روايات

رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثلاثون 30 بقلم رحمة نبيل

رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثلاثون 30 بقلم رحمة نبيل

رواية ما بين الألف وكوز الذرة الجزء الثلاثون

رواية ما بين الألف وكوز الذرة البارت الثلاثون

رواية ما بين الألف وكوز الذرة الحلقة الثلاثون

يُسمى يوم الخميس عند العرب «مؤنس»، يؤنس بهِ لبركته♡.
-أبو جعفر النحاس.
صلوا على نبي الرحمة .
( نهاية مرحلة، وبداية أخرى)
_________________________
لم يتحرك ولم يبدي أي ردة فعل واحدة قد تفشي ما يعتمر داخله من مشاعر أو …لحظة هو بالفعل لا يهتم داخليًا حتى، ابتسم يراقب بعيون باردة تحرك غانم في المكتب ينظر لهم بشر قبل أن يقول :
” شايف أنك لسه منضفتش حياتك يا متولي ”
ابتسم سعيد بسخرية لاذعة ولم يتكلم يريح رأسه على المقعد يراقب تحرك غانم في الغرفة، ولم يتحدث كلمة، بدا كما لو أنه يستمتع بصمته ..
بينما متولي نظر لولده يقول بحنق :
” أنت عايز ايه غانم؟! وازاي تدخل عليا كده ؟؟ ”
” هو مش المفروض ده بيت العيلة يا والدي ؟؟”
تهكم منه متولي يعتدل في جلسته وعيونه تتحرك على سعيد الذي يراقب ما يحدث دون أن ينبث ببنت شفة :
” وهو عشان بيت العيلة تقتحم عليا المكتب بتاعي كده؟! مش فيه حاجة اسمها باب تخبطه ؟!”
اقتحم سعيد الحوار يقول بتكاسل شديد :
” معلش يا متولي ما أنت اللي مربتوش فطلع زبالة، اكيد يعني مش هيكون بيفهم في الاتيكيت وكل ده ”
نظر له متولي بحنق وقبل أن يتحدث بكلمة، وجد غانم يندفع كالرصاصة صوب سعيد الذي كان ينتظر انتفاضته منذ وطأ المكان، يدرك أن غانم ليس بذلك الصبر الذي يجعله يراه _بعد ما فعل_ ويصمت بكل بساطة .
وحين هجوم غانم انتفض سعيد عن مقعده بقوة شديدة يستقبل جسده بلكمة قوية أعادته للخلف متأوهًا، ابتسم سعيد مستهجنًا، بينما متولي لم يدرك بعد سبب كل تلك العداوة الكبيرة التي تنبعث من ولده، ليس وكأنه كان رفيق سعيد، لكن أن يهجم عليه بهذا الشكل الشرس لا يعني سوى أنه يحمل الكثير داخله .
تحرك من خلف مكتبه يمسك غانم من الخلف قائلًا بتحذير :
” فيه ايه أنت وهو ؟!”
اشتد غضب غانم أكثر يحاول الإفلات من يد والده :
” سيب ايدي والله لاوريه ازاي يمد أيده عليا الزبالة ده، والله يا سعيد لاندمك على كل نفس بتتنفسه بعد ما فكرت تيجي عليا ”
نظر بعدها لوالده يصرخ في وجهه بشر :
” أنت بتقابل الزبالة ده ليه ؟! هو مش أنت بتشتغل معايا ؟! ولا عايز ترجع ليه ؟!”
اتسعت أعين متولي بقوة يحاول أن يجد مبرر ونظر لسعيد حتى يساعده لكن سعيد لم يكن يهتم بكل ذلك يأخذ هاتفه ومفاتيح سيارته :
” طب يا متولي دي مشاكل عائلية وميصحش إني أتدخل فيها، راضي ابنك كده وهديه لاحسن شكله مش عاجبني، اقولك خده اديله حقن السُعار لاحسن يأذي حد ”
زمجر غانم بغضب شديد ليغمز له سعيد بهدوء، ثم تحرك خارج المكتب بكل ثقة، وغانم ما يزال يرمقه بشر وقد اشتعلت داخله رغبة عميقة بالقتل، يريد أن يقتله، يتخلص منه ويأكله بأسنانه.
دفع والده للخلف بقوة جعلت متولي يصطدم في الجدار ساقطًا ارضًا، لكن غانم لم يهتم وهو يتحرك في الغرفة بجنون كأسد داخل قفصه، وفجأة تحرك صوب جدار به أرفف من المشروبات الكحولية، ونزع زجاجة يرتشفها بنهم، ومن ثم حدق في متولي الذي كان قد نهض يحاول تمالك وجعه وقد اشتدت نظراته صوب غانم .
ابتلع غانم ما في فمه، ثم نظر صوبه يقول بشر :
” اسمع يا متولي، مش أنت عايز بضاعة ؟!”
اقترب منه متولي بشر وقد استاء من طريقة ابنه في الحديث وتوجيه الاوامر، لكن رغم ذلك هز رأسه بهدوء يقول :
” أيوة ”
” طب أنا عندي استعداد اديك كل البضاعة اللي تحتاجها وهدية مني من غير ولا قرش حتى ”
اتسعت عيون متولي بشدة وقد تدلى فكه، يقترب من غانم أكثر ينظر له بلهفة، محاولًا أن يستشف صدق حديثه من عدمه :
” أنت… أنت بتقول ايه ؟؟ بتتكلم جد ؟!”
ابتسم له غانم بسمة سوداء وقد أضحت عيونه مخيفة أكثر:
” أيوة بتكلم جد، هديك كل البضاعة اللي تحتاجها عشان بس أنت ابويا وعزيز عليا، لكن طبعا مفيش حاجة ببلاش ”
” ما أنت لسه قايل انها من غير قرش واحد ”
ابتسم له يقول :
” لا أنا مش عايز فلوس ”
” امال ؟!”
اقترب منه غانم يهمس بصوت يقطر سوادًا :
” راس سعيد، عايز اشوف راس سعيد بتتدحرج قدامي”
نظر له متولي وقد شعر فجأة بخطورة ابنه وجنونه الذي بدأ يزداد، سيطرت عليه النرجسية وتحكمت به السادية، أصبح مخيفًا بحق، لكن …هو في النهاية سيساعده ويعطيه ما يريد دون أموال، وهو في المقابل على استعداد لدفع كل ما يملك، ألن يكون بقادر على الدفع بسعيد نحوه ؟؟ ومن هذا سعيد حتى يتخلى عن حياته وأمواله لأجله ؟!
اتسعت بسمة متولى يهز رأسه بهدوء قائلًا :
” استلم البضاعة واسلمك سعيد في نفس الوقت ”
نظر له غانم بريبة ليمنحه متولي بسمة أكثر اتساعًا :
” سعيد هيكون موجود يوم التسليم، المفروض أنه كان شريك معايا في الصفقة، فأنا هستلم الصفقة عادي كأني لسه على اتفاقي معاه، وأنت يبقى تتصرف معاه ….”
________________
وصلت المشفى تركض بين طرقاتها يلاحقها شقيقها ورفيق جميع رحلاتها ومن غيره عبدالجواد، يتحرك خلفها بين ممرات المشفى بعدما علموا مكان الغرفة التي يتسطح بها صالح كالقتيل بعد حادثة مروعة، على وعد أن يلحقه باقي إخوته ووالده لرؤية ما حدث له والاطمئنان عليه …
وبمجرد أن توقفا أمام الغرفة التي أخبرهما الممرض عنها، تنفست رانيا بصوت مرتفع وقد شعرت بقلبها يكاد يتوقف رعبًا لرؤية ما ينتظرها خلف ذلك الباب، وقبل أن تمد يدها لتفحته سمعت صوتًا يناديها :
” رانيا ..”
نظرت رانيا لبداية الممر تبصر ركض هاجر صوبها وقد كانت ملامحها شاحبة، وبمجرد أن وصلت لهم تعجب عبدالجواد مجيئها :
” فيه ايه يا هاجر مال وشك كده ؟؟ اهدي مفيش حاجة ”
قالت هاجر تقاوم رغبة عنيفة في البكاء :
” أنا… أنا كويسة يا عبدالجواد، بس …بس ..هما كويسين ؟؟ سألتوا اي دكتور هنا ؟!”
أشار عبدالجواد للباب :
” كنا لسه هندخل نشوف اهو، اهدي اكيد صالح كويس يعني ما هو رد على رانيا ”
قالت رانيا باكية تتذكر كلمات صالح لها في الهاتف :
” أيوة يا عبدالجواد بس أنت مسمعتش صوته في التليفون كان عامل ازاي ؟؟ ده قالي أنه… أنه كان هيموت، وأنه مبقاش قادر يتحرك ”
كانت تتحدث بقهر شديد لا تصدق ما حدث بين ليلة وضحاها، بالأمس فقط كان يقف جوارها مبتسمًا بعد أن ألبسها خاتم خطبتها، واليوم ؟؟؟
طرق عبدالجواد الباب يقول بصوت مرتفع نسبيًا :
” صالح ”
و قبل دقائق من وجودهم داخل الغرفة .
كان صالح يتناول من الطعام الذي احضرته تسبيح لأجلهم ورحلت بعدها مع رائد، يرى محمود يحدق فيه بحنق شديد :
” هو أنت الدم اتعدم في عروقك ؟! مش شايفني تعبان أنا كمان ؟؟ خلي عندك شوية احساس واديني اكل، أنا عامل الحادثة على لحم بطني وأنت فطرت ”
اقترب منه صالح قليلًا يردد من بين مضغاته :
” ده اساسا اكلي وتسبيح جيباه ليا، بس هأكلك منه شفقة مش اكتر .”
لوى صلاح شفتيه حانقًا على ما يحدث امامه، يحرك رأسه بيأس عليهما ..
سمع صوت ميمو تردد جواره بتفكير :
” يعني كده غانم اللي عمل كده ؟؟”
” اكيد، مين غيره ليه مصلحة يعمل كده فيهم، خاصة أننا عارفين كويس اوي اللي حصل وخلاه يتجنن بالشكل ده على صالح ومحمود، اكيد كل ده بسبب جثة وسيم اللي شرحوها واكتشفوا بصماته عليها ”
أجابت ميمو عليه بتفكير :
” هو اساسا غانم ميعرفش أن صالح اخوك صح ؟! يعني كل ده عداوة اساسا مع الدكتور اللي شرح الجثة بتاعته ”
” بالضبط والدليل على كده العربية اللي هددت صالح على طريق اسكندرية آخر مرة، ولما صالح وقتها قل أدبه عليهم وطلع عيونهم ومشي، اتجنن غانم وقرر يخلص على طول ”
تحدث محمود بعدما ابتلع الطعام في فمه يرفع إصبعه غاضبًا :
” والله لولا أنهم ضربوا العربية من ورا ومواجهوش راجل لراجل، أنا كنت خليتلك ممرات المستشفى مفروشة بجثثهم واحد واحد ”
أنهى حديثه يتنفس بتعب وقد بذل مجهودًا كبيرًا في النهوض مهددًا بغضب، بينما صالح رمقه بسخرية :
” اسكت يلا اسكت، ده أنت اول ما حسيت بضربة العربية اتجمدت في ارضك ومكنتش بتنطق ”
” أيوة ما أنا كنت في الوقت ده جوا عقلي شغال وبخطط، ولولا ضيق الوقت أنا كنت فرجتك على اللي هعمله ”
دفع صالح للخلف ساخرًا :
” بالله عليك لتتنيل وتسكت ”
نظر بعدها لصلاح بجدية أثناء تناوله الطعام :
” وأنت هتقول ناوي على ايه أنت وأم سعيد ولا هتسبونا زي عواجيز الفرح كده؟! لا احنا قادرين نسقف ولا عارفين نروح ؟؟”
ابتسم صلاح يهز رأسه له قائلًا بجدية :
” لا ازاي، ده أنتم الخير والبركة ودوركم معانا كان كبير يا حبيبي ”
رفع محمود يده متألمًا :
” لا أنا منسحب من الحوار، ممكن تشوفوا ممثل غيري يلعب الدور ده او حتى دوبلير، يا روح ما بعدك روح، أنا لسه داخل على جواز وتجهيزات فرح وبلى ازرق ”
حط صالح بيده أعلى كتف محمود قائلًا بسخرية :
” بس يا عسل جواز ايه مش لما هاجر ترضى تبص في وشك يا شمام يا حشاش ”
رمقه محمود بغضب، ثم رفع يده يصفع كتفه ليرد له صالح الصفعة، وفجأة نشأ بينهما شجار عنيف على فراش المرض .
وميمو تراقبهم بعدم فهم لكل تلك البلاهة التي تقبع على عقولهم ..
قال صلاح بصوت منخفض :
” متستغربيش هما متخلفين كده على طول بتيجي ليهم حالات زي دي كل فترة ”
في هذا الوقت سمع الجميع صوت طرق على باب الغرفة يليه صوت رجولي ينادي باسم صالح .
اتسعت عين صالح بصدمة ونظر صوب محمود يقول بعدم استيعاب :
” ده صوت عبدالجواد ”
” وايه يعني ؟؟”
دفعه صالح جانبًا يردد برجاء :
” الله يكرمك وسعلي كده شوية لاحسن أنا فهمتهم إني أنا اللي اتبهدلت في الحادثة ”
وقبل أن يعترض محمود جاوره صالح في الفراش مدعيًا المرض، وقد بدا شكلهما مثيرًا للضحك أكثر من الشفقة، ارتفعت ضحكات ميمو عليهما ليردد صلاح أثناء تحركه صوب الباب :
” مش قولتلك متخلفين ”
فتح الباب يستقبل عبدالجواد الذي رمقه ثواني يستوعب أنه صلاح، لتتغير ملامحه للحنق ويبدو أنه لم ينس شيئًا بعد، لكن رغم ذلك حياه تحية مقتضبة، ورحب بهم صلاح بهدوء ورقي، ثم تحرك جانبًا يدعوهم للدخول .
وقف الجميع مصدومين من ذلك المشهد الغير مألوف، اثنان على فراش طبي واحد .
ابتسم صالح بسمة حاول أن يظهرها ضعيفة، بينما محمود جواره كان يشعر بالغضب والتهكم مما يحدث هامسًا :
” أنت يابني عبيط، هما كده صدقوا يعني أنك مريض ؟؟ السرير يعني اللي هيقنعهم ؟؟ ده سرير التشريح مش بيشيل جثتين وهما اموات ومش هيشتكوا، يبقى السرير اللي المريض ياخد راحته فيه يشيل اتنين؟؟”
” اهدى هقولهم اني جيت اوضتك عشان كنت خايف عليك ”
نظر بعدها صوب رانيا التي تحركت صوبه تقول بلهفة :
” صالح أنت كويس ؟؟”
نظر لها صالح بحب واجاب:
” لا يا رانيا أنا مش كويس خالص، أنا شوفت الموت بعيني كانت لحظات بشعة اوي ”
رمقته رانيا بشفقة وعبدالجواد خلفها يراقب ما يحدث بعدم فهم، بينما هاجر كانت تقف بخجل جوار باب الغرفة تراقب محمود في هدوء وصمت جعل الأخير لا ينتبه لها وهو يهمس بحنق شديد :
” قوم من على السرير أنا مش عارف افرد جسمي، أنت يابني متخلف ؟؟ جسمي متكسر وأنت كل اللي هامك خطيبتك متعرفش أنك سليم ؟؟ طب اللهي كنت أنت اللي عضمك اتكسر، طالما ميت على المرض كده ”
أنهى جملته في الوقت الذي أبصر به هاجر تقترب منه على استحياء شديد، جعله يدفع صالح دون اهتمام مبتسمًا بسمة بلهاء يرحب بها بنظرات مشتاقة :
” نواعم ؟؟”
ابتسمت له هاجر بخجل شديد .
بينما صالح قد نهض من الأرض يسير بشكل طبيعي يرحب بعبدالجواد دون اهتمام حقيقي، ثم أولى كامل اهتماته لرانيا داعيًا إياها صوب الاريكة لتستريح .
ورانيا كانت تسير خلفه ببلاهة شديدة تنظر له ولحركته بشكل طبيعي وجسده الخالي من أي إصابات عدا خدوش قليلة، جلست تجاوره على الأريكة، في الوقت الذي خرج عبدالجواد ليجيب اتصال محمد . .
دعى صلاح ميمو للتحرك معه تاركين الجميع في أمورهم، وهم ذهبوا ليتولوا ما يخصهم، فقد حان وقت وضع نهاية تلك القصة التي طالت فصولها حتى كادوا يشعرون بالملل الشديد منها .
في الداخل ابتسم محمود يشير على المقعد المجاور له :
” تعالي يا هاجر استريحي ”
جلست هاجر بخجل شديد ولم تعلم مايجب أن تتحدث به في مثل هذا الموقف، لكنها كبداية تلت عليه الجملة المعهودة في مثل تلك الجلسات :
” ألف سلامة، ولا حمدلله على سلامتك ؟؟ مش عارفة اقول ايه ”
ابتسم لها محمود يتقبل منها كل ما تقول حتى إن أخبرته ( البقاء لله) فسيتقبلها بنفس راضية .
” الله يسلمك يا هاجر، معلش مقدرتش اكلمك لما فوقت واعتذر على اني معرفتش اجي المخبز، المفروض كنت اقابلك انهاردة بس اديكي شايفة محصلش نصيب ”
هزت رأسها تتفهم كل ذلك :
” المهم أنك بخير، أنا…أنا بس جيت مع رانيا عشان هي كانت خايفة اوي على صالح ”
رفع حاجبه بشك لما تقول، فهو ليس بالابله ليتجاهل كل تلك الملامح الخائفة أو المتوترة التي تعلو وجهها :
” عشان صالح ؟؟ صالح زي القرد مفيش فيه غير خربوش صغير في راسه، أنا اللي طلع عيني وكنت هروح فيها”
” بعد الشر عليك يا محمود، الحمدلله ربنا نجاكم وخرجكم منها على خير ”
ابتسم لها محمود وشرد في ملامحها يقول بتسرع وقد مل كل الانتظار، يرغب بها بإلحاح، أصبحت حاجة ضرورية ليعيش، فأصبح بقاؤه معتمد على الهواء والماء والبسكوت النواعم :
” هو ينفع استغل اللحظة دي والخوف اللي باين على ملامحك، واقولك إن موافقتك على الجواز مني حالة إنسانية وطلب اخير لشخص على فراش الموت ؟؟”
علت الصدمة ملامح هاجر وتراجعت خطوات صغيرة بالمقعد للخلف، ليبتسم محمود على تعابير الخوف التي انتشرت في كل قسماتها وكأنه سينهض وينقض عليها، حسنًا حتى إن أراد تحقيق خيالها الجامح، فحالته ستمنعه من ذلك .
” اصل انا الدكتور قالي الزعل وحش عليك، وإني الفترة الجاية محتاج افرح شوية، فأنا قولت مفيش غير فرحنا اللي هيسعدني ويخرجني من الحالة دي ”
رفعت له هاجر حاجبها، فابتسم هو يقلل من طموحه :
” خطوبتنا ؟؟”
ابتسمت ساخرة، ليهبط درجة أخرى في أحلامه :
” تعارفنا؟”
ولم تتغير ملامح هاجر ليقول هو بجدية كبيرة :
” بصي يا هاجر عشان تقدري تستوعبي اللي حصل لغاية ما أطلع من المستشفى وتجهزي للفرح، أنا هقولك الموضوع كله من أول دكر الوز اللي اسمه سالوم وبيرقص صالصا لغاية هجوم المكرونة الاسباجتي بقيادة مستر سلطع ”
تلك الكلمات الغير مرتبة اصطدمت بعقل هاجر، بشكل جعلها تفغر فاهها ببلاهة شديدة، نحاول أن تعلم ما يريد من خلفها، هل هي رموز لشيء هام يأبى أن يستمع له أحد غيرها، ومحمود أطلق ضحكات عالية على ملامحها :
” لا اجمدي كده ده أنا هاخدك لعالم تاني، عالم موازي يا جوجو، بس بعد ما نرجع من رحلتنا، هتوافقي عليا وده اجباري يعني لاني رخم ولازقة ومش هرتاح غير لما انصبك أميرة على العالم بتاعي …العالم الموازي والأميرة نواعم ”
نظرت له هاجر بخجل ليميل برأسه متسائلًا :
” موافقة ؟؟”
صمتت ولم تجبه ليقول بحب شديد :
” هعتبر أنك قولتي موافقة وافرح يا هاجر ”
رفعت هاجر عيونها في وجهه وهزت رأسها ببطء شديد :
” أحب اسمع من الاول يا محمود ”
___________________
” يعني أنا جايبة الطريق من اسكندرية للقاهرة عياط وصياح لما عبدالجواد كان هيرميني من العربية عشان تقولي أنها عدت على خير ومحصلش حاجة ؟؟”
تهكم صالح من استنكارها لما حدث، معترضًا على حنقها :
” مش فاهم أنتِ زعلانة يعني عشان جيتي لقيتيني كويس ؟؟ هو أنتِ اخواتك مسلطينك عليا ؟؟”
” لا زعلانة عشان العياط اللي عيطته ده، والبهدلة على مفيش يا صالح ”
أشار صالح صوب ذلك الجرح الذي عالجه في جبينه معترضًا:
” لا والله فيه اهو، ده بيوجع اوي ”
رفعت حاجبها حانقة، ليبتسم لها صالح بسمة لطيفة حنونة جعلتها تهدأ وتخفت نيرانها قائلة براحة شديدة :
” كويس أنك بخير يا صالح، أنا كنت هموت من الرعب اول ما سمعت اللي قالته تسبيح ”
ابتسم لها صالح بحنان شديد يقترب قليلًا منها :
” بعد الشر عليكِ يا رانيا، أنا مقصدتش اخوفك بس …”
صمت، ثم مال يهمس وكأنه يخشى أن يصل صوته لعبدالجواد في الخارج فيعود ويجتذبها منه :
” بيني وبينك أنا ما صدقت اشوفك يعني، ولما عرفت أنك جاية خوفت اقولك اني كويس وترجعي، لاحسن أنا عارف اخواتك ”
كبتت رانيا ضحكتها عليه وقالت :
” هو فعلا لو كنت قولت أنك كويس كان عبدالجواد لف ورجع، بس أنا كنت هكمل لوحدي حتى لو مشي عشان اتأكد بعيوني أنك كويس”
صمت صالح ولم يحسن اختيار كلمات في موقف كهذا، يحاول جمع كل أحاسيسه وشحذ كامل مشاعره ليصف لها ويعبر عن جزء صغير مما يخفي لها داخل مضغته .
لكن بعد كل هذا، ما خرج منه كان :
” لو اعرف إن نهاية الموضوع هتكون كده، كنت عسكرت تحت بيتكم من أيام اعدادي بالموتوسيكل وعملت خمسات عندكم، وفي أول فرصة أسرق تليفونك وأهرب عشان تيجي ورايا”
نظرت له رانيا ثواني ببلاهة قبل أن تستوعب مقصده لتطلق ضحكات عالية على حديثه وتقول :
” متفكرنيش يا اخي دي كانت فترة ما يعلم بيها إلا ربنا، حسيت اني مش هشوف تليفوني تاني أبدًا، كانت فترة صعبة بجد”
” فترة صعبة ؟! امال أنا أقول ايه ؟؟ تخيلي واحد عايش حياة هانئة سعيدة هادية مع محمود ومعتصم، وفجأة ألاقي بنت كل شوية تنط في وشي وتقولي عايزة التليفون ولا كأنه اثري ”
ارتفع حاجب رانيا معترضة على تهكمه من خوفها على الهاتف :
” أيوة المفروض يعني اسيبه ليك ؟؟ ده عليه كل الاكونتات بتاعتي وارقام السر اللي في حياتي كلها، ده غير إن أهم حاجة واللي هي ايميل المنحة كان هيتبعت على ايميلي ”
” اه صحيح أمال مسمعتش عن المنحة دي من وقت ما اخدتي التليفون ؟؟”
تغضنت ملامح رانيا بحنق شديد وقد تذكرت الرفض الذي تلقته للمرة التي لا تعلم عددها من تلك المنحة :
” ما هم رفضوني، ومش أول مرة ”
” هي منحة ايه ؟؟ ”
نظرت له وقالت بعد تنهيدة عالية :
” منحة إدارة اعمال، كنت حابة اخدها جنب دراستي عشان اشتغل مع اخواتي، ده اللي ظاهر للكل، اللي باطن بقى وبيني وبينك اني كنت عايزة اقضي وقت لطيف في البلد دي ”
نظر لها بفضول شديد :
” بلد ايه بالضبط ؟؟”
نظرت له ثواني، ثم هزت كتفها تقول بلا اهتمام حقيقي :
” سنغافورة ”
هز رأسه وصمت قليلًا، لتغير هي الحوار كليًا مبتعدة عن تلك النقطة التي مسحتها من جميع دفاترها، فالأمر كان مجرد حلم بائس سعت له وفشلت، لتدرك في النهاية أنه ليس لها .
نظرت لصالح الذي كان شاردًا في وجهها وملامحها لتشعر بالخجل الشديد وتقول :
” ايه بتبص كده ليه ؟؟”
ابتسم صالح يقول بلا مقدمات :
” لا بس كنت بحاول ادور في ملامحك على رانيا اللي كانت كل شوية تتخانق معايا وتزعق ليا ”
” ولقيتها ؟؟”
هز رأسه يقول مبتسمًا :
” لقيتها ومش ناوي ابدا اسيبها ”
صمت وصمتت هي وترك لعيونه مهمة إيصال كل ماعجز عنه لسانه، يحدثها ويبوح لها بما يملك من مشاعر تجاهها، مشاعر لم يعلم عنها شيئًا وأصر على كتمها، حتى فاضت كؤوس عشقه واغرقت من حوله، وكانت هي أول من جرفتها امواج عشقه .
الأمر وما فيه أن كلًا منهم عثر على نصف روحه داخل جسد الآخر، كابروا وعاندوا وصرخوا ووصل الأمر أن كاد يتخلص كلٌ منهم من الآخر، لكن في النهاية رضخوا لأحكام القلب وابتسموا، وتلك كانت البداية ..
بسمة رسمت الطريق ومهدته لمعارك طويلة خاضها صالح بكل جسارة لأجل الوصول لمن يحب ويرغب، وكانت هي كل ما يرغب .
______________________
” يعني هو مكتشفش صح ؟؟”
زفر سعيد وهو يقود سيارته على الجانب الآخر وقد مل ذلك السؤال الذي كررته ميمو على مسامعه مئات المرات منذ أخبرها ما حدث بمكتب متولي.
” قولنا لا مكتشفش، بعدين اساسا السوسة اللي متجوزاه اول ما نزل الخبر هو اتوتر وبدأ يستعجل متولي عشان يخلص من الصفقة، وكان بيتكلم أنها تتم خلال ايام، ويمكن بكرة أو بعده كمان ”
نظرت ميمو صوب صلاح الذي كان يستند بكل هدوء على مقدمة السيارة يستمع للحديث الصادر من مكبر هاتف ميمو، لا يهتم بكل ذلك، بل فقط يهتم أن ما خطط له قد لقى صداه لدى غانم العزيز .
” طب اسمع يا سعيد أنت…”
قاطعها سعيد بلا أي رغبة في الحديث :
” لا سعيد في الوقت الحالي غير متاح، في حالة رغبتك في عمل أي مصيبة، يرجى التوجه لجوزك وهو يعملها، شكرا لك ”
وبمجرد انتهاء كلماته أغلق الهاتف في وجه ميمو التي اتسعت عيونها بحنق شديد وقد شعرت بالغضب يتصاعد داخلها :
” هو عبيط ؟؟ محسسني اني بحارب عشان نفسي، أنا مش فاهمة ايه اللي مخليني لغاية اللحظة دي مستحملاه، مكانتش وصية اللي تعمل فيا ده ”
ضحك صلاح ضحكات خافتة، يضم كتفها له في حركة لطيفة كما لو كانت رفيقًا قديمًا :
” معلش يا ميمو أنتِ دايمًا بتقولي ايه ؟! مين يعمل عقله بعقل سعيد ؟؟ وعشان كده ياقلبي بقترح تسبيه بدماغه يعمل اللي هو عايزه، صدقيني ده أكبر عقاب لأمثال سعيد”
نظرت له ميمو قبل أن تميل على كتفه مستندة براحة تحاول أن تبعث بعض الطمأنينة لنفسها، تهدأ وتفكر في القادم، تخبر ذاتها أن كل شيء سيكون بخير، صلاح جوارها وهو سيساعدها .
شعرت فجأة بقبلة رقيقة تحل على خصلاتها لتبتسم بسمة ناعسة تقول من بين اجفانها التي كادت تنغلق :
” مش مصدقة إن ممكن يجي يوم عليا في حياتي واعيش عادي، وانام وأنا مطمنة ومش قلقانة من بكرة، ومن غير ما اشوف كوابيس ”
كانت كلماتها الأخيرة تخرج من بين اصوات التثائب المنبعثة من بين شفتيهتا، تميل أكثر على صلاح، وتضم ذراعه لصدرها كي تستأنث بوجوده جوراها، وما هي إلا ثواني قليلة حتى غرقت في غفوة سريعة جعلت بسمة صلاح ترتسم باتساع، يعود برأسه للخلف ضاممًا جسدها له بحنان شديد وهو يجلس في حديقة المشفى الخاص، ينظر للسماء فوقه هامسًا :
” يا ترى نهاية القصة هتكون عاملة ازاي ؟؟ واللي جاي هيغير ايه ؟؟ ”
نظر بطرف عيونه لميمو ومن ثم زفر زفرة قصيرًا مقبلًا خصلاتها يطمئن نفسه قبلها :
” أيًا كانت أحداث القصة، وايًا كانت الحبكة، بس النهاية معروفة يا ميمو، إن صلاح المراهق المسكين لقى واخيرًا بطلة أحلامه اللي هتكمل معاه الحكاية وتعيش معاه باقي الفصول ”
________________________
كانت جلسة صافية يتخللها بعض الأحاديث الهادئة بينهما، رائد يفتتح الحديث ويقوده، وتسبيح تكتفي بمجاراته فيه مبتسمة، وهو يكتفي ببسمتها أنيس.
لكن فجأة ترك رائد الملعقة من يده حينما سمع رنين هاتف تسبيح، لتتوتر الأخيرة وتشرع دقات قلبها تتسارع وقد فهمت أنها هالكة لا محالة، ابتلعت الطعام بفمها تنظر للهاتف جوارها لتبصر اسم نعمة ينير شاشتها .
هنا وتنفست تسبيح الصعداء واشرقت بسمتها تحمل الهاتف لتجيب نعمة غافلة عن أعين رائد الذي تابعها بهدوء حتى انتهت مما تفعل، وبمجرد انتهاء حديث قصير بينهما تركت الهاتف مبتسمة ثم قالت :
” ماما كانت بتقول الإجازة الجاية نروح …”
تناول رائد طعامه ببرود وقال مقاطعًا حديثها :
” متقلقيش مش هيزعجك تاني ولايتصل، يعني ردي على تليفونك وأنتِ متطمنة يا تسبيح، هو خلاص اتربى”
لم تفهم تسبيح مقصده، أو لم ترد أن تفهم ما يرنو إليه، خائفة من هكذا مواجهة قد ينتج عنها قطيعة أو غضب بينهما، وهي قد تتحمل أي شيء إلا أن يجافيها رائد ثانية واحدة …
” قصدك ايه يا رائد ؟؟ دي ماما عادي كانت… ”
مجددًا يقاطعها بهدوء شديد مبتسمًا :
” قصدي الولد اللي بيرن عليكِ من ارقام غريبة يا تسبيح وأنتِ بقالك فترة عندك استعداد تعيشي في خوف ومكدرة حياتك ولا أنك تيجي تقولي ليا وتريحي نفسك ”
شعرت تسبيح بأنها أصبحت في موضع الاتهام، تشعر كما لو أنه يجلس أمامها في هيئته كشرطي وهي كمجرم احمق فشل في إخفاء جريمته الاولى .
تركت الملعقة تقول بصوت خافت متقطع :
” أنا يا رائد …هو أنا بس كنت… أنا كنت خائفة لأحسن..”
صمتت وكيف تتحدث إن كان مبررها ضعيفًا، وهل يعد مبررًا من الأساس ؟؟ ماذا تخبره؟؟ معذرة يا رائد فأنت تزوجت حمقاء اباحت لرجلٍ مجهول برقمها الشخصي فقط لأنه يضع اسم وصورة فتاة وأرسل لها رسالة صوتية بصوت مزيف ؟؟
رفعت عيونها لرائد الذي كان ينظر لها بترقب فابتسمت بسمة صغيرة واختصرت كل تلك المبررات والحجج السخيفة التي لن تزيد الأمر إلا سوادًا :
” أنا.. أنا آسفة يا رائد والله مكانش قصدي، حقك عليا اول واخر مرة والله ”
بالنسبة لرائد يبدو هذا اعتذارًا لطيفًا مقبولًا، لكن عليه ألا يتساهل كي لا تعيد الكرة :
” تسبيح اسمعيني عشان مش حابب يكون فيه بينا حواجز، أي مشكلة تحصل معاكِ مهما كانت حتى لو كانت بلوة وأنتِ اللي غلطانة فيها، تعالي قوليلي، قوليلي يا رائد أنا عملت بلوة، وارميها عليا يا ستي ولا يهمك، إني أشيل بلوتك احسن عندي من إني اشوفك شايلة الهم كده ”
صمت يراقب تتابع الحزن أعلى ملامح تسبيح، قبل أن تهز رأسها بكل طاعة، وتقول بهدوء وقد وجدت مبرر آخر، لكن هذه المرة كان المبرر نابعًا من داخلها :
” أنا يا رائد والله مش بعرف اتصرف مع الناس، وحتى التليفون أنا مكنتش عايزاه عشان كده، أنا قفلت الفيس وكل حاجة ومش هعملهم تاني، حقك عليا ”
تحرك رائد من مقعده صوبها، يجلس القرفصاء أمام مقعدها هامسًا بحنان ولطف وقد رأى دمعات تلتمع داخل مقلتيها :
” اسمعي يا توتا، مش معنى أننا في الحياة فشلنا في شيء، يبقى خلاص نمنع محاولتنا في الشيء ده ونبعد عنه تمامًا، لا يا قلبي أنا بفشل عشان اتعلم، ما هو الانسان مش بيتعلم من الصح، هو بس بيتعلم من الغلط، وعشان كده اغلطي، الغلط مش عيب، العيب إني معترفش بالغلط أو أكابر”
هزت رأسها تتفهم كلماته، لتمتد أنامل رائد يمسح دمعاتها بكل حنان عن عيونها، ثم رفع كفها يقبله :
” أنا بكلمك كده عشان لو في يوم لا قدر الله مكنتش جنبك يا توتا تقدري تتصرفي، لكن أنا لو موجود فصدقيني مش هسمح بحاجة ابدا تقرب منك، قبل حتى ما المشكلة تحصل هتلاقيني واقف قدامها ”
” ربنا يخليك ليا يا رائد وميحرمنيش منك ”
نهض رائد يضم رأسها لصدره بحب شديد :
” ولا يحرمني منك يا قلبي…”
صمت ثواني ثم قال متسائلًا :
” صحيح يا تسبيح هو الحصار لسه متفكش ؟؟”
نظرت له بفضول ليوضح أكثر :
” قصدي يعني الجواز ياقلبي، عايز اتجوز واعمل فرح زي الناس، ايه رأيك ؟؟”
تعجبت حديثه ليبتسم هو بغيظ :
” ايه يا تسبيح بتبصي ليا كأني بقول حاجة مريبة؟؟ ما ده الطبيعي ياقلبي أننا نتجوز طالما كتبنا الكتاب، ولا أنتِ خلاص بقيتي عايشة على أساس مفيش اليوم ده ؟!”
ضحكت تسبيح على كلماته توضح نظراتها :
” لا أنا بس استغربت أنك مرة واحدة فكرت في الموضوع ده ”
” والله أنا بفكر فيه دايمًا بس برجع وبقول اخلي عندي دم واستنى شوية، لغاية ما خلاص عروقي نشفت وريقي نشف يا تسبيح، فها ؟؟”
نظرت له تسبيح بهدوء شديد وكأنها تفكر، ليقاطعها رائد مقبلًا وجنتيها كلًا على حدة بحب شديد :
” تسلمي يا توتا، والله مش هتندمي أبدًا على قرارك ده، بصي أنا عندي مهمة كده، لو خلصت على خير هنعمل الفرح على طول تمام ؟؟”
نظرت له تسبيح بصدمة ليسعد هو ويقبل خصلات شعرها :
” ربنا يديمك ليا يا قلبي هروح افرح الحاج”
راقبته تسبيح يبتعد وهي ما تزال متسعة الأعين متعجبة مما حدث، لكن فجأة ابتسمت وهي تراه يتحدث في الهاتف على بعد قصير منها يردد بصوت مرتفع وسعادة :
” جهز يا حاج الصوان عشان كلها ايام وهاجي اتجوز …”
___________________
الأمر لا يعجبه بالمرة، ولن يحدث، حاول يقسم أنه حاول تقبل الوضع لكنه لم يستطع، منذ خمس دقائق حاول عشر مرات أن يتقبل كل ذلك الهراء أمامه وفي كل مرة من العشر مرات فشل فشلًا ذريعًا، والآن ماذا ؟؟ هل سيضطر لتحمل الأمر أكثر من خمس دقائق .
ويبدو أن كل تلك الأفكار السوداوية كانت مرتسمة بوضوح أعلى وجهه، حتى أن جميع الضيوف _ الغير مرغوب بهم لديه _ لاحظوا نظراته السوداء لهم، وكأنه يخطط لقتلهم واحدًا تلو الآخر، وقد كانت تلك حقيقة في الواقع، لكن هو لم يتوقع أن تكون تلك الحقيقة واضحة لهذه الدرجة .
فجأة انتفض على صوت رسالة وصل له عبر هاتفه، أخرجه ليرى من يراسله في ذلك الوقت قاطعًا عليه مخططاته، ليرى أنه ليس سوى الشخص المتسبب في كل ذلك .
رفع نادر عيونه صوب نيرمينا التي كانت تنظر له برجاء أن يبتسم فقط لأجل ألا يخجلها أمام رفقتها الذين أتوا فقط لرؤيتها بعدما مرت بوعكة صحية .
رفع حاجبه مستنكرًا طلبها، لكنها نظرت له نظرات لطيفة متوسلة جعلته يزفر بضيق، ثم تحرك صوب الأريكة التي تتوسطها ووقف أمام فتاة تجاورها تلك الأريكة في دعوة صامتة منه أن تتنحى جانبًا لأجله .
نظرت له الفتاة بعدم فهم :
” نعم ؟! حضرتك محتاج حاجة ؟؟”
أشار لها نادر أن تتحرك عن اريكته ليجلس جوار زوجته، لكن الفتاة لم تفهم ونظرت لنيرمينا التي فهمت وللعجب ما يريد، لتبتلع ريقها بخجل :
” معلش يا سهى هو بس عايز يقعد مكانك ”
نظرت لها سهى باستنكار شديد، ثم رفعت عيونها لنادر الذي ضم يديه لصدره ببرود كطفل يتدلل على والدته أمام ضيوفهم ..
” هو ايه أصله ده ؟؟ يعني ايه اقوم عشان يقعد هنا ؟؟ إحنا في مدرسة ولا ايه ؟! بعدين مش ده الحارس بتاعك يا نيرمينا ؟؟ مش ملاحظة أنه واخد عليكِ بشكل اوڤر؟!”
ابتسم نادر ببرود شديد يزيد من استفزاز من أمامه وهو يستمع لجملة نيرمينا التي خرجت دون تردد أو تفكير :
” لا نادر جوزي مش الحارس بتاعي اساسا ”
ألتفتت جميع الرؤوس صوبها بصدمة كبيرة، ومن ثم حدقوا في نادر الذي كان يقف بثبات لا يهتم بمن حوله، هو فقط ما يزال يستمع لصدى كلماتها في أذنه مستمتعًا بها وبشدة .
وبعض الوقحين من ضيوفها لم يستطيعوا لجم ألسنتهم، ليسارعوا في الاستفسار بكل فضول عما تقصد :
” يعني ايه جوزك ؟! هو مش كان الحارس بتاعك لما جيتي الرحلة ؟!”
” أنتِ اكيد بتهزري يا نيمو، أنتِ لسه ١٩ سنة تتجوزي دلوقتي ليه اساسا؟؟ هو حد اجبرك ؟؟”
” بس ازاي اساسا بتفهموا بعض ؟؟ ده مش بيتكلم خالص، ولا هو بيتكلم ومش بيرضى يتكلم قدامنا ؟!”
كنت أعين نيرمينا تدور بين الجميع بعدم فهم لكل تلك الاعتراضات وكأنها للتو اخذت عنهم قرار يخصهم هم وليس هي، ما كل ذلك الاستنكار والتهكم الذي يعلو وجوههم ؟؟
نظرت صوب نادر الذي كان وجهه كما اعتادت سابقًا، صخرة لا حياة فيها، جمود لا تعابير به، فقط يحدق بها دون أي رد.
تحدث أحد الرجال الذي رافقوا اصدقاء نيرمينا :
” اكيد اخوها جبرها طبعًا و…”
” لا ”
كانت كلمة واحدة حادة هي ما أوقفت كل ذلك الهراء، وقد سئمت نيرمينا من الأمر، حسنًا هي ضعيفة غبية وحمقاء بعض الشيء، لكنها ليست بالطفلة التي تدع الجميع يحرك لها أمور حياتها .
” محدش جبرني ولا حد فرض عليا حاجة ”
مدت يدها لنادر الذي تلقفها بحب لتقول هي مبتسمة :
” أنا اساسا اللي شبه أجبرت نادر عليا، كنت بلزق ليه وبقعد معاه اكتر ما بقعد مع اخويا، لغاية ما زهق مني وقال يتجوزني ويكسب فيا ثواب، مش كده يا نادر ؟!”
نفى نادر برأسه يرفع لها أصابعه في حركته المحببة لها يعبر بها عن أن ما حدث كان حلمًا ورغبة عميقة داخله أن تصبح قطعة الحلوى الهشة هذه زوجته، ليثبت أصابعه على حركتهما المحببة قائلًا بلغته الخاصة ( أحبك)
ونيرمينا ردت له نفس الحركة مبتسمة بسمة واسعة جعلته يتناسى الجميع من حولهم مشددًا من مسكته ليدها، والكل يراقبهم البعض بتأثر والبعض الآخر بفضول شديد لما سيحدث .
نهضت الفتاة من جوار نيرمينا تاركة الأريكة له ليجلس هو براحة جوارها ومازالت يده تأسر خاصتها سعيدًا بملمسها الرائع بين كفه، رفع عيونه واخيرًا صوب شخص بعينه يرمقه بنظرات سوداء، ذلك الشاب الذي لم يرفع عينه عن زوجته منذ وطأ المكان ..
تفاجئ الشاب من نظرات نادر له ليبعد عيونه بسرعة كبيرة عنهما قائلًا بتوتر :
” طب أنا …أنا هسبقكم بقى عشان مشغول شوية ”
تحدثت نيرمينا بكل عفوية :
” ليه يا حاتم ما تستنى شوية كلنا قاعدين سوا ”
وفجأة أطلقت تأوه حينما شعرت بضربة خفيفة على جانب رأسها، نظرت لنادر الذي كان يرمقها بشر وهي لم تفهم ما يريد :
” ايه ؟؟ أنا عملت ايه ؟؟”
حذرها نادر بعيونه وهي كالعادة لم تفهم ما يريد، لتسمع صوت حاتم يقول بهدوء :
” معلش يا نيمو أنا بس متأخر على ميعاد مهم و…”
وقبل أن يكمل جملته رأى نظرات نادر تحتد أكثر وأكثر بشكل مرعب، ليبتلع ما كاد ينطق به ويستأذن بكلمات خافتة وكل ذلك تحت أعين نادر التي تكاد تحرقه حيًا ..
دقائق وبدأ الجميع يتحرك للرحيل مودعين نيرمينا ومنهم من بارك لها الزواج، حتى فرغت الغرفة إلا منها ومن نادر الذي نظر لها بشر، وهي كالعادة لم تفقه سبب نظراته :
” ايه ؟؟ أنت زعلان عشان جبت صحابي يقعدوا معايا ؟؟”
رفع حاجبه متهكمًا لتكمل هي التخمين حول السبب الذي قد يغضبه :
” طب ايه مش عايزني اقول لحد أنك جوزي طيب، مكسوف مني ولا إيه ؟!”
ونفس الضربة السابقة نزلت أعلى رأسها بقوة أكبر وملامح نادر بدأت تحتد أكثر من جملتها السابقة، لتطالعه هي بتذمر شديد :
” ايه ما تكتب عايز ايه ؟؟ مش بتعرف تستخدم ايدك غير في الضرب ؟؟”
أخرج هاتفه يكتب عليه كلمات بأصابعه تظهر مدى غضبه الشديد ..
ومن ثم رفعه في عيونها لتقرأ بصوت منخفض :
” الولد اللي اسمه حاتم كان بيبص ليكِ بشكل وحش، وبيقولك نيمو ”
رفعت عيونها له قائلة :
” لا يا شيخ، حاتم ؟؟ ده عيل طيب والله، الوحيد اللي مكانش بيتريق عليا ولا بيزعلني وكان بيجبلي سندوتشات وهدايا كتير و…”
صمتت فجأة تستوعب ما تقوله، لتجد أنها ما تقدم له إلا أدلة تثبت صحة كلامه، رمشت بسرعة وقد حللت في هذه الثانية تصرفات حاتم، تشهق بقوة واضعة يديها أعلى فمها :
” تصدق صح ؟؟ ده كان بيجبلي حاجات كتير وبيقعد يقولي كلام كتير حلو احلى من الكلام اللي أنت مقولتوش ليا ”
ومجددًا تلقت ضربة على رأسها وقد أشعلت غضب نادر أكثر وأصبح قاب قوسين أو أدنى من الركض خلف ذلك الحاتم والتخلص منه .
تأوهت نيرمينا بقوة تبرر ما قالت :
” والله مش قصدي بس هو كان لطيف معايا عكس الكل ”
رفع حاجبه لتمنحه هي بسمة بلهفاء تميل ببطء شديد كي لا تتوجع بسبب خصرها، تضمه لها قائلة بحب :
” مالك يا مختار اوعى تكون بتغير عليا، أنا عمر ما حد غار عليا خالص ”
ابتسم نادر على حديثها يجذبها أكثر له، لتبتسهم هي قائلة :
” بعدين أنا لو كنت بفكر في حاتم ما أنا كان ممكن أكل السندوتشات اللي بيجيبها ليا، بس انا كنت برفض ده كله، وباجي أكل مكرونة معاك أنت يا ميخو”
ابتسم نادر مزهوًا بنفسه وقد شعر بالراحة لكلماتها تلك وقبل رأسها، لتبتسم له اكثر وتقول :
” أنا بحبك أنت يا مخـ يا نادر، بحبك أنت وعمري في حياتي كلها ما حبيت أي إنسان غيرك أنت”
تنهد نادر بصوت مرتفع يحاول تهدئة ضربات قلبه، في الثلاثة وعشرين عامًا لم يشعر بمثل تلك المشاعر التي استطاعت نيرمينا أحداثها في ثواني قليلة .
قبل رأسها بحب شديد يسمع تمتماتها حول الايام التي كانت تعود ركضًا فقط لتشاركه الجلسة، أو تعد له طعامًا ..
________________
خرجت من المطار يستقبلها هواء دافئ يعلن بكل أسف قرب انتهاء فصل الشتاء، وحلول الصيف بحرارته ..
تنهدت بتعب شديد وقد بدت ملامحها ذابلة على غير العادة، كانت خائرة القوى، ليست تلك الرياضية المعروفة بادمانها للجسد المثالي، كانت ببساطة مجرد صورة ضعيفة من نفسها، ما الذي أجبرها على خوض مثل تلك الرحلة لتخرج منها خاسرة لكل ما تملك، ولنفسها ؟؟
وفجأة ظهرت أمامها سيارة تحمل الذي أجبرها على خوض الرحلة، وهو يبتسم لها قائلًا بهدوء شديد :
” الظاهر اني وصلت في الوقت المناسب ”
نظرت له زهرة ثواني قبل أن تتحرك ساحبة حقيبتها نحوه، ترفعها ملقية بها على المقعد الخلفي له، ثم صعدت دون مناقشة للسيارة، كما لو أنها أصبحت لا تهتم لشيء .
وسعيد لم يفهم ملامحها، لكنه رغم ذلك تحرك بالسيارة لا يعجبه الصمت الذي ساد بينهما، وزهرة كانت كمن نُحتت من صخر، لم تتحرك إلا عندما وجّه لها سعيد الحديث :
” زهرة ”
” نعم ؟؟”
” أنتِ كويسة ؟؟”
نظرت له زهرة ثواني، ثم قالت بكل بساطة :
” أنا آخر مرة كنت كويسة فيها يا سعيد هو النهار اللي فكرت اروح الحرم الجامعي وخاصة تجارة عشان أكل سندوتش سجق ”
صمتت ليكمل هو عنها مبتسمًا بتهكم :
” وقابلتي وقتها شرير القصة اللي حول حياة الأميرة لجحيم ”
ابتسمت وما زالت انظارها معلقة بالزجاج أمامها :
” مش بالضبط والله يا سعيد، هو مكانش شرير، يمكن رخم أو عنيد، لكن ابدا مكانش شرير هو ….”
اتسعت بسمتها أكثر وأكثر تصف الأمر بكامل مشاعرها :
” كان شخص لطيف حنون، كان وقتها بطل الحكاية، لكن فجأة أتحول للشرير، عايز تعرف ازاي ؟!”
صمت سعيد ولم يتحدث بكلمة وقد بدأت يده تضغط على المقود بقوة شديد، يستمع لها بكل جوارحه، لا يعلم بالتحديد الشعور الذي يراوده في تلك اللحظة، لكنه ليس بالسعيد ابدًا.
مهلًا ومتى كان سعيدًا، هو لم يرى من السعادة سوى اسمه، أصبح يشعر أن عائلته منحته ذلك الاسم خصيصًا ليكون كابوسًا يذكره بمدى تعاسته، هو الوحيد في هذا العالم الذي لم يأخذ من اسمه جزءًا، بل نبذ اسمه واختار مقابله .
سمع صوتها ينطق بشكل أوحى له مقدار الضغط النفسي الذي تمارسه على نفسها :
” ببساطة اخدوا الشاب اللطيف ده شربوه من القسوة كاسات، وزرعوا رأسه امراض الدنيا والآخرة، وياريت بعد ما اللي عمل فيه كده راح هو اتعدل ورجع طيب تاني، لا ده هما راحوا وسابوه لشيطانه اللي كان بيمثله أن كل اللي بيعمله صح، وأنه مينفعش يوقف، كان قدامه ابواب كتيرة يرجع منها عن اللي بيعمله، لكن هو اختار الباب الوحيد اللي مكتوب عليه ( واصل الطريق ) اختار الباب الوحيد اللي وراه سواد ”
نظرت له وقد كانت ملامحها سوداء بمقدار ملامحه، تشربت منه الكثير خلال تلك السنوات :
” تفتكر يا سعيد البطل ده جاني ولا ضحية ؟!”
توقف بالسيارة جانبًا وصمت، وكيف يتحدث وهناك صوت في رأسه يصرخ أنه الجاني، والآخر ينادي باستماتة أنه الضحية في كل هذا والجميع يظلمه، بل ويستغيث من العالم بأسره .
صمت وقد كان ذلك هو الرد الذي توقعته زهرة، ابتسمت ونظرت أمامها لتكمل :
” وبطلة الحكاية الغبية اللي وقعت في حب البطل الطيب اللطيف، بقت مضطرة تتعامل معاه اول ما اتحول وملاه السواد، مضطرة كل يوم بليل قبل النوم تقعد تردد أنها مش هتستسلم لعواطفها، وأنها مش الغبية اللي تسمح بعذاب نفسها لما تعيش مع شخص زيه ”
صمتت ثم صرخت مجددًا تضرب السيارة بجنون :
” بقت مضطرة تتعالج نفسيًا عشان تتقبل نفسها أنها لسه بتحبه، بتحب واحد المفروض تبعد عنه، وهي نفسها عارفة الحياة معاه هتكون ازاي، هيفضل الاتنين يأذوا بعض لغاية ما يدمروا بعضهم يا سعيد ”
صمتت تتنفس بصوت مرتفع تحاول معرفة عدد المرات التي انهارت أمامه فيها بالصراخ، لا تدري كم مرة صرخت وانهارت وهتفت بذلك الكلام ..
” خلاص يا زهرة كل ده هيخلص اوعدك ”
ارتفعت وتيرة دقات قلب زهرة واستدارت له كالرصاصة وقد علىٰ الرعب ملامح وجهها، وكأنها لم تكن هي نفسها من صرخت منذ ثواني .
” يعني ايه ؟! قصدك ايه يا سعيد ؟؟”
شهقت تسمح بأكبر قدر ممكن من الهواء بالنفاذ لصدرها :
” أنت… أنت هتعمل ايه ؟؟ سعيد أنت هتـ ”
قاطعها سعيد مبتسمًا، يشعر بالراحة الشديدة لأجل قراره ذاك، وقد عقد العزم على تنفيذه :
” أنا كنت جاي اودعك بس يا زهرة، وعايز منك وعد ”
نظرت له زهرة بصدمة لا تدري ما تقول، ليبتسم لها مكملًا :
” متزعليش أنا كده هكون مرتاح، وهبقى مرتاح اكتر لو وعدتيني أنك…متنسنيش…متنسنيش يا زهرة لأن أنتِ ممكن تكوني آخر شخص يفتكرني في الحياة دي، مش عايز لما اغيب وارجع ألاقي مبقاش ليا أثر في الدنيا ولا حد يفتكرني، أنا….عارف إني حملتك فوق طاقتك كتير واكيد مش هطلب منك تستنيني لأني أنا نفسي مش عارف ممكن اغيب قد ايه، بس اتمنى تكوني اول شخص اشوفه بعد ولادتي الجديدة، توعديني ؟؟”
كانت زهرة تحاول أن تفهم ما يقوله، لتسقط دموعها فجأة وهي تحاول الابتسام لأجله:
” هتعمل ايه يا سعيد ؟؟”
” مش أنتِ طلبتي سعيد القديم يرجع ؟؟”
هزت رأسها بالايجاب، ليقول مبتسمًا :
” وانا بحاول ارجعه عشانك يا زهرة، بس …بس ممكن يرجع ناقص شوية، أو يرجع بس مش زي الاول، هيكون فيه ندوب وشوائب، لكن صدقيني أنا بحارب عشان يرجع هو سليم، هختفي من حياته واسيبه يعيش بسعادة ”
سقطت دموع زهرة بقوة وهي تخفض وجهها تحاول أن تتماسك، هي ما سافرت لأجل مؤتمر كما أخبرته، بل سافرت للقاء معلمها الذي كان بمقدوره المساعدة ..
فجأة انتفضت على شعورها بشيء معدني بارد يلامس بنصرها، نظرت صوب ذلك الخاتم الفضي بتعجب لتسمع صوت سعيد يقول بنبرة غريبة :
” يمكن موضته قديمة ورخيص شوية، بس …فاكرة المشروع اللي قولتلك عليه ايام الجامعة بتاعي انا وصاحبي ؟! كانت وقتها عربية سندوتشات ”
صمت، لتضحك هي بخفوت شديد من بين دموعها وهو ابتسم قائلًا :
” العربية دي وقتها اول فلوس طلعت ليا منها، جريت وجبت ليكِ الخاتم ده، وكنت هديه ليكِ قبل ما يحصل كل ده، بس الظاهر مكنش مقدر ليه وقتها يبقى معاكِ، دلوقتي أنا بديه ليكِ وبطلب منك تحتفظي بيه لأنه آخر ذكرى من سعيد القديم، ولو….ولو …لو في يوم حصل وارتبطي بغيري، أنا .. هبقى اخده لو مش حابة تحتفظي بيه، بس ارجوكِ متتخليش عنه ”
نظرت له زهرة من بين دموعها تقول بصوت خافت سعيدة لأجله ولأجل خطواته الأولى في طريق العودة :
” اوعدك ”
صمتت ثم أضافت :
” اوعدك اكون أول شخص يستقبلك، وإن الخاتم هيفضل في امان معايا يا سعيد ….”
ابتسم لها سعيد وقد شعر لأول مرة في حياته بسعادة كبيرة، اعتدل وقد بدأ يتحرك بالسيارة مرة أخرى يقول مستغلًا الوضع :
” ايه رأيك نروح ناكل سوا؟؟ من زمان وأنا نفسي اعمل كده ”
وزهرة لم ترفض له هذا الطلب وابتسمت له محققة ما يريد، وقضى الإثنان ليلة لا مثيل لها في حياتهما كلها، ليلة سيعيشان على ذكراها للكثير حتى العودة …
____________________
نظرت خلفها حيث يقبع شقيقها داخل سيارته يشير لها بالانتهاء حتى يرحلا، وهي نظرت له تترجاه أن يصبر قليلًا، ثم عادت بنظرها لصالح الذي كان يبتسم لها قائلًا :
” المرة دي تختلف يا رانيا، بوعدك بلقاء قريب اوي، والمرة الجاية مش هودعك تاني أبدًا ”
شعرت رانيا بقلبها يكاد يقفز من صدرها فرحًا وهو ابتسم لها، يزيد من حديثه على مسامعها :
” استني اسبوعين بس ووقتها مش هسمح تودعيني تاني أبدًا، ولو حصل وودعتك وداع مؤقت مش هيكون بالشكل ده ”
ختم جملته يشير للمسافة بينهما، وقد أدركت رانيا مقصده لتلتمع عيونها بسعادة كبيرة واحمر وجهها بخجل أكبر، تهز رأسها بهدوء :
” أنا بس مش عايزة امشي غير وأنا متأكدة أنك كويس يا صالح، أنت مش حاسس بأي تعب من الحادثة صح ؟!”
” أنا كويس والله يا رانيا الحمدلله ربنا نجانا برحمته، وبقيت كويس اكتر لما شوفتك و…”
صمت ثم عاد صوب السيارة الخاصة به يخرج منها حقيبة ورقية جميلة الشكل وعاد لها، يقول ببسمة واسعة :
” أنا جبتلك هدية على فكرة ”
نظرت رانيا للحقيبة بيده متعجبة، لكن فجأة قالت بمزاح :
” دي زي هدية آخر وداع ؟؟ كشري وحواشي ؟؟”
أطلق صالح ضحكات صاخبة على تلك الذكرى :
” لا دي هدية تانية أنا جبتها بنفسي ليكِ، اول ما شوفتها افتكرتك فجبتها ”
صمت ثم قال بأعين حنونة :
” فاكرة لما قولتلك آخر مرة أن اللي بيجي القاهرة هيرجع ليها خاصة لو قابلني ؟!”
هزت رأسها وهي ترى أن جملته قد صدقت وها هي عادت للقاهرة ركضًا لأجله هو.
اكمل صالح جملته :
” والمرة دي هقولك نفس الشيء، اللي بيجي القاهرة هيرجع ليها تاني خاصة بقى لو يخصني يا رانيا ”
ابتسمت رانيا له بحب ليعطي هو لها الحقيبة بنظرات لطيفة تتنافى كليًا مع صفاته المعروفة، ورانيا فتحت الحقيبة لتتفاجئ بعلبة ذات جزء شفاف من الاعلى يظهر منه حذاء ابيض جميل المظهر، جعلها تفتح عيونها بصدمة وهو قال مبتسمًا:
” كنت هجبلك فستان كتب الكتاب، بس لسه مخترتش هيبقى عامل ازاي، لأن التخيل اللي في دماغي مش لاقيه وشكلي هفصله مخصوص عشانك، بس لقيت الجزمة ودي بداية لطيفة للتجهيز ”
امتلئت عيون رانيا بدموع سعادة وهي ما تزال تحدق بالحذاء :
” صالح هو …هو أنت اللي بتختار الحاجات دي بجد ؟؟ فستان الخطوبة والجزمة وكل دول ذوقك ؟؟”
هز صالح رأسه لها بنعم لتنظر له بأعين مصدومة :
” وبتقول أنك مش بتعرف تجيب هدايا حلوة، يا صالح دول …دول اجمل هدايا في حياتي ”
ابتسم صالح لبسمتها ومال عليها هامسًا :
” اقولك على سر صغير كده بس محدش يعرفه غير صلاح ؟؟”
نظرت له بفضول ليبادلها هو النظرات بحب ويهمس ومازال الاتصال مع عيونها قائمًا :
” أنا أكثر انسان في الدنيا دي ممكن يكون عنده ذوق في اللبس النسائي وكل ما يخصهم، لأني كنت ببقى دايما مع امي في مشاوير السوق وكانت بتاخد رأيي في كل حاجة، فعشان كده مش هتلاقي حد خبرة في الحاجات دي قدي، وبكده اضمن أن مش هتلاقي مرافق للتسوق احسن مني ”
كانت رانيا تستمتع لكلماته ولا تدرك ما نطق به، كيف ؟؟ كيف لشخص كصالح، يتعالم بخشونة مع النساء ولا يجيد الحديث معهم، أن يكون ذا ذوق رفيع فيما يتعلق بهن !!
وصالح استغل صدمتها تلك وقرر أن يلقي بسر آخر طمره في نفسه :
” واقولك على سر كمان ميعرفوش غير صلاح ورائد ومحمود ؟؟”
نظرت له بفضول شديد، ليهمس لها بصوت لطيف حنون :
” إني بحبك ”
وبعد انتهاء صالح من لحظة الصراحة وافشاء أسراره تلك، اعتدل مبتسمًا بكل هدوء يرى ملامح رانيا التي كانت وكأنها ليست في عالمهم هذا، حسنًا هو نفسه تفاجئ من الأمر، لكن شعر أنه يحتاج لقول هذا .
حدقت فيه رانيا بملامح متأثرة مما قال، لتبتسم له بأعين ملتمعة تسمع صوت زمور سيارة عبدالجواد في الخلف، لتنظر له سريعًا، ثم عادت بنظراتها لصالح تقول وقد ارتفعت وتيرة تنفسها بقوة تضم الهدية لصدرها بحب يوازي حبها لصاحبها :
” و.. وأنا كمان ”
وقبل أن يستفسر صالح عن مقصدها وجدها تركض بسرعة صوب سيارة عبدالجواد تاركة إياه يرمقها ببلاهة شديدة وأعين متسعة وهي لوحت له من السيارة مبتسمة تراقب ابتعاده عن السيارة، نفس الوضع السابق، لكن هذه المرة هي ليست حزينة لوداعه، بل متشوقة للقاء آخر..
وصالح فقط يقف مكانه مصدومًا، قبل أن يبتسم بسمة واسعة، يقف يراقب السيارة بأعين ملتمعة وبقوة حتى شعر بأن قلبه سيتحرر من صدره ويطير خلف السيارة ليبثها باقي مشاعره …
_______________________
كل الخطوات التي خطاها الجميع تؤدي لنقطة واحدة، وليلة واحدة، وقد كانت الليلة هي الليلة المنشودة، فبعد يومين أرسل متولي لسعيد يخبره بموعد التسليم ..
وها هو سعيد يختفي في مكان بعيد عن الأنظار لا يعلمه أحد سوى صلاح الذي يجلس جواره وكذلك صالح الذي أصر على المجئ لحماية أخيه ..
بينما ميمو مُنعت وبقوة بواسطة صلاح أن تطأ تلك البقعة من الأرض، ومعها في السيارة محمود الذي بقي فقط ليظل أحدهم مع ميمو يحافظ عليها ويمنعها من التدخل إن احتدم الأمر.
ونادر أُجبر على البقاء مع نيرمينا في المنزل بأمر من ميمو التي صرخت في وجهها أنها لن تقترب من أي شيء خطير، فقط ستلتزم بمكانها بعيدًا حتى تدخُل رائد بالشرطة ..
وبدأ الأمر وقد وصلت سيارات متولي وبدأت بأخذ البضائع المكونة من أسلحة ومخدرات وتضعها في العديد من السيارات المصفوفة، ونظرات متولي السعيدة تراقب كل ذلك بلا تصديق، يدخن سيجارة مستمتعة وهو ينظر لابنه بخبث .
بينما غانم يستند على سيارته يراقب كل ذلك بهدوء شديد وبلا اهتمام، لكن داخله كان هناك شخص يطلق ضحكات صاخبة متشفية، ففي الوقت الذي تُحمل به البضائع، هناك رجاله في طريقهم لسعيد .
همس صلاح وهو يراقب ما يحدث ملتقطًا العديد من الصور بكاميرا ليلية أحضرها خصيصًا للأمر :
” فيه حاجة غريبة بتحصل ”
نظر له سعيد بعدم فهم ليوضح صلاح :
” فيه رجالة كتير عمالة تبعد عن المخزن وتتحرك في المكان بشكل مريب، حتى مش بيراقبوا العربيات ولا مهتمين بيها ”
انتزع منه سعيد الكاميرا يراقب ما يحدث جيدًا يحركها يمينًا ويسارًا، حتى توقفت على وجه متولي الذي كان يتطلع بنقطة اختباءه بشكل غير مُطمئن بالمرة، ومن ثم نظرات غانم لنفس النقطة التي ينتظر هو بها ..
قال سعيد بغضب مريع :
” اه يا ابن الـ ****، والله لاوريك يا متولي الكلب ”
نظر له صالح بتعجب وكذا صلاح الذي قال :
” حصل ايه ؟؟”
وقف سعيد يعتدل ويعدل ثيابه يتأكد من وجود مسدس داخل جيبه :
” متولي الكلب باعني لابنه، وعرفوا مكاني، والرجالة اللي بيتحركوا دول جايين على هنا، لازم أظهر ليهم قبل ما يكشفوا مكانا ”
وقبل أن يقول أحدهم كلمة، تحرك سعيد بسرعة مبتعدًا عن المخبأ الخاص بهم تاركًا صالح وصلاح يراقبون الأمر، لكن قبل أن يتحرك قال :
” كلم صاحبك يستعجل قبل ما يخلصوا عليا ”
وبعد هذه الكلمات تحرك سعيد صوب غانم ومتولي بكل برود وهدوء شديد، ينظر للجميع بأعين باردة وبسمات خبيثة يدعي برودًا:
” والله مش قليل يا متولي، قدرت تاخد لينا بضاعة على الفرازة من ابنك ”
نظر له غانم مبتسمًا يرفع يده في الهواء مشيرًا لرجاله بالعودة وقد ظهر الهدف فلا حاجة للبحث عنه .
ومتولي رمق ما يحدث، لم يكن يتوقع ظهور سعيد الآن، هو رتب نفسه أن يسلمه بعد انتهاء تحميل البضاعة والرحيل، لكن ظهوره في تلك اللحظة أفسد مخططاته .
نظر سعيد حوله وقد ارتص الرجال في المكان بشكل أوحى له أن في حال تأخر ذلك الرائد ثواني فقط فقد يصبح هدفًا حيًا لرصاصاتهم .
” مش عيب عليك يا غانم تضحك على ابوك ؟؟ ولا اكمنه عبيط يعني تعمل عليه كده وتقوله البضاعة اصلي وهي عبارة عن دقيق ومسدسات مايه ؟!”
اتسعت عين غانم بصدمة لمعرفة سعيد بما فعل، بينما متولي انتبه لما قيل واقترب منهما يقول بعدم فهم :
” أنت بتقول ايه ؟؟ أنا بنفسي شوفت البضاعة والرجالة بيحملوها ”
تأتأ سعيد ببرود شديد :
” وهو غانم مقالكش أن المخزن ده فيه اوضة مخبي فيها نسخة طبق الأصل من البضاعة اللي أنت عاينتها لكن مغشوشة ؟؟ ودلوقتي اللي بيتحمل ليك مسدسات مايه ودقيق يا حاج متولي، والله ما عرفت تربي ”
تحركت عيون متولي صوب غانم الذي لم يكن يفهم كيف علم سعيد بخطته، وفجأة شعر بمن يجذبه صارخًا :
” الكلام ده حقيقي يا متولي؟! أنت بتنصب عليا ؟! عايز توديني في داهية وتخلص عليا ؟؟ ”
أبعد متولي يد والده بغيظ غير مهتمًا بكل ذلك فقد نال غرضه وهو قدوم سعيد له اعزلًا :
” وأنت بكل عقلك مفكر اني هديك بضاعة بملايين من غير شلن ؟؟ ليه فاتحها سبيل بروح اهلك ؟؟ فوق يا متولي ده أنت اكتر واحد عارفني ”
وبهذه الكلمات استطاع غانم استفزاز كل ذرة غضب داخل أوردة والده لينقض عليه متولي صافعًا إياه وهو يسبه بغضب شديد، ثم رفع يده ليتبع الصفعة بأخرى، لولا أن امسكه غانم محذرًا :
” لا مش كل مرة هسكتلك يا والدي العزيز، لمّ نفسك وامشي من هنا وبلاش رجلك تيجي في اللعبة ”
جن جنون متولي الذي كان يفكر فيما سيقول بشأن من وعدهم ببضاعة وأخذ منهم أموال مقابلها و بددها .
دفع غانم للخلف وهو يصرخ في وجهه :
” خلي رجالتك تطلع البضاعة اللي أنا شوفتها لأحسن والله لاكو….”
وقبل أن يتم متولي جملته دفعه غانم بقوة ليسقط ارضًا، ثم رفع سلاحه وأطلق رصاصة على قدمه صارخًا بجنون :
” قولتلك بلاش تيجي في اللعبة يا متولي، بس أنت اللي مصر تخرج ميت انهاردة ”
ومع ارتفاع صوت الرصاص انتبه جميع رجال متولي وركضوا صوب تجمع الرجال، وكذلك فعل رجال غانم، لتحتدم المعركة وسعيد يقف في المنتصف يقول بصدمة مصطنعة :
” لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه كده يا جماعة ده أنتم اهل، ده شيطان والله ودخل بينكم ”
وقبل أن يتم سعيد جملته وجد سلاح غانم يتوسط رأسه والشر يملء عيونه، بينما رجال غانم ومتولي كلٌ يرفع سلاحه على الآخر وقد أصبح الوضع متأزمًا .
ابتسم سعيد ينظر بثقة صوب متولي الذي اقترب منه يحدق في عيونه بشر، وسعيد يبادله النظرات بأخرى مرعبة واثقة ومتحدية :
” اضرب يا غانم، أضرب رصاصتك وخليك راجل ”
وقبل أن يفعل غانم ذلك شعر برصاصة حادة تتوسط كتفه ليطلق صرخات مرتفعة، ناظرًا حوله ليرى صلاح يحمل سلاحًا وينظر له بشر شديد هامسًا :
” قولتلك يا غانم كلها مسألة وقت دورك جاي جاي، كل اللي في القايمة هياخدوا نصيبهم …”
نظر له غانم يمسك بذراعه متألمًا وقد أعادت له تلك الجملة ذكرى بعيدة، ذكرى مر عليها سنوات طويلة لنفس العيون ونفس النظرة ونفس السواد، ذكرى بداية عداوته مع صلاح ….
كان صلاح يقف في منتصف مكتب غانم ورجال الاخير يحاولون جذبه بعدما تهجم على مكتبه صارخًا بجنون :
” هتندم، اللي عملته ده هندمك عليه سنين يا غانم، ومساعدتك للزبالة اللي قتل امي أنه يهرب برة البلد مش هتعدي بالساهل، والله لارجعه ولو في آخر بلاد الله واوريه الويل، وأنت دورك جاي، بس اصبر هوصلك وهدمرك ”
أشار غانم لرجاله باخراج ذلك الغر التافه الذي تهجم على مكتبه يطالبه بإرجاع الشاب الذي ساعد والده في تهريبه من السجن ومن ثم خارج البلاد بأكملها، الأمر كله كان مصلحة بينهما وهو نفذ جزءه لينال ما يريد من والد ذلك الشاب .
نظر له صلاح بشر والسواد يملء جميع اجزاء جسده :
” كلها مسألة وقت دورك جاي جاي، كل اللي في القايمة هياخدوا نصيبهم يا غانم، هندمك ندم عمرك …”
كان غانم يحدق في ملامح صلاح والذي خرج من المخبأ حينما وجد الأمور تحتدم، واستغل انشغال رجال العصابتين في بعضهما البعض ودخل من بينهم ليطلق رصاصته على ذراعه فقط، هو بالطبع لا يتمنى لغانم ذلك ميتة رحيمة كالرمي بالرصاص، بل سيدع القانون يتولاه .
وقبل أن يرفع غانم سلاح شعر بضربة تسقط ارضًا، ومن ثم انقض عليه سعيد بالضرب ..
وصالح الذي خرج ركضًا خلف شقيقه كان يقف في الخلف، يحمل مديته، والتي يعلم جيدًا أنها غير مجدية وسط كل تلك الأسلحة، لكن هي فقط ما يعلم استخدامها …
استمرت المعركة بين الجميع وقد بدأت تشتعل أكثر وأكثر حتى ارتفع صوت جهوري في المكان صارخًا بنبرة رجولية مرعبة :
” كله يرفع أيده، أيدكم لفوق وإلا هضرب في المليان …..”
كانت ميمو تقف في تلك اللحظة، و قد ركضت صوب منطقة التسليم بعدما سمعت صوت رصاص، ومحمود خلفها بعدما لم يتمكن من إيقافها .
ورائد يقف جوار أحد رجال الشرطة ذوي الرتب العسكرية العالية، وخلفه عدد كبير من رجال الشرطة .
ابتسم سعيد ينهض عن غانم وهو ينظر لذلك الشرطي الذي كان يتابع العملية معه خطوة بخطوة، رفع يديه في الهواء، بينما غانم نظر حوله يبحث عن مخرجًا ووالده كان قد سقط في غفوة قصيرة بسبب شدة وجعه …
تحدث الشرطي يحرك سلاحه في الهواء مشيرًا لرجاله:
” فرغوا المكان كله، وخرجوا البضاعة اللي في المخازن، مش عايز قشة في المكان …”
أنهى حديثه، ثم اقترب من غانم الذي كان يحاول النهوض باحثًا عن أحد رجاله لاغاثته، وبالفعل وجد يد تُمتد لمساعدته .
امسكها بيده غير المصابة لينهض، وبعدما فعل انتبه أن من ساعده لم يكن سوى الشرطي الذي قال ببسمة وهو ينفض ثيابه بقوة :
” ده السجن هينور بيك يا غانم، جهزلي عضلاتك دي بقى عشان هتحتاجها كتير اوي جوا ….”
______________________
انتهت المرحلة ما قبل الأخيرة .
وها نحن نخطوا لمرحلتنا الأخيرة…..

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية ما بين الألف وكوز الذرة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى