روايات

رواية منك وإليك اهتديت الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم زيزي محمد

رواية منك وإليك اهتديت الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم زيزي محمد

رواية منك وإليك اهتديت الجزء الثامن والعشرون

رواية منك وإليك اهتديت البارت الثامن والعشرون

رواية منك وإليك اهتديت
رواية منك وإليك اهتديت

رواية منك وإليك اهتديت الحلقة الثامنة والعشرون

رفعت حورية عيناها البنية تطالع ذلك الضخم الطويل الوسيم والذي حمل بنظراته لمحات من العجرفة وبسمة عابثة تحلق فوق شفتيه، فعادت مجددًا تنظر لشهيرة التي اوضحت بدورها:
-دا يزن اخو جوز مليكة وبيحب البامية وانا أصريت انه ياكل منها.
أشار يزن بعبث نحو شهيرة مردفًا ببراءة:
-هي اللي أصرت مش أنا خالص.
ضحكت شهيرة وهي تقول بحماس:
-اتفضل يا يزن انت على السفرة وحورية هتحط البامية حالاً.
دخل للمطبخ وهو يقول بأريحية مما أثار تعجب حورية:
-لا ابدًا والله انا هاكل في المطبخ هنا.
حاولت شهيرة اقناعه بالجلوس على طاولة السفرة مواصلة حديثها على جودة خشبها وطرازها العصري، فرفض بإصرار وهو يقول بعتاب:
-متحسسنيش ان أنا غريب يا مدام شهيرة.
هزت كتفيها باستسلام وهي توجه حديثها الخافت والحازم لحورية المتعجبة من سلاسته في التعامل معهما:
-زي ما قولتلك في الفرنساوي، هروح اشوف مليكة.
افسح لها يزن المجال فخرجت من المطبخ وبقيت حورية تطالع اثرها باندهاش قطعه وقوف يزن بإحدى زاويا المطبخ مستندًا على الحائط بجانب جسده وتلك النظرات العابثة تغزو عينيها فكادت أن تثور بغضب ولكنها امتنعت وأكملت ما تفعله، شاعرة بالحنق الشديد لتأكيد شهيرة أختها على الاطباق الفرنسية تحديدًا وهي تعلم أنها قصيرة وستحتاج لمساعدة لجلبها من الأرفف العالية بالمطبخ..التفتت حولها كالطفلة الضائعة حتى وجدت مبتغاها خلف يزن تحديدًا، سارت بخطواتها البطيئة تجاهد التماسك أمام طوله الفارع وضخامة جسده بينما كانت هي ضئيلة جدًا بالنسبة له واضطرت لرفع عينيها لتحادثه مما أشعل العناد بمقلتيها وهي تطالعه:
-لو سمحت وسع شوية كدا.
ابتعد المسافة التي حددتها بيدها الصغيرة فأثار حنقها ورفعت حاجبيها تطالعه، كرر خلفها وبنفس حركة يدها قال:
-الله مش انتي قولتي لو سمحت كدا!
-تقوم تبعد كدا ابعدته بالملعقة الكبيرة الخشبية التي كانت تمسك بها بكفها الأخر، فصاح هو متهكمًا من جرأتها:
-انتي قد الحركة دي يا صغنن.
صعدت للمقعد الخشبي الصغير بخفة ورشاقة وجذبت الطبق بحذر كي لا يفلت منها وتثور شهيرة بتعنيفها..ثم نزلت بنفس الرشاقة التي جعلت يزن يتابعها ببسمة ساخرة اختلط فيها العبث والشقاوة، تجاهلت نظراته وتابعت في سكب الطعام له وهي تقول بحرج:
-الراجل اللي عمل المطبخ عمله عالي جدًا لشهيرة.
هز رأسه تابعًا بتفهم ساخر وأكمل:
-واضطريتوا تجيبوا كرسي تطلعوا عليه طبعًا فاهم يا صغننه من غير ما تقولي.
تلك الكلمة كلما تكررت تلهم بقايا الصبر والهدوء لديها فقالت محذرة:
-أنا مش صغننة على فكرة، أنا اه ابان قصيرة بس أنا كبيرة.
-بمقامك طبعًا.
أكد خلفها باستهجان، فحثها شعور ما على جذب وجهه الوسيم ودفعه نحوه مقود الغاز، ولكنها حاولت تهدئة نفسها ورسمت بسمة صغيرة فوق وجهها دفن في باطنها شر ناحيته لأول مرة يتملك منها، بينما هو التقط الخبز يقطعه ثم وضعه بالصحن تحت انظارها المندهشة منه وقبل أن يضعها بفمه قال بتهكم:
-هتبصيلي في الأكل وازور وأنا مهم عند أهلي وعايزني.
ضحكت ضحكات صغيرة متقطعة وكأنها تلزم نفسها لمعاملته معاملة حسنة وهي تقول:
-اتفضل..بس مكنتش تاكل في السفرة احسن من وقفتك دي.
-لا عادي اهو اتعرف عليكي انتي في سنة كام يا صغننة.
لم تجيبه بل اكتفت بالنظر للطعام تباشر نضجه، وبداخلها كانت توجه الشتائم لشهيرة، ولكن قوله استفزها حينما قال:
-في تانية ولا تالتة ثانوي.
رمقته بطرف عينيها وهي تقول بكبرياء:
-في رابعة كلية.
ابتسم بعبث وهو يمرر بصره عليها وبوقاحة أردف:
-احب أنا اللي ميبناش عليه سن.
رفعت حاجبيها الأيمن بتهديد مبطن:
-ودي مجاملة ولا معاكسة!
أشار بجرأة لها وهو يغزو بنيتها بعينيه العابثة:
-الاتنين!
أشار بيده إليها فأغاظها استرساله في الحديث معها بأريحية، فقالت بضيق:
-أنا ملاحظة انك بتتعامل عادي كدا وكأننا عارفين بعض من زمان.
تابع مضغ طعامه وهو يؤكد على حديثها:
-فعلاً القبول دا من عند ربنا، وأنا الحمد لله كل الناس بتحبني.
ضحكت ضحكة صغيرة غامضة وهي تجذب سكين صغير تقطع بها الطماطم ونظراتها تحتد أكثر:
-ايوا ما هو فعلاً.
-انتي سنجل؟
لم يعلم لِمَ خرج منه هذا السؤال وطريقتها تنم على غضبها منه، ربما دفعه شعور ما لاستفزازها واعجبه حالتها الشرسة تلك، أو فضول نحو صاحبة القامة القصيرة التي تمتلك مزيج من البراءة والشراسة لم يعهده من قبل..أو لنقل عهده من قبل ولكنها بها سحر خاص لم يستطع فك تلاطسيمه بعد..يحتاج فقط لبعض من الوقت لإيقاعها بشباك عينيه الخضراء ووسامته الرجولية المفرطة.
لاحظ صمتها الطويل ولكنها التفتت بجانب جسدها تشير له بإصبعها وهي تقول:
-مخطوبة.
رسم الحزن فوق وجهه بمهارة ثم اعطى لها الصحن:
-الطبق خلص للأسف.
ارتبكت من اقترابه ولكنها قالت بثبات:
-احطلك تاني!
-لا شكرًا شبعت، وبعد كدا لما حد ياكل في بيتكوا ابقي ابتسمي في وشه وعامليه كويس، الابتسامة في وجه اخيك صدقة.
لم يعجبها طريقته في توبيخها فردت بنفور:
-اعاملك كويس ايه اكتر من انك واقف في مطبخنا بتاكل عادي وأنا أول مرة أشوفك.
تجاهلها وهو يجذب كوب زجاجي يسكب فيه عصير “المانجا” فغزت إمارات الانشداه فوق ملامحها وهي تراقب ما يفعله وعندما اقترب من رفع الكوب لفمه قال بمزاح:
-كدا هشرق من بصتك دي، مشربش؟
سألها ببراءة جعلتها تهمس بنفي:
-لا اشرب.
-مين عامل العصير دا؟!
أشارت على نفسها بقولها المتماسك:
-أنا.
رفع حاجبيه بإعجاب واضح ثم عاد وسألها:
-والبامية ورز باللبن؟
زفرت بنفاذ صبر:
-أنا بردو.
ضيق عينيه بمكر وهو يردف:
-شوفي ميبنش انك سوسة خالص.
رسمت بسمة صغيرة وهي تطالعه بسخرية:
-شكرًا على الاطراء الظريف دا يا…
أكمل هو بالنيابة عنها بكل فخر:
-يزن الشعراوي سليل عائلة الشعراوي وصاحب معرض عربيات.
هزت رأسها بلامبالاة فتابع هو بشقاوة:
-ابقي تعالي خدي لفة فيه، هيعجبك اوي.
-هو ايه دا؟
سألته بتعجب، فأوضح لها بنفس شقاوته:
-المعرض، يعني لو عايزة تعزمي اصحابك وتقوليلهم عندي قريبي عنده معرض عربيات وتتفشخري قدامهم، تعالي وهعمل معاهم اعلى واجب.
رمقته بطرف عينيها وهي تسأله بترقب ساخر:
-هتعمل معاهم ايه بقى؟!
-مالكيش فيه تعالي بس وهاتيهم، بس هما من نفس المستوى دا.
وضعت الملعقة الخشبية فوق المقود الغاز بعصبية بالغة وهي تسأله بتهديد:
-قصدك ايه بالمستوى دا.
اقترب منها اكثر ورفع يده فوق رأسها ولكنه لم يلمسها وهو يتابع بمزاح:
-الطول دا معداش عليا قبل كدا.
رفعت عينيها تطالعه بشراسة وهجوم سافر، فابتعد عنها رافعًا يده لأعلى باستسلام مردفًا ببراءة:
-هاتي طبق رز بلبن كمان، وأنا اقولك الاطوال اللي عدت عليا.
***
بذات الوقت في الغرفة التي كانت تجلس بها شمس ومليكة، كانت شهيرة تتابع طريقة شمس السلسلة في اقناع مليكة التي يبدو عليها الضياع، فقالت شمس برفق ونبرة حانية اثارت اعجاب شهيرة بها وبرقيها وطريقتها الهادئة:
-ها يا حبيبتي اقتنعني بكلامي.
التفتت مليكة تسألها بنبرة سيطرت عليها بحة منكسرة:
-ياعني لو رجعت معاكم دا مش هيضايق استاذ سليم.
ظهر الحماس الممزوج بالسعادة على وجه شمس التي سارعت بقولها:
-استاذ ايه، دا اخوكي الكبي، وبعدين يضايق ازاي وهو باعتني بنفسه اجيبك، لولا شغله كان جه معانا، سليم مفيش اطيب وبيحب اخواته جدًا وانتي بقيتي خلاص واحدة من عيلتنا وبكرة بنفسك هتشوفي ازاي بيخاف عليكي.
اطمأنت نوع ما من حديثها وخاصةً انه يؤكد على نفس حديث زيدان، شعرت بالامتنان يكسو على حزنها منه، فبالرغم ما فعله بها الا أن السبب الرئيسي في فعلته كان من أجلها وهذا ما أطفأ نيران قلبها بل وجعلها تتأخذ قرار بالعودة معهما فيكفي اصرارهما ومجيئهما لها، مسحت عبراتها وهي توجه نظراتها لشهيرة:
-هروح معاهم يا شهيرة.
-وماله يا حبيبتي، وبيتي مفتوح ليكي في أي وقت.
نهضت مليكة من مقعدها ثم توجهت لها وقامت باحتضانها بكل ذرة حب وامتنان لها:
-شكرًا يا شهيرة..شكرًا على كل حاجة.
بادلتها شهيرة العناق وكادت أن تبكي فكم كانت تكره تلك اللحظات بسبب ضعف مشاعرها وعدم قدرتها على التحمل، ابتعد مليكة عنها وجلست بجانبها تتطالع شمس الجالسة التي كانت تتابع لطفهما بابتسامة واسعة، حتى قطعت لحظتهما وهي تخص شهيرة بنظراتها ثم سألتها بابتسامة صغيرة قلقة:
-هو يزن دا كله في الحمام؟!
نهضت شهيرة وهي تحمل كوب العصير تعطيه اياها، وابتسامة ودودة تشق ثغرها:
-اتقضلي اشربي يا حبيبتي..
ثم تابعت ببساطة:
-يزن جوا في المطبخ بياكل بامية مع حورية.
ضحكت مليكة بخفة وهي تنظر لشهيرة مقررة أن تثني على شخصية يزن المرحة والبسيطة:
-يزن بجد عسل اوي وبياخد بسرعة على أي حد.
تحمست شهيرة قائلة:
-أنا بجد حبيته اوووي، شخصيته قمر ولذيذ كدا.
اوقفتهما شمس ونبرتها تتراوح ما بين الثبات والارتباك:
-ثواني بس حورية مين؟
أشارت شهيرة على نفسها قائلة بفخر:
-حورية أختي.
اهتزت نبرة شمس وهي تجول بعينيها هنا وهناك متابعة حديثها:
-مشفتهاش هي كانت بتلعب جوا؟!
-تلعب!
كررت خلفها بتعجب ثم انفجرت ضاحكة وهي تقول موضحة بحماس:
-حورية في سنة رابعة كلية.
-يا نهار أسود.
همست بها شمس بداخلها وقد دب في قلبها الرعب مما يحدث داخل المطبخ مع ذلك المجنون قاهر قلوب العذارى..معشوق الفتيات…حتمًا وقعت حورية تلك في شباكه، فوضعت الكوب قبل أن تشرب منه، ثم تقدمت نحو مليكة المتعجبة من ردة فعلها واعطتها الصغيرة وهي تقول:
-امسكي يا مليكة..
ثم وجهت حديثها لشهيرة تستأذنها بأدب:
-ممكن ادخل الحمام؟
كادت أن تنهض شهيرة ولكن اوقفتها شمس قائلة برفض قاطع:
-ابدًا..أنا هروح لوحدي، هو فين بس؟
-لما تخرجي في طرقة في وشك، هو جنب المطبخ.
أومأت شمس برأسها ثم انطلقت تغادر الغرفة ونظرات شهيرة تتعقبها بتعجب، بينما كانت مليكة توجه القبلات للصغيرة ولكن سرعان ما توجهت شهيرة نحوها تقول بحماس:
-باين عليهم ولاد ناس اوي، أنا حبيتها هي ويزن.
أومأت مليكة برأسها وهي تؤكد على حديثها متذكرة ما اخبرها به زيدان من قبل عنهما:
-زيدان كمان بيحبهم جدًا..
قاطعتها شهيرة وهي تسألها بحذر:
-بالمناسبة انتي اقتنعتي بكلامهم ولا راجعة عشان محرجة تقعدي عني؟
هزت رأسها بنفي وهي تخبرها بكل ما توصلت إليه:
-لا..أنا عرفت زيدان ليه خبى على اخوه حاجة زي دي، دا كله عشان خاطري….
توسعت أعين شهيرة بفضول، فتابعت الأخرى ما كانت تقوله ونظرات الانبهار توضح كم كان درجة حماس شهيرة وتفاعلها مع الحديث…
**
أما بالداخل..
توجهت شمس للمكان المنشود ثم دخلت فجأة مما اثار ذعر حورية فالتفت يزن لها وهو يحمل كوب العصير متسائلاً بسلاسة:
-ها يا شمس خلصتي؟
ضغطت شمس فوق أسنانها وهي تقول بغيظ:
-انت خلصت وأكلت البامية؟
وقبل أن يجيب كان صوت حورية يخبرها ببحته المميزة:
-وشرب العصير وأكل رز باللبن كمان.
وضع يزن فوق معدته يمسكها بتمثيل ويصطنع الاعياء:
-اه بطني بتتقطع..يا ترى ايه السبب؟
تابعت حورية ما يفعله والصمت يلجم لسانها، حتى اشار هو بأصابعه نحو عينيها البنية:
– أكيد عينيك المدورة.
ابتسمت باستفزاز وقد تناست أمر شمس المراقبة لهما:
-لو هي كانت جابت نتيجة من أول طبق البامية، بس ما شاء الله محوقتش.
رمقها بعبث وهو يقول:
-امي كل يوم بتحصني من عيون الناس الحاسّدة، وتقولي ربنا يحميك يا يزن من عين كل واحدة قصيرة مكيرة تحسدك.
حدجته باستنكار وهي تتابع سخريتها:
-ابقى خليها تقول اسمي عشان تجيب نتيجة.
التفت يزن لشمس الواقفة بصمت تتابع ما يحدث فقط توقعت أنه يوقعه بشباكها ولكن الأمر كان لطيف بمشاكستهما معًا..ولكن حمدت الله دخولها في هذه اللحظة قبل أن يكمل يزن حديثه معها فبالتأكيد كانت ستقع لا محال..يملك جاذبية خاصة لم تمر عليها اطلاقًا، من رابع المستحيلات أن تفلت انثى منه إلا ووشمت برقم جديد يضاف لقائمته.
-معرفتكيش يا شمس..دي حورية اخت مدام شهيرة في سنة رابعة كلية ويا سبحان الله طلعت مخطوبة فجأة.
عقدت شمس ما بين حاجبيها بعدم فهم لجملته الأخيرة، فمال هو على شمس يوضح بصوت اخترق مسامع حورية:
-اصلها قلبت الخاتم بتاعها وعملته كأنه دبلة اول ما سألتها سنجل ولا لا..شكلها عندها عُقدة.
استدارت حورية تهاجمه بعينيها المشتعلة، فاعتدل بوقفته وهو يقول بمكر:
-طب كنتي خلي بالك من ازاز المطبخ وانتي بتقلبيه..او من ايدك اللي عماله تحركيها يمين وشمال..او مثلا ان انا تاجر دهب بردو فأكيد هعرفه.
اقترب خطوة أخرى غير عابئًا بشمس بالمرة وأشار ليديها مردفًا بنفس مكره والعبث يكسو عليه:
-او ان الحركات دي عدت عليا بعدد شعر راسي.
لاحظت شمس انفعال الأخرى والشر الذي كاد يقفز من عينيها له، فجذبته من يده وهي توجه لها الشكر:
-متشكرين اوي يا حبيبتي على الواجب..يلا عن اذنكم.
نظرت حورية لأثرهما والغل يطفو على صوت أنفاسها الهادرة من ذلك المستفز الذي ودت أن تلكمه بوجهه الوسيم..المتبجح لم يشعر بالحرج وهو يخبرها بعلاقاته النسائية العديدة وبذات الوقت يفرض سحره لإيقاعها ولكن حمد لله تشبثت بحدودها قبل أن تسقط في هاوية غرامه والتي كانت بدايتها وسامته المفرطة وشخصيته الجذابة.
***
تابع خالد عمله بالغرفة المخصصة لإدارة المطعم، لم ينتبه للساعة التي قاربت على الواحدة والنصف مساءًا الا عندما طرقت نهى الباب ثم دخلت برأسها تقول بابتسامتها الرقيقة:
-هنروح امتى؟
-لسه في شغل كتير عايز اخلصه.
رد عليها وهو يتابع انهاء الملفات الخاصة بإدارة المطعم، دخلت اولاً ثم تقدمت من مكتبه وجذبت مقعد صغير وجلست عليه بالقرب من مقعده، التزمت الصمت لفترة وهي تراقبه باهتمام ولكن قطعه هو فجأة حينما استدار بمقعده نحوها سائلاً إياها بنبرة مجهدة:
-لو تعبانة اروحك وارجع أنا بعدين.
هزت رأسها في نفي وهي تقول:
-لا لو كنت تعبانة كنت خليت مجدي يوصلني البيت.
رفع حاجبيه وهو ينظر للملفات وبنفس النبرة الساخرة قال:
-دا على أساس ان أنا كنت هوافق!
ضحكت بخفة وكأنها اعتادت تقبل نبرته تلك:
-اه نسيت انه ممنوع حد يوصلني الا أنت.
رفع وجهه وهو يغمز لها بعينيه قائلاً بشقاوة:
-ما أنتي شاطرة اهو وحافظة.
حركت رأسها عدة مرات ثم هاجمته بسؤالها والفضول يكتسح عينيها:
-حافظة بس مش فاهمة ليه؟
كرر خلفها باستنكار زائف:
-ليه ايه؟
تنهدت وهي تفسر قولها:
-ليه مفروض عليا حاجات كتير ممنوع اعملها زي مثلاً ان مجدي ممنوع يوصلني البيت؟!
رد بسرعة لم تتوقعها وبصدق ادهشها:
-عشان بخاف عليكي.
كررت خلفه بهمس وكأنها تستوعب مغزى حديثه:
-بتخاف عليا!
هز رأسه بإيجاب هامسًا هو الأخر وهو يتابع كتابة شيء ما بالملفات، فسألته برقتها:
-حتى من مجدي صاحبك وشريكك.
نعومة صوتها ورقة كلماتها وهي تسأله بذلك الدلال الملتصق في نهاية نبرتها دكت حصونه الواهية، فاستدار إليها وهو ينظر في عمق عينيها وبصوت أجش هتف:
-بخاف عليكي من أي حد..حتى من نفسي.
رمشت بأهدابها الكثيفة لمرات عديدة تستوعب حلاوة كلماته رغم غموض نهايتها فتابعت بنفس نبرتها تسأله والتعجب يطال صوتها:
-من نفسك؟!
استدار إليها مرة أخرى يطالع وجهها الجميل ببراءتها التي لم تفقدها رغم صعوبة ما مرت به، حتى أن لمعة عيناها سرقت نظراته فشعر بنفسه أسير عينيها:
-بخاف ازعلك مني.
ابتسمت بدلال وخجل، فتابع غنجه لها بقوله الناعم:
-بحس انك بسكوتة ومينفعش اضغط عليكي بأي حاجة تكسرك.
تعجبت لتشبيه فهتفت باستغراب خالطه الضحك:
-بسكوتة!
أومأ برأسه وهو يحرك مقعده نحوها فأصبح ملتصق بمقعدها هاتفًا بنبرة عاطفية:
-عارفة بسكوت نواعم..انتي زيه بالظبط، بنخاف نحطه في الشاي وفي نفس الوقت بنحب طعمه بيه..يس لما بنحطه بنشيله بسرعة عشان لما ندوقه نستمتع به.
ثوان من الصمت المطبق وهي تنظر له وتحديدًا تعلق بصرها بابتسامته وما ان استوعبت كلماته حتى ضحكت بصوت عالٍ:
-أنا زي بسكوت نواعم.
-واحسن منه كمان..خلي في بالك انتي كدا عديتي ليڤل مهم عندي.
حاولت تحجيم ابتسامتها التي ظهرت بوضوح له فمجددًا غمز لها بشقاوة ثم تابع عمله ولكنه لم يتحرك من مكانه بل جذب الملفات على ساقيه وتابع كتابته.. أما هي وضعت يدها أسفل ذقنها وقالت بهمس:
-خطك حلو على فكرة.
-منافقة اوي.
رمقها بامتعاض، فأكدت بصدق:
-لا بجد خطك حلو امال لو شوفت خطي.
رمقها لثوانٍ بتفكير تحت انظارها المتعجبة ثم جذب ورقة بيضاء واعطاها لها قلمه قائلاً:
-بصي أنا هكتب اسمك واحط جنبه علامه بتعبر عن نظرتي ليكي، وأنتي كمان تعملي كدا…
وبمكر واصل حديثه:
-عشان نشوف مين خطه اوحش من التاني.
ظهرت البلاهة فوق ملامحها فقال بضجر:
– خلاص أنا هعملها الاول.
وبدأ في كتابة اسمها واضعًا بجانبه رمز لقلب صغير، ثم رفع عينيه يطالعها فوجد البلاهة لا زالت تسيطر على ملامحها فقال بغيظ:
-لا فتحي مخك عشان وعهد الله أنا خلقي ضيق.
لحظات من التشتت مرت عليها، ما بين ما أدركته وما لا تريد استيعابه من الأساس، ربما القلب رقص بسعادة ولكن انتفاضة عقلها جعلتها تستتر خلف قناع البلاهة، هي تخشى مشاعرها المنساقة خلفه بجنون، تخشى أن تكون مشاعرها تلك تشبه احتياجها لزيدان..تحتاج لبعض من الوقت لتفسيرها وخاصةً ان كانت معظم افعاله غامضة بعض الشيء..
– ايه روحتي فين؟
نظفت حلقها من حشرجة سيطرت على نبرتها وهتفت بعدها:
-هات القلم.
اعطاها القلم وبدأت في كتابة اسمه ولكنها توقفت ولم ترسم شيء..رفعت بصرها تناظره تارة..وتارة أخرى خفضت بصرها نحو الورقة تحاول رسم أي رمز..مرت دقائق عليها وهي بنفس الحالة المتخبطة حتى قال هو بمزاح ساخر:
-اوعي تقولي ان فخامة اسمي تكفي.
هزت رأسها بنفي ولا زالت على نفس صمتها، فسألها بعينيه قبل صوته:
-ايوا يعني مفهمتش!
تنهدت بثقل وهي تجاهد قيود الرفض لِمَ تريد قوله:
-أنا قولتلك قبل كدا..أنت بالنسبالي كل حاجة، فـ مش عارفة اعمل ايه!
ضحك بسعادة وصلت لعينيه ثم أخذ منها القلم وهو يرسم بجانب اسمه قلب صغير:
-لو عملتي كدا من الاول..كنت فهمت.
ماذا يقصد بحديثه، هل هي ايضًا تمثل له كل شيء! اضطربت معدتها وخفق قلبها بجنون وكأنها على وشك السقوط في بحر غرامه…توقف عقلها عن التفكير مجددًا تدفعها مشاعرها نحو شيء هي لا تريده بل تخشاه بجنون، فإن سمحت لنفسها بالاعتراف بحبه وطالها الانكسار بعدما استطاعت لملمة شتات نفسها ومعالجة جروحها حتى وإن كانت معالجة ساذجة ستقضي على ما تبقى منها..فلا مجال للحياة حينها ولا داعي للحفاظ على روحها.
أجفلت على حديثه ولاحظت عودته لمكتبه ومتابعة اعماله:
-كنتي داخلة ليه من الأول؟
كتمت تنهيدة ثقيلة بداخلها وهي تجيب بصوت غلب عليها الضياع:
-كنت عايزة اطمن على ماما.
رد بجفاء:
-وانا بطمنك عليها وهي كويسة.
ارتبكت قبل أن تقول:
-اطمن عليها بنفسي.
ترك اوراقه ونظر لها بجمود:
-هكذب عليكي يعني؟
-لا مقصدش!
نفت سريعًا ما وصل إليه وقبل أن توضح حديثها، كان يقول بحزم وصرامة:
-اللي في دماغك مش هيحصل، مش هتشوفيها يا نهى خالص.
ابتلعت لعابها وهي تردف بحرج:
-انا عارفة ومقدرة موقفك من ناحيتها، بس هي أمي…
-وامك مش هتسكت عن اللي في دماغها، ومعنى انها مبلغتش عني لغاية دلوقتي انها بتخطط لحاجة في دماغها ولغاية ما اعرف هي عايزة ايه متفتحيش معايا الموضوع دا.
كان صوته يملك شراسة ضمنية جعلها تطرق رأسها باستسلام لأوامره، فهي تقدر تمامًا مخاوفه عليها، ومحاولاته لحمايتها فمن واجبها الاستسلام وعدم مقاومته وذلك بعدما صرح بخوفه عليها علنًا.
***
بعد مرور أسبوعان..
استيقظت مليكة من نومها على صوت رنين هاتفها، نهضت بكسل وحاولت تفريق جفنيها بصعوبة فكانت أثار النوم ترفض التخلي عنها بعدما قضت ليلة أمس في سهرة طويلة مع يزن وشمس ومنال..نظفت حلقها بنعومة قبل أن تجيب بخمول:
-الو.
-صباح الخير لسة نايمة؟
اعتدلت بجلستها أكثر وهي تفرك عينيها في محاولة لإيقاظها:
-اه، أنت عامل ايه؟
-زي الزفت..وحشاني بس.
ابتسمت وهي تقول بلطف محاولة التخفيف عنه:
-خلاص هانت وتيجي اجازة.
تردد قبل أن يسألها بصوت متحشرج:
-هو أنا وحشاك يا مليكة؟
تنهدت وهي تبعد خصلات شعرها عنها قائلة ببسمة صادقة:
-غيابك مخلي كل حاجة بتحصل ملهاش طعم.
-أول مرة أعد الأيام عشان اشوفك.
رق قلبها لحنو صوته وهو يخبرها بحقيقة مشاعره:
-ان شاء الله تيجي بسرعة.
استمعت لتنهيدة ثقيلة خرجت منه ثم سألها:
-قولتيلي امبارح انك كنتي سهرانة معاهم؟
استمع لهمهمة بسيطة منها فواصل حديثه بحذر:
-وسليم كان موجود؟
-لا..شمس قالت ان هو عند واحد صاحبه اسمه سيف.
أجابته بما تعرفه، فواصل هو اسئلته مطمئنًا عليها:
-طيب ومعاملته معاكي؟
-مفيش جديد يا بتجاهلني يا بيرد على سلامي.
-معلش، هو مش قصده حاجة بس هو مبيعرفش ياخد على حد بسهولة، بس هو مفيش اطيب منه.
هزت رأسها توافقه الرأي وهي تتذكر احاديثهم جميعًا عنه، فقالت بعدها:
-هتصالحه امتى؟ يزن بيحاول كتير وهو بيصده.
-جربت مرة اتصل عليه، ومردش عليا، لما أرجع لينا قعدة طويلة مع بعض، وربنا يستر.
اخبرها بما ينوي فعله معه فشعرت بقلقه العارم نحو هذا اللقاء بل قلقهم جميعًا فتسرب لديها القلق دون أن تشعر، داعية الله أن يمر بهدوء وألا تكون سبب في فراق الأخوة وخاصة بعدما علمت من شمس طبيعة علاقة زيدان بسليم ومدى التوتر الكامن بها.
أغلقت مع زيدان الهاتف وقررت أن تنهض تستقبل صباح يوم الجمعة معهم وذلك بعدما استمعت لصوت جلبة بسيطة بين شمس ويزن والصغير أنس..اغتسلت وادت فريضتها ثم خرجت لهم وقبل أن تدخل المطبخ استمعت لصوت يزن الحانق:
-لا ما انتي هتساعديني اصالحه.
دخلت والحرج يكسو ملامحها لمقاطعة حديثهما، فكانت شمس تواصل اعداد وجبة الافطار ويزن يجلس فوق طاولة في منتصف المطبخ يلتهم المخبوزات الطازجة، وما ان دخلت حتى اعطى لها واحدة:
-خدي يا مليكة وساعديني انتي كمان اصالحه.
رفعت عينيها تسأله ببراءة:
-مين؟
رد عليها ببساطة:
-سليم، يا ناس ساعدوني مش عارف اعيش وهو ضارب بوزه في وشي، دا موريني اسود ايام حياتي في المعرض ومرمطني حرفيًا.
ضحكت شمس وهي تضع البيض المقلي في الطبق:
-انا شايفة بقى كويس معاك بدليل بقى يرد عليك.
اوقفها يزن مقلدًا سليم أخيه بطريقة فكاهية:
-صباح الخير يا سليم…ابعد عن وشي..مساء الخير يا سليم..مالكش فيه…محتاج حاجة يا سليم…مش هحتاجها منك اكيد.
نظرت شمس لمليكة المصدومة قائلة من بين ضحكاتها:
-طب والله هو كدا راضي عنك.
مضغت مليكة قطعة من المخبوزات وهي تقول بارتباك:
-دا أنا كدا احمد ربنا على معاملته ليا.
رمقتها شمس لثوان بتفكير ثم اقتربت منهما وهي تقول بحماس بعد أن تسربت فكرة ماكرة لذهنها:
-يزن تاكل محشي النهاردة وبطة.
انزل طبق المخبوزات مردفًا برجاء:
-ياريت.
-يبقى كلكوا معزومين عندي فوق..واهو بالمرة تضغط على سليم وتصالحه.
ضيق عينيه بمكر هو الاخر مردفًا بمزاح:
-محدش بيقدر عليه غيرك.
ضحكت بثقة ولكنها توقفت حينما قالت مليكة بحرج:
-بلاش أنا احضر.
-ودا ازاي يعني لازم تطلعي وبعدين من يوم ما جيتي مطلعتيش شقتي خالص.
أصرت شمس على قولها، فقالت مليكة بخجل مرتبك:
-ممكن سـ…سليم يعني ميحبش وجودي.
اقتربت شمس منها مربتة فوق كتفها بحنان:
-يا حبيبتي انتي بقيتي فرد من عيلتنا خلاص، وسليم عمره ما يفكر كدا ابدًا.
هزت مليكة رأسها تتابع باستسلام وداخلها تستعد نفسيًا لهذه الدعوة..داعية الله ألا يعاملها بطريقة تحزنها فهي لم يعد لديها الطاقة لتحمل أي شيء.
***
صعدت شمس فور انهائها لوجبة الافطار لشقتها ودخلت سريعًا لغرفتها كي تطمئن على ابنتها فوجدت سليم يداعبها بحنو وابتسامته تحلق في السماء..استغلت مزاجه الهادئ واقتربت منه بدلالها الممزوج بنعومة جعلته يصب كامل تركيزه عليها بل واستقبلها بأحضانه واضعًا ابنته بجانبهما:
-ابعد بس بنتك دي عشان دا وقتي خلاص.
داعب جانب وجهها وهو يقول بعتاب:
-بنتي اللي بقايلي اللي بصحى من النوم بلاقيها جنبي، اما انتي بتنزلي تحت وانا اخر اهتمامتك.
نظراتها شعت بالخيبة وهي تطالعه:
-معقولة انت اخر اهتمامتي..امال انا عايشة لمين بس؟
رفعت كفه لفمها تلثم راحته وهي تقول بغنج:
-دا أنا عايشة لسولي و..سولي…وسولي.
ابعد خصلات شعرها عنها هو يقول بنبرة جامدة اقلقتها:
-عايزة ايه يا شمس؟
مطت شفتيها بتفكير بعد أن اصابها الاحباط ثم قالت بحزن مصطنع:
-بصراحة كدا أنا عملت حاجة وخايفة تزعل مني.
-اه بعد ما عملتيها جاية تقولي صح؟
هزت رأسها وأكدت على حزنها:
-وزعلانة اوي.
صمت وهو ينظر لها ثم قال بترقب:
-في ايه؟
اعتدلت نحوه اكثر وبدأت في مداعبة عنقه بأطراف اناملها وهي تردف:
-عزمت يزن وماما منال ومليكة عندنا النهاردة، قولت معقولة كبير عيلة الشعراوي يرجع ومنعزمش عيلته حبيبته في بيته.
اتسعت ابتسامته لمحاولاتها في اقناعه، فابتسم بهدوء متصنعًا الأسف:
-لو كنتي قولتيلي بس بدري كنت حضرت معاكم، بس للأسف معزوم عند سيف.
رفعت عينيها بعناد وهي تقول:
-انت بتهرب مني؟
اختصر المسافة بينهما ولثم شفتيها بقبلات رقيقة يهتف من بينهما:
-من امتى وسليم الشعراوي بيهرب من حاجة، بس يريضكي ارفض الواجب.
تابع همسه اثناء قبلاته:
-اكيد ميرضكيش.
ثم نهض بخفة وتركها تكتوي بنيران الشوق لمقاطعة همساته الشغوفة بينما سجنت عاطفتها بداخلها ولم يسمح لها بملاعبته بنفس الطريقة ذلك الماكر الذي لم تعرفه له نهاية أبدًا.
***
في المساء…
كانت مليكة منهمكة مع شمس في اعداد الطعام الذي قامت شمس بتأخيره حتى موعد عودة سليم..عازمة على ما خططت له بينما كانت منال تؤدي فريضة العشاء ويزن يجالس أنس والصغيرة قمر في غرفة الصغير…
مرر يزن اصبعه فوق شاشة هاتف الصغير متابعًا باندهاش:
-ايه كل البنات اللي انت متصور معاهم في امريكا دول، دا انت غلبت عمك.
-كلهم صحابي يا عمو.
هتف بها الصغير في ثقة..فقال يزن مستغلاً الوضع:
-يا سلام صحابك ويا ترى معاك ارقامهم يا حبيبي!
ارتفع صوت منال بالصلاة تحاول ارسال تحذيراتها له ولكنه لم يأبى واستمر في الحديث مع الصغير وهو يفتح ملف اخر لفتيات أخريات اكبر سنًا…
بينما في الداخل استمعت مليكة لجرس الباب، فقالت شمس لها بسرعة:
-روحي افتحي يا مليكة انتي.
أومأت بحرج وقد انتفض قلبها خوفًا ان يكون سليم، فتحت الباب باستيحاء فوجدته أمامها بطوله وهيبته التي تخطف الانفاس..ترددت كثيرًا في القاء التحية وقبل أن تردف وجدته يقول بصوت الرخيم:
-ازيك؟
اهتزت ابتسامتها وهي تفسح له المجال:
-الحمد لله.
دخل يبحث عن شمس بعينيه فقالت بصوتها المرتبك:
– شمس جوا في المطبخ.
هز رأسه لها وهمس بشكرها فتفاجأت من هدوء معاملته لها، ولكنها حاولت تجاهل ارتباكها وعزمت على الانخراط معهم أكثر وخاصة هو…فتوجهت صوب طاولة السفرة تقوم بترتيب اطباق الاكل المملوءة فخرج يزن يقف بجانبها..
-الله بامية، فين بقى الطاجن بتاعي.
هزت كتفيها بدلالة على عدم معرفتها، فأمسك شوكه واستطعم اولاً بتلذذ فقال:
-ايوا هو دا..خدي دوقي.
تناولت شوكة اخرى ومع أول تذوق تركتها بفزع.. عندما وجدته حار بشدة، لطالما كرهت الطعام الحار وتعاني منه..اشارت له بالماء فلم يجدها فتوجهت سريعًا للمطبخ تشير بيدها لحاجتها بالماء فوقع بصرها المرتجف على اقتراب سليم من شمس…دخولها فجر قلقهما فابتعد سليم الذي كان يستغل الوضع ويعاتبها لإصرارها وما ان رأى حالة مليكة وصوتها المتحشرج:
-أنا اسفة..هخرج…
قاطعها سليم حينما ادرك حاجتها للمياه فأسرع ناحية البراد واخرج ماء مثلج واعطاه اياه وهو يقول:
-اشربي.
اخذت منه المياه وتجرعت منها بسرعة فدخل يزن خلفها وهو يصيح بتعجب:
-هو زيدان مكنش بياكل معاكي حراق ولا ايه، دا مبيعرفش ياكل غيره، احنا كلنا مبناكلش غير حراق.
انزلت المياه وهي تقول بصوت متقطع محاولة التقاط انفاسها:
-لا مكنش بيطلبه مني عشان عارف ان انا مباكلوش.
استعادت انفاسها أخيرًا وازداد احمرار وجهها بسبب حرارة الطعام واحراجها امامهم فبدت كالطفلة وهي تقفز بسرعة تطلب المياه..ولكن سليم لم يقف كثيرًا وتوجه للخارج فغمزت شمس ليزن باتباعه وتنفيذ خطتهما في ارضائه.
وبالفعل خرج يزن يبحث عن سليم الذي وجده يجلس امام التلفاز..فذهب يلتصق به مما أدى إلى ابتعاد سليم قليلاً ولكنه لم يأبى بل التصق به مرة أخرى..فهتف سليم بتحذير:
-ابعد عني.
أردف يزن ببراءة:
-ليه بس دا انا حلو وعيني ملونة وريحتي جميلة.
-ابوشن ميدخلش في ذمتي بتلاتة جنية.
وضع يزن يده فوق قلبه مردفًا باستعطاف:
-طب وقلبي اللي متعلق بيك..دا الناس كلها في حتة صغيرة وانت واخده كله لوحدك.
ضحك سليم باستنكار:
-اه انت هتقولي!!
لم يمل يزن واستمر في محاولة ارضائه فقبل جانب وجه سليم بقوة مما جعل سليم يهدر بعنف:
-لو كررتها تاني هتشوف وش عمرك ما شوفته.
عقد يزن ذراعيه امامه بضجر متمتمًا:
-انت قلبك دا ايه حجر، ازاي قادر تخاصمني دا كله، أنا مبعرفش انام من وقت ما جيت ولا باكل ولا بشرب..
ارتفع حاجبي سليم بتهكم وهو يطالعه:
-ازاي وكل يوم لما بدخل اوضتك بليل بلاقيك نايم ومستمتع.
قاطعه يزن وهو يلتصق به مجددًا مقبلاً جانب وجهه بقوة وسعادة:
-يا حبيبي يا سليم..انت بتدخل تطمن عليا كل يوم.
ابعده سليم بغيظ وهو يضربه بالوسادة بجانبه:
-ياخي هضر*بك لو بوستني تاني.
-غيرك بيتمناها والله.
قالها يزن بضحك وهو يبعد الوسادة عنه، فزفر سليم بقوة مما جعل يزن يستغل الوضع وهو يعاود الاقتراب من جديد، فسارع سليم بقوله الحانق:
-خلاص..خلاص سامحتك.
لم يعير يزن له اي انتباه والتصق به يحاوط كتفه بذراعيه متعلقًا به رغم ضخامة جسده وطوله فبدا كالطفل وهو يمسك به، حاول سليم ابعاده ولكنه فشل، فاستسلم بالنهاية وهو يسأله باهتمام:
-اديت مرات اخوك الفلوس.
هز يزن رأسه بنفي ولا زال متعلقًا به مردفًا وهو يغمض عينيه:
-لا رفضت تاخد حاجة.
-ومش عارف تقنعها زي ما انت بتقنع اي زبونة عندك.
رفع يزن وجهه يطالعه باستنكار:
-اهو الحقد دا اللي جايبني لورا اقسم بالله..وبعدين انا اصريت بس هي قالت ان اخوك مديها فلوس بزيادة وكمان الفيزا بتاعته قبل ما ترجع القاهرة.
التوى جانب فمه بسخرية:
-سبحان الله بيفهم معاها بس.
أكد يزن على حديثه وهو يخرج هاتفه من جيبه:
-احنا نحمد ربنا انه بيفهم وبيعاملها كدا، المهم تعال ناخد صورة مع بعض.
رفع يزن هاتفه ثم التقط صورة لهما..هو يقترب بشدة من سليم ومبتسم بسعادة لإنهاء فترة الخصام بينهما، بينما كان سليم يجلس بكبريائه المعتد واضعًا ساق فوق الأخرى ولم تتغير ملامحه الوسيمة للابتسام، لم يتكفي يزن بذلك بل وضع الصورة على “الفيسبوك” مشيرًا إلى محلات الشعراوي…واضعًا اسم سليم اخيه
“سليم باشا الشعراوي” اخويا الكبير، فانهالت التعليقات والاعجاب على صورتهما معًا وكانت التعليقات الاكثر من نصيب سليم..
***
في اليوم التالي..
دخل سليم محل الشعراوي الرئيسي متأخرًا عن موعد مجيئه وقد كان مزاجه هادئ نوعا ما لنجاحه مما كان يفعله في الصباح، فتابع الزحام بالمحل وكان معظم المتواجدين من النساء..وما ان وصل لمكتبه حتى تحولت جميع الانظار نحوه وكأن حضوره يضاهي حضور نجم سينمائي في اوج شهرته..لم يفهم سبب النظرات المصوبة نحوه والتي نالت معظمها ابتسامات خافتة وهمسات انثوية منبهرة فأشار إلى احد العاملين سائلاً اياه بخفوت:
-هو في ايه؟ ليه الكل بيبصلي؟
ابتسم العامل بحماس وهو يهبط بمستواه حيث سليم الجالس:
-بسبب الصورة اللي يزن باشا نزلها امبارح..من الصبح المحل ومبيعاته زادت جدًا.
ابتعد سليم ببصره بعيدًا عن الناظرين اليه وسأل مجددًا بعدم فهم:
-ايوا ما أنا مفهمتش، بيبصولي ليه؟
-معجبين بحضرتك..انت مشوفتش التعليقات ولا ايه.
همس سليم بغل وشر من بين اسنانه:
-ماشي يا يزن.
***
في احدى الشقق السكانية في ابراج القاهرة العملاقة، ضرب “ماجد” الطاولة بمقدمة قدمه معنفًا من يسجل لها تسجيل خاص:
-واقسم بالله يا فرح ان كنتي بتكذبي عليا ومخبية عنوانها لتشوفي اسود ايام حياتك..وأنا هعرف اوصل لمليكة كويس.
قطع التسجيل مهدئًا ذاته قليلاً قبل أن يرسل أخر بنبرة أشد لؤم وقسوة:
-واللي طلبته منك يتنفذ مع البت الجديدة عشان مزعلش منك وانتي عارفة زعلي وحش.
ارسله هو الأخر ثم القاه فوق الطاولة بعنف منتظرًا اجابتها على تسجيلاته المرسلة عبر تطبيق “الواتساب” وفي ذات الوقت ينتظر بفارغ الصبر اتصالا من احد الشخصيات المهمة عن مكان مليكة.

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

الرواية كاملة اضغط على : (رواية منك وإليك اهتديت)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى