روايات

رواية جحر الشيطان الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم ندى ممدوح

رواية جحر الشيطان الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم ندى ممدوح

رواية جحر الشيطان الجزء الثاني والعشرون

رواية جحر الشيطان البارت الثاني والعشرون

رواية جحر الشيطان
رواية جحر الشيطان

رواية جحر الشيطان الحلقة الثانية والعشرون

لقد عادت إلى أرض الوطن، واستنشقت عبيره فنعش صدرها، تقسم أنها لن تبرح وطنها مرة أخرى.
يا الله … كم أن العودة إلى الوطن عظية.
تُلقي بالقلب الراحة مهما كان القلب مهمومًا، معبئًا بالأحزان.
راودها شعور بالصراخ أن تثبت انها وطأت مطار الوطن لكن ليس بمفردها معها صغير تعلق بها، وتعلقت به هل ستكون قدر المسؤلية!
صوت آجار المنادي جذبها من أوج تفكيرها لتدحره جانبًا وتلتفت له في تساؤل فـ قال لها في لهفة تجلت في صوته :
– ها نحن ذا قد عُدنا، هُنا سنفترق نحنُ أيضًا، لكن لكِ وعدي سنلتقي حتمًا مجددًا وقريبًا.
فـ أردفت ودموع الحزن تترقرق في عينيها :
– سنلتقي؟! هذا وعد؟ لم اعد قادرة على فراق احد.
سكت آجار ردحًا من الزمن بأعيُن تتأملها في وعدٍ صادق مبهم، وقال بنبرة تقطر حنانًا :
– أعدك إننا سنلتقي مجددًا يا صغيرتِ، فقط إلى أن يحين هذا الوقت تذكريني، لا سيما أيامنا بياليها التي مرت ونحنُ مع بعضنا البعض … ولكن هل ليّ من طلب؟

 

 

– حقًا تسئل يا آجار، أطلب ما تُريد.
– لا تكرهيني ابدًا مما قد يبدر مني، تذكري فقط اني آجار الذي قد يفعل لأجلك كل شيء، ناهيكِ عن كل شيء أنا أفعل المستحيل ليكون ممكننًا لأجل عينيكِ، تذكرِ آجار التي روحه فداءً لكِ ولا تتذكرِ غير هذا، حسنًا!
كلماته الغامضة آثارت ريبتها لا ريب ولا أراديًا تسلل الخوف في فؤادها ولا تدري ما سبب ذلك محال أن تعلم هذا الشعور ولكن حرى بها أن تستفسر؛ لذا قالت وهي تستدير إليه كُليًا :
-ما هذا الكلام المبهم الذي تتفوه به!؟ هل ثمة شيء تخبيه عني، أنتَ بخير… أليس كذلك؟
هم أن يطمئنها لكن حضور عثمان الذي كان ينهي اوراق الخروج من المطار حال دون ذلك، رمقه عثمان بنظرة جافة وهو يأخذ منه جعفر دون أن ينبس، فـ زاغت عينايّ آجار لوهلة، وصدح صوت عائشة مناديًا في تلهف وحنين بإسم ابنتها فـ اطبقت دارين شفتيها وقد كانت على وشك الكلام مع عثمان بخصوص آجار فنست كل شيء وهي تركض كالعاصفة إلى حضن والدتها التي ضمتها وتدفق دمعها وراحت تقول بصوت متقطع أثر البكاء :
– دارين، بنتي أنتِ بخير يا ضي عيني، بخير صح أنا … انا مش بحلم مش كدا؟ أنتِ قدامي اهووو، صح صح.
– انا هنا يا ماما، وحشتيني اوووي يا حبيبتي.
قالتها دارين والدموع تسيلُ من عينيها قبل أن تقول بلهفة :
– آجار! ماما لازم اعرفك على آجار..
تلفتت حولها فلم تجد إلا عثمان الذي دنا منهما، وهنا علمت إنه ذهب.
وها هي تفقد احدٍ أخر! إلى متى ستظل تفقد هكذا؟
اطرقت رأسها في حزن واقبل هيثم من بعيد محاوطًا إياها بين ذراعيه يطمئن عليها اطمئنان الخائف على ابنته بكل صدق.
لم يدور بينما حديث او تساؤل عن الصغير بل ذهبوا إلى البيت من فورهم.
غافلين عن أعيُن تراقبهم بوداع خافت، و وعد بالعودة آتٍ عن قريب.
– مين الطفل ده يا دارين؟ إبن مين؟
سئلت عائشة وهم في السيارة، ما زالت تضم ابنتها خشيت فقدانها مجددًا كأنها قد تتبخر من جوارها، تخاف ان تغمض عين فتختفى أو تغدا حلمًا جميلًا حلمت به و ولى، لا غرو فمن ذاق ألم فراق الإبن يضحى يهاب كل شيء وخاصةً أن كان لها ولدًا وحيدًا.
تلجلجت الكلمات في صدرها لا تدرِ بماذا تُجيب، يمور القلق بداخلها ومما ذاد الطين بله قول عثمان :
– صح إبن مين ده؟ ومين الواد اللي كان معاكِ؟ وبعدين إزاي ظهرتوا فجأة كدا في المكان وانا متأكد ان مكنش في حد وكمان كان مغمي عليكم إلا الطفل الصغير، إيه اللي حصل معاكِ.
دارت عينيها بين الجميع في تيه وتبسمت في شحوب وهي تقول :
– أنا تعبانة دلوقتي وعايزة استريح وبعدين هبقى احكي لكم كل حاجة.
أسبلت جفنيها تسند رأسها على كتف والدتها تهرب من الجميع، والحيرة استبدت بها، ما هذه النكبة كيف تخرج منها، ومن اي ثغرة تسلك؟
أن اخبرتهم بما حدث لظنوا إنها مجنونة لا ريب فما حدث ضربٌ من الخيال لا يستوعبة عقل ولا يسعه قلب ؟
عَمَّ تتحدث وكيف تتحدث وكيف تجد الحل لهذا المأزق.
استشعرت ان الطريق قد طال أما إن تفكيرها كان ثقيلًا؟!
” داريــــــــــــــــن، جت يا بشر يا إللي هِنا، انتوا فين؟ آه … آه براحة يا بقرة منك ليها”
صاحت بآخر عبارتها مع هجوم الفتيات عليها من حيثُ لا تدري، هيَ الآن بينهم وسط عائلتها والفتيات و وسط الجميع، عمت الفرحة قلوب الجميع وضج البيت بالحيوية فجأة ومار بالضحك والأصوات العالية، والضحكات المرتفعة، الجميع يحتفل بعودة دارين سالمة الكل حاضر والجميع ملتف حولها، وحول الصغير.
بينما هلت هالة فجأة من الأعلى ترمق الجميع شزرًا حتى قالت وهي تحدج دارين بتشكك :
– بياعت اللبن ليكِ كتير مجبتيش لبن يا بت، وبعدين يا ختي جاية تقعدي ولا كأن البيت بيتك ناقصين زحمة إحنا.
ثُم أشارت على الفتيات وهي تتابع :
– مش كفاية المتعايس دول اللي معرفش جم منين.
حل الصمت المكان وأعيُن دارين متسعة ثُم هبت واقفة في مواجهة هالة وهتفت متخصرة :
– نعم يا حجة يا إللي رجلك والقبر انتِ مين دي اللي بتاعت لبن؟

 

 

ضربتها هالة بعكازها مغمغمة :
– لسه لسانك طويل شبرين يا مقصوفة الركبة، أنتِ… وحشتيني يا كلبة يا إللي مبتسأليش عليا.
تأوهت من ضم دارين وهي تتمتم :
– براحة ياختي عضمي مش حملك يا جموسة انتِ!
انفجر الجميع ضاحكًا عليهما، وجلسوا يتبادلوا اطراف الحديث حتى علا صوت مالك آتيًا من الخارج :
– دارين، يخرب بيتك رجعتِ، انا قُلت موتِ ومش هنشوفك تاني.
شوحت دارين بكفها له في تزمر، فتابع هو مصدومًا وهو يحمل جعفر من سجى :
– إي ده إي ده طنط سجى أنتِ ولدتِ امتى يا حبيبتي.
نظرة واحدة من ياسين كانت كافية ليعدل عن كلامه قائلًا :
– دارين يا مصيبة أنتِ الحقتي تتجوزي وكمان تخلفي يا نهارك اسود طيب حتى اعزمينا طيب؟.
فاض بها فنهضت تنوي شرًا فمال مناولًا الصغير لـ سجى وهو يردد :
– خدي يا سجى يا قمر.
هُنا صاح ياسين غاضبًا :
– تعرفِ لو سبتيه من غير ما تخدي حقك هموتك، دا كان قبل ما تيجي بيدعي عليكِ.
أشارت دارين بصدمة إلى نفسها فـ اومئ ياسين فصاحت :
– انا يا إبن حذيفة تدعي عليا، انا والله ما هسيبك يا إبن الجزمة.
ركضت وراءه وفر هو من امامها والفتيات خرجن خلفهم، بينما صاحت أسماء في صدمة :
– أنا جزمة، أنا والله لاوريكِ يا بنت زين.
إلتقطتت نعلها وهي تندفع للخارج فضرب حذيفة رأسه بكفيه في غلب، في الخارج كان يوسف يشعلل دارين اكثر على مالك والشباب الذين راحت تركض وراءهم وهي ممسكة بعكاز هالة وانفرط الفتيات في الضحك اكثر حين انطلقت أسماء بنعلها وراهم والضحكات ملئت الاجواء بهجة.
اختلقت دارين كذبة وقصتها على مسامعهما إذ أخبرتهم إنهم وجدوا هذا الطفل من أمرأة كانت معهم على متن الطائرة وتوفاها الله، وانهم وجدوا بعد سيرهم أناس استقبلوهم حتى وجدهم عثمان وان سبب الأغماء لا تعلم، ولم يعلق أحد رغم تشككهم في ما روته.
جلست مع اروى صديقة طفولتها في الغرفة الخاصة بها، فوق الفراش تمددا الفتياتين هُنالك قالت أروى بما تحسه :
– دارين، عودتِ بس منطفئة حساكِ فيكِ حاجة ناقصة، إيه اللي حصل معاكِ بجد من غير كذب، من امتى بنخبي على بعض حاجة؟

 

 

اعتدلت دارين جالسة وشردت في الفراغ هائمة، وسرت الدموع على وجنتيها.
بالفعل هي ناقصة لم تعد مكتملة، قلبها تركته هُنالك مع من بقى تحت الثرى، ولن يكون لهما لقاء مجددًا يقر عينيها، ويطمئن قلبها.
بقلق ضمتها اروى لتبكي في حضنها حتى تهدأ، وراحت دارين بشهقات تقص عليها كل ما جرى.
عن مملكة ميليا، وآجار وصهيب وامير قلبها البراء كيف احبته وكيف آلمها ذاك الحب فما ان أفرغت ما بمكنونها اردفت اروى بـ دهشة ممزوجة بالصدمة :
– يا الله اللي بتقوليه ده مستحيل حد يصدقه ولولا جعفر الصغير كانت هفكر أنك اتخبطي في نفوخك ولا حاجة.
ضحكت دارين بملامح باهته فضمتها اروى وقالت وهي تمسح على شعرها :
– الحب حلو يا دارين ومشاعره صادقة بس وجعه وحش وبيهدم الانسان بلاش تستسلمي دا قدر ومكتوب وقولي الحمد لله.
– الحمد لله.
رفعت دارين نظرتها إليها وهمست بقلب منشطر :
– أنتِ صدقتيني بسهولة كدا؟
فردت اروى ببساطة :
– طبعّا يا بنتي. … ومصدقش ليه؟ كل حاجه ممكنه وفي حاجات لا يعلم بها إلا الله على ارضه وفي سماءه وتحت الأرض دي كلها حاجات غيبية، وبعدين شوقتيني يا حجة اروح لـ مملكة ميليا واشوف الأمير براء، واموت ملك الأولمان الكافر ده وبعدين ذبح الأطفال وصنع فطائر من دمهم دي حاجة حقيقة حدثت زمان سمعت عنها.
رفعت دارين رأسها إليها مشدوهة وسئلت :
– بجد؟
– آه بس عجبني الامير براء وصعبت عليا ميليا اوي و صهيب.
أعتصرت دارين عينيها لتسيل دموعها اكثر وهمست :
– وحشني اروي يا أروي، انا كنت عارفة إني هيجي يوم وهمشي ليه حبيته وليه مات.
راحت تهذي بكلمات مؤلمة حتى استسلمت لهوة النوم لتزيح اروى دمعها وهي تقبل وجنتها وتدثرها بالغطاء وترحل.
💮 لا حول ولا قوة إلا بالله 💮
اختفاؤه غريبًا يثير الشك، والدهشة، ويجعل القلب في شغل شاغل هل اعرب عما نوى، لكنه ما زال يحيط بها، ويحرسها اين ما ذهبت وأين ما كانت.
كأنه اخذ عهدًا على نفسه بحمايتها من كل مكروه.
تشعر سيره وراءها ومراقبتها حتى في المشفى فهل هذا عاديًا؟
أم إنه هدوء ما قبل العاصفة..
يا ليته لا يأتي ولا يكون له أثر مجددًا في حياتها.
إنه كالجحيم جحيم لن تعود منه سالمة أبدًا؟
ستخرج بملامح محترقة وقلبٌ يتلظى وروحًا ذبيحه.
أيا ليته يرحمها، ليت الأمان يُشترى لكانت اشترته بكل ما تملك.
تجلس فوق فراشها تبدو لـ رآي أنها تحمل هم جبال ثقيلة فوق صدرها صوت طرقٍ على الباب جذبها من طيات تفكيرها العميق لتأذن للطارق بالدخول.
_خديجة

 

 

همست بها لمياء بنبرة شبه باكية وهي تركض نحو خديجة مرتمية في حضنها، فـ استقبلتها خديجة بصدرٍ رحب وهمست في قلق وهي تطوقها :
– لمياء، مالك بتعيطي ليه؟ حصل ايه؟
شدت لمياء من ضم ذراعيها حول عنقها وهمست باكية :
– مفيش مخنوقة شوية!
صمتت خديجة حتى تهدأ وتعلم ما بها، لكنها راحت تمسد على رأسها وهي تتلو آياتٍ من القرآن الكريم، رويدًا رويدًا هدأت لمياء وابتعدت في تمهل ونظرت إليها مليًا وباحت قائلة بما يعتمل صدرها :
– تخيلي يا خديجة مش ضيفِن التربية الإسلامية للمجموع، تخيلي مادة الدين المدرسين مش مهتمين بها عشان مش بتضاف للمجموع، تخيلي إنها بقت على الهامش؟ الدين يا خديجة اللي المفروض كل حاجة وقبل كل حاجة بقي منسي؟
مع انسياب حديثها عادت دموعها تهوى من مقلتيها بحرقها .. بصمت، فضمت خديجة رأسها إليها دامعة العينين متأثرة تأثرًا شديد.
لحظات و تنهدت خديجة قائلة بشرود وما زالت تطوق كتف لمياء المسندة رأسها على كتفها في راحة تامة :
– عارفة ليه يا لمياء زمنا امتلأ بالأنتحار والقتل بدون رحمة؟
شهقت لمياء باكية فـ انتحبت خديجة قائلة :
– عشان محدش بقي مهتم بدينه، هجرنا القرآن، وابتعدنا عن مجالس العلم، وانشغلت الآباء والأمهات في مصالحهم ونسوا ان اولادهم لهم حق عليهم.
كفكفت دموعها مع استرسلها :
– كل طفل بيتولد بيكون فيه بذرة صالحة، بذرة هي اللي هتحدد صلاحه في الدنيا، بذرة لازم ترتوى عشان تنمو كل ما يكبر، اا إذا لم ترتوِ إزاي الإنسان هيكون صالح وشخص ذو أخلاق حميدة ويخاف ربنا؟

 

 

الطفل كل ما يكبر محتاج اللي يعلمه، يفهمه، الصح والخطأ، الحرام والحلال، وإلا ازاي هيتعلم لوحده؟ ما هو لازم طالما مش متسأسس يسوق فيها بقا!
ليكِ مثال هو أنا لو ماما معلمتنيش الصلاة وحببتني في الصوم وعرفتني سيرة الحبيب وحكتلي عن الأبطال_الصحابة هل كنت كدا؟
هزت لمياء رأسها تلقائيًا فردت خديجة على نفسها :
– أكيد لأ كنت دلوقتي مش منتقبة ولا لبسي واسع بس لأنها حببتني في امهات المؤمنين وان هما دول اللي لازم اكون زيهم هي مأجبرتنيش هي بس حطتني على اول درجة وأنا كملت صعود، كل منا محتاج لأيد تاخد بأيده وتحطه على اول درجة عشان يكمل ويحبذا لو كملت معه.
استنشقت الهواء وزفرته مرة واحدة وقالت :
– كل حد محتاج حد يدلُه يعلموا اساسيات الصلاة يحببوه في القرآن كل طفل له حق على والديه إنهم يحفظوه قرآن ويعلموهم قيم ومبادئ دينا ورسولنا لو مفيش يبقى سلام بقا للعيال لما تكبر.
رفعت لمياء عينيها إليها وقالت :
– ايوة صح لو أنتِ معلمتنيش مكناش هنبقى كدا، لحسن الحظ إنك موجودة معانا إحنا محظوظين اوي صح؟
اومأت ديجا ضاحكة فقالت لمياء :
– العتب بيكون على الأهل من الأول ومن ثُم على الأبناء، الأدمان بقي مالي البلد بطريقة مرعبة تصوري حتى الأطفال بتدخن وتشرب هو إحنا بقينا فين يا خديجة؟
سكتت خديجة لـ هنيهة شاردة وقالت :
– لقد مات عمر يا لمياء ومات العدل معه فلا تنتظري شيء في هذه الأرض التي بات أهلها ينهش في بعضه … عسى عذاب الله يأتينا خفيفًا ولا يأخذنا بذنوب عباده لعلنا نخرج منها غير مفتونين ويرزقنا حسن الخاتمة….
🌸 لا حول ولا قوة إلا بالله 🌸
توقفت سيارة الأجرة أمام شارع قديم في إحدى الحارات الشعبية، وترجلت منه أروى مبتغية ذاك الذي تزوج سرًا من أبنة خالتها، وبداخلها حزنٌ جم على كذبها على والديها أنها ذاهبة إلى الخالة سمر هذه اول مرة تكذب عليهما والسبب تلك المعتوهة شيماء، لكن كل شيء هين في سبيل حل تلك النكبة التي أُلقيت على العائلة، لقد أبت شيماء الذهاب إلى المشفى وأبت ان تدلها على طريق المأذون حتى بيت ذاك الرجل الذي ان رأته تقسم أنها قد تقتله من فرط غضبها الهائج كاعصار عاتي بداخلها.
توقفت امام الشارع تتوجس خفية، الشارع معتم زرقة السماء صافية لامعة بالنجوم التي تؤنس طريقها والقمر يصاحبها لينير لها الدرب، اخذت نفسًا عميقًا اخرجته على مهل وتحركت داخل الشارع وكانت تعلم عنوان هذا الرجل او الشبيه بالرجال من محادثة دارت ذات مرة أمامها بين حمزة و والدها.

 

 

 

دجى الليل مخيم في هذا الشارع كأن كل ما به أموات، شارع طويل واسع إلى حدٍ ما مصفوف بعمائر جار عليها الزمن من كِلا الجانبيين.
وِقع اقدامها كان كل ما يُسمع في هذا السكون، استمعت فجأة لصوت رجولي أجش :
– بس، انتِ يا أنسة؟
تيبست قدميها وخيل إليها أن شبح سيخرج إليها كادت تركض لكن .. هذا الصوت استمعت إليه من قبل، تعلمه حتمًا!
دارت حولها فلم تبصر احد فقال الصوت آتيًا من الأعلى:
– آنسة أروى أنا فوق، بصي لفوق كدا.
رفعت رأسها فـ ابصرت محمد رفيق خالد التي ألتقى منه منذ فترة وقد ساعده خالد بعد فقدان الأمل على إجراء عملية جعلته يسير على عكازين بدل الكرسي المتحرك وعن قريب سيخضع لعملية اخرى في الخارج، يا الله، لقد رآها محمد هل يمكن إنه سيبلغ خالد بأنه رآها.
– يا آنسة روحتِ فين؟ دقيقة متتحركيش نازلك الحارة لبش هنا.
توارى عنها داخل الغرفة فـ ارتبكت واقشعر بدنها وشرعت تفرك اصابعها في توتر بيَّن، راودتها نفسها ان تفر هاربها لكن كان قد فات الآوان وها هو يقبل عليها من البناية.
وقف قبالتها غاضًا بصره وأردف :
– استاذة اروى في حاجة حضرتك اقدر اساعدك بيها؟ الحارة هنا وفي الوقت ده مش كويسة ليكِ نهائي!
” يا حلو صبح يا حلو طول، او يا حلو مسي، مسا مسا يا جميل ”
قالها شاب مترنحًا وهو يفترس اروى فخبأها محمد وراء ظهره وغمغم وهو يدفع الشاب بعكازه :
– امشي يلا من هنا بدل ما اخلي وشك دا شوارع!
– ما براحة يا شيخ محمد الله يسامح الأيام أللي خلتك شيخ بعد ما كُنت اسوء مني.
هاج محمد وكاد يضربة لكن الشاب رفع كفيه لاعلى وهو يندفع مغادرًا، مترنحًا :
– خـ… خلاص يا شيخ مشيين.
إلتفت محمد إلى اروى بعد ما تأكد من انصراف الشاب تمامًا وقال باقتضاب :
– اهووو كنت اقصد كدا الدنيا مش تمام ليكِ هنا.
سكت لبرهة متعجبًا صمتها واندهشها وسئل :
– قوليلي اقدر اساعدك في اي؟
ترددت اروى قليلًا، لكنها حسمت امرها في ان تسئل :
– تعرف بيت عبد الله السيد المهدي فين؟
– لولا إني واثق فيكِ وعارفك كويس مكنتش هقولك … بس تعالي هدلك عليه.
ورفع سبابته في وجهها آمرًا بحزم :
-ومش هسيب حضرتك غير لما اطمن انك مشيتي من المنطقة.
أومأت اروى دون جدال وسارت خلفه، توقف أمام إحدى العمائر، وقال وهو يؤشر لها برأسه :
– بصي هو ساكن هِنا، ولكن مش موجود حاليًا ليه فترة مبيجيش.
لم تستطع ان تكتم شهقتها الخائفة وهي تهمس في تيهة :
– مبيجيش؟ طب طب إزاي يعني ليه مكان تاني طيب ضروري اعرف!
هز محمد رأسه بصدق، وقال :
-والله ما اعرف عنه حاجة، اصلًا عبد الله ده مش من هنا، دا واحد ظهر فجاة وأجر الشقة اللي فوق، ويا عالم هيجي تاني ولا لأ.
حسنًا، الصدمة باتت على أوجّها الآن، وقالت بأعيُن بان فيها التوتر :
– يعني كدب علينا ومش ساكن هنا؟
– الموضوع باين له طويل، بس يا ستي هو ليه سنين فعلاً هنا واوقات بيغيب بالأشهر ويظهر واحيانا أيام ومش مختلط مع ناس كتير هنا.

 

 

رددت لمياء بقلب يكاد يقف :
– بيغيب بالأشهر، يا ربي! طيب فين عيلته؟
هز محمد كتفيه مردفًا في هدوء :
– الله واعلم.
أطرقت نفسها قليلًا مفكرة ماذا تقرر هل تذهب؟
وأن ذهبت ماذا ستفعل شيماء؟ يا الله من تلك الحيرة.
– هو الموضوع مهم اوي؟
تنبهت له اروى وهزت رأسها فـ اقترح قائلًا :
– خلاص بصي ارجعي انتِ بيتك وانا ورآه لو ظهر له اثر هعرفك، وهسئل هنا ناس ممكن تعرف مكانة او حاجة.
شكرته اروى بأمتنان رغم إن ذهنها شاردًا.
وما كادت تخطو خارج البناية حتى توقفت فجأة واوقفت محمد قائلة :
– استنى أنا لازم اطلع افتش شقته..
القت ما القت دون اهتمام، فنظر لها محمد برفع حاجب واعتراه الزهول في قرارت نفسه أحس إنها في مأزق قد لا تحور منه، لذا قال مستفسرًا يجاريها :
– طيب هتفتحي الباب إزاي؟
– شغلتِ دي، هتساعدني؟
دون تفكير كان رد محمد جاهزًا :
– امال هسيبك! بس قوليلي هعمل إيه؟
– راقب ليّ الطريق.
ومن توهما نفذوا وعالجت اروى فتح الباب دون صوت بدبوس ودخلت تفتش في اغراضه، مر أكثر من ربع ساعة وهي تقرأ اوراق بيدها في صدمة وتردد وأعيُنها تكاد تخرج من محجريهما من وقع الصدمة :
– عبد الله مباحث شرطة موقوف عن العمل؟ طب ليه مقلش؟!
الصدمة احتلت كيانها برمته، ورتبت كل شيء في مكانه بعد لحظات، وخرجت مغلقة الباب كما كان وهبطت الدرج وراء محمد الذي لم ينبس او يستفسر عن شيء وبدا لها أنه يرد الدين لخالد، وقفت قبالته اسفل البناية في تردد وما همت بالحديث إذ قال هو في هدوء :
– متخافيش محدش هيعرف ولا هقول لحد ولا كاني شفتك انهاردة ولا جيتِ.
غمرة الراحة قلبها وتنهدت في إرتياح وتهدل كتفيها كأن همٌ وانزاح فـ استرسل محمد :
– بس أنتِ كويسة عرفتِ حاجة عنه؟
رمشت باهدابها حائرة وهمست في خفوت :
– كل اللي اعرفه إنه مخادع ومش هسمح له يلعب ببنات الناس.
– اذى حد يخصك؟!
سئل محمد في تعاطف، فهزت اروى رأسها، واوصلها محمد حتى استقرت في سيارة اجرة، تلك العائلة لا تزال تبهره.
يساعدوا الجميع دون تميز!
هل حقّا مخلوقون مما خلقوا بقية الناس!
أم انهم اتوا من عالم آخر.
عالم لا يعرف إلا الحق، ومساعدة الغير، وطيبة القلب.
🍂 اللهم اجرني من النار 🍂

 

 

” لا ما هو مش ممكن تروح من غير ما تديني خبر، مش كيس جوافة انا في البيت ده، انت إزاي تعمل فيَّ كدا ”
صاحت بتلك العبارة مكة تنهر عثمان لذهابه لتلك الجزيرة النائية للبحث عن دارين دون إخبارها، تبالغ في تهويل الأمر وتنشب معه خناقًا سيصيبه بالصم حتمًا، حاول أرضاءها بشتى السبل، وكل السبل باءت بالفشل، فهي حين تغضب تسدُ أذنيهَ، ولا تستمع لأحد مهما كان المبرر، بصوتٍ عال غير مراعي كانت تصيح وهو كالعادةُ مغلوبٍ على أمرهِ، يجلس سادًا أذنيهِ بكفيهِ تاركًا إياها تُثرثر كما تشاء، وكيفما تشاء ريثما تهدأ.
دخلَ مُعاذٍ مقتضبُ الوجه مِن صياح أُمهُ التي ستنقلب عليهِ وعلىٰ أختهُ المسكينةُ أيضًا، وتمتمَ في غُلبٍ و ما زالَ واقفًا علىٰ الباب :
– يا الله صبرك، مش هنخلص إحنا، مخلاص يا حجة، بالله ما تقلبي علىٰ أمنا الغولة دلوقتي.
وها هيَ تشهقُ شهقة الصدمة المعهودة متسعة العينين تصبُ جام اهتمامهَ عليهِ تشير بسبابتها إلى صدرها في بَهَت :
– أنا أُمنا الغولة يا إبن عثمان ياللي مشفتفش بربع جنية تربية.
ردد معاذ بغيظ وهو يخشىٰ الولوج :
– هي التربية بفلوس يا أُمي؟وبعدين مش كل شوية إبن عثمان إبن عثمان هو عثمان جايبني لوحده ولا إيه.
أنهى جملته غامزًا لها في مشاكسة عسى أن لا تقلب عليه اليوم، لكنها أردفت وهي تقبل عليه ليذرد لعابه :
– أنت بتبجح كمان فيَّ، وليك عين!
– انا ابدًا والله يا حبيبتي.
كاد ان يبكي وهو يشرائب برأسه نحو والده يصيح :
– الحق إبنك يا حج الله يكرمك عنده دوري لازم يروح النادي في تدريب… يا لمياء، لمياء انتِ فين؟
صاحَ مستغيثًا بـ أختهُ مدركًا إن والدهُ لن ينصفهُ، لكن مكة وقفت تُربط على منكبهُ، وقالت :
– عندك تدريب خش يا حبيبي خش عشان تاخد شنطتك ومتتأخرش.
رفع إحدى حاجبية ينظر لها شزرًا عله يستشف إنها لا تخدعه، لكنه حسم الأمر ودخل وما كاد يخطو جهت غرفته إذ انهال عليه نعال والدته فوق ظهره وهي تصيح :
– انا أمنا الغولة يا اللي مش متربي ولا ابوكِ رباه.
صرخ معاذ وهو يفلت منها ويركض ملتجًأ بالأريكة يتوارى خلفها وغمغم في غيظ يستفزها :
– ما هو مش كل ما تتخانقي مع جوزك تنكدي علينا حرام والله إحنا ذنبنا إيه.
هجمت عليه في قفزة واحدة لقصر قامتها وهي تعتلي الأريكة ممسكة بـ حلمة أذنهُ، فهتف حمزة وهو لا يستطع التملص :
– يا بــــــابـــــــا الحقني يا راجل انت انت مش ظابط والشعب ليه حقوق حوش المتوحشة دي عني، آه آه.
تاوه متألمًا ما أن عضت مكة ذراعه الذي يُلفت إلا بترك أثر عميق فهدر شبه باكيًا :
– انا عايز اقدم بلاغ.
هُنا وتخلى عثمان عن صمته متسائلًا بلهفة :
– في أمك؟
– أنتَ لسه بتساءل يا بابا.
– هي مكة المجنونة جنونها طلع ولا إيه؟
هكذا سئل يوسف ضاحكّا وهو يخرج لسانه لـ مكة مشاكسًا فـ أشارت له باصابعها وهي تضمهم :
– اصبر يا إبن ياسين.

 

 

شوح لها يوسف دون اهتمام وهو يذهب إلى معاذ العابس، بينما احتدت نظرات مكة ليهب عثمان واقفًا وهو يغادر المكان شبه راكضًا يصيح :
أنا جاي يا ياسين، جاي اهوو..
قهقه عثمان ويوسف ضاربًا كفٍ بكف، بينما إلتفتت إليهم مكة وهي تسحب ( المكنسة) التي كانت مسندة على الحائط ليصرخ معاذ :
– اجــــــــــــــــــــري.
– هتروحوا مني فين يعني؟
في انحاء الشقة ومن غرفة لآخرى وفوق السرائر والآرائك كان عثمان ويوسف يركضوا فوق كل شيء ليتلقوا ضربة تارة وينجو الآخرى، وعلى الباب صاحت لمياء وهي برفقة ملك مصدومتان :
– في إيه، إيه بيحصل هنا.
– أمك اتجنت، الحقيني هتأخر ابعدي المجنونة دي عني.
– مكـــــــــــــــــة اتجنت مكة اتجنـــــــــــــــــت، أجري يا ملك.
صرخ يوسف بآخر جملة وهو يجذب كف ملك في طريقة وهو يركض ولم تفق من صدمتها مما تراه، فركضت لمياء معهما دون سبب وهي تضحك صائحة :
-يا ولاد المجانين.
بعد وقت تجمعن الفتيات يقهقون على تلك المهزلة ومكة تلهث من فرط التعب ترغي وتذبد :
– الله يسامحك يا معاذ يا بني كدا تتعب أمك.
نظر لها يوسف مغتاظًا و وقف عند دارين يسئلها :
– حتى جعفر هننزل الحنينة تحت.
ناولته له دارين مطمئنة، بينما خرج معاذ من غرفتة مرتديًا ملابس رياضية وشنطة يرفعها فوق كتفه ورمق الجمع بمحبة وهو يردف في ود :
– انا ماشي يا ماما مش محتاجة حاجة، وانتوا يا بنات.
– عايزين سلامتك يا بني.
قالتها خديجة فقالت دارين ” تصحبك السلامة يا بني ”
وقالت لمياء ” هاتلي إي حاجة معاك وأنت معدي، هاتلي قراميش وشوكولاته بس كل اللي يقبلك هاتوا ”
حدجها معاذ باستهزاء :
– نعم يا ختي.
– مش انت اللي بتسئل عاوزين حاجة يبقى متسألش.
انهالت عليه مكة بالدعاء وهي تضرب ضهر لمياء لتسكت، بينما تبسمت له ملك واشارت له بالإشارة ليهتف يجيبها :
– آه بكرة الدوري بإذن الله يا ملوكة.
لوت لمياء فمها متهكمة :
– ملوكة، دا ولا مرة دلعني.
فردت دارين في سخرية :
– وهي اصلا لمياء ليها دلع اتكتمي ياختي.
– ليها يا بت لولو.
قالتها خديجة فُرسمت البسمة على لمياء وهي تضمها بفرحة :
– اهي يا ختي الناس اللي بتفهم.
سئلت مكة في اهتمام تقاطع حديثهم :
– هي اروى فين يا بنات؟
ردت عليها خديجة مجيبة :
– راحت لسمر وجاية.
اشارت لهم مكة فذهبوا معها تاركين مكة، دخلوا إلى غرفة الرسم الخاصة بها وتقدمت من لوحة مُغطاة لترفع غِطاءها وتتنحى جانبًا ليروها، فشهقت لمياء من وقع المفاجأة، و وضعت دارين يدها على فمها، بينما كانت خديجة اول من هتفت في دهش ممزوج بالانبهار :
– واو اي دا لا بجد اي ده؟

 

 

كانت اللوحة تضم بطريقة باهرة الفتيات بصورة بديعة كأن هناك نسخة عنهم ولست مجرد لوحة مرتسمة، كانت خديجة بنقابها واضعها تاج أبيض بسيط فوق راسها واروى و ملك على يمينها، ولمياء ودارين عن شمالها وتضمهم بذراعيها واعينهم تلمع بالبهجة، ما تلك المفاجأة الرائعة؟
مفاجأة ستبقَ محفورة بالقلب!
قد ربما يظنها البعص بسيطة لانهم لا يدركون قدر تلك المفاجأة التي تُصنع بكل حب وبكل اجتهاد وكل تعب.
حضرت اروى في تلك الأثناء لتشاهد باقي اللوحة والتي احداهم تضمها هي ويوسف وابيها و والدتها، وآخرى العائلة اجمعها، وقد رسمت لمار ويوسف الكبير في لوحة خاصةً لتهديها للمار.
السعادة لا تُنسى احد نحنُ من ننساها، حين ننسى كيف نصنعها.
السعادة محيطة بينا في وجود عائلة، وصحبة، ولمة جميلة.
🍁اللهم إني أعوذُ بك من حر جهنم 🍁
وضع جآن برفق شديد ناردين على الفراش كأنها زُجاج يخشى أن ينشرخ وأعدل لها الوسادة في حنو، وهمس مائلًا عليها :
– هذا جيد أما ارفع لكِ الوسادة أكثر.
بخفوت ردت عليه بصوتٌ مُتعب :
– هذا جيد.
فتهيأ للمغادرة بعد ما لثم جبهتها وهمس :
– ساعود في الحال.
لكنه ما كاد يخطو خطوة واحدة حتى أمسكت بذراعه تهمس في جزع :
– لا، جآن لا تتركني.
مسح على رأسها برفق قائلًا:
– لن اغيب يا جميلتي ولن أذهب بعيدًا فقط سأحضر شيء من الخارج وأعود.
استسلمت سامحةً له بالذهاب، فذهب من توه إلى منزل هنا.
كانت علاقتهما إلى نوعًا ما قوية، لم تشك فيه، لكنها لا تعلم بخروج ناردين أيضًا من المستشفى، وما يؤورقه ان يعود هذا الآجار.
وها حدثه وخوفه يتحقق أمامه فقبيل دخوله إلى منزل هنا وجد نسخة منه، نسخة تمامًا عنه كأنه يرَ نفسه أمامه لولا الملابس فقط المتغيرة، يا الله هل يعقل ذاك الشبه؟
تبًا لقد ظن أن الجميع يبالغ في التشابه.
عيناه كادت ان تخرج من محجريهما وقبل أن يشعر أحد بوجوده، كان يستتر خلف الجدار يستمع إلى صياح الشاب شبيهه :
– ما بكِ يا فتاة بالله عاد أخاكِ ولا تستقبليه!؟ ألم تشتاقين إليّ هنا ام ماذا، أشعر أنك لم تودِ ليّ ان اعود.
إلتفتت له هنا برأسها من وراء ظهر الآريكة وردت في برود :
-أرآك تبالغ يا حبيب قلبي، لما استقبلك وأنتَ بوجهي طول اليوم يا هذا، هل لأنك غبت لساعات فقط؟ ما بالك يا معتوه..
جز آجار على اسنانه وقفز جالسًا بجوارها ساحبًا الوسادة الصغيرة من حجرها وقال :
-ساعات؟؟!! بالله ساعات يا هنا! كل تلك المدة ساعات برأيك

 

 

اسند بمرفقيه على الوسادة يرآها تقفز جالسة على ركبتيها تتحسس جبينه وهي تقول :
-يا مسكين هل جُننت أم اصابك مسٌ من الجن لأنك غير مُصاب بالحمى إذن ماذا حل بكَ يا حبيبي؟!
أشاح آجار بكفها، ونهض كمن أصابة تيار كهربائي فجأة وهتف بعنف وهو يلقي الوسادة عليها :
– سأغادر يا معتوهة ريثما يخرج عنكِ الجن الذي تلبسك، لقد جُننتِ يا عزيزتي.
– تبًا لك يا آجار، محال أن انخدع بلعبتك يا وغد.
راقبت رحيله في غضبٍ جم وهي تتمتم في تعصب :
– الغبي بماذا يهذي يريد ان يصيبتي بالجنون لا ريب، يقول أنه جاء توًا يمازحني هذا الأبله.
توارى جان في الجدار مغمض العينين حتى أختفى آجار من المكان بخطوات غاضبة و وجه لا يُفسر فـ اذرد لعابه وهو يتنهد في حيرة وانصرف قبل ان يراه احد.
🌱 اللهم أصرف عني عذاب جهنم 🌱
خرجت مِنة من غرفة نومها متثاءبة بمنامة بيتية من اللون الوردي، ناشرةٌ شعرها، اتجهت إلى المطبخ وتجرعت كوبًا من الماء ثُم مسحت فمها بكف يدها وخرجت إلى ردهة المنزل وما كادت تفتح عينيها على اتساع لتزيل اثر النوم، شهقت بقوة متقهقرةٍ للخلفِ، فغمز لها آجار وهو يتقدم منها مغمغمًا بتلذذ :
– ما لي أراكِ أتصرعتي هل رأيتي شبحًا.
نظرت له بفم مفتوح من الصدمة فتابع هو مشاكسًا :
– تبدين فائقة الجمال فور استيقاظك، ولكن هل ثمة احد يصحى قبيل المغرب أليس من العدل أن ينام في هذا الوقت.
رمشت بعينيها فـ أغلق فمها بسبابته وما كاد يُعلق إذ دفعت كفه بعيدًا وقالت صارخة :
– تبًا لك يا مجنون كيف سولت لك نفسك أن تدخل منزلي، هل أنت ابله.
ثُم مستدركة اردفت :
– كيف دخلت من الأساس.
أشاح آجار بوجهه عنها و ولاها ظهره مبتعدًا يجلس في استرخاء على الأريكة وقال في برود :
– هذا ليس من شأنك يا جميلة، انا ادخل واخرج أين ما أريد دون ان يسئل احد.
-ها ها أنت تهذي.
قالت في سخرية وهي تهدر غاضبة فيه عن كثب :
– انهض واخرج من منزلي يا هذا ولا تحادثني مرة اخرى، هيا الآن.
كفها الذي أشارت به جذبه هو في طرفة عين وهو يعتدل ليسحبها نحوه جالسةً بجانبه مغمغمًا :
– أشش، هذا خطأ، لا تجدين الغضب وليس لائق عليكِ حبيبتي.
حاولت التملص من حصاره لكنه كان اقوى فما استطعت حتى التزحزح وفجأة غامت عيناها على ملامحه القريبة جدًا فنظرت له بولة وثبتت حركتها، فقال آجار ناظرًا لعينيها :
– تبدين جميلة وأنتِ مطيعة، ثُم يا فتاتي هل يستقبل احد زائره هكذا، وخاصةً ان كانَ هذا الزائر للتو جاء من سفر كاد فيه ان يُهلك ولا يعود.
استعادة شراستها مع قوله فلكزت صدره بمرفقها وهي تصيح فيه :
– أيها المخادع من الذي جاء توًا من السفر؟ أنتَ! هل تظنني اصدق، ام ساغفر لك لقد تجاهلتني كأنك لم تسمع منادتي وركضي خلفك كأني غير موجودة ونظرت إليّ كأنك لا تعرفي ماذا تسمى هذا يا كاذب.
تساءل آجار وعلامات الدهشة متجلية على ملامحه :
– هل تمزحين! متى حصل هذا؟ اقسم لكِ بأني عدت اليوم وجئت لأراكِ حتى قبل ان استريح واغير ملابسي فيما تهذين انتِ بحق الله.

 

 

جزت منة على اسنانها غضبًا، وكظمت غيظها مرددة :
– هل تمزحين! ولك عين تكذب عليَّ أيضًا، يا رجل لقد تقابلنا في السوبر ماركت فإذا بكَ تشيحُ بوجهك وتتولى بجسدك كأنكَ لم تعرفني، وحين ناديتك لم تجيبني، و إذ ركضتُ خلفك وقاطعة طريقك زجرتني قائلًا بغلظة ” هل أنتِ مجنونة ”
ثُم أشارت إلى نفسها متسائلة :
– هل أنا مجنونة في نظركَ ام إنك أنت المجنون.
بدا شاردًا لم يسمع آخر كلامها.
عجبًا! وألف عجبًا لِمَ الجميع يعامله بغرابة؟
لا غرو قد جنوا جميعًا فكيف يكون هُنا وهو في مملكة ميليا يومئذٍ، تلك المملكة التي لو أخبر عنها أحد او قص له ما حدث معه لظنه مجنونًا لا ريب وزجوا به في مستشفى الأمراض العقلية .
أخذا نفسًا عميقًا و وجد نفسه يمسك كفيها في حنو متمتمًا برفق وأعيُن لامعة بالصدق :
– بماذا أقسم لكِ بأني لم أعُد من السفر إلا اليوم، ولا شك أنكِ قد سمعتِ عما حصل للطائرة التي كنتُ على مُتنها.
تلألأت عينيها بوميض القلق وهي تهتف في تلهف :
– نعم نعم صحيح! يا إلهِ حين علمت بالخبر كدتُ أموت قلقًا عليكَ، أنتَ بخير أوليس كذلك ما الذي جرى كيف عدت؟
رد آجار عليها متبسمًا :
– لقد موت وعدت للحياة، ربما….
– ربما ماذا؟!
-رُبما لأجل شخصًا جعل لحياتي معنى، وحين واجهني الموت علمت أن ذاك الغريب احتل قلبي من اول لقاء فـ جاهدت وصارعت كي اعود لها، لأجلك … لأجلك فقط يا ذاتَ العينين النجلاوين.
اتسعت عينيها في دهش وذاغ بوبؤهما في تيهة وهي تُردد مشدوهة :
– لأجلِ أنا! أنا عيناي واسعة.
قاطعها قائلًا بغمزة :
– وجميلة.
راقب تخبطها و وقوفها الغير متزن فمط ذراعيه قبل ان يضعهما اسفل رأسه وهو يقول بهدوء:
– أنا جائع، هلا أعددتِ شيئًا.
صرخت منة في وجهه فجأة في إسهاب جعله يسد اذنيه :
– أعد لكَ ماذا يا نور عيوني؟! وهل هذا منزل أمك؟ أين تظن نفسك! من أنتَ لأعد لك، ولماذا بالأساس تأكل عندي.
– ربما لأنك ستصبحين حبيبتي!.
قالها آجار ردًا عليها بِرفع حاجب، فأمسكت منة بذراعه ودفعته لينهض وهي تهدر في عنف :
– اخرج من منزلي الآن يا معتوه، يقول حبيبتي أحبكَ قردٌ يا هذا لن أصبح حبيبة واحد مثلك.
كاد ان يشاكسها ويجاريها إلا ان بصره ثبت لدقائق لما خلف الزجاج ليتراءى له عدت رجال تتخفى في البناية المقابلة ويسحبوا الزناد في وقتٍ واحد على اهبة الأستعاد ليطلق عليهما فبدون تفكير كان يصيح وهو يجذب رأسها لينبطحوا للأسفل جاثمين تزامنًا مع إنطلاق الرصاص الذي اخترق الزجاج ومرت إحداهن من جوار رأسه لكنه تفاداها بمهارة وهو يحمي منه بكامل جسده، التي كانت تصرخ وهي تسد اذنيها وجسدها يرتعش وقلبها يرتجف، فردد آجار وهو يتصنع البكاء :
– يا هذا هل بهذه السرعة علمتم بعودتي تبًا لكم من حسن حظكم ان سلاحي ليس معي يا اوغاد.
تحرك بها زاحفين إلى خلف الآريكة ومنة تصيح مولولة :
– ساموت، ساموت يا إلهي ما زلت صغيرة، ساموت في عز شبابي، يا الله يموت هذا الآجار وانا لا.
نظر لها آجار بقرف وهو يدفعها عنه مع هدوء الآرجاء وتوقف الرصاص، فنهض في تؤدة ينظر من خلف الآريكة عبر الزجاج ليشاهد تساقط الرجال في طرفة عين وشابٌ واقف مرتديًا بذلةٌ سمراء يوليه ظهره والمسدس في يده، ليتمتم آجار مزهولًا :
– آركان! أقسم بإنه هو لقد جاء أخي……

 

 

🪴 اللهم إني اسألك الفردوس الأعلى 🪴
صار في ردهة منزله في وقار وهيبة تبعث المهابة في الافئدة، من خلفه ثلاثة رجال اقوياء من ذو الشكيمة، عيناة غائمة بغضب لو نفر منهما لأصاب الأرض وما عليها، يغلي بداخله بنار لو تفقت لسرت فيمن حوله كالنار في الهشيم، دخل إلى غرفة مكتبه ورغم إنه كان مفتوحًا إحدى دلفتيه الكبار الضخمتين، فـ أرتجف رجلين كانوا واقفين ناكسي الرؤوس، مرتجفي الأجساد، مرتعبي القلوب، فجأر هو بصوت رغم ارتفاعه إلا إنه كان هادئًا باردًا:
– اغبياء أقسم بأنكم حفنةٌ من الأغبياء، امرٌ واحد شيءٌ واحد وكلتكم به ففشلتم، لكن الخطأ خطأي ما كان يجب عليّ أن اوكله لأمثالكم، لقد كدت افقد أخي يا احمق بسببكما، لولا وصولي في الوقت المناسب، وهذا الأمر الذي فشلتم فيه ستدفعوا ثمنه.
في لمح البصر كان يشهر سلاحه ساحبًا الزناد مطلقًا رصاصتين في قدم كلُ واحدٍ، فصرختين ندت عن الرجلين في تألم وهم يسقطوا أرضًا، فصرخ في الباقيين أن يخرجوا ويأخذو المصابين معهما ، فما أن اُغلق الباب تهدل جسده وتنهد بقوة وهو مستندًا بكفيه على المكتب مائلًا للأمام ينظر بشرود غريب إلى الحائط يتمتم في نبرة جامدة إلا أنها نبئت عن حزنٌ دفين يقبع بداخله :
– لا أحد يمكنه أن يأذي اخواتِ لا كان ولا عاش من يفكر حتى، سامحك الله يا أبي أنت من جعلت مني هذا الانسان الذي ابغضه، سامحك الله وغفر لك.
استوى واقفًا ودار حول مكتبه وجلس خلفه واضعًا قدم فوق الآخرى في نزق وغنجهية، وتبسم بسمة مخيفة وهو يهمس :
– وداعًا لك ولنسلك أجمعه يا كارم ولمن يفكر أن يصيب احد من عائلتي مكروه.
أسند رأسه للخلف مسبل العينين وبعد دقائق قلائل كانت ملامحه الجامدة تلين وبسمة جميلة تزين ثغرة، تلك بسمة لا تخرج إلا في أستحضار طيف حبيب غائب او … راحل.
وقد كان يستحضر طيف حبيبته الراحلة عن عالمه بسبب اعمال والده، “سيران” هذا كان اسمها! وهذا كانَ كل الرائع والجميل في حياته، كان الركن المزهر الذي يحلي ايامه، كانت كوكبٌ دري في سماءه تشرقه بحضورها وتطفئه في غيابها، كانت حلمٌ جميل وبقت حلمٌ جميل سيظل يحلم به حتى الرمقُ الآخير.
لقد كانت أبنة السفير وهو كانَ حارسها الخاص لتموت .. ماتت أمام عينه تمامًا وهو مكبل اليدين والقدمين، ونازف القلب وهي تناجيه وهو لا حول له ولا قوة ساقط ارضًا من اثر ضربة مباغتة اطاحت بكيانه ليكون الشاهد على موتها أمام عينايّ قلبه المتقرحتين حزنًا و وجعّا.
فتح عيناه فجأة لاهثًا وهو ينظر حوله كالضائع، عيناه جابت المكتب في نظرة سريعة كأنه يخشى أن يرَ موتها امامه مرة آخرى، ذاك المشهد الذي ثقب روحه بثقوب بالغة وتركَ ندوبًا مؤلمة لا تزول.

 

” السفاح ” اسم سيظل مدى الأبد مقرونًا بموت حورية قلبه التي فرقت بهما الدنيا قبل القاء في الحلال، إسم اقتلع منه قلبه دون ذرة رحمة ودون أي سبب، إسم سيبقَ محفورًا امام عينيه يؤرق نومه حتى يُعذب إلى الممات ولا ينسى ذاك الإسم، كم يشتاق إلى النوم سالمًا دون أحزان تحيي الندوب وتوقظ الألم، إسم أخذ منه حياته وفرحته ومهجة قلبه و ذره منزوع النفس، منزوع الحياة، منزوع القلب فقد أخمد نبضه.
مسح دمعه فرت من عينيه سريعًا، القلوب قبور يتوارى بداخلها مشاعر الإنسان الحقيقة وليس تلك المزيفة.
القلوب بيبان أُلقت مفاتيحها في واحة النسيان لو فُتحت لفُضح صحاب هذه القلوب.
والروح كالحفرة تُلقى مهما تُلقى الحياة لا تقذف من داخلها ولا تشتكى مهما فاض ما يُلقى.

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

الرواية  كاملة اضغط على : (رواية جحر الشيطان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى