شرودها، لتتلعثم هي بتوتر ملازم لها في حضرته:

-هاا…ابدًا

– طب اشربي قهوتك

قالها وهو يؤشر على الطاولة الصغيرة بجانبها وتقسم انها لم تنتبه متى جاء بها

لتتناول الكوب وترتشف منه القليل وتمنحه نظرة ممتنة عابرة لتجده يرتشف من كوب مشروبه المفضل متلذذًا، ليصدر سؤالها عفوي للغاية :

-انت فعلًا مش بتحب القهوة

-لأ عمري ما حبيت مرارتها

-طب ليه شاي بحليب بالذات ايه سر حبك ليه!

اجابها ببسمة بشوشة هادئة مفعمة بالحنين:

-ابويا الله يرحمه هو اللي حببني فيه…وكان مزاج عنده زي القهوة كده

-الله يرحمه…هو اتوفى وانت صغير

احتل الحزن عينه واجابها بنبرة مختنقة بعبق ذكرياته:

-لأ كنت لسه متخرج و كانت أصعب مرحلة في حياتي انا ووالدتي.

لاتعلم ما بها ولمَ تنهال عليه بأسئلتها فما شأنها هي، ذلك ما كانت توبخ به نفسها حتى انها اعتذرت قائلة:

-آسفة لو سؤالي ضايقك وفكرتك

تنهد تنهيدة مثقلة ثم عقب بنبرة صامدة وببسمة يجيد اقتناصها في أشد أوقاته حزنًا:

-في حاجات على أد ما بتوجعنا وتكسرنا لكن مبتتنسيش ابدًا وبتفضل محفورة جوانا علشان تفكرنا بأوقات ضعفنا وازاي اتخطناها و قوينا بعدها.

-عندك حق

قالتها ببسمة حزينة باهتة محملة بعبق ذكرياتها المريرة… لتتجمد خضراويتاه المحبطة عليها وينطق لسانه دون وعي:

-انتِ من الحاجات دي على فكرة

عقدت حاجبيها وتسائلت بريبة:

-مش فاهمة؟

لعن تحت انفاسه زلفة لسانه ثم تلجلج بحرج وبنبرة مترددة وهو يضع الكوب من يده:
-اقصد…يعني…انا
زفر انفاسه دفعة واحدة عندما انحصر الحديث بحلقه وقال متوترًا كي يتهرب وهو يهب واقفًا:

-اعتبريني مقولتش حاجة

تعجبت من رده فعله وتسائلت بريبة :
-جاوبني تقصد ايه ! هو انت كنت تعرفني قبل كده؟

تنهد بلا فائدة وهز رأسه، لتضيق هي رماديتاها وتتسائل بريبة:
-ازاي ممكن تقولي؟

استند مرة أخرى وتحدث كي يوضح لها:

-انتِ ناسية أن احنا جيران ولا ايه؟

رفعت منكبيها وردت وهي تضع الكوب من يدها:

-بس انا مش فكراك!

تنهد بعمق و اجابها وهو يمسد منحدر أنفه بإرتباك:

-أنا اصلا عمري ما حاولت ألفت نظرك أنا كنت مُعيد في الجامعة لما أنتِ جيتي عيشتي في بيت عمك و كنتِ هادية اوي ونفس البسمة الحزينة دي مكنتش بتفارق وشك…ابتلع باقي حديثه بتردد لتحثه هي مستخدمة نفس جملته السابقة:

-كمل يا دكتور أنا مش
بَعُض

رفع حاجبيه متهكم على شراستها السابقة:

-ده بأمارة ايه بس!

قلبت عيناها وفضولها يدفعها دفع كي تستمع لبقية حديثه وكأنها توده أن يذكرها بتلك القديمة التي كانت عليها، لذلك كررت وهي تربع يدها بنفاذ صبر:

-كمل يا دكتور.

هز رأسه واستفاض معها:

-امي ومرات عمك كانوا اصحاب وكنت كتير بشوفك بس أنتِ مكنتيش بتاخدي بالك مني

حاولت اعتصار عقلها لكي تتذكره ولكن بلا جدوى لتتنهد بيأس وتقول:

-فعلًا مامتك قالتلي أنها كانت هي ومرات عمي أصحاب وانهم كانوا بيودوا بعض بس أنا للأسف مش فاكرة حاجة زي كده

-ابويا كان تعبان الفترة اللي جيتي تعيشي معاهم فيها وامي كانت مش بتفارقه لغاية ما اتوفى وامي تعبت قوي بعدها ونفسيتها كانت متدمرة و وقتها جالي عرض كويس برة مصر و اضطريت اوافق واخدها معايا.

لا تعلم لمَ استشفت شيء بحديثه زاد من توترها نحوه وزاد من يقين حدثها التي لطالما هاجمته من اجله لذلك تساءلت بملامح ثابتة وبنبرة تكمن بين طياتها هجوم مستتر:
-تمام طلعنا جيران من زمان بس برضو مفهمتش ليه بتقولي كده و انا مكنش ليا اي علاقة بيك وحتى مش فكراك!

توقع سؤالها وحتى انه احتفظ بباقي القصة ولم تواتيه الشجاعة كي يخبرها بها، لذلك رد بكل وضوح:
-انا مش بحب اللف والدوران يا بشمهندسة…انا حكيتلك بس علشان انتِ اللي اصريتي ولو في حاجة مقولتهاش يبقى لسه مجاش وقتها

هزت رأسها بنظرة مبهمة لم تريحه بالمرة وكم لعن ذاته على استفاضته معها التي من الواضح أنها ستجعلها تتفهمه بشكل خاطئ وتعود لهجومها وشراستها الدفاعية من جديد لذلك تسائل بترقب:

-بتمنى معاهدة السلام اللي بينا تكون لسة قائمة

تنهدت وقالت بعدما ازاحت بوجهها تنظر لكل شيء عداه هو:

-لسه قائمة يا دكتور.
——————
نفذت اتفاقنا وده نصيبك…

قالها “حسام “وهو يناولها عدة رزمات مالية نصيبها من سرقتهم التي حاكوها بكل براعة كي لا يتورط أي منهم… وقد حكاها قبل مجيئه وأكد عليها أن تصرف الخادمة كي لا تشكك بلقائهم وها هي تتناولهم بسعادة عارمة وتحتضنهم ساندة ظهرها بأريحية أكثر على تلك الأريكة التي تتوسط ردهة منزلها:

-اخيرًا طلعت بحاجة من جوازتي من الغبي ده…

تناول نفس عميق ثم زفره ببطء قائلًا بنفاذ صبر:

-اظن انا عملت اللي عليا وصبرت عليكِ كتير والدور عليكِ توفي باتفاقك

قهقهت بكامل صوتها الأنثوي ثم قالت بمكر وهي تخرج النقود من حضنها وتضعهم أمامها:

-وماله يا “حُوسو” أنت طلعت جدع ونفذت اللي قولتلك عليه وانا معنديش مانع تبعت تجيب المأذون

-مأذون ليه مش فاهم؟

-علشان نتجوز يا “حُوسو” الشرط أخره نور ولا انت ليك رأي تاني..

ضيق عينه بدهاء يفوق دهائها و سايرها حتى ينول ما يطمح به حين اقترب يحاوطها بذراعيه ويتفرس بها بطريقة وقحة جعلتها تشعر انه يجردها من ملابسها:

-وماله يا عيون “حوسو” بس مش النهاردة الموضوع محتاج ترتيب

تعالت وتيرة انفاسها و بنيته القوية تفرض سيطرتها عليها لتجعلها تدرك ضئالة حجمها مقرنًا به فقد رفعت عيناها بإرتباك تطالع معالم وجهه الخشنة التي تنضح بالرجولة عن قرب وابتلعت ريقها ببطء وهي تسير بنظراتها لتقاسيم عضلات صدره البارزة التي يجسمها قميصه وهي تتسائل ترى ما سيكون شعورها بقربه لعنت افكارها التي لأول مرة تراودها بتلك الخطورة ثم حاولت دفعه عنها ولكنه كالسد المنيع يقوم بحصارها:

-يبقى تبعد ومتستعجلش كل شيء بأوان يا “حُوسو”

-مش هستعجل بس وقتها عايزك تسيبيلي نفسك خالص

قالها بوقاحة وهو يمرر أنامله على عنقها ومؤخرة راسها أغمضت عيناها وهو يهمس بوقاحة لها…

مما جعلها تشدد ضغطها على عيناها جعلته يبتسم ويشعر بالزهو

أنقض على شفاهها بقبلة ، جعلتها تفقد كافة مقاومتها

حتى أنها رغم تجاربها السابقة وتلك الحيل التي كانت تستخدمها مع غيره إلا أنها كانت مسلوبة الإرادة و لم تتمكن من مسايرته… ولكن عندما شعرت بيده تاخذ مسارا اخر دق ناقوس عقلها ودفعته عنها بكل ما أوتيت من قوة وادعت البراءة وهي تقاوم كي توقعه في شباكها اكثر وتستغله كما تفعل مع امثاله:

-إِياك تتجرأ وتلمسني تاني أنا مش رخيصة للدرجادي ومفيش راجل لمسني من غير جواز

حانت منه بسمة غامضة لم تتفهم المغزى منها ثم قال بهدوء مخيف وهو يرفع يده باستسلام :

-مش هتتكرر تاني وخلاص بلاش تقفشي…

هاجمته هي:

-أنت جريء اوي انا…

قاطعها بنبرة نافذة:

-قولت آسف ممكن تهدي

ابتلعت ريقها ليكرر هو أسفه ولكن بطريقة لينة مما جعلها تهز رأسها، ليستأنف هو:

-اوعدك مش هتكرر…يلا روحي

شيلي فلوسك وانا هعمل كاسين

نشربهم في صحة الغبي اللي كنتِ متجوزاه قبل ما امشي

إنصاعت له وما أن تحركت أمامه اعتلى جانب فمه ساخرًا من تمنعها الواهي الذي جعله يتيقن أن لا شيء سيجدي معها سوى تلك الحيلة التي باشر في تنفيذيها حين أخرج من جيب بنطاله زجاجة بحجم الأصبع وحل غطائها لتظهر قطارتها ونقط بكأسها الذي سكبه للتو بضع نقاط وفيرة كي تسهل عليه نيل غرضه الدنيء منها.
——————
تقلصت معالمه وفتح عينه بتثاقل شديد ثم اغلقهم مرة ثانية ثم لبعض ثوانِ معدودة كرر المحاولة إلى أن استطاع اخيرًا
أن يسيطر على ردة فعله ويفتح عينه يقلبها في كل ما حوله مشوشًا، ليرفع يده الواهنة ويجذب قناع التنفس و يهمس بتحشرج وبصوت ضعيف النبرات وبحلق جاف لم يسعفه إلا بنطق اسمها:
-“نادين”

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية خطايا بريئة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى