روايات

رواية قلوب منهكة الفصل الحادي والعشرون 21 بقلم جهاد وجيه

رواية قلوب منهكة الفصل الحادي والعشرون 21 بقلم جهاد وجيه

رواية قلوب منهكة الجزء الحادي والعشرون

رواية قلوب منهكة البارت الحادي والعشرون

قلوب منهكة
قلوب منهكة

رواية قلوب منهكة الحلقة الحادية والعشرون

بأول قمرٍ لغيابكِ اتخذت القوة الزائفة وجهة لي ولكن ما لبثت أن بكيت!! بكيت حُبكِ، حنانكِ، رقتكِ، بسمتكِ، بكيت لأجل قلبكِ الذي أُدميَّ لأجل قلبي البارد! بكيت شوقًا كشوق الجندي لبلاده المُحتلة، بكيت كرضيعٍ سلبته الحياة والدته وملجأه الوحيد، بكيت وللمرة الأولى لا أعرف كم بكيت، فهل ستغفري ! ؟
أعلنت أشعة الشمس عن بداية جديدة وربما أخمدت بظهروها جِراح ليلة قاسية على تلك الفتاة التي ذنبها الوحيد أنها عشقته! أجل عشقته بطريقة تكفي كليهما، ارضخت لفكرة قبولها بأقل همسه من شفتيه وأصغر بسمة من عينيه، لملمت سجادتها التي أُبتلت من دموعها المريرة ونهضت عازمة على ترتيب حقيبتها والرحيل، أجل الرحيل هو الأفضل لكليهما، قلبها يئن ألمًا من حبٍ لونه الوحيد هو الأسود والأسود القاتم فما الفائدة !؟، تناولت هاتفه مقررة الاتصال بوالدها ليأتي وتخبره بكل شيء لم يعد بداخلها ولو محاولة واحدة لجعله يراها ويشعر بها، زفرت بعنف عندما رأت الساعه لم تتجاوز السادسة بعد، فتحت الخزانة بعنفٍ متناولة ثيابها مُلقية إياهم على الفراش من خلفها ولم تهتم لترتيبهم بل عندما انتهت أتت بحقيبة سفرٍ كبيرة نسبيًا ولملمتهم جميعًا بإهمالٍ ووضعتهم لها وأغلقتها ووقفت تنتقي ثوبًا يناسب خروجها وكل هذا تحت أنظار القابع خلفها يتابع جميع تحركاتها الهوجاء وهي غافلة عن دلوفه الغرفة التي تركتها مفتوحة عند خروجها للوضوء فجرًا!!
ابتسم بحنان متلقطًا كل شاردة وواردة تصدر عنها وتمتم بهدوء من خلفها: بتحضري شنطتك لي يا سلمى
فزعت من صوته الذي أربك حركتها وجعلها تلتف له بلمحة وملامحها الفزعة لم تتبدل ولو قليلًا هاتفة بحدة: أنتَ بتعمل إيه في أوضتي ودخلت إزاي
أراح جسده على الباب من خلفه مربعًا ذراعيه أمام صدره متصنعًا التفكير لعدة لحظات ثم تمتم باستفزاز: أولًا بعمل إيه فبشوف مراتي وهي بتهرب وثانيًا دخلت ازاي فمن الباب دا وثالثًا عشان الصورة توضح دا بيتي ودي أوضتي زي ماهي أوضتك وادخل في الوقت اللي أحبه
زفرت بصوتٍ عالٍ وصل لمسمعه وهتفت بغضب: عندك حق دا بيتك وعشان كدا أنا بحضر شنطتي وسيبهولك ومش بهرب تؤ تؤ أنا ماشية وورقتي توصلني ولو موصلتليش هرفع عليك قضية صغيرة كدا اسمها خلع وهكسبها وأنتَ عارف كدا كويس
علا ثغره بسمة راضية عن زوجته فمن الواضح أنه لا يعرف عنها الكثير فهي قوية بحق، رفع أصابعه وحك ذقنه النابتة وتمتم بخبث: وهتكسبيها ازاي بقا يا مدام سلمى
ابتسمت بثقة متناهية وعقدت ذراعيه أمام صدرها بحركة مماثلة لحركته وغمغمت برقة مزيفة: تؤ تؤ فاتتك دي يا سامح، أنا مش مدام أنا آنسه ودا سبب كافي أووي للقاضي عشان ارفع على جوزي قضية خلع، عدى على زواجنا شهر أهو أو أقل شوي وأنا لسه آنسه تفتكر شكلك هيبقى إيه!؟
شقت بسمة ماكرة شفتيه وقدماه تلتهم المسافة الفاصلة بينهم حتى أصبح يطل بجسده عليها ورفع أنامله لتربت فوق وجنتيها برقة خالصة وتمتم بدهاءٍ: وأنا بردو مينفعش أسيب سمعتي على المحك كدا، فلازم مراتي تكتشف بنفسها أني صاخ سليم صح ولا إيه ؟!
نهى حديثه الوقح بغمزة صغيرة بعينيه وبسمة شيطانية تداعب ثغره بينما هي رفرفت بأهدابها بحركة سريعة بسبب توترها وخجلها المفرط من حديثه الغير بريء بالمرة وتمتم بحدة وتعلثم: وأنا مش هسمحلك بكدا …. أنا بكرهك … وهطلقك منك
اقترب منها أكثر حتى تشابكت أنفاسهم الحارة والمتوترة وتمتم بنبرة رجولية: لسانك بيقول كلام عكس قلبك خالص يا لوما، وعيونك بتهرب مني وإيديكِ قربت تصرخ من ضغطك عليها، الكدب مش كويس للي في سنك
ابتعد عنها عدة خطواتٍ للخلف مراقبًا تعابيرها الخجولة والفطرية التي أعتادها منها، اقتربت هي تلك المرة حتى أصبحت أمامه مباشرة، رفعت سبابتها بوجهه وأنفاسها الغاضبة والمُتألمة تلفح صفحات وجهه بعنف وتمتمت بقسوة : بقولك طلقني
ارخي كتفيه ببرودٍ ولا مبالاة وهتف : طلاق مش هطلق واللي عندك اعمليه
اقتربت خطوة أخرى وأمسكته من تلابيب قميصه الأسود وهزته بعنفٍ وغضب وتمتمت: خليك كويس لمره واحده في حياتك وطلقني وأبعد عني، خليك راجل
رفع أصابعه برواية ورقة لتلامس وجنتيها الغاضبتين مرورًا بشفتيها الكرزيتين وهتف بنبرة جليدة: مفيش طلاق ولا خلاص مني، فاهمه ! وعشان أثبتلك كلامي
نهي حديثه بانقضاضه الشرس على شفتيها المرتجفتين ناهيًا حديثها الغاضب منه، التهم شفتيها بقوة دامية زادتها مقاومة ودفاعًا عن أنفاسها المسلوبة بفعل هجومه الكاسح عليها، رفع يده قابضًا غلى خصرها مُقربًا جسدها المرتجف منه ليأمن شراستها وعنفوانها، كانت قبلته ببدايتها غاضبة، قاسية، دامية، سرعان ما تحولت لأخرى مُحبة، عاشقة، مُتيمة، طبع قبلاتٍ صغيرة على شفتيها وأسند جبهته فوق خلصتها هامسًا بصوته الرجولي الرخيم: مقدرش أطلقك، طلاقك بموتي يا سلمى
ضحكت بسخرية على حديثه المُزيف ورفعت أناملها تتحسس ذقنه النابتة مرورًا بشفتيه القاسيتين وغمغمت بنعومة مزيفة : وإني أفضل على ذمتك معناه موتي بالبطيء يا سامح
قبض على أناملها الناعمة من فوق شفتيه واقترب من اذنها هامسًا بنبرة أصابتها بتخدرٍ بسائر جسدها: ملكيش خلاص مني، حبك دا ليا لواحدي
لم يعطيها فرصة للرد بل سارع بدفن شفتيه بنحرها المتلصص من بين خصلاتها لتنهل شفتاه كل بُقعة تلتقطها، سارت شفتيه تعزف ترانيمها فوق عرقها النابض ليجعلها تستجب له ولكن !!
**************
انهت حمامها وسط دوامة أفكارها الغريبة، عقلها يحثها على إعطاء نفسها فرصة أكثر لتتأكد من حبها له وقلبها يدفعها لأن تعشقه فقط ولكن أين هي من صراع كليهما!؟ هي تتوغل بلحظاتهم السابقة، شعرت بلطفه وحنانه الذي أغدقها به، شعرت بكم حاجته لإحتضانها ليلة أمس بعد إفراغه لآلامٍ كانت تتأكله، هزت رأسها بعنف مبعدة كل تلك الوساوس والأفكار وتناولت مأزرها الوردي وفتحت الباب بهدوء لتستشف وجوده من عدمه، تنفست بارتياح عندما لم تقع عيناها عليه وخرجت متوجهة لخزانتها لترتدي ملابسها، وقع اختيارها على ثوبٍ فضي بنقوشٍ لامعة عند الخصر، يضيق من عند الخصر ويناسب تدريجيًا مع جسدها لأسفل قدميها، رتبت خصلاتها برقتها المعهودة وتناولت وشاحها الأبيض ووضعته بعناية حول نحرها المندوب، استمعت لصوت فتح باب الغرفة وتبعه هيئته التي وصلت لقلبها، لم يرتدي بذلتة رسمية اليوم انما اكتفى ببنطالاً أسود وقميصًا أبيض أبرز جسده المتناسق وخصلاته وذقنه التي اتسطالت مؤخرًا، كم بدى شديد الوسامة بتلك الطلة الطاغية، راقبت اقترابه منها بالمرأة حتى أصبح خلفها مباشرة وامتدت قبضتاه لتحيط بخصرها مقربة جسدها منه، رفع كفه مُزيحًا وشاحها الذي منعه عن جيدها المحبب له وسط اعتراضها الذي لم يلقيه بالا وتمتم بهيام: متخبهوش عني تاني، حلاوتك زيادة أووي يا زان
أغمضت عيناه بشدة من همسه الذي أذاب اعتراضها ومغازلته لها وغمغمت بأنفاسٍ متقطعة: ليه
دفن وجهه بين ثنايا عنقها قابضًا بشفتيه على مقاومتها الواهية وسارت شفتيه تتذوق كل نقطة من نحرها الأبيض وقبضته تشدت على خصرها أكثر، رفعت أناملها الرقيقة لتحتضن كفه القابض على خصرها كاستجابة سريعة منها على هجومه الغير عادل عليها، همست باسمه وسط زوبعة مشاعرهم الصغيرة مما جعله يديرها لتختلط أنفاسهم المشحونة وشفتاه تهبط بحركة خاطفة لتقطف قبلاتٍ عاشقة من شفتيها مكورًا وجهها بين كفيه الكبيرين، شعر بتراخي حركتها فابتعد عنها مستندًا بجبهته على جبينها هامسًا بوقاحة: أنا عاوز أتجوز، كفايه عذاب كدا
ضحكت بخجل وأنفاسٍ مسلوبة على مزحتته الوقحة وغمغمت بنعومة: ما احنا متجوزين يا ماجد
التقى حاجبيه بحركة مغتاظة منها وتمتم بحنقٍ: لا عاوز جواز من التاني، عاوز ادخل دنيا بقا
لم تقدر على كتم ضحكاتها تلك المرة على تعابيره الطفولية التي لا تناهز عمره وغمغمت ويديها تعدل من ملابسه وخصلاته : ماجد كدا عيب ويلا عشان هنزل معاك الشغل
هتف مقلدًا نبرتها الساخرة منه: ماجد كدا عيب ويلا عشان عندنا شغل، أنتِ بتكلمي عيل في K2
ارخت كتفيها بسخرية وتمتمت: وأنت الصادق في K1
ضيق عيناه بتوجس واقترب منها مجددًا وتمتم: متأكده!؟
ابتعدت مسرعة عنه حتى وصلت لباب الغرفة وهتفت بخجل: لالا، يلا عشان منتأخرش عن كدا
صدحت ضحكاته الرجولية التي جعلتها كلوحٍ من الشيكولاته الذائبة بين صداها وعيناها تلتهم ضحكاته بشغفٍ جديدٍ عليها!!
***************
وقفت أمام مكتبه تفرق أصابعها بتوتر وخوفٍ من القادم، كيف ستخبره بقرارها هذا ولم تتوقع ردة فعله، هل سيوافق على جنونها أم سيكسر بخاطرها !
زفرت بقلق وطرقت عدة طرقات ودلفت دون أن يسمح لها بذلك، رأته يجلس على الأريكة المقابلة لمكتبه ويدون عدة ملاحظاتٍ ومن الواضح أنه لم يستمع لطرقها ولا لدخولها الهجومي عليه، استجمعت شجاعتها وهتفت بتوجس: مهند عاوزه كتب الكتاب النهارده ولو ينفع دلوقت
رفه رأسه بحركة سريعة وفرك أذنيه بأصابعه ليتأكد من أن ما سمعه صحيحًا تمامًا، وكيف لا وهي أمامه وجميع مؤشرات جسدها تؤكد ذلك!؟ ربت بكفه على بقعة مجاورة له على الأريكة كإشارة لها بالقدوم لجانبه وأنصاعت هي وسارت بخطواتٍ قلقة من استجوابه لها
رأى توترها وخوفها الظاهر أمامه ووجها المحمر من شدة خجلها فهتف بحنان: نوري أنتِ خايفه من حاجه!؟
هزت رأسها نافية ونكست رأسها محاولة طفولية منها لتتهرب من نظراته التي تفضحها وتجعلها ترغب فقط بالبكاء بين ذراعيه
اعتدل في جلسته وأصبح قبالاتها وأمسك كفها المرتجف وتمتم بنبرة حنونه: حبيبتي قوليلي مالك وليه عاوزانا نتجوز بالسرعة دي
لم ترفع نظرها له وإنما غمغمت بهدوء : مفيش محتاجه أكون معاك في أقرب وقت بس
ابتسم بتهكم على كذبتها البيضاء التي تدعيها وعلى خوفها منه، رفع وجهها بأصابعه ليري إحمرار عينيها الزيتونية وهمس بقلق: نوري قوليلي مالك، قوليلي مين مزعلك يا حبيبتي
ابتسمت بحنانٍ له فمن الواضح أنها كالكتاب المفتوح أمامه ولن تستطيع الكذب عليه، هزت رأسها بهدوءٍ وغمغمت بألمٍ وحسرة: مهند أنا مش عاوزه فرح، مش عاوزه شبكة ولا ناس، عاوزه أكون معاك وخلاص، أنا مليش حد في الدنيا دي دلوقت غيرك أنت وزان وعمو شهاب، مش عاوزه يوم فرحي أحس بنفس إحساس موت بابا وماما، مش عاوزه أحس بإحساس الوحده والوجع اللي حسيته فاليوم دا والأيام اللي بعده ولحد الآن بحسه، مش حابه أكون زي الطفل اللي بيستنى مامته تيجي والكل يقولوا ماتت ومش هتيجي وهو مصمم أنها هتيجي، عاوزه كتب كتاب بسيط وبعدها إشهار بأي طريقة بس مش عاوزه لمه ولا دوشه، أنا لحد دلوقت بحلم بنفس الكابوس كل ليلة، أنا مبقتش قادرة أتحمل وحدتي ولا سقف أوقتي اللي بيتحول كل ليلة لشاشة عرض لمشهدين، مشهد وفاتهم ومشهد محاولة حرقه ليا، بجد قلبي مبقاش حمل كدا
فور انتهائها من حديثها تساقطت دموعها الحزينة والمشتاقة واحدة تلو الأخرى، كانت دموعها تهبط بصمت وعينيها لم تتزحزح عن مقلتيه لتستشف ردة فعله، هزت رأسها نافضة لحظة ضعفها وسط صمته وتمتمت بنبرة مزقت أواصله: وحشوني أووي، وحشني حضنهم ليا كل ليلة قبل ما أنام، وحشني حكايات ماما عن سندريلا وعن القراصنه، وحشني شكلها لما اعمل مصيبة واجري لبابا اتحامى فيه وهي تفضل تزعق وفي الآخر تحضني وتقولي متعمليش كدا تاني، برجع من شغلي كل يوم بتمنى ألاقيهم مستنيني زي أيام مدرستي وحضانتي بس برجع بلاقي البيت فاضي وكل جدار فيه بيبكي على وحدتي، أنا بكرههه، بكرههه بحجم الألم اللي اتسببه ليا بموتهم؛ كان يقول هدفه ومكنش يعمل كدا ويحرمني منهم، وحشوني أووي يا مهند، أووي
هذه المرة حديثها جعلها تشهق باكية بعنفٍ ودموعها تتوالى بغزارة شديدة وقلبها كأن أحدهم شقه لنصفين وألقى كلاهما بجمرٍ، نكست رأسها تبكي مرارة فقد والديها، مرارة وحدتها وألمها عليهم، هي الآن كل ما تريده هو أن تُلقي نفسها بين ذراعيه وتدفن وجهها بعنقه وتبكي حتى يبغضها البكاء فلا يأتيها مجددًا، راقبت ابتعاده وخروجه من المكتب بملامح منكسرة، نعم لقد خذلها ورفض طلبها الأول، لقد ترجته وطلبت شفقته عليها ولكنها قابل كل ذلك بصمته وتجاهله انهيارها بين ناظريه
******************
مرت ساعتين منذ وصولهم الشركة وهو يجلسها أمامه رافضًا وبشدة خروجها وغيابها عن عينيه، طرقاتٍ خفيفة تبعها دلوف شقيقها المكتب بملامح غير مقروءة جعلها تنهض بقلق لتعلم ما به، ما إن اقتربت حتى هتف بهدوء: كتب كتابي على نور دلوقت وفي مكتبي، تعالوا ومش عاوز أسئلة كتير يا ريت
تبادل ماجد ورزان النظرات المتعجبة بينهم وما لبثوا أن ذهبوا معه، سارا خلفه متوجهين لمكتبه الذي وجدوا رجلًا من الواضح أنه مأذونٌ شرعي ينتظره هناك، رفعت نظرها لماجد لتستفهم منه فأكتفى هو بنظرة مطمئنة لها ودلفوا للداخل….
ما إن رأت رزان نور متكورة حول نفسها بالأريكة وتبكي بشدة حتى أسرعت إليها بلهفة لتعلم ما أصابها ولكنها لم تجيب وألقت نفسها بين أحضانها لتشعر ببعضٍ من السكينة التي أفتقدتها، وبدأت كلتا الفتاتين بوصلة جديدة من البكاء، بعد عدة دقائق تنحنح مهند لينتبهوا لوجودهم ووجود أحد الموظفين معهم ليكون شاهدًا على العقد، ابتعدت الفتاتين عن بعضهم واعطت نورسين نظرة ممتنة لمهند ابتسم هو على أثرها وجلس الجميع ليتم عقد القرآن وسط جوٍ مليء بالمشاعر المضطربة والكثير من الأسئلة، تم عقد القرآن وخرج الجميع وتبقى ماجد ورزان ينظران للعروسين بنظراتٍ متعجبة من هدوئهم !
رأى مهند نظرات شقيقته القلقة فاقترب منها طابعًا قبله حنونه فوق جبيبنها وتمتم بترجي: هفهمك كل حاجه بس سيبيني معاها دلوقت
رأت الترجي الشديد بعين شقيقها الحبيب فما كان منها غير تلبية رغبته وأشارت لماجد وخرجا سويًا، تقابلت نظراتهم المشتاقة سويًا وجرى كلاهما للآخر وكأنهم بسباقٍ ليثبت من أكثر شوقًا، وصلت إليه أولًا والتقطها هو بين ذراعيه، تأوه بعنف عندما لفت ذراعيه حول خصره دافنة وجهها بصدره العضلي، كم تمنى تلك اللحظة التي تصبح على اسمه وزوجته ونور قلبه، كم رغب بضمه لها وإشباع شوقه منها، يالله على تلك اللحظة التي احتضنها بها، شعر براحة غريبة أصابت قلبه وكأنها كان يفتقد فقط لذلك الحضن منها، بقى كلاهما على تلك الحالة لوقتٍ لم يُحسب استرقاه من قدرهم، رفع رأسها من صدره بحنان وهمس أمام شفتيها بحب: آسف على كل يوم بكيتي فيه وأنا مش جنبك، آسف على حزنك اللي مكنتش فيه معاكي، آسف لوجعك وجرحك يا حبيبتي، أنا روحي رجعتلي بحضنك ليا، أوعي تترددي من النهارده إنك تلجأي لحضني فأي وقت، حضني دا بيتك الأول والأخير يا نوري، عمري ما حبيت ولا أتمنيت غيرك، أوعدك إن من هنا ورايح مفيش دموع خااالص ومفيش غير فرح وحب وبس، أوعدك يا نور قلبي
سارت أناملها لتحتضن شطر وجهه بين قبضتها الصغيرة وأصابعها تسير على لحيته الكثيفة التي عشقتها وغمغمت بنبرة عاشقة حد النخاع : بحبك يا مهند، بحبك من أول يوم شوفتك فيه، قضيت على إعجابي بيك وكدبته وهربت منه عشان كنت خايفه، بس يوم مع يوم كنت بستناك لما تيجي لرزان مكتبي وتفضل تبصلي، يوم مع يوم حبك بيكبر جوايا وأنا بكابر عشان خايفه، يوم ورا يوم وأنا بقع فيك وبحبك أكتر، لما عرضت عليا الجواز أول مره اعارفت بحبي ليك بس بطريقة ندمت عليها بعد كدا ورفضتك وشوفت الوجع في عيونك بس مكنتش أقدر أوافق ولما سمعتك بتتكلم في الموبايل مع واحده قبل يوم الحادثة ندمت على رفضي وندمت على حبي وسنين عمري اللي ضيعتها وأنا بنكر حبك، أنا بحبك ومليش غيرك دلوقت يا مهند
لم يستطيع المقاومة أمام اعترافها الذي أصابه بصدمة وجعله كمن حصل على غايته بالحياة، التقت شفتيه بخاصتها بقبلة رقيقة ما لبثت أن تحولت لأخرى شغوفة وعنيفة أودع بها عشقه وألمه وشوقه لها، رفعه يديه ليثبت وجهها أمام وجهه وشفتيه لم تكف عن النيل من عذرية وشهد شفتيها المرتجفتين، ابتعد عنها بعد فترة وأنفاسهم تؤرجح بخمولٍ بينهم وأصابعهم تتشابك بقوة مع بعضهم البعض
******************
ابتعدت عنه بطريقة جعلته يخجل من نفسه، مسح على وجهه بعنفٍ حينما لم يشعر باستجابتها نحوه وراقب خروجها من الغرفة كإعصارٍ يهدد بالقضاء على الأخضر واليابس!!
تذكر حلم ليلة أمس بل كابوس عندما رآها تذهب وتنفلت من بين يديه !
فلاش باك
حملت حقيبتها متوجهة لباب شقتهم وكادت أن تفتحه لولا قبضته التي أبعدتها عنه وهدر بها بغضب: رايحه فين يا سلمى
أجابت بثقة وتحدي: عند بابا وهتطلقني بمزاجك غصب عنك هتطلقني
أمسكها من كتفيها بقوة وهزها بعنفٍ وهدر بقسوة: مستحيل أطلقك، مستحيل تبعدي عني
نظرت إليه باشمئزاز وهتفت: أنا بقيت بكرهك، بقرف منك؛ بكره المكان اللي بيجمعنا
هدأ غضبه وحل محله نظرة منكسرة ومتألمة وتمتم بوجع: للدرجادي، إيه اللي أنتِ عوزاه ويرضيكِ؟
رفعت رأسها بثقة وغرور تعجب لهم الواقف أمامها وهتفت ببرود: طلقني
كانت تمط حروف كلماتها كتأكيدٍ منها عليه مما جعله يوقن أنها ذهبت وتلك المرة بلا عودة ولن يستطيع أحدًا إخراجه من زوبعة آلالامه وقوقعة حزنه، ارخى قبضته عن كتفيها وتمتم بخفوتٍ وألم: أنتِ … أنتِ طاالق …طالق
بااك
فاق من تذكره على دمعة حارة هبطت من مقلتيه تركها لعلها تغسل جرحه الملوث بغضبها منه، تركها لعلها تدواي ألم قلبه عليها والذي هو السبب به، ولكن هو بدأ يميل لها وما حدث أمس كان نابعًا من غيرته عليها !! ولن يتركها تذهب مهما كلفه الأمر، هي حاولت استرداد حبها وحان وقته هو الآن، هي سارت إليه والآن وقت مسيرته لقلبها وعقلها بل ووجدانها أيضًا !
***************
فتح عينيه بصعوبة شديدة وألم رأسه يكاد يفتك به، تطلع للمكان من حوله فمن الواضح أنه بغرفة عازلة للصوت ومجهزة بأقدم وأحدث أدوات التعذيب، رأى من بين الظلام المحيط به عدة سلاسل حديدة تتدلى من السقف بقيودٍ مدببة لتجعل فريستها تتوقف عن الحركة فور رؤيتها، لوحة بعرض الحائط مدرجة بأحد وأغلظ الآلات الحادة التي تهابها العينين، أغمض عينيه مجددًا عندما فُتح باب الغرفة بقوة وأطل منها نورًا أصاب قزحيتيه، رآه يتقدم منه ببرودٍ وخطواتٍ مدروسة يحفظها عن ظهر قلب، لم يتحرك ولم يحاول تحريك معصمه من القيود التي من الواضح مشابهة لتلك التي رآها وهي على استعداد قطع أحد شرايينه!!
_ طبعًا بقالي فترة مريحكوا مني
كانت تلك أسوء نيرة سمعها بحياته، لقد عرف هويته حتى قبل رؤيته فمن يرغب بجعله جسدة هامدة غير ذلك السادي والسيكوباتي المريض، ابتسم بقوة وهتف بثقة : بصراحة ايوا بس أنا كنت عارف إنك بتغيب غيبتك وترجع بخيبتك
لم تظهر على الآخر أيه تعابير وجهه خلاي من أية ملامح تدل على ما يعتمر صدره ولكن نبرته الخبيثة عندما تمتم بهدوء ومكر: بس خيبتي المرة دي هتوجعك أووي دا حتى وجعت زان أووي
فور ذكر اسمها كور قبضته مما جعلها تتضخم بالقيود وهدر بألم عندما دخلت أحد الأحرف المدببة بقبضته ولكنه لم يعيرها أي اهتمام وصاح بغضب وقلق: مراتي فين يا حيواااان وأقسم بربي لتكون نهايتك على إيدي يا يونس الكلب
علت ضحكات الآخر بطريقة شيطانية مما بث الرعب بقلب ماجد وجعله يدعو من قلبه سلامتها ولكن ما ظهر أمامه جعله يتجمد بمكانه، هبط على ركبتيه مما جعل الأحرف تتوغل داخل كلتا يداه والدماء تقطر منها بغزارة، امتلأت عيناه بدموعٍ كثيفة وما لبثت أن هبطت بصمت وتبعها صوت قلبه الذي تفتت وهو يرى من قتل والدته، أجل والدته قُتلت ولم تُصاب بسكتة قلبية كما زعم الأطباء والدته قُتلت !!!
ابتسم يونس بانتشاء وهو يتابع دموع ماجد التي تهطل بقوة على ملامحه القاسية وهتف بغرور : اتقتلت قبل وصولك بتلت ساعات وبأمر مني يا حضرة الظابط!
هز رأسه بعنف رافضًا تلك الفكرة التي راودته فحقًا هو السبب بموت والدته كما زعمت شقيقته !!! شعر بقلبه جُرح بسكينة باردة جعلته يزأر وجعًا ودموعه ودماؤه لم تكف عن التدفق وكأن سائر جسده يتضرع له ليواسي بعضه البعض !! تشوشت الرؤية لدية وسرعان ما حوطه الظلام مرحبًا به من جديد بأبشع طريقة قد يراها بشريًا!!

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية قلوب منهكة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى