روايات

رواية منك وإليك اهتديت الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم زيزي محمد

رواية منك وإليك اهتديت الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم زيزي محمد

رواية منك وإليك اهتديت الجزء الخامس والعشرون

رواية منك وإليك اهتديت البارت الخامس والعشرون

رواية منك وإليك اهتديت
رواية منك وإليك اهتديت

رواية منك وإليك اهتديت الحلقة الخامسة والعشرون

رمقها باهتمام كبير ورغم عنه تعلقت عيونه بخاصتها الباكية مرورًا بدموعها الفارة من عينيها بلا توقف، حتى أنفاسها بدأت تتقطع بشكل اقلقه وكأنها تحارب القيود المفروضة على لسانها، شعر بحاجتها للانفجار والصراخ بكل شيء يكمن داخلها..وقد كان مع أول لمسة من يده ليدها المرتجفة بدأت في سرد احزانها واحد تلو الأخر:
-من صغري وملقتش أي اهتمام من أي حد ولا من ابويا ولا من امي..كنت المنسية دايمًا في البيت مقدرتش اعمل علاقات مع حد من زمايلي في المدرسة وزي ما كنت منبوذة في البيت بقيت منبوذة في المدرسة..لغاية ما كبرت وبدأت اعرف عن الحب..الكلمة نفسها شدت انتباهي..كنت اوقات بسرح في حروفها بتخيل نفسي اميرة على حصان ابيض وببعد عن اهلي مع فارس جميل بيحبني..معرفش ليه قلبي اتعلق بزيدان..يمكن عشان كان بيضحكلي طب ما يزن كان بيضحكلي بردو يمكن عشان شكله ولا عشان كان غريب في تعامله معايا فشد انتباهي…
صمتت لثوان تزيل دموعها من فوق وجنتيها ثم حولت بصرها للجهة الأخرى وكأنها تمتنع عن النظر إليه، تخشى أن تصطدم بنظراته المشفقة عليها او ربما تواجه سخرية تسحق ما تبقى من ثباتها..لا تريد معرفة شعوره نحوها قبل أن تخرج جميع احزانها:
-اقنعت نفسي ان بحبه، ضغطت على قلبي وبدأت أحس ان مفيش الا هو، اتعلقت بيه زي المجنونة حياتي كلها مفيش الا زيدان..يا براقبه يا بدور عليه عشان اختفى، يا بحاول ارضيه..
انقطعت انفاسها حزنًا على ذاتها المنكسرة وبسبب تعلقها الشديد بزيدان تناست كرامتها عمدًا وهذا ما يلهب فؤادها بنيران الوجع:
-كل ما أهلي يتجاهلوني اقول مش مهم..أنا بحب زيدان وهيتجوزني وياخدني عندهم هناك في بيت خالي بيبحبوا بعض وهيحبوني معاهم وابقى وسطهم أحسن من عيلتي..بس كل مرة بشوف فيها مرات خالي وسليم كنت بحس ان برجع لنقطة الصفر، بيكرهوني لمجرد ان بنت ميرفت.
همس خالد بعد فترة طويلة من الصمت يشجعها على استكمال حديثها:
-وبعدين؟!
-واجهته بمشاعري رد برفض كبير وكأني حشرة مقدرش حبي..عاملني بقسوة ودا وجعني أكتر خلاني مش متقبلة حياتي وعايزة انهيها أصل أنا هكمل فيها وهو مش موجود ازاي..وزي العبيطة قررت انتحر.
رغم أن الكلمات كانت مثقلة ورغم أنها كانت تعاني من الخوف لعدم تقبله لها بعد معرفته بقصتها كاملة إلا أنها شعرت براحة كبيرة حينما تشجعت وأخبرته ما كانت ترفض الاعتراف به، استمعت لصوته الخافت المتهكم:
-عبيطة فعلاً.
ضحكت بقوة وكأنها اصبحت على مشارف الجنون..حتى انها وضعت يدها فوق صدرها من شدة ضحكها فتعجب خالد من رد فعلها ولكنها فاجأته أكثر حينما قالت:
-أصل أنا عبيطة فعلاً.
رفع حاجبيه معًا باندهاش ولكنها اكملت بثبات:
-قال ايه صعبت عليه وقرر انه يساعدني بعد ما أمي اتحايلت عليه عشان كانت خايفة عليا بعد ما جربت انتحر.
-هو عادي انك تصعبي عليه لكن اللي مش عادي هو رد فعل امك المُضحي، أنا الصراحة مش مقتنع به.
استمر في سخريته في الحديث فبدا الأمر فكاهي درامي حزين..فرفعت بصرها تسأله بصوت مبحوح من شدة تأثرها:
-هو كدا مكسرش قلبي لما ضحك عليا واوهمني انه بيحبني؟! الصدمة كانت أكبر من رفضه ليا ووجعها كان أشد.
شملها بنظراته الغامضة حتى انه استمر في الصمت لفترة اقلقتها حتى قال بلهجة غلب عليها الاستنكار:
-عارفة ليه يا نهى كانت أشد..عشان واجهتي كرامتك اللي كانت راميها في كيس زبالة.
أطرقت ببصرها للحظات ثم عادت تسأله مجددًا والحرج يغزو ملامحها الحزينة:
-أنا مش عارفة اعمل ايه في ضعفي؟!
وبكل سذاجة سألته:
-عندك حل ابقى قوية وادوس على أي حد يجرحني.
رفع حاجبيه معًا ضاحكًا وهو يقول ساخرًا:
-انتي يوم ما تفوقي عايزة تدوسي على خلق الله!
تنهدت بقوة وهي ترمقه بطرف عينيها والضيق يشمل ملامحها، فزفر بقوة وهو يردف بهدوء:
-اولا لازم تكوني عارفة انك قوية مش ضعيفة، معنى انك تتقبلي فكرة انك غلطتي في فترة من حياتك فـ دي في حد ذاتها قوة، انك تستمري مع عيلتك بنت ال*** دي فـ دا قوة بردو..انك تواجهي نفسك ان باللي كنتي فيه مكنش حب وانه كان احتياج مش أكتر، بردو قوة.
-احتياج!
همست بها بتعجب، فاستمر في حديثه بنفس هدوئه وذكائه:
-اللي فهمته منك أنه كان مجرد احتياج لشعور أنتي للأسف مش لاقتيه من أهلك..من أول ما حكيتي قولتي الاول اهلك يعني اللي اسمه…
تصنع نسيان اسمه قائلاً:
-اسمه ايه؟!
-زيدان.
كانت حروف اسمه ثقيلة للغاية على لسانها..حروفه تحرق جوفها تذكرها بمرارة ما مرت به معه.
-ايوا زيدان..هو مكنش اكبر مشاكلك من الاول، كل وجعك كان بسبب اهلك اهمالهم ليكي خلاكي زي المحرومة، وزي تفكير أي بت ساذجة في فترة المراهقة اوهمتي نفسك ان حبك له حقيقي بس انتي طولتي شوية في المراهقة دي لغاية ما الحمد لله فوقتي واكيد دلوقتي مقتنعة انه مكنش حب صح؟
سألها بترقب يخشى إجابة تحرق مشاعره المتوجسة منها ومن صمتها ولكنه هدأ قليلاً حينما قالت:
-مش عارفة..انا حاسة ان انا ضايعة، نفسي اعيش زي باقي البنات وابقى مرتاحة بجد، أنا تعبت من اللي بيحصلي.
ارتاح كثيرًا حينما أجابت بقولها الضائع والذي اظهر مدى انهاك مشاعرها، فقال ممازحًا:
-يا ساتر على الحقد اللي جواكي.
ضحكت ضحكة خفيفة وهي ترمقه ثم هبطت ببصرها للأرض تحاول استجماع ذاتها، فقال هو بجدية:
-عارفة يا نهى انتي محتاجة إيه؟
رفعت بصرها تسأله بنظراتها فقط، فأجاب ببساطة:
-محتاجة تشتغلي.
كررت خلفه وهي تحاول استيعاب حديثه:
-اشتغل؟
أكد على قولها بشرح موضح أكثر:
-ايوا محتاجة تطلعي طاقتك، تشغلي نفسك بحاجة، تحققي حاجة جديدة تحسي من خلالها انك تستاهلي فعلاً كل حاجة حلوة.
سألته بترقب:
-خالد متضحكش عليا، انتي شايف ان شخصية زي ينفع تشتغل بجد!
هز رأسه مؤكدًا بقوة:
-ايوا طبعًا، أنا يا ستي هتنازل واشغلك معايا.
ضحكت ممازحة:
-هشتغل ايه!، مساعد قاعد.
رفع أحد حاجبيه وهو يسألها باستنكار:
-انتي كنتي بتقعدي كتير مع ابوكي واخوكي!
اشتعلت وجنتيها بخجل بعدما تطاولت في مزاحها عليه، وخاصةً أنها لم تستوعب فكرة عملها معه!
-متزعلش انا اسفة، بس انا مستغربة انك بتقولي اشتغل، أنا مبعرفش اعمل اي حاجة في أي حاجة.
-تتعلمي، تثقي في نفسك أكتر وهتلاقيكي بتعرفي تعملي كل حاجة.
ترددت كثيرًا في سؤاله ولكنها تشجعت بعدما هاجمها شعور بالخوف من فكرة عودته لقطر مرة أخرى فسألت والتردد ظهر في نبرتها:
-هتجبلي عقد يعني واشتغل معاك في قطر؟!
أجاب ببساطة وهو يلتقط حبة الفشار:
-لا..أنا قررت استقر هنا في مصر، وكمان قررت افتح مطعم كبير أنا وواحد صاحبي ساكن هنا في مطروح..خلاص الغربة خلصت عليا وعايز استقر في بلدي.
اتسعت ابتسامتها بسعادة كبيرة وعبرت عن ذلك علنًا:
-انا فرحانة اووي.
سألها بمكر وهو يضيق عينيه:
-فرحانة ان هشغلك معايا، ولا عشان هقعد في مصر.
أصابها التوتر وهي تجيب بخجل:
-الاتنين أكيد.
-مع اني مش مقتنع بس تمام هعديها، ها موافقة تشتغلي ولا لا؟! بس خدي بالك أنا شديد اوي في الشغل.
انهى حديثه وهو يصطنع الجدية والحزم، فابتسمت ابتسامة ناعمة وهي تقول بصدق:
-أنت عمرك ما هتكون شديد، أنت احن واجدع انسان شوفته في حياتي، كان نفسي يبقى ليا أخ زيك اقدر اتكلم معاه واحكيله كل اللي جوايا ويكون في ضهري يمكن مكنتش هعمل كدا في نفسي.
كانت كلماتها بمثابة الصفعة التي تلقاها فجأة، لقد دمرت كل مشاعره بسبب تخيلها له في تلك المكانة، هو مجرد أخ ليس إلا…ماذا يفعل ينهض صارخًا بوجهها..أو ينهال فوق رأسها ويهشمها لقطع..، وأمام سكوته قالت هي بحماس:
-بس الحمد لله انك موجود، وبمناسبة الاخبار الحلوة دي هقوم اعمل عشا ونتعشى مع بعض.
تركته جالسًا على صدمته وتوجهت للداخل فنظر لإثرها متمتمًا بحنق:
-عليا النعمة معتوهة كبيرة، بعد دا وكله ابقى اخ.
اجفل على صوتها المرتفع وهي تناديه تطلب مساعدته:
-خالد تعال هاتلي الطبق دا من فوق.
أشار بيده بلامبالاة بعدما تحطمت جميع آماله قائلاً:
-مش قايم يا باردة.
ظهرت من خلف الباب الزجاجي قائلة باهتمام:
-بتقول ايه، مسمعتش.
نهض من مكانه واضعًا حاسوبه فوق الأريكة الخشبية ثم توجه نحوها وهو يقول بنزق:
-ببرطم..ايه مشوفتيش واحد بيبرطم قبل كدا؟ فين الطبق.
أشارت له وهي على نفس ابتسامتها الحمقاء، جذبه بسهولة ثم اعطاه اياها وملامحه تناقض ابتسامتها، فقالت بتردد بعدما تملكت الحيرة منها:
-ماما عاملة ايه دلوقتي!
-لا هتسأليني عنك امك وانا مش طايق نفسي..هروح اجبهالك واغرقهالك في البحر.
حاولت تدارك الأمر فقالت بهدوء وهي تتجه صوب المطبخ:
-طيب خلاص..اعتبرني مسألتش.
-تصبحي على خير.
تركت ما بيدها وسألته باندهاش:
-احنا مش هنتعشى مع بعض؟!
جز فوق أسنانه وهو يردف بغيظ:
-لا ما هو أنا مش اخوكي ولا حتى زي اخوكي عشان اقعد معاكي واتعشا كمان..تصبحي على خير يا نهى يا بنت خالي..واللي اهو أنا ابقى ابن عمتك..واخده بالك ولا لا.
هزت رأسها بنفي والبلاهة تغزو فوق ملامحها، فهتف هو بحنق شديد:
-يبقى أحسن بردو، تصبحي على خير.
***
تحمست مليكة وهى تشارك زيدان لعبة ” الكوتشينة” في مساء عاد فيه مبكرًا من عمله وشاركها ايضًا العشاء فكانت إمارات السعادة تغزو وجهها وهى تتشارك معه ابسط التفاصيل والتي بالتأكيد ستظل عالقة بذهنها.
نهضت بحماس وهي تلملم الأوراق قائلة بسعادة:
-كسبتك في أخر دور.
فرك عينيه بقوة متظاهرًا بحاحته للنوم فقال:
-طيب الف مبروك..تصبحي على خير.
اوقفته بيدها قائلة بحسم صارم:
-لا اقف هنا الاول ونفذ العقاب.
راقت له الفكرة كثيرًا وهتف بوقاحة:
-لو معندكيش افكار للعقاب أنا ممكن اساعدك واقولك عادي.
ظهرت نواياه الخبيثة لها، فرمته بنظرة ماكرة وهي تقول:
-لا مستغنية عن خدماتك، أنا عندي عقاب وهتنفذه حالاً.
اغمض عينيه متجاهلاً حديثها عن قصد وقرب رأسه منها وهو يشير بيده قائلاً بنبرة عابثة:
-يلا متتكسفيش أنا جاهز ومغمض عنيا.
-جاهز لإيه؟
تظاهرت بعدم الفهم، فأجاب بمكر عابث:
-مش انتي عايزة تديني بوسة، أنا موافق.
ألقت الوسادة بوجهه فأبعدها وهو يتصنع البراءة:
-مش الصحاب بيبو….
نهرته بغضب:
-زيدان أنا كرهت الصحوبية دي بجد.
صفق بحماس شديد وابتسامته الواسعة شقت ثغره:
-بركة يا جامع جت من عندها، تعالي نلعب عريس وعروسة بقى.
ابعدت يده المحاولة جذب خصرها نحوها قائلة بتحذير قاس:
-زيدان عيب كدا.
عقد ذراعيه أمامه قائلاً بحزن زائف:
-ليه بس، دا أنا شوفت الواد شادي بيلعبها مع البت بنت الجيران اللي في الدور الاول، يعني هي مكتوباله وأنا لا.
شهقت بقوة وهي تضع يدها فوق فمها قائلة:
-يالهوي بجد عمل كدا؟!
ضيق عينيه بمكر وهو يردف باستنكار:
-اه يا قليلة الادب دماغك راحت فين؟! الواد بريء من افكارك.
-أنت مش بتقول لعب مع البنت كدا؟!
سألته بخجل ففاجأها بسرده لِمَ رآه:
-ابن الجاحدة قالها كدا فعلاً وقال ايه نازلين من على السلم كأنها عروسة وهو عريس الغفلة والواد راح مديها برجلة وزاققها من السلم وبعدها وقف يضحك ويقولها يا عروسة يا هبله
تنهدت براحة ولكنها قالت بضيق من بعدها:
-بجد اليوتيوب لحس دماغه، وقولت لشهيرة كتير ومش قادرة تمنعه عنه.
عبس بوجهه وهو يقترب منها:
-هو احنا هنقعد نحل مشاكل شادي.
ابتعدت للخلف في الاريكة قائلة بحسم:
-على رأيك، يلا عشان تنفذ العقاب.
رمقها بغيظ شديد فرأى الإصرار بعينيها قرر الاستسلام وهو يقول بضيق:
-عقاب ايه يا ترى؟!
-قولي سر في حياتك محدش يعرفه غيرك!
كانت تقول كلماتها بخفوت وابتسامتها الماكرة تتلاعب فوق ثغرها الوردي، وفي لحظة عاد للخلف واغمض عينيه وهو يتكأ برأسه فوق الوسادة الكبيرة:
-ياااه حاسس ان انا هموت وانام.
جذبته من يده بقوة فاعتدل في جلسته وهو يردف:
-وانتي عايزة تعرفي ليه اسراري؟
-عشان احنا…
-لو قولتي اصحاب هقوم انام بجد.
مطت شفتيها بضيق فقالت بصدق:
-فضول عادي.
صمت طويل…طويل جدًا من قباله، لدرجة أن سهام الشك اخترقت قلبها، وروادها أفكار سوداوية عن سبب صمته، فقالت بترقب:
-لدرجة دي هو صعب؟!
-لا مش صعب، بس مش متوقع رد فعلك هتفهمي موقفي ولا هتثوري وتضايقي.
أجابها بصدق عن سبب صمته فهو كان يعاني من حيرة مزقت تفكيره لشقين..رغبة تدفعه لإخبارها بنصف ما يؤرقه وهناك خوف يفرض قيود الصمت حوله لسانه..ولكنها ردت بعقلانية:
-اوعدك اني احاول اتفهم.
ربطت المحاولة بحديثها لقلقها حول هذا السر الذي فجر التوتر فوق وجهه فبدا مترددًا وهو يخبرها:
-أنا خاطب نهى بنت عمتي ومفيش حد يعرف من أهلي.
عقدت حاجبيها تحاول استيعاب ما قاله ثم صاحت مستنكرة:
-نعـــــــم!
فسارع بتوضيح قوله:
-هحكيلك كل حاجة، اهدي انتي فهمتي غلط…
نهضت بغضب عارم وملامح وجهها تتوهج وهي تردف بنبرة معنفة:
-انت واعي بتقول ايه يا زيدان..بتقول لمراتك انك خاطب بنت عمتك ومحدش يعرف، ايه البجاحة دي.
امسك اوراق “الكوتشينة” نافضًا اياهم بغضب مماثل، ثم نهض مردفًا بعناد:
-طب والله ما أنا حاكي أي حاجة.
توجه بالفعل نحو غرفة نومهما، فتوجهت خلفه تمنعه وهي تقول بغيظ:
-دي بجاحة فعلاً…زيدان اقف عندك وقولي انك بتضحك عليا.
هز رأسه نافيًا ثم قال بنبرة غاضبة:
-لا مبضحكش، وطلبت منك تتفهمي موقفي وانتي قولتي هحاول، مشفتش ذرة محاولة واحدة منك.
ارتجفت يدها لكم الغموض الحائل بينهما، فاختارت الهدوء كحلاً للاستماع له قبل أن تصدر حكم بإنهاء علاقتهما، لذا تحلت بالصبر وهي تتجه للأريكة مرة أخرى تشير له كي يعود جالسًا ويستكمل باقي حديثه، بينما هو راقب تحولها السريع وعندما هدأت نسبيًا قرر العودة لمكانه مجددًا ثم جلس وهو يقول بنبرة شديدة اللهجة:
-مليكة اسلوبك ميتكررش تاني، أنا عارف انها صدمة ليكي بس بردو انا مكنتش مجبر ان اقولك حاجة وانتي مكنتيش هتعرفي حاجة.
-متتهددنيش واتفضل أنا سامعك.
قالتها بصوت مكتوم وكأنها تحارب انفجار بركان من الغضب في وجهه، اما هو فجذب نفس عميق قبل أن يسرد ما لديه في هدوء زائف:
-نهى طول عمري بحس انها بتحبني بس كنت بتجاهل دا واحيانًا كنت ببعد عنها فترات طويلة عشان متحطنيش في حياتها، بس بمجرد ظهوري تاني بتفرض نفسها عليا، كانت بتصعب عليا بس مكنش في ايدي حاجة اعملها، طول عمري شايفها مجرد اخت او صديقة مفيش حاجة ازيد، بس دايمًا كانت بتحاول تحطنا في اطار الحب..
ابتلعت لعابها وسألته بنبرة خافتة باهتة:
-وبعدين حبيتوا بعض؟
تنهد بقوة وهو يستكمل بضيق:
– في فترة موت والدي أنا كنت ضايع، لقيتها جنبي وقدمت كل حاجة في ايدها عشان تساعدني اتخطى دا، وأنا حقيقي شايلاها حاجة زي دي، بس هي فهمت قربي منها غلط وصارحتني بحبها وقتها قولتلها كلام كتير يجرحها بس كنت قاصد افوقها من وهم الحب دا، هي مستحاملتش وانتحرت.
شهقت بصدمة واتسعت عينيها غير مصدقة:
-يا نهار اسود انتحرت.
-اه بس امها لحقتها..عمتي استغلت دا ولما بلغتني قعدت تعيط وانهارت واتحايلت ان اساعدها ارجعلها بنتها ومفيش طريقة غير ان اوهمها ان بحبها واخطبها ومن بعدها ابدأ اكرهها فيا لغاية ما هي تسيبني بارادتها، منكرش ان حسيت بالذنب من ناحيتها، أنا جرحتها فعلاً بكلامي ودا اللي خلاني اعمل كدا، مكنتش قادر اتخيل يا مليكة لو ماتت بسببي؟
همست بحزن:
-وخطبتها طبعًا؟
أومأ برأسه قائلاً بندم:
-اه للأسف في السر، بس كانت بتتعلق بيا أكتر، ومن ناحية تانية امها كانت بتحاول تستغل خطوبتنا دي عشان تضغط عليا اساعدها في قضية جوزها وابنها..ولما وصلت لمرحلة مبقتش قادر اكمل قررت اواجه نهى واحكيلها كل حاجة، بس للأسف سافرت لابوها قبل ما احكي أي حاجة؟!
قطعت حديثه بقولها الذي غلب عليه التعجب:
-ثواني أنا مش فاهمة، ازاي خطبتها في السر؟!
-كان شرطي إن أنا عشان اوافق على طلبها، اهلي ميعرفوش وبالذات سليم أخويا.
شعرت بالغموض الشديد يلتف حول حديثه، فعادت مجددًا تسأله بحذر:
-وسليم اخوك لو عرف هيحصل ايه؟!
انفجر ضاحكًا بقوة، ففجر الانشداه فوق ملامحها وخاصةً حينما قال بتهكم:
-هيطربق الدنيا فوق دماغي بس، سليم بيكره عمتي وبالنسباله كدا أنا مكنتش مجرد شخص بيساعد واحدة كانت هتموت، لا أنا كدا خاين له.
عبست بملامحها ثم قالت باستهجان:
-لدرجة دي هو بيكره عمتك؟!
جذب نفس عميق قبل أن يرفع الغطاء عن بئر الماضي وهو يجيب:
-مش هو بس كلنا، لو أمي عرفت هتزعل وهتثور هي كمان بس أنا قادر اراضيها، يزن اكتر واحد ممكن يفهمني لكن سليم لا استحاله يفهم موقفي، فاختارت اخبي عن الكل، بس الموضوع زاد عن حده.
ضمت شفتيها في ضيق ثم قالت بوضوح وقلق سيطر عليها:
-زيدان أنا طلعت معرفش عنك أي حاجة؟ يعني مثلاً ايه اللي يخليكوا تكرهوا عمتكوا كدا؟
-لا دي حكاية طويلة اوووي، بس قبل ما احكيها قدرتي تفهميني ولا لا..
قطعت حديثه بقولها الجاد محاولة أن تخفي مشاعرها المضطربة اثر هذا الخبر الذي كان بمثابة القنبلة المدوية:
-قبل ما ارد عليك، انت كنت جواك مشاعر ليها يعني مثلا اعجبت بيها كبنت في مرة.
أجابها بصدق نابع من داخله، مستكملاً حديثه بتعاطف كبير:
– لا…عمري ما كنت بشوفها غير نهى بنت عمتي وبس، البنت صعبانة عليا جدًا وحقيقي بتمنى تعيش حياة اسعد من اللي هي فيها، انا حاولت معاها بكل الطرق باللين مرة واخر مرة لما اعترفتلي جرحتها وقسيت عليها بس دا كان لمصلحتها، لكن خلاص كل انسان له طاقة وأنا طاقتي خلصت، اول لما ترجع من السفر هقولها كل حاجة.
سألته بتردد وخوف حقيقي:
-وان حاولت تنتحر تاني؟!
هز كتفيه بضياع ولكن هناك حقيقة واحدة يجب عليه تنفيذها:
-معرفش يا مليكة، بس اللي اعرفه لازم اخلص من الموضوع دا..انا معنديش استعداد اخسر اخويا.
نصحته بعقلانية:
-يبقى لازم تقول لسليم قبل عمتك خليه يسمع منك الاول.
ابتسم بتهكم وهو يجيب بمرارة عن صعوبة شخصية أخيه:
-سليم مش بالسهولة اللي انتي فاكراها دي، أنا عندي اهدد ميرفت بأي حاجة وأنا قادر اخليها تسكت، وكمان قادر اخلص من نهى بان اقولها كل حاجة.. بس في سبيل سليم ميعرفش أي حاجة.
-انت كبير بما الكفاية وهو لازم يفهم موقفك.
رفض محاولاتها بكل الطرق مؤكدًا على قوله:
-قولتلك هو مش بالسهولة دي، سليم بيكره عمتي جدًا وان عرف حاجة زي دي هتبقى مصيبة وحلت فوق دماغي حتى لو جربت احكيله واقوله.
-لا بقا انا اعمل كوباتين قهوة وتحكيلي كل حاجة عن عيلتك بالتفصيل، أنا لازم اعرفهم عشان لما يرجع اعرف اتعامل معاه.
وقبل أن تنهض امسك كفها بين قبضته سائلاً اياها للمرة الأخيرة:
-يعني إيه؟!
اطلقت تنهيدة ثقيلة للغاية قبل أن تجيب بصوت جاهدًا أن تخرجه ثابت منافيًا تمامًا لِمَ تشعر به من فوضى ما بين أفكارها الثائرة بجنون ومشاعرها الدافئة…وللحظة أصابها التشتت ولكنها تراجعت عما كانت ستقدم عليه، فما فعله زيدان حتى الآن لها ومحاولاته لبناء علاقة سوية معها بكل الطرق جعلها تعفو عن خطئه بل واقتنعت بتبريراته فقالت بابتسامة دافئة:
-يعني أنا واثقة انها لما ترجع هتقدر تحكيلها بكل هدوء وتخلص من الحكاية دي.
ربتت فوق كفه بحنان ثم قالت هامسة:
-ثواني هعمل القهوة واجي.
تركته واتجهت صوب المطبخ بينما هو ظل على جلسته كل ما فعله هو أنه أراح رأسه للخلف واغمض عينيه مفكرًا في الأمر التالي هل يمتلك قدر آخر من الجرأة ويخبرها بأن اخيه لا يعلم بوجودها هي الأخرى أم أن ذلك سيكون بمثابة إهانة لها بالإضافة إلى صدمتها فيه، فمن واقع معرفته بها هي شخصية مرهفة المشاعر ومن الممكن أن تدفعها افكارها أنها كانت مجرد ثقل عليه وهو قام بالتضحية من أجلها وكل هذا سيعود بالتأكيد على علاقتهما الذي يحاول بشتى الطرق تثبيت قواعدها كي تظل متينة لا تتأثر بأي شيء كان…سيكتفي بهذا القدر من الأسرار، وقرر ألا يخبرها، حيث اكتفى بما قاله وهذا في حد ذاته انجاز جديد اقدم عليه بكل شجاعة بعد أن تقبلت علاقته بنهى بكل موضوعية وعقلانية منها وهذا أشعره بالراحة حتى لو كانت جزئية.
***
مرت الأيام ما يقارب ثلاثة أشهر..قد اعتادت مليكة فيهم على حياتها الجديدة واقتربت أكثر من زيدان بعد أن فتح لها صدره واخبرها عن عائلته ومشاكلهم وطباعهم، سمحت لنفسها بالتقرب منه والتعلق به بعدما بدأت تعتاد على حياتها الجديدة وتشعر بالأمان بين جدران هذه الشقة ومع وجود زيدان تحديدًا..أصبحت تلميحات الحب صريحة أحيانًا وبدأت تقابلها بقبول امتزج فيه الخجل..ولكن الطريف بزيدان أنه يعاملها برفق ولين عندما تثور وتعلن رفضها لهمساته الشغوفة، فيتركها تهدأ دون أن يضغط عليها وأحيانًا يشعر من عينيها الفاقدة للاحتواء بحاجتها لعناق دافئ يغمرها فيه بالأمان والحنان فيفعل ذلك دون تردد وتستجيب هي بكل هدوء.
اليوم لم يكن يوم عادي لأنها ستقوم بتوديع شهيرة وعائلتها..فالقد انتهى عمل شاكر بالقرية لذا قررا العودة للقاهرة وخاصةً مع التطورات الجديدة بالقرية بعد أن حدث بها جريمة قتل على أطراف حدودها والجاني من عائلة أخرى بقرية مجاورة فالوضع أصبح أكثر اثارة وعنفوان بعد أن تعلق الموضوع بالثأر وهذا كان الدافع الأكبر لشهيرة في اتخاذ القرار بالعودة للقاهرة..
وقفت في الساحة الصغيرة الفاصلة بين الشقتين تودع شادي بالأحضان والقبلات التي امتزجت بالبكاء:
-هتوحشني اووي يا شادي.
ابتسم لها بحب وقال بضحكة صغيرة:
-وانتي كمان هتوحشيني والمكرونة المحروقة بتاعتك هتوحشني اوي.
ضحكت ضحكات صغيرة وهي تربت فوف رأسه فتابع الصغير برجاء:
-ادي دي لعمو زيدان وقوليله هيوحشني.
نظرت للعبة الضابط المشوه فضحكت من وسط دموعها:
-حاضر يا حبيبي.
استقامت بجسدها وهي تبادل شهيرة العناق مودعة اياها بحرارة، حتى قالت شهيرة بتحذير:
-مليكة خلي بالك من نفسك ومتفتحيش لحد خالص، ولو تعرفي تاخدي اجازة من المستشفى خدي لغاية ما الوضع يهدى شوية.
– متقلقيش أنا بروح المستشفى يا مع زيدان يا مع حد من العساكر.
قالتها مليكة بنعومة وهي تحاول بث الطمأنينة في قلب شهيرة والتي لاقت منها كل الحب والاحترام والود خلال هذه الفترة، رن هاتف شهيرة وكان زوجها يطلب منها النزول فودعتها مرة أخرى واخذت شادي ونزلت للأسفل بينما دخلت مليكة للشقة وقامت بغلق جميع الاقفال الحديدية واحد تلو الأخر، ثم توجهت صوب المطبخ تعد كوب من الشوكولاتة الساخن ولكن جرس الباب رن فتوجهت نحو الباب تقول بصوت مرتبك:
-مين؟!
-أنا زيدان يا حبيبتي.
فتحت الاقفال ثم فتحت الباب وما ان دخل حتى جذبها لأحضانه وقام باحتضانها بقوة، فبادلته العناق قائلة بصوت غلب عليه الاشتياق:
-وحشتيني يا زيدان من امبارح مش شوفتك.
قبل رأسها بنعومة عدة قبلات ثم قال بجدية جعلتها تعود للخلف:
-يلا جهزي شنطك عشان هتسافري القاهرة..
-ايه؟!
هز رأسه بتأكيد وهو بقول بصرامة:
-لازم تسافري مينفعش تقعدي هنا، الوضع بيزيد سوء، وشاكر وشهيرة سابوا البلد…مش هكون مطمن عليكي هنا.
عادت تقترب منه ثم قالت برجاء وهي تنظر داخل عينيه:
-انا هكون هنا معاك يعني في أمان…
قطع قولها بضيق شديد لعدم تقبلها سوء الوضع:
-لا يا مليكة مفيش أمان حتى وأنا موجود هنا، اسمعي الكلام يا حبيبتي، ولو كان على نقلك القيادات تولت الموضوع دا وهتروحي مستشفى قريبة من البيت.
همست بضياع:
-بيت ايه؟!
ادرك سبب مخاوفها الآن، فابتسم بحب وهو يقول:
-بيتنا يا مليكة، البيت اللي قاعد فيه أهلي، انا اتصلت على يزن وماما وفهمتهم كل حاجة..يلا عشان هساعدك وبعدها اوصلك للمطار.
همست برجاء أخير وهي تقبض فوق كفه:
-زيدان خليني معاك، أنا خايفة.
-هناك امان أكتر، صدقيني مش هتخافي من حاجة بس هنا بقى مستحيل تقعدي لحظة واحدة، لو بتحبيني ساعديني واسمعي كلامي.
أومأت برأسها موافقة وتحركت خلفه كي تعد حقائبها للسفر هذه الليلة..ليلة لم تكن في الحسبان وقلبت كل حياتها..فمجرد الابتعاد عنه يعني الهلاك..وقد شعرت ببوادره الآن.
****
في اليوم التالي….
فتحت مليكة عينيها بعد ان استغرقت عدة ساعات في النوم بعدما عادت ليلاً من القاهرة واستقبلها يزن في المطار ثم اخذها لمنزلهم..كان استقباله لطيف جدًا وخفف من حدة التوتر بينهما..أيضًا منال كانت لطيفة معها وعاملتها بكل حب..مما ساعدها على النوم بعد أن اجرت اتصالا بزيدان واخبرها أن كان هاتفه مغلق هذه الفترة لا تقلق وانه سيتواصل معها هو.
نهضت ببطء وجسد مرهق واغتسلت اولاً ثم أدت فريضتها وقررت أن تخرج تساعد والدة زيدان والتعرف عليها أكثر..وبالفعل خرجت بخجل شديد ترتدي “سدال للصلاة” تبحث عن منال التي وجدتها في المطبخ تعد المخبوزات الشهية والتي سرقت رائحتها انتباهها بل ودفعتها نحو ذكريات الماضي مع والدتها الحبيبة…
-تعالي يا مليكة، خديلك واحدة دوقيها.
اقتربت مليكة وهي ترسم بسمة لطيفة فوق ثغرها تلتقط واحدة..ثم تذوقتها فقالت:
-تسلم ايدك..تحبي اساعدك في حاجة.
-لا يا حبيبتي اقرب اخلص.
-هو يزن فين؟ كنت عايزة اروح ازور بابا مصطفى النهاردة وزيدان قالي ان يزن هيوديني.
ضحكت منال وهي تقول بتهكم بسبب قواعد يزن الصارمة في اجازة يوم الجمعة:
-يبقى تستني لما البيه يصحى من النوم النهاردة الجمعة وبيتأخر شوية لما يصحى.
-مفيش مشكلة…
رن جرس الباب فتركت منال ما بيدها ولكن منعتها مليكة قائلة بهدوء:
-خليكي أنا هفتح.
وبالفعل توجهت صوب الباب تفتحه وما ان فتحت وجدت رجل وسيدة تحمل طفلة رضيعة بين يدها وأمامهم طفل صغير وقبل أن تتحدث وجدته يقول بلهجة قوية جعلت القشعريرة تسري في اوصالها:
-انتي مين؟!
شملتهم بنظراتها للحظات قبل أن تقول:
-حضرتك اللي مين؟!
جاء رده العنيف الممزوج بالسخرية لسؤالها عن هويته:
-أنا سليم الشعراوي صاحب البيت دا، انتي مين بقى؟
توسعت ابتسامتها وهي تقول مرحبة بعودتهم:
-أنا مليكة مرات زيدان.

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

الرواية كاملة اضغط على : (رواية منك وإليك اهتديت)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى