روايات

رواية منك وإليك اهتديت الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم زيزي محمد

رواية منك وإليك اهتديت الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم زيزي محمد

رواية منك وإليك اهتديت الجزء الحادي والثلاثون

رواية منك وإليك اهتديت البارت الحادي والثلاثون

رواية منك وإليك اهتديت
رواية منك وإليك اهتديت

رواية منك وإليك اهتديت الحلقة الحادية والثلاثون

ابتعدت مليكة كالمذعورة تهمس بحرج شديد:
-يالهوي اتفضحت، متفتحش.
نهرها بضيق متعجبًا من انتفاضتها غير المبررة:
-انتي مراتي.
امسكت ساعديه تقول برجاء والخجل يكسو ملامحها:
-عشان خاطري هتكسف من اخواتك، والله اقولهم انك ضحكت عليا وجبتني هنا، احنا متفقين مع سليم نكون في حكم المخطوبين، يجي يلاقيني في اوضتك.
رمقها باستخفاف، فزادت طرقات الباب المتتالية، جذبت انتباهه بقولها:
-استخبى فين؟
-تحت السرير.
رمقها بتحدٍ وهو يشير لها بنظرة مستفزة قاسية:
-انزلي تحت السرير.
ومع طرقة حادة هبطت فوق الباب نزلت بذعر أسفله والخجل يغزو ملامحها راقبت خطوات سليم ويزن داخل الغرفة بقلب مرتجف ووجهها يغطيه لون أحمر مشتعل وكأن أشعة الشمس سقطت فوق ملامحها فزادتها توهج وحرارة..ابتلعت لعابها وهي تستمع لحديثهم الذي غلب عليه الاستفهام وكان أكثرها من قبل سليم الذي تقدم وجلس فوق الفراش..
-أنت مبتفتحش ليه على طول؟
لم يجيب زيدان وكانت اوردته تضخ غضب وغيرة من تصرف مليكة الاهوج وقد تفاقم سخطه بسبب نظرة التسلية الذي القاها له يزن، فثار بحنق:
-انت بتبصلي ليه يا ابني انت.
هز كتفيه ببرود ونظر لسليم وهو يردف ببراءة:
-أنا دلوقتي عملت حاجة يا ابية سليم.
حدجه سليم بنظرة قوية متوحشة لتفوهه لقب “ابية” الذي يكرهه، فتراجع يزن مردفًا بمكر:
-اصل أنا مستغرب قافل على نفسه الباب ليه، احنا معندناش حد يقفل على نفسه باب.
زفر زيدان بغيظ وحاول تهدئة نفسه بشتى الطرق، فأردف مستغفرًا بصوت عالي مما جعل سليم يضحك ضحكة صغيرة مردفًا بتسلية:
-مالك يا زيدان متعصب ليه؟
-انتوا عايزين ايه؟
قالها بحقد وهو ينظر لكليهما فرد يزن وهو يتجه صوب الفراش يجلس عليه بجانب سليم الذي افسح له مكان بل واستند بظهره على رأس الفراش بأريحية اغاظت زيدان أكثر:
-أنس قالنا انك تعبان، قولنا ندخل نطمن عليك.
غمغم زيدان بضيق به لمحات من الحرج:
-لا فهم غلط، أنا زي الفل.
حرك سليم رأسه بنفي متصنعًا الاتصال بأحد الاطباء ونبرته كسى عليها الجدية:
-لازم اجبلك دكتور يطمن عليك.
تحرك زيدان نحوه يحاول منعه، ولكن صوت يزن جعله يقف متسمرًا:
-وليه ما احنا عندنا مليكة، اطلع اناديها.
ارتاح سليم أكثر بجلسته وهتف بإعجاب:
-والله فكرة اطلع.
ضيق زيدان عينيه بضيق لِمَ يحاولان فعله، فقال بنفور:
-أنا زي الفل، ووفر خوفك عليا يا يزن، لما احتاجك هقولك.
أنهى حديثه بابتسامة لزجة، فرفع يزن احد حاجبيه بتحدٍ سافر:
-براحتك، أنا اصلا مكنتش داخل عندك عشان كدا.
جز فوق أسنانه مردفًا بنبرة نارية:
-امال عايز ايه!
-التكيف عندي بايظ، فأنا هنام عندك هنا.
ونهض يخلع قميصه، ثم اتجه بيده صوب حزامه الجلدي، فصاح زيدان باستنكار قائلاً:
-انت بتعمل ايه يا حيوان، اطلع برة.
حاول زيدان دفعه بقوة ولكنه تشبث بالأرض وهو يرمقه ببراءة زائفة:
-ليه بس، حرام عليك، سيبني اقلع وانام.
نظر زيدان لسليم الجالس بهدوء يتابع ما يحدث بينهما والتسلية تغزو ملامحه المرتخية، ومع نظرات زيدان المتحفزة قال سليم بتعاطف:
-احتضن اخوك يا زيدان.
وفجأة اندفع يزن نحو زيدان يحاول عانقه بقوة، فصاح زيدان بسخط ونفور:
-ابعد ياله بعيد عني، ابعد بقولك.
هز يزن كتفيه برفض مردفًا بشقاوة:
-لا سليم قالك احتضني، أنا يتيم الاب ومحدش مهتم بيا.
ظهر شبح مخيف فوق ملامح زيدان وهو يحاول ابعاده والاخر يتشبث به بقوة فصاح بصوت جهور:
-ابعد، كرهتني في نفسي.
رفع يزن عينيه بتوسل زائف:
-هتحتضني.
امسك سليم وسادة صغيرة وضربها في يزن الذي ابتعد على الفور بينما تمتم سليم من بين ضحكاته:
-يلا يا صايع.
زفر زيدان بقوة وهو يعدل من ثيابه التي تبعثرت بسبب تشبث يزن القوي ثم بدأ يمسد فوق خصلات شعره وهو يرمق يزن بنظرات حادة متوعدة..نهض سليم من بعدها يقول ببساطة ادهشته:
-يلا تصبح على خير، ومتتأخرش في السهر..ليمكن تتعب بجد ونضطر نجبلك دكتور.
صحح له يزن ببطء:
-بتنسى مليكة ليه!
ابتسم سليم ساخرًا وهو يمازح يزن تحت صدمة زيدان منهما..وقبل أن يخرجا قال بصوت مجهد اثر انفعاله بسبب تصرفات يزن الجنونية:
-أنا عايز اخد مليكة بكرة ونخرج شوية.
مد يزن اصابعه وداعب وجنتي زيدان بمزاح:
-ياختي حلوة وبتستأذن من اخوها الكبير.
ابعد يده بقوة وهتف محذرًا:
-واقسم بالله هطول لساني عليك وهزهقك، كفاية كدا.
تنهد بضيق ثم تابع:
-اخوك فارض قوانينه عليا، مشوفهاش الا بأذنه، مخرجش معاها الا بأذنه، مع ان والله هي مراتي.
نظر سليم له وكانت القوة تنضح من عينيه:
-تحب ارفض طلبك، حاسك مضايق.
سارع زيدان برسم ابتسامة واسعة وهو يقول بنزق من بين حروفه:
-لا ازاي دا انا مبسوط اوووي، شايف الانبساط على وشي ازاي.
أومأ سليم برضا وهو يقول:
-تمام خدها الساعة ٨ وارجعوا ٩ ونص.
-دا تعجيز على فكرة.
قالها زيدان بعنف، فتابع يزن بإصرار:
-احنا معندناش بنات تسهر برة البيت اكتر من ٩ ونص، دا احنا بحبك وسامحينلك اصلاً انك تخرج معاها.
أومأ سليم مصدقًا على كل حرف وهو يرسم الجدية فوق وجهه، فانفجر زيدان بغيظ:
-وتحبوا حد يجي معانا محرم..
-هو انت كنت هتخرج معاها لوحدك! يزن وشمس وأنس وقمر معاكم طبعًا.
فغر فاهه بصدمة والجدية تقطر من حروف اخيه، فعلم أنه لا تراجع في قراره..فسأل يزن باهتمام:
-وماما؟
-عندها ميعاد عند الدكتور وأنا هروح معاها، هتنازل عشان تروحوا تتفسحوا.
وقبل أن يتحدث زيدان، رمقه سليم بغمزة من طرف عينيه مردفًا بتهكم:
-بذمتك مش مُضحي.
حرك رأسه بتأكيد ساخر والأسى يغزو نبرات صوته:
-اه طبعًا.
ربت سليم فوق كتفه بقوة ثم غادر بينما يزن ظل ينظر للغرفة بتسلية وضحكة شقية تظهر على وجهه، فدفعه زيدان للخارج:
-يلا..نام برا في الصالة.
-بقولك يا زيدان، ما تقول لمليكة تجيب حورية اخت شهيرة معانا…ولو عايزين تجيبوا شهيرة نفسها اشطا.
تعجب زيدان منه:
-مين حورية دي، انت يا ابني لحقت تتعرف على العيلة.
أشار يزن بيده لمستوى طول حورية الذي يتذكره مردفًا بحماس:
-عليها طول معداش عليا، ولا لسانها بينقط سم مقولكش منزلش السوق قبل كدا.
دفعه زيدان بغيظ وقوة وهو يغلق الباب متوعدًا:
-لو شوفتك وشك تاني قدام الباب، هشلوحك.
حاول تهدئة وتيرة انفاسه المتسارعة وهو ينظر للباب، فقد نجح اخويه في استفزازه بنجاح ولوهلة تناسى أمر مليكة الا حينما لاحظها تتخطاه وتحاول فتح مقبض الباب، فأوقفها وهو يمسكها من مؤخرة رأسها:
-رايحة فين؟
-هالحق اطلع قبل ما سليم يطلع فوق.
كور يده بغضب وهتف بشفتين مطبقتين:
-هو انتي مهتمة اوي كدا ليه بسليم، ما يعرف انك هنا.
لم تفهم مقصده، هو نفسه لا يفهم ما يقوله..ولكن اهتمامها بسليم وبقواعده واوامره اضرمت بنيران الغيرة بداخله ولوهلة شعر بالشفقة على اخيه الذي كان يتحمل مزاحه مع شمس طيلة اليوم وهو كان يتعجب من ردود افعاله الحادة..فهز رأسه بنفي يحاول التركيز لها:
-انت عادي كدا عندك اطلع قليلة الادب…حتى لو انا مراتك، بس هو قال نبقى في حكم المخطوبين.
اغاظته بحديثها الاخير، فاندفع نحوها يلصق فمه بفمها ويسرق قبلة قصيرة منها بغيظ:
-عشان تبقى تقولي مخطوبين تاني.
اختفت انفاسها عقب تلك القبلة فاشتعل فؤادها بحب حينما تذكرت هجومه الطاغي عليها بقبلاته الثائرة حينما دخلت للغرفة تطمئن عليه، كان ينهل من رحيق شفتيها وكأن تلك اللحظة هي لحظتهما الاخيرة، فغابت معه حينما أشعل فتيل مشاعرها المكبوتة وأصبحت على وشك الانفجار، ولوهلة كانت ستنسى نفسها وتغرق معه في عالم يغمرها به بحرارة ودفئ لا مثيل لهما، عالم تشعر انها ملكة تجلس فوق عرش قلبه ولا يشاركها به أحد، كان شعور لذيذ..بريء..صادق وخاصةً حينما اختتمه بكلمة من أصدق وعود الغرام:
-بحبك.
خاصته بنظرة غمرها العاطفة قبل أن تنسل للخارج وهي تخبره ايضًا بخجل اعتلى ملامحها:
-وانا كمان..بحبك.
ومن بعدها صعدت بخفة لشقة سليم وشمس، فرأت الباب مواربًا دخلت بحذر تحاول أن تخفي ابتسامتها وقابلت أنس بالصالة يشاهد التلفاز، فقال بحماس:
-اديتي عمو زيدان الحقنة.
أومأت برأسها وهي تبحث عن شمس كاللص الخائف:
-هي فين ماما؟
-جوا عند بابا.
زفرت براحة واتجهت صوب أنس تجلس بجانبه تشاركه مشاهدة التلفاز بينما في الداخل كانت الاوضاع غير هادئة بالمرة..عيون تشتعل بشوق وغضب، وأخرى تتجاهل بحزن.
لاحظ قميصها الحريري الناري..وخصلات شعرها المتناثرة حولها بجنون وكأنها تعبر عن استيائها منه رغم أنها كانت هادئة..واثقة، تتجاهل برعونة..ترفع أنفها الصغير بكبرياء وشموخ، تنتقل هنا وهناك دون أن تعطف عليه بنظرة، بل كانت تتعمد عدم النظر اليه، وكأنها تحرمه من الذ شيء يفعله هو رؤية عينيها الجميلة بنظراتها الساحرة حتى وهي حزينة منه تملك انوثة خطيرة تفجر احاسيس الشوق لديه، ولكنه يملك ثبات انفعالي قوي لذا استطاع الصمود امام هذا الدلال الخطير.
استمع لتنهيداتها المتتالية وهي تضع كريم طبي فوق يدها تستعرض نعومة يدها وبياضها المرمري أمامه تخفي وجهها بشعرها المنساب بنعومة فوقها كتفيها حتى خصرها، هل ازداد طولاً أم انه خيل له..زفر انفاسه الملتهبة للخارج، وحمد الله انه يستطيع اظهار عكس ما بداخله، فلو لاحظت تلك المحتالة ما يشعر به اتجاهها..لن تعطف عليه ابدًا، والعطف في قاموسها دلال مكير تصل به لمبتغاها.
ثبت بصره عليها بجرأة وهي تنهض من امام سراحتها تلتقط روب حريري طويل يماثل لون قميصها..احكمت غلقه ثم وبحركة خاطفة ابعد خصلات شعرها للخلف وكأنها تستعرض نفسها أمام ذلك المتلبد قاس المشاعر كما تصفه بداخلها..قابل نظراتها أخيرًا ولكن كان هناك شيء يحجبه عن الغرق بجمالهما..شيء جعله يقف مكتوفي الايدي وهي تهتف بنبرة باردة سحقت ثباته وهي تنظر له هكذا:
-عايز حاجة اعملها قبل ما اخرج انيم انس.
دقائق من الصمت الطويل من قبله، بينما اصابعه كانت تلاعب خصلات شعره القصيرة في تسلية جعلت من ثقتها الواهنة ورقة ذابلة تذهب في مهب الريح..خرجت تنهيدة عميقة منه، فجرت الاندهاش في مقلتيها…تابعتها بسمة ماكرة يغلب عليها الاستنكار لكل ما فعلته:
-تصبحي على خير.
ومن بعدها استلقى فوق فراشه واغلق عينيه، كادت تصيح به بثورة عارمة، بعدما سدد لها تجاهلها بتجاهل أكبر، وكأنه يخبرها أن كل تلك الانوثة الطاغية لا تعنيه..لم تحرك شعرة في رأسه وهي التي كانت تعتقد انها تملك خطورة عليه…حمقاء..ظنت أنها ستفقده عقله وهو من افقدها عقلها وهي تدبدب بغيظ شديد ثم خرجت من الغرفة، فابتسم هو بمكر سعيد باللهو معها..فهي لا تملك صبر من الاساس وستنفجر فيه بغيظ في لحظة ما.
بعد وقت طويل عادت شمس لغرفتها تجر اذيال الخيبة خلفها..الوجوم يسيطر على ملامحها وهي تراه ينام بعمق في مرقده، رمقته تارة بغيظ وأخرى بحب…وكأنها غير سوية نفسيًا تمتمت ببعض الكلمات الحاقدة ثم ذهبت لمكانها ترقد فيه الا انه لمعت في ذهنها فكرة لا تعرف من أين طرقت ابواب عقلها المجنون..فذهبت تنفذها على الفور..دخلت لغرفة الالعاب الخاصة بأنس وأخذت ثعبان لعبة كأنه حقيقي اهداه زيدان ليزن ذات مرة وعبرت عن سخطها منه..حتى وهي تمسكه تشعر بالغثيان والخوف..ثم دخلت للغرفة مرة ثانية وخلعت الروب والقته ارضًا ومن بعدها وقفت حائرة تبحث عن مكان مناسب تضعه بيه..فكرت بضحك وشقاوة وهي تضعه فوق وجهه كيف سيكون رد فعله..كادت تفلت ضحكتها عاليًا ولكنها تماسكت ثم وضعته فوق الفراش بعيدًا عنهما وبدأت هي التحرك بجانب سليم ببطء حتى أخذت نفس طويل قبل أن تصرخ بذعر وقد حرصت الا تخرج صرختها خارج حدود الغرفة..توقظه بيدها وهي تمتهن الرعب ببراعة:
-الحقني يا سليم..الحقني.
فرق سليم جفنيه بصعوبة بعد أن غاص في نوم عميق من شدة إجهاده، ومع محاولات استغاثتها هب يجلس في مكانه بقلق عارم ينظر حوله بتشوش..بينما هي التصقت فيه بخوف وهي تشير بيد مرتجفة نحو مكان ما فوق الفراش، فاحتضنها يدخلها داخل ذراعيه وصوته الخشن يتساءل:
-في ايه مالك؟
-تـ…تـ…تعبان.
تلعثمت في قولها تخفي وجهها في ثنايا صدره والابتسامة تحلق فوق وجهها، استمعت لنبرته المستنكرة:
-تعبان ايه؟
مد بصره نحو يدها المرتجفة والتقطه بيده وهو يحرك بين يده:
-دي لعبة أنس يا شمس.
رفعت عينيها المتسعة تنظر له ببراءة:
-بجد!
زم شفتيه بضيق وهو يقول:
-ايوا هو…بصي كدا.
تصنعت الذعر وهي تخفي وجهها في صدره مرة أخرى:
-ابعده بخاف.
القاه على الارض وعاد بجسده وهي عليه يستند على رأس الفراش، يبعد خصلات شعره للخلف محاولاً التحكم في نفسه، فابتعدت هي عنه صدره تقوله بهمسات ناعمة:
-اصل كنت مخصماك وهنام هنا..
واشارت على طرف الفراش الاخر، ثم اكملت:
-وكنت بحاول انام وفجأة لقيته فخفت وجيت هنا.
ثم استندت فوق صدره بيدها، كل هذا تحت نظراته، رائحتها المميزة تخترق انفه..خصلات شعرها تتمايل معها اثناء حركتها، اما عن قميصها..فهذا كاد يعلن استسلامه بسببه…شعرت بأنفاسه تنحسر في صدره، فهمست بدلال معتذرة:
-معلش بقى خضيتك.
وقبل أن تبتعد كليًا عنه وجدت نفسها تعود مرة أخرى له تستند بيدها فوق صدره العريض، لم يتحدث..ولِمَ الكلام من الاساس وانفاسه الساخنة تلفح وجهها بجنون..عينيه كادت تلتهم ملامحها بشراسته المعهودة، أما حرارته فذابت معها وهو يغمرها بقبلاته التي غلب عليها العاطفة والاشتياق..فابتعدت عنه ببطء تهمس بجانب اذنه بنبرة اتقنتها جيدًا:
-أنا زعلانة منك..ينفع تزعقلي امبارح، وانا مش عايزة غير مصلحتك، أنا يهمني مين في الدنيا غيرك.
اسكتها بنبرته القوية وهو يهبط ببصره ليستقر فوق شفتيها الناعمة:
-احنا نسيبنا من مصلحتي دلوقتي وتعوضيني عن الخضة دي.
ابتسمت بغنج وهتفت بنبرة يغلب عليها الرجاء:
-ومصلحتك؟!
قبل ان يطبق بشفتيه على ثغرها قال بنبرة متهدجة من فرط مشاعره:
-هتنناقش فيها بعدين.
لقد اخطأت أمس حينما هاجمته بطريقتها المعنفة القاسية، ولم تلاحظ ارهاقه وانهاك مشاعره، لابد أنه كان يصارع نفسه أثناء مواجهته مع زيدان، فلم تفكر للحظة ما يلج بداخله من اضطراب وحده يعلم مدى قسوته، ربما أخطأت بالأمس لكن الآن لن تخطأ..هي تعلم نقاط ضعفه وتجيد اللعب عليها، ستسدد داخل مرماه أثناء غفلته، ستدفعه للصلاح والهداية بإرادته الكاملة، والأهم أنها ستفعل كل ذلك دون أن تخسره..يكفي ما مرت به عند ذهابه بالأمس لقد شعرت بالضياع يمزق روحها…ولكنها قوية وذكية وقفت بثبات بعدما اهتزت، وقررت استغلال كل فرصة لمناقشته بطريقتها الناعمة الدافئة، وبالفعل ها هي تسدد أول نجاح لها بعدما سمح بمناقشة الأمر فيما بعد.
***
جلس خالد في الطابق الخاص به وتحديدًا في صالته الصغيرة فوق اريكة صغيرة الحجم، يراقب نهى الغائبة عن وعي..أحيانًا كانت تستفيق متمتمه ببعض الكلمات الذي لم يفهم منها شيء، وأخرى كانت تضحك بلا هدف..وها هي تبكي بلا هدف..فقد وضعها فوق الاريكة الكبيرة ترقد فوقها، وزفر بغيظ من افعالها الهوجاء لقد شعر بالدماء تغلي في عروقه وذلك عندما رآها بهذا الشكل في هذا النادي.
رمقها بنظرة قوية مشتعلة وهي تبكي كالأطفال، فوضع يده اسفل ذقنه ينتظر وصلة ضحك أخرى ولكنها نهضت بترنح..ثم جلست في منتصف الاريكة تنظر حولها بنظرات مشوشة…حتى رأته يجلس بهدوئه المعتاد فوق اريكة بجانبها نهضت بترنح كبير وخطواتها كانت مبعثرة بشكل كبير ثم جلست بجانبه تمد يدها تصافحه بحبور شديد:
-اهلاً.
زفر بغيظ ومد يده هو الاخر يصافحها بابتسامة سمجة:
-اهلاً.
كررت ما تفعله عدة مرات حتى صاح بنزق:
-خلاص اتعرفنا.
ومد يده يجذب زجاجة مياه ودفعها مرة واحدة في وجهها:
-فوقي.
شهقت بنعومة تحاول التنفس حينما باغتها فجأة باندفاع المياه في وجهها بقوة، ولكنها سقطت برأسها فوق كتفه تضحك بقوة، تضحك لدرجة استفزته..فقبض فوق يد الاريكة الجليدية يغرز اصابعه فيها بجنون بسبب رؤيتها بتلك الحالة، لم تستمر طويلاً وذاك حينما نهضت تستند بذراعها على ضهر الاريكة تنظر له عن قرب..ثم خرج صوتها مثقل ضعيف:
-ازيك يا خالد يا خاين.
رمقها بطرف عينيه بقلق وهتف بنبرة مستنكرة:
-نعم؟!
اقتربت منه تضع اناملها الرقيقة فوق وجهه تمررها بنعومة جعلته يتشبث أكثر وهو يغلق عينيه يستمع لنبرتها المهلكة المعاتبة الحزينة:
-بتخوني ليه؟
كرر خلفها باستهجان وهو يخشى النظر اليها:
-بخونك؟!
وفي لحظة جرحته بأظافرها في وجهه جرح صغير وصوتها يزداد شراسة وبكاء:
-بتخوني ليه؟ بتقعد معاها على البحر…وانا..محدش بيقعد معايا.
بدأت في النحيب، في ظل ما كان يحاول مسح الدماء الناتجة عن اظافرها المغروزة في وجهه متعجبًا من شراستها…نهى! تلك القطة الوديعة ذات المشاعر الرقيقة تملك شراسة أنثوية جعلته مدهوشًا.
استمع لصوتها الخافت المتثاقل ونظراتها البائسة وهي تنظر أمامها:
-مفيش حد بيحبني..حتى ماما.
تنهد بثقل وهو يربت فوق يدها بلطف:
-تعالي يلا عشان تطلعي تنامي.
-هتسبيني!
همست بالقرب من وجهه، فتراجع للخلف برأسه يجاهد التحكم بنفسه، فعادت تكرر همسها بنعومة أشد ذابت عاطفته بسببها، ظلت تكرر بلا انقطاع فهز رأسه بنفي والكلمات تعرقلت على طرف لسانه، يغمض عينيه يخشى النظر لملامحها القريبة منه، حتمًا سيسقط صريعًا معترفًا بمشاعره وهي مغيبة تهذي بكلمات لا تدركها..ولكنها صوتها الهامس جعله يفتح عينيه بدهشة:
-انت متعرفش انا…
حثها بنظراته..بأنفاسه المشتعلة حتى انه سمح لنفسه بالاقتراب منها، يتمنى اعتراف بسيط منها كي يدفن هواجسه للأبد، ولكنها عادت تكرر بهيام:
-انت متعرفش…أنا…
-انتي ايه؟
قالها بصوت خشن..يريد أن يفتح فمها الاحمق الذي يعاود الانغلاق مرة أخرى فيثير جنونه، فعادت تكرر:
-انت متعرفش أنا…
-هو الشريط سف ولا ايه؟
عادت لضحكها من جديد..ابتعدت عنه، وابتعدت حرارتها المنبعثة منها..التي كادت تذهبه عقله، فكان لها اثر اكبر من أي خمر قد يأثر عليه.
تابع تغير انفعالاتها وحركات جسدها وكأنها على وشك الرقص وبدأت بالفعل تتمايل برشاقة وهي تمتم اخر اغنية سمعتها بالنادي الليلي:
-يا صيف…يا صيف، دهب يا صيف…
ضرب ساقيه بقوة دلاله عن عدم صبره لتحملها..فعادت تضحك بدلال…ثم فجأة ارتمت جانبه بجسدها، توسعت عيناه وكأنه القيت فوقه قنبلة فجرت مشاعره المكبوتة بسبب قربها منه بهذا الشكل المُهلك له، كانت ترمقه بهيام شديد..لم يخطأ بنظراتها لقد كانت تحمل مشاعر….حب؟ فاق من صدمته على شيء لم يتوقعه حتى في احلامه..كانت تغمض عينيها وتمط شفتيها للأمام وكأنها على وشك تقبيله..هنا انتفض بهياج، يجاهد فرط مشاعره المتأججة الطالبة بأمورٍ لا تصح..لا تصح، ظل يردد بداخله تلك الكلمة، رغم كل شيء هو يعاملها غير أي فتاة قابلها من قبل، يرديها زوجته قبل أي شيء، لن ينساق خلف عاطفته التي قد تدفعه نحو الهاوية ان استفاقت تلك المجنونة وعلمت بما تفعله..او ما سيفعله بها ان لم يتحكم بنفسه ويفرض قيوده حول عقله الجامح بالتأكيد ستقتل نفسها.
جذبها من يديها يحركها نحو الطابق العلوي …فكانت تتعثر بخطواتها وهو يساعدها…حتى توقفت بذعر قائلة:
-بلاش ماما…فوق.
همس بحقد من بين اسنانه:
-الله يخربيتك يا ميرفت، مربية للبت الرعب.
رمشت نهى بأهدابها الكثيفة وهي تسأله بخوف:
-لو سألت انت مين هقولها ايه؟
وقبل أن يتحدث، وجدها تقول بضحكة عالية رنانة وهي تصعد للأعلى:
-هقولها انك جوزي.
هنا فقد اعصابه كليًا، بعدما اصابته بالجنون بسبب ضحكها ونعومتها حتى نظرات الهيام المسيطرة عليها لم ترحمه، دفعها للداخل وأغلق الباب خلفها وقبل ان يهبط قرر أن يغلق عليها الباب بالمفتاح كي يتأكد من عدم نزولها اليه وهي بتلك الحالة، حمدًا لله هو سيطر على نفسه، ولكن اقتراب اخر منها وسيفقد اتزانه كليًا.
استمع لصوت طرقات على الباب الزجاجي الخلفي، فهبط الدرج وفتح الباب بعد ان رأى مجدي يقف غاضبًا منه، فعلم أنه سيشن هجومه عليه، فصاح قلبه بنزق:
-مجدي انا مش طايق نفسي.
أشار له مجدي بالصمت حتى قال بتحذير قاس:
-انت تسمعني..هما كلمتين ولازم تفكر فيهم، حالك دا مبقاش نافع، كلمها وعرفها انك بتحبها واتجوزها واخلص.
زمجر خالد بقسوة:
-وانت مالك؟
-لا مالي ونص، لما اشوفك عينك في وسط راسك بسببها يبقى لازم تاخد خطوة في حياتكم، الحال دا مينفعش، ولو كانت فاكر انك هتلمح بحبها مثلاً، فتبقى غبي.
زمجر بصوت عالي، فتابع مجدي تعنيفه:
-افهم الخطوة دي من لازم تبقى ناحيتك.
احس بنبرة خالد ترتجف وهو يقول:
-هو انا بطلت المح ليها وهي ما شاء الله كتلة غباء.
-انا متعود عليك يا صاحبي جريء ومبتخافش، واللي انت فيه دا خوف، فكر مع نفسك مع صح وارمي خوفك للزبالة لأنك عمرك كدا مهتاخد خطوة صح.
انهى حديثه وكاد يغادر ولكنه عاد وقال بصرامة:
-والبنات اللي انت طردتها، انا رجعتهم الشغل تاني، نهى اللي اصرت تروح معاهم..هما غلطانين اكيد، بس بلاش نقطع عيش حد.
غادر مجدي وترك خالد يصارع ذاته..لقد اضرم صديقه النيران في عقله، ايقظ هواجسه التي غفلت عنه بسبب اقترابها المُهلك منه، لقد ظن لوهلة انها تملك مشاعر بريئة له، ولكنه عاد لحيرته التي كادت تمزق قلبه لأشلاء، تنقص من روحه الشغوفة، فـ بالفعل هو يخشى رفضها..حاول اظهار اعجابه بها قابلته بالتجاهل..ضربته في صميم رجولته وخاصةً حينما رفضت الحديث أخر مرة عن المدعو زيدان؟ هل يعقل أنها لا زالت تملك مشاعر ناحيته؟ ثقلت انفاسه أكثر وتذكر محاولاته لمنع نفسه من التمادي في مشاعره ولكنه فشل، لقد احكمت قبضتها على قلبه..فرضت طغيانها بمشاعرها البريئة عليه، كانت وستظل معذبته في يقظته وغفلته…تحاوطه بهالة فشل الخروج منها، هو واضح ..أما ليست واضحة بل ولأول مرة شعر بمدى غبائه امامها فكانت كالبئر الاسود تخفي مشاعرها بمهارة هو افتقدها…وخاصةً في الفترة الاخيرة أحس بنفسه داخل حفرة كبيرة تبتلعه تدريجيًا، فترك نفسه لهلاك…وهو يعلم أن هدايته تكمن في اعتراف صغير منه بحبه لها، دائمًا كان الحب هداية للضالين، فهل سيظل هو في ضلاله؟ ام سيأخذ خطوة جريئة تقلب حياته رأسًا على عقب..اغلق عينيه وترك نفسه الملتاعة تحدد وجهتها التالية.
***
صباحًا…
استيقظت نهى على طرق للباب الخارجي الخاص بالطابق العلوي الذي تجلس فيه، نهضت بثقل شديد وآلام رأسها كادت تفتك بها، حاولت تذكر أي شيء ولكنها فشلت..ما السبب في حالتها تلك؟ رفعت نفسها بصعوبة من فوق الفراش وذهبت صوب الباب الخارجي تفتحه بيد مرتجفة لعدم اتزانها..وجدت خالد يقف أمامها بكامل اناقته وابتسامته الجذابة، ابتسمت له بارتباك وعقلها يطلق العديد من الانذارات حول ليلة أمس، اخر شيء تتذكره هو ارتشافها من ذلك المشروب وبدأ عقلها يصيبه تشوش شديد..اخفضت بصرها فورًا بخجل حينما لمحت فوق ملامحه سخرية قاسية عن حالتها، وقد تأكدت أنها…هنا رفعت وجهها بعينيها المتسعة بذعر:
-أنا قولت حاجة امبارح؟
ابتسم بتهكم لذعرها وقد فضحتها عينيها عما كانت تحجبه عنه، فقدم لها عصير منعش وهو يقول بصوت قوي خشن:
-دا اعتذراك يعني اللي شربتيه امبارح؟
-هما قالولي انه زي سفن اب بس..
قاطعها بحدة لاذعة:
-بس يا نهى…دا لينا حساب له تاني بعدين، المهم…
احمر وجهها وهي تتلقى توبيخ حاد منه، ثم رفعت عينيها بعد ان اطلق تنهيدة ثقيلة قائلاً بنبرة شرسة وملامح مبهمة:
-تتجوزيني!
وقع الكأس فوق الارضية وتهشم لقطع صغيرة والصدمة تغزو ملامحها المُرهقة، لا تصدق اذنيها..هي لا تصدق اي شيء سوى انها في حلم من احلامها البائسة التي باتت تطاردها في الآونة الاخيرة.
ظلت على صمتها حتى قال بصوت متهدج:
-اسمع موافقتك..
فتحت فمها تحاول الحديث..وقد توقف عقلها عن العمل، حتى قاطعها هو بيده محذرًا:
-مقولتش رفض..اصل هو يا موافقة …يا موافقة، أنا مترفضش.
هنا انفجرت ضاحكة تخفي توترها وقالت بغباء فجر الغيظ فوق ملامحه:
-انت بتهزر معايا.
صاح بها بنبرة قاسية:
– بطلي غباء..هتوافقي دلوقتي ولا اتزفت وانزل انام، أنا منمتش من امبارح وقايم من النجمة البس طقم شيك وعاملك عصير عشان اقولك تتجوزيني وانتي تقوليلي انت بتهزر معايا.
ترقرقت الدموع بعينيها وهمست بعتاب:
-انت بتزعقلي ليه؟
-يا بنتي قوليلي انتي غبية كدا ولا بتتظاهري الغباء!
رمقته بعتاب اكبر واكتفت بالصمت الحزين، فتابع هو بحنق:
-انا مش فاهمك حقيقي؟
-انا مش مصدقة اصلاً، انت تتجوزيني أنا؟
قالتها غير مصدقة والحزن يغلب على نبرتها، فعقد حاجبيه بعدم فهم، حتى اوضحت هي بنبرة مشروخة مجروحة:
-انت تستاهل بنت احسن مني بكتير يا خالد.
اطرقت رأسها للأسفل تخفي نظراتها بانكسار:
-أنا اهلي..وانا..
ثم اجهشت بالبكاء، فتقدم هو خطوة منها ومد يده يرفع ذقنها عاليًا حتى قال بصوت غلب عليه عاطفته:
-أنا ميمهنش اهلك..انا عايزك انتي وبس.
رمشت بأهدابها المبتلة بسبب دموعها الملتصقة بها، فكانت بريئة جميلة تشبه الاطفال وهي تنظر له بعدم تصديق وخاصةً حينما قال بسخرية جذابة:
-عايزك عشان بحبك، هترضي تتعطفي وتتجوزيني ولا هتسيبني اتعذب بنار الشوق.
مسحت دموعها بكفيها بسعادة كبيرة والابتسامة تعلو وجهها فاكتفت بهز رأسها دلالة على موافقتها، وقد بدأت الحياة تفتح ذراعيها لها..تدفعها نحو بساتين مبهجة مليئة بعاطفة الحب والغرام وخاصةً انها تملك مشاعر نحوه تأكدت في الفترة الاخيرة أنها ليست سوى حب يختلف تمامًا عما كانت تعتقد أنها تكنه لزيدان..حب ممزوج بالخجل والمشاعر الصافية له مذاق فريد ينعش قلبها الجريح من جديد، يعيد في الحياة والروح يفعمه بحلاوة الأحاسيس الصادقة، فشعرت بنفسها أميرة في بلاد العجائب تلتقي بفارسها بعد رحلة طويلة من العذاب والبؤس..اجفلت على كفه الذي احتضن كفها يجذبها خلفه، فأوقفته تسأله بريبة:
-رايحين فين؟
-نتجوز.
هز رأسها بنفي وقالت بصوت متلعثم وهي تخفي نظراتها منه:
-هنتجوز بس شرط.

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

الرواية كاملة اضغط على : (رواية منك وإليك اهتديت)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى