روايات

رواية الحب أولا الفصل الخامس عشر 15 بقلم دهب عطية

رواية الحب أولا الفصل الخامس عشر 15 بقلم دهب عطية

رواية الحب أولا الجزء الخامس عشر

رواية الحب أولا البارت الخامس عشر

رواية الحب أولا الحلقة الخامسة عشر

كان الجو مشحون بالغرفة وبد تبادل النظرات بين الشقيقتين نحوها اكثر صفاقة وشرٍ……
لكنها كانت هادئة لطالما كانت تجيد اخفاء ما يعتمل
في صدرها من مشاعر ناقمة تخص تلك المرأه الشقراء وربما شقيقتها كذلك فأصبح هناك شعور جديد يموج في حلقها كمرارة العلقم
الغيرة…..
هي شخصٍ رصين حتى في غيرته… لا تحبذ الانهيار
بهذه السهولة…..دوماً كان الانهيار ياتي عندما يفيض
الكيل بها…….
لكن كتمان الغيرة اشبه بجذوة ملتهبة بين قبضة
اليد مجبر على تحمل الوجع الناتج عنها كما
مجبر على الاحتفاظ بها هكذآ حتى تخمد !….
اقتربت رُفيدة من فراش عاصم امام عينا شهد
الهادئة والتي تنحت جانباً تراقب وقد تلى دخول الشقيقتين دخول الجدة نصرة التي رحبت بهما
بفتور ثم ظلت جوار شهد في مقعدها………
همست رُفيدة بصوتٍ مصبوغ بالحزن….
“الف سلامة عليك ياحبيبي….. خضتني عليك…..”
حبيبي؟!
لفظتها داخلها والجذوة تزداد توهجٍ والماً…. لكن الوجه الرصين والعينين الهادئة ظلا كما هما…
بانتظار الخطوة القادمة……
مالت رُفيدة عليه تحاول تقبيل وجنته وهي تمسح
دموعها لكن نظرة من عيناه المظلمة منعت الأمر
وكذلك إبعاد راسه عنها كان إشارة أنذار بان تلتزم حدودها….
فانتصبت واقفه اكثر وهي تنظر الى الجميع ثم لاختها تطلبها المشورة……فالهام ابتسمت بشفتيها
المصبوغة وقالت بلؤم……
“اعذرها ياعاصم من خوفها عليك…..اللي كان بينكم مكنش قليل ولا يتنسي بسهولة…….كفاية ابنكم
اللي متكتبلوش يشوف النور….انا واثقه انه لو كان
موجود مكنش قبل خالص يشوف امه وابوه بُعاد
عن بعض كده…….دا حـ……”
بترت نصرة الحديث بحزم……
“الهام……..ده مش وقته ولا مكانه……”
انطفأت ملامح شهد سريعاً وانقبض قلبها وهي
تنظر الى عاصم الذي بادلها النظرة بصمتٍ مبهم
يبدو انني لا أملك سواء سرٍ واحد وهو عقدة
الطفولة التي أدت لوكِف عمرٍ بأكمله…….
ام انت ففي خاطرك الكثير من الأسرار التي كلما خرج واحداً منها اطيح معها في العراء البارد لأشعر كم ان غريبة بان أقع في حب صائغ لا أعرف
الكثير عنه ، المعلومة المؤكدة هنا
انه محنكاً في صناعة الحلي….وماهر في تقيم
كل قطعةٍ على حِدا…… كم هو بارع في تعامل
مع النساء واقناعهن بذوقه ؟!….
كما اقنعها بالحب في عز بؤسها !…….
التوت شفتيها ساخرة عندما خرجت تلك الجملة
من ظلام افكارها…….
اقنعها بالحب نعم ، لكنها لم تسلم للحب بعد….
هذا يعني انها مزالت على الحافة ؟!…..
اما عاصم نظرتها المندهشة والتي تحمل نوع من الالم والعتاب جعلت لها صدى مؤلم في صدره…….
جعلته يشعر بندم !….
الندم انها لم تكن الأولى في حياته…..
تابعت الهام بنظرة حزينة……
“عندك حق ياماما…..انا بس بحسن صورة اختي اللي
بتعاني من ساعة طلاقهم….وكانت هتموت النهارده لما سمعت خبر الحادثة…….”
اومات نصرة براسها بتفهم وهي تنظر لرُفيدة
التي تقف بالقرب من عاصم ترمقه بنظرة
كسيرة………
“الحمدلله انها عدت على خير….اطمني يابنتي
هو كويس ارتاحي……”
جلست رُفيدة بالقرب من عاصم عن بعد
خطوتين…تقول بحنو…….
“واي اخبارك دلوقتي…….”
رد عاصم مقتضباً……
“الحمدلله مكنش لي لازمه مجيتك لحد هنا…..”
تدخلت الهام بخبثٍ……
“انت بتقول اي ياعاصم…هو اللي بينكم كان شويه..”
اوقفها عاصم بنظرة حادة متحدثاً بجدية
شديدة الخطورة……
“أم يزن…….ملوش لازمه الكلام ده…..احنا مش صغيرين……ومش هنتكلم في اللي فات…لانه
خلص خلاص…….اللي بيني وبين روفيدة انتهى
لكن اللي بينها وبينك دم….روفيدة هتفضل من العيلة…… زيها زيك تمام عندنا….”
اسبلت شهد عيناها شاعره بالم حارق في صدرها
ستظل من العائلة ، وانت واحد من تلك العائلة !..
ابتسمت نصرة برضا تام عن تصريحة الأخير
لتقول……
“كاني شايفه جدك قدامي….ربنا يرحمة…و يباركلنا فيك ياحبيبي……”
بنظرة حانية قال……
“تعيشي وتفتكري ياحاجة……”
ثم نظر الى سيدة الحُسن…..حتى في صمتها
بُرعم الرقي بها مُشع بجلالة سلبت قلبه وعيناه
هي ملكة العصور القدمية كما يراها…….
“شـهـد…….”
رفعت عسليتاها اليه واختلج قلبها بين ضلوعها
عندما نطقه بطريقتهُ المميزة……..
قال عاصم وعيناه تعانقها……..
“ممكن كوباية مايه………”
اومات براسها ومزالت نظرة العتاب تستوطن حدقتاها الحزينة…….. “ثواني……..”
سكبت له القليل من الماء في الكوب
التي احضرته معها….واعطاته له….
اخذه منها….وقربه من انفه قليلاً قبل ان يشربه
فابتسمت بأستياء…….تخشى ان تكون تلك الوسوسة
في حياته العامة وليس في الطعام والشراب فقط…
قالت يوماً بانها (تكره الموسوسين) فاخبرها بصلف
(انه ستحبهم)……ويبدو فعلاً انها أحبت واحدا منهم !…
اتى صوت الهام من خلفها مصبوغ
بالحقد……..
“صدفة غريبة…….اني اقبلك هنا ياشهد……”
ابتسمت شهد وهي تستدير لها قائلة بظفر….
“مش غريبة ولا حاجة……وجودي هنا شيء مفروغ منه……..”
انعقد حاجبي عاصم ولم يتوقع تلك الاجابة الغريبة
وكذلك تلونت نظرة رُفيدة بالغل ولولا تماسكها
في اخر لحظة لكانت قفزت على شهد وافرغت
احشائها بيديها……..
رفعت الهام حاجبٍ غاضباً…….
“وليه بقا……..”
اقتربت منها شهد خطوتين كانا كفيلين بشحوب
وجه إلهام وفزع قلبها وكانها……وكانها رأت كريمة
في عيناها فكانت عيناها نسخة طبق الأصل من
امها !….
والان انتبهت انها هي ابنة كريمة بالعيون الجميلة
لكن وهج الانتقام بهم كان أشد خطورة…..
فارعبها لوهلة….ثم تماسكت وهي تسمع شهد تقول
بإبتسامة خطيرة……
“كل حاجة في وقتها بتبقى أحلى…..صحيح عثمان الدسوقي……”
بلعت الهام ريقها بخوف….فضحكت شهد في وجهها
دون صوت…..ثم استدارت الى عاصم تبلغه بفتور…
“ناوي يجي يزورك ويطمن عليك……”
رغم انه يشعر ان هناك شيءٍ مريب بينها وبين زوجة عمه الا انه رد بهدوء………
“ملوش لازمة……بلغي ليه سلامي…..المرة الوحيدة
اللي قابلته فيها ملحقتش اتعرف عليه……”
“مصيرك تتعرف عليه….”قالتها شهد وهي تعود
بعيناها الناريتين الى إلهام تخبرها بحبور
وكانها تتعرف عليها…….
“صحيح عرفت ان ابنك هيبقا دكتور….دكتور ليه مستقبل……. افتكرت حمزة اخويا…. كان نفسه
برضو يبقا دكتور او ظابط او لاعب كرة…..كان
لسه صغير وبيدور على نفسه…… ”
شعرت الهام بالاختناق وتعرق جبينها بعد هذا الحديث فهي تعرف جيداً ما جناه عشقها السام
في نفس عثمان….وكان هذا يرضيها بشدة !…..
وجدت شفتي شهد تنحني بيأسٍ…….
“بس لما ملقاش نفسه ضاع حلمه…فبقا من دكتور
لسواق خط المنشية….. على البحر ياسطا……”
ضحكت ضحكة باردة خالية من المشاعر…….
التقط صداها عاصم فظل ينظر اليها طويلاً محاول فك الشفرات والنظرات المتبادلة بينهن……
قالت الهام بتوتر…. “واي دخلي بالكلام ده……”
ازدادت ابتسامة شهد اتساعاً مسترسلة
بتسلية…..
“مجرد دردشة….. اصلي ارتاحتلك…… قلبك أبيض
اوي… باين من عينك…… واضح انك عمرك مأذيتي حد……”
اهتزت حدقتي الهام وازدردت ريقها برعب….
فاستأنفت شهد حديثها برنة خاصة وعيناها
تتشفى بها…..
“وباين اوي انك كنتي وفيه مع كل صحابك…وعمرك
مابصيتي لحاجة غيرك……وواضح انك صفية النيه
عشان تبقا حماتك الحاجة نصرة…… ”
“محظوظه بيها حقيقي ام تانية…..” ببراعة خرجت
من الجحر الضيق التي القتها به……عندما نظرة الى الجدة نصرة التي ردت عليها بود……
“كتر خيرك ياشهد يابنتي……. كلك ذوق….تعرفي
اني حبيتك من أول يوم شوفتك فيه……”
سحبت نفساً عميقاً وهي تعود ادراجها اليهما
تاركه الهام خلفها تلملم شتاتها……
“انا كمان حبيتك أوي…… وحبيت السراية….”
هتفت نصرة بتعجب…..”السراية ؟!…”
بمهارة غيرت مجرى الحديث وبددت الجو
المتوتر قبل لحظات…….
“بيتكم شبه سراية المماليك……وكانه قطعة أثرية…
التحف والانتيكات حتى الديكور كل حاجة حساها أثرية اوي…. وغالية جداً وقيمة شكلا وموضعاً….”
ابتسم عاصم وقد لانت ملامحه قليلاً….لكن علامات الاستفهام مزالت تحوم حولها……..
“كل ركن في سراية المماليك زي ما بتقولي….
اختارته جدتي بنفسها……”
بادلته شهد الإبتسامة… “عارفه…. ذوقها هايل….”
ردت نصرة على المجاملة بالمثل……
“عينك بس هي اللي حلوه…. حبيت سراية المماليك ياعاصم…….” عقبت على اخر جملة بضحكة خافته……
اوما عاصم براسه مبتسماً وعيناه تأسر الشهد من جديد….
اقتربت رفيدة من اختها ومالت عليها بهمساً محتقن……
“مالها الطباخة دي شايفه نفسها كده ليه عليكي…وكانها ماسكه عليكي زله……”
نظرة لاختها بتمعن….”انتي تعرفيها يا الهام….”
لوت الهام ثغرها بتعالٍ……
“هعرفها منين….دي حتة جربوعه….انا هخلص منها
بطرقتي……”
عادت رُفيدة تنظر نحو شهد بشك…..
“متاكده يا الهام….انا حساها مش سهلة خالص..”
قالت الهام بنظرة شيطانية…….
“كل واحد وليه نقطة ضعف…..لازم تعرفيها قبل
ما تحاربيه…….”
مطت رُفيدة شفتيها بكرهٍ…….
“واي هي نقطة ضعف الحية دي….”
لمعة عينا إلهام بالشر هامسة بفحيح
الأفاعي…..
“مستقبلها………مستقبلها يارافي…….”
……………………………………………………………..
كنت اظن نفسي حصِنة من الهوى حتى قابلتك واكتشفت مع الوقت انني من أصحاب الهوى !….
دلفت الى غرفتها بعد يومًاطويل صباحًا في المشفى
معه وامس في المطعم الذي اهملت وجوده منذ ان تخاصما……..
وقعت على الفراش بتعب والساعة تشير لمنتصف الليل…….
نظرت جوارها لتجد قمر تغوص في نوما هنيئاً…
فرفعت عيناها على السقف شاردة في ذكرى الصباح
نظرات الهام النارية وحقد رفيدة الواضح…..وحنان الجدة نصرة الفطري…واجتياح عاصم المهيب….
مزالت تشعر بالغضب لكونها المرأه الثانية في
حياته وانه كان مقدر له انجاب طفلا من أخرى
لولا النصيب…..
بلعت غصة مريرة في حلقها وهي تزفر بتعب شاعره بحجر ثقيل فوق صدرها….فلم تقاوم كثيراً تلك الرغبة الملحه في الإتصال به الآن…
داخلها أسئلة كثيرة يجب ان يجيب عليها…داخلها نيران مستعارة يجب ان تخمد الان…
نهضت من مكانها وارتدت شال أبيض لفته حول كتفها ثم اتجهت الى الشرفة تقف بها وبين يداها
الهاتف تقاوم أوامر عقلها الصارمة….وتجري الإتصال
كما ترغب……
رفعت الهاتف على اذنها ولفح وجهها نسيم البحر
البارد فرفر خصل الغرة الجميلة عن جبهتها وملأت
رئتيها من عبيره المالح…..
فتح الخط بعد لحظات هامساً….
(الو……شـهـد………)
ازدردت ريقها بتردد قائلة…”عامل اي يا عاصم…….”
اتاها صوته متعجباً……
(الحمدلله….اي اللي مصحيكي لحد دلوقتي…..)
زمت شفتيها بعدم رضا وصدرها توهج
فجأه…….
“إيه اتصلت في وقت غير مناسب……”
اكد بنبرة مراوغة…..(بصراحة آه……)
قصف صوتها كالرعد…..
“والله…… ومين معاك….الممرضة صح…….”
كبح الضحكة الماكرة…….(أيوا…….)
انعقد حاجبيها بحنق……
“بتكلموا في ايه بظبط…….”
اجابها باستفزاز…..
(اهوه بندردش…..كنتي متصلة ليه……)
مطت شفتيها وهي تغلي داخلها….
“ولا حاجة كمل سهرتك… سلام……”
اوقفها وهو يضحك ضحكة رجولية
جذابة…..
(يامجنونة استني…..انا قعد لوحدي أصلا……)
عضت على باطن شفتيها
بضجر…..
“لوحدك؟!…..وليه قولت كده…….”
اتى صوته المتسلي……(انتي عارفه ليه….)
قالت شهد بغصة مختنقة……
“على فكرة انا مش غيرانه انا……”
قاطعها بلهجة عميقة…..
(كنت مراهن نفسي انك هترني……)
خفق قلبها وتوهجت وجنتيها وهي تقبض
بيدها الحرة على سور الشرفة أكثر…..
“ياسلام ولو مكنتش رنيت…..”
اتى صوته الرزين…….
(كنت هرن انا يا شـهـد…..عشان عندي كذا سؤال لازم تجوبيني عليه…….)
هزت راسها هي أيضاً وعيناها تحلق في
الأفق أمامها…
“انا كمان عندي أسئلة لازم تجوبني عليها……”
اتى صوته الخشن حاسماً…..(انا تحت أمرك……)
خفق قلبها ولم تصدق ان اعصابها ذأبت بعد
رده الخاضع لها….فقالت بنبرة مصبوغة
بالغيرة……
“كنت بتحب مراتك……”
عدل الجملة بنبرة محتده…
(اللي كانت مراتي……اه كنت فاكر اني بحبها…..)
انعقد حاجباها بتساؤل…. “مش فاهمه…..”
سحب عاصم نفساً عميقا ثم زفره على مهل
قائلا بخشونة……
(هحكيلك…..يعني بحكم انها اخت مراة عمي فكنا بنتقابل وبنقعد مع بعض كتير……كنت شايفاها
فرد من عيلتنا….لحد ماهي بدأت تقرب وتلفت
نظري اكتر ليها……بدأت تحلو في عيني اكتر
ضحكتها كلامها نظراتها…….)
اغمضت شهد عيناها بعصبية مقتضبة الوجه
وصدرها يشتعل كأتون حارق…..
فتابع عاصم بصوتٍ مغلف بكبرياؤه
المطعون….
(فبدات انجذب ليها….وعلى أساس الإحساس ده اتجوزتها…….ومع الوقت الانجذاب ده بدأ يقل
وبدأت اشوف الصورة كاملة ست جميلة بتهتم
جداً بشكلها ومظهرها قدام الناس…لم وفقت
على جوازنا كان السبب الوحيد اني هليق
أوي على الفستان والعربية بتوعها……)
(عريس لقطه زي مابيقولوا ……ليه ماتوفقش عليه
خصوصاً ان إلهام كانت بتخطط لكل ده من زمان
ضاقت عينا شهد بتساؤل….
“إلهام…….واي خططها……”
بعينين نافرتين ونبرة متهكمة أخبرها……
(الفلوس.. ثروة الصاوي….هي متجوزه عمي وام ابنه
الوحيد….. واختها تتجوز ابن اخوه الوحيد الوريث التاني….وبكده الفلوس متخرجش برا دايرتها…….)
تشدقت شهد بصدمة…..
“معقول…..كنت عارف كل ده وساكت……”
زفر نفسا ثقيلا وبلهجة غير سمحة…….
(كل ده اتعرف لما خسرت ابني……روفيدة كانت قبل
الجواز موديل إعلانات.. وطبعاً لما اتجوزنا رفضت
شغلها بعد الجواز…. فوفقت ولما عرفت انها حامل
كان وقتها مشاكلنا واختلافتنا كترت…لكن خبر حملها
خلاني اسامح في اللي فات واحاول أبدا معاها من الأول……..عشان ابننا….)
(لكن هي مكنتش مقدرة ده….وأول مازغلل عينها عرض كويس في شغلها راحت تعمله بكل انانية…فربنا عاقبها وحصل اجهاض وقت
التصوير……)
لاحت الصدمة على وجه شهد متأثره بتلك
الاحداث المتتالية…….فتابع عاصم ساخرا
بمرارة……..
(ساعتها قالولي انها وقعت من على السلم اتكعبلت
وقتها خوفي كله كان عليها هي لاني استعوضت
ربنا في اللي راح…….)
فضحك ضحكة هازلة تتناقض مع جدية
الذكريات وقواتم لونها…..ثم أكمل….
(لكن اكتشفت انها لعبة عملتها اختها عشان تداري عليها في عملتها السودة……فكانت النتيجة اني مقدرتش اسامحها ووفقنا على الطلاق بعد سنة جواز….. وانفصلنا وقتها وخدت كل حقوقها بدون شوشرة وبدون مشاكل….)
ثم صمت قليلاً وكانه يلملم اوجاعه منهيا
الحوار بـ…….
(دي كل الحكاية……عايزه تعرفي اي تاني……)
مسحت دموعها بظهر يدها….ولم تصدق انه
سيأتي اليوم التي تتشارك به وجع أحد آخر
غير شقيقيها !…
بكت لانها لمست كسرة قلبه وكبرياؤه المهشم
بعد ان قص لها تجربة زواجه السابقة من أخرى والتي لم تكن موفقة أبداً وتركت آثر في نفسه
تراه بوضوح…….
ولسوء حظه وقع مجدداً في تجربة جديدة شبه
حب يطرق باب كلاهما !…..البطلة أمامه ليست طامعه في مالٍ وجاه بل هي طامعه فعلاً بأخذ
الثأر عن طريقة هو ؟!…
سالته شهد بصوتٍ مختنق بالمشاعر الكثيرة….
“سؤال أخير يخصني أكتر….اللي حسيتوا معاها في
الأول نفس الاحساس اللي حسيته معايا….هو هو الانجذاب…….”
حل الصمت من الجهة الأخرى….فجلست على مقعد
خشبي متواجد في الشرفة…..هامسة بلوعة….
“رد يا عاصم….صرحني وانا هقدر صراحتك….”
رد عاصم بنبرة غريبة……..
(انتي مش روفيدة ياشـهـد…في فرق كبير بينكم..)
اكدت والغيرة تنبش في صدرها..
“عارفه… لكن مشاعرك ياعاصم……”
بإبتسامة لمستها مع نبرة صوته الواثقة….
(معاكي انتي عدت مراحل…… بقت أكتر من ست حلوة عجباني وعايز اوصلها….)
ذاب قلبها فاغمضت عيناها مستمتعه بهذا
الصمت بينهما فكان للجملة صدى كالحناً
رائع اطرب اذنيها…….
(مش هنكر انك حلوة وعجباني…..بس في حاجات
أول مرة بحسها…. بحسها معاكي انتي يا شـهـد…..)
فتحت عيناها البراقة وبلهفة سألت
برقة…. “زي إيه……”
لم يتابع اكثر يكفي هذا القدر……فهو أصبح لها
كتابًا مفتوح ماضية وحاضرة بين راحتيها….لكن
ماذا عنها….. لذا سالها بهدوء….
(انا جوبت على اسئلتك… ينفع تجوبيني انتي
كمان على سؤالي…….)
سالته بلؤم……. “اللي هو……”
بصبرٍ سأل……..(اي سرك……)
سمعت صوت نفسها المضطرب….
“صعب احكيلك……”
رد عاصم بجمود…..
(وانا ليه مقولتش كده مع كل سؤال كنت بجوبك عليه……)
ساد الصمت من جهتها….فقال بحسم…..
(اي اللي بينك وبين إلهام…… حاسس اني فيه بينكم حاجة نظراتكم مش مريحاني……تعرفيها قبل كده..)
اجابة بلهجة طلاسمها معقدة…..
“من زمان….. من قبل ما تولد……”
مطت عاصم شفتيه بعدم
رضا….
(إزاي يعني فزوره دي…….)
حاولت التملص من السؤال…..
“أجل الموضوع دلوقتي وطمني عنك…..”
اخرج نفساً مشحونا بالغضب……
(مش هتهربي مني كتير… مصيري اعرف كل
حاجه……صحيح عايز اشوفك بكرة…في
المستشفى قبل ما مشي……)
اتى صوتها بلهفة….. “انت هتروح امتى…….”
رد عاصم بفتور…..
(اخر النهار هكمل علاجي في البيت اليومين الجايين…..)
قالت بصوتٍ بائس.. “خسارة كده مش هشوفك…..”
ابتسم بمراوغه ذكورية……
(هتروحي مني فين هجيلك انا…..لسه فتحه المطعم مش كده……)
قالت بنبرة معاتبه…….
“فاضل يومين على الشهر وهسيبه زي ماطلبت…”
قال عاصم بصوتٍ رخيم……
(اجلي دلوقتي اي حاجة لحد ما وصل لابن الحرام اللي عمل كده……..)
(وياريت تاخدي بالك من نفسك الفترة دي……)
دق قلبها بتساؤل……”عرفت حاجة عنه….”
سالها عاصم بحزم……
(لسه بدور عليه……بس انتي متأكده انك متعرفيش عنه حاجة…….)
سالها في المشفى اليوم قبل ان تغادر وراوغة في الاجابة وهو يشعر بذلك لذا كرر اعادة السؤال
مجدداً……….فكانت اجابتها الان متناقضه عن
السابق….
“في حاجة هحكيلك عنها بكرة……يمكن تفيدنا..
وتلقيه بسرعة……..”
كانت متناقضة لكنها اكثر صدقا من الصباح ربما
لانها علمت اليوم ان مرعي مختفي عن الأنظار وهذا يثير الشكوك حوله ويبدو انه هو الفاعل……
لا تعرف لكن يجب ان يعرف عاصم بكل شيء….
حتى تحمي نفسها واياه من بطش هذا المجرم
الذي اختفاؤه يوحي بانه يدبر لهما مكيدة ما…..
اوما عاصم بتفهم دون ان يضغط عليها
أكثر….
(يبقا هستناكي بكرة…….هتنامي….)
رفعت راسها للأعلى تنظر للسماء القاتمة وهي
ترتاح على المقعد….”مش جيلي نوم….وانت……”
رد مقتضباً…..
(مبعرفش انام لم بغير مكاني……)
اومات براسها ضائقة العينين بعبس……
“اها…..يعني لم أقفل هتعمل ايه هتفضل
صاحي لوحدك…”
اتى صوته المراوغ يناكفها…….
(مش هفضل لوحدي كتير دلوقتي تدخل اي ممرضة تسليني…….)
احتد صوتها مصرحة بتجهم……
“وليه يعني انا هفضل معاك على الخط…… انا كمان
مش جيلي نوم…….”
ضحك عاصم ضحكة اصابتها في مقتلها
فاغمضت عيناها تشتم نفسها……..
(وداينا جربنا نار الغيرة……)
تقوس فمها بترفع…… “عقبالك…..”
رد بصوتٍ بين ثناياه شيءٍ مخيف تلحف قلبها فجأه….
(دي مش هتبقا نار….دا هيبقا جحيم….خافي على نفسك…..)
تلونت شفتيها بابتسامة واهيه…..
“قولتلك اني شبعت خوف ليه مش مصدق…..”
تابعا الحديث في أشياء عدة حتى غفت على
مقعدها في قلب الشرفة وهو غفى على فراش المشفى والهواتف بين أيديهما متعلقة ، كما علق
الحب قلوبهما من النظرة الأولى…….
………………………………………………………………
داعب انفه رائحة البُن المحمص الممزوج مع شيءٍ
اخر لم يتعرف عليه بعد….
فتح عيناه ورفع راسه على النافذة ليجد الشمس تتسلل من بين الفراغات بحياء…مد يده الى المنضدة
ونظر في الهاتف بعينين ناعستين فوجد الساعة تشير
لثامنة صباحاً….فاستيقظ ناهضاً عن الفراش بتكاسل
ومزالت رائحة البُن المحمص تداعب انفه تجذبه
إليها……
فأرجع شعره للخلف وبدأت بطنه تصدر أصواتٍ مزعجة معبرة عن حاجتها للطعام……
آخر مرة أكل بها كانت أمس وجبة الفطور التي اعدتها (قمر)لهم ثم عاد للمنزل في وقتٍ متأخر وسريعاً ألقى جسده على الفراش من كثرة التعب
والارهاق…..
خرج من غرفته يبحث عن آثر الرائحة الشهية والتي تاتي من المطبخ…….
كان يشبه الرسوم المتحركة عندما يتبعوا روائح الوجبات الشهية…….
وقف عند الباب يتابع ما يحدث ليجد قمر تنحني
على باب(الفرن)لتخرج منه صنية بسكويت
كان البسكويت اقراصه صغيرة من اللون البني على شكل حبوب البُن به رائحة زكية تجمع مابين القهوة
وعجينة البسكويت الهشة……
كان شكله يشهي خصوصاً لجائع مثله لم يأكل أمس إلا وجبة فطور من يدي نفس المرأه التي تخبز الآن بسكويت القهوة الذي ايقظه من نومه منادياً
عليه؟!…
“حمزة…… صباح الخير……..”
نظر حمزة الى عينا قمر التي القت عليه تحية الصباح
وهي منعقدة الحاجبين تستغرب وجوده الآن…فهذا ليس معاد صحوته……
تقدم منها ووقفا معاً جوار الطاولة المستديرة بقلب المطبخ وصنية البسكويت الساخنة موضوعه
عليها…..رد حمزة بتساؤل…….
“صباح النور…… بتعملي إيه…..”
بابتسامة مشرقة كبنيتاها المتلألأة قالت…
“بسكوت…. تدوق……..”
لم يقاوم اكثر فمد يده ليأخذ قرصٍ من البسكويت
ليتأوه سريعاً من شدة حرارته…..
هتفت قمر حينها بلهفة……
“حاسب د سُخن….” ثم اتجهت الى الرخامة
وجلبت طبق من البسكويت ووضعته أمامه
على الطاولة…….
“خد الطبق ده طالع من شوية……”
مسك حمزة واحده ووضعها في فمه ثم مضغها وكانت تحمل ثلاثة اطعمه يتنافسا معاً مابين القهوة
المُرة والسكر الحلو وعجينة البسكويت الهشة فصنعا معاً مذاقٍ رائع ليس له مثيل…….
ولانه من عشاق القهوة فكان البسكويت في القمة
الان بنسبة له…….
ابتسمت قمر وهي تساله بتراقب حماسي……
“اي رأيك……”
بأختصار أجاب وهو يأخذ واحدةٍ
أخرى… “حلو……”
شعرت بشمسٍ جديدة تشرق صدرها فأقترحت
بحنان….. “تحب أعملك لبن معاه……”
قال بأمر…….. “لا…..قهوة……..”
زمت شفتيها بعدم رضا…..
“ما كفايه القهوة اللي في البسكوت…..”
نظر اليها بعسليتاه تلك العيون المشتعلة بومضٍ
مخيف رغم سلام وهدوء صاحبها…….
“هتعمليها ولا اعملها انا…..”
نظرت اليه قليلاً ثم اومات براسها مقتضبة وهي تتجه الى الموقد لتعد له القهوة…….
جلس حمزة في المقعد امام الطاولة فبدأ ياكل
من طبق البسكويت عابساً الملامح ثم قال بعد
لحظات بصعوبة……”تسلم إيدك……”
ابتسمت بقلبٍ صافي وهي تنظر اليه من فوق كتفها…..
“بالف هنا……انا عملتوا عشـانك… قصدي عشانا كلنا…….” ادراة راسها وهي تعض شفتها بغباء…
أخذ واحدة اخرى ومضغها باستمتاع فكان حجم
البسكويت صغير قليلاً وكانه يمسك حبة بُن….
“حلو…… بس مين اللي علمهولك……”
ردت بعد تنهيدة شوق ….
“ماما…. كانت بتحب تعملوا لبابا…..وتعلمتوا منها…”
حاول مشاكستها فقال بمناكفة…..
“اه…. شكلك بتحسني صورتك بعد البيض المحروق……”
هزت راسها ضاحكة وهي تمسك الركوة وترفعها
على النار…. “مفيش فايدة فيك……”
نظر الى ظهرها قليلاً والعباءة الفضفاضة التي ترتديها وشعرها الغجري المتراقص خلف
ظهرها طويلاً جداً يلامس اخر ظهرها……
بدا بمناغشتها قائلاً…..
“مكملناش كلمنا إمبارح ياقمرايه……”
نظرة اليه بتساؤل…. “كلام إيه…….”
نظر لعمق عيناها قائلاً دون مواربة…..
“انتي عارفه.. مين دي اللي بطلت احلم عشانها؟…”
ردت هي أيضاً بصراحة
مطلقة……
“اللي كانت خطيبتك مثلاً…..”
اظلمت عيناه فجأه فعقب
بغلاظة…..
“وانتي اي دخلك بالموضوع ده…..”
اتجهت اليه ووضعت فنجان القهوة قائلة….
“بما اني بنت عمتك…. فمجرد نصيحة بلاش
توقف حياتك عشان حد…..”
نظر لوجه الفنجان ثم لعيناها المماثله بلونها البني
المميز…..فأبتلعهما الصمت للحظات حتى سألها
بفضول…..
“انتي حبيتي قبل كده ياقمر……”
جفلت قليلاً من بعد السؤال لكنها ردت
سريعاً…..
“آه…….. ولسه بحب……”
قطب حاجباه عابساً……
“بجد ؟!…. ومين ده اللي امه داعيه عليه…..”
رمقته بحنق شديد….فابتسم حمزة والفضول
يدفعه بمعرفة هذا المجهول التي تكن له
الحب……
“بهزر بلاش تقفشي كده…. هو من القاهرة…..”
اومات براسها مؤكده…..
“أيوا…..ابن عمي…… بيحبني وبحبه… بس…..”
عندما توقفت تابع حمزة بهزل مرير…….
“بس ايه…. مش معاه يجيب شقه ولا رجع لعقله…”
انها توقفت فقط لتألف السيناريو بحبكة مقبولة
كما يجب ان يكون… ففي الحقيقه هي لم تقع في الحب أبداً وليس لديها ابناء عم لانها ببساطه ليس لديها أعمام !….
وجميع اقارب والدها في محافظات متفرقه
والاغلبية لا تعرف عنهم ولا عن ابناؤهم شيءٍ
كنفس الحال مع ابناء خالها سابقاً…
ربما تألف قصة حب وهميه حتى ترفع السياج
على قلبها ….فقالت بتأثر …..
“لا معاه يجيب شقه طبعاً بس امه مش موافقة
ممم….اصل عمي الله يرحمه..وهي بقا مش بتحبني….فا لسه ابن عمي بقا بيحاول يقنعها
وادينا مع بعض….”
اوما حمزة براسه وهو يأكل غير مبالي…..
“ربنا يسعدك…بس هو بجد بيحبك ولا بيتسلى بيكي……”
“بقولك ابن عمي……”
جزت على اسنانها من برودة اعصابة….. هل كانت تتوقع رد فعل اخر ؟!….
لم يبتلى أحد بهذا الحب سواكِ يا غبية……
قوس حمزة شفتيه وهز راسه ساخراً…..
“واي يعني ابنك عمك شيخ جامع هو…صوابعك
مش زي بعضها… مش كل القرايب اللي ينفع يكون فيه بينهم نسب…عندك انا مثلاً مستحيل اتجوز واحده قربتي…….”
اتسعت عيناها وهي تردد بعفوية بعد ان القى سهام
سامة في صدرها….”مستحيل…. مستحيل……”
اكد حمزة مقتضباً……
“سابع المستحيلات….هي ناقصه وجع دماغ….”
اشاحت بوجهها دون تعقيب….فدفعه الفضول من جديد بسؤالٍ نحو هذا الحبيب الغامض والذي
خرج من العدم……..
“مقولتيش…. بيحبك على كده……”
اجابة بوجوم….. “بيحبني…..”
اجاب ساخراً….. “اه هو قالك كده…..”
اومات برأسها بتأكيد….
فسالها بهذا الفضول الغريب…. “وانتي……..”
نظرت لعسليتاه مصرحة بنبرة صادقة….
“انا كمان حبيته من أول ما عيني وقعت
عليه….”
اهتز قلبه فجأه بعد تصريحها فبلع ريقه
وهو يسألها….”وهو حلو…….”
اكدت وهي تسبل جفنيها بخجل…. “اه أوي……”
“شبه مين…..”فاجئها بسؤال…..فرفعت عيناها مترددة وتلعثمت وهي تفكر…..
“مش شبه حد…..هو شبه نفسه……اقولك شبه حسين فهمي…..عينه خضرة وشعره اصفر…..”
فغر فمه معقبا بتشكيك…..
“اه بدأنا كدب…….ابن عمك ها……”
بلعت ريقها بخوف من ان تنكشف
كذبتها….
“أيوا هو طالع لامه ملون…….”
أراد استفزازها بشدة فعلق بغلاظة….
“بلاش الجوازة دي لحسان انتي كده هتبوظي
النسل بتاعهم……”
أحمر وجه قمر من هذا المتنمر العين فقالت
بأنف مرفوع بتكبر……
“ياسلام طب دا كذا مرة يقولي انا نفسي عيالنا يطلعوا شبهك…….”
ضحك حمزة معقباً بوقاحة…..
“كدااااب دا بيثبتك….قولنا الكلام دا كتير قبل
كده…اسمعي مني…….”
اطبقت على اسنانها بحنق بالغ….
“قولته لمين يعني…. لخطبتك…….”
اكد بعبثٍ يفوح منه الزهوة…….
“لخطبتي وبنت الجيران وصاحبة بنت الجيران
وليله كبيرة ياقمراية…..”
أرادت قمر ان تضربه في مقتله فقالت بترفع….
“بس هو كذا مرة يقولي بحب ملامحك وشعرك….”
“ملامحك ؟!…لا إله إلا الله….هو مشافش مناخيرك
ولا إيه….”عقب حمزة بصفاقة قاصدا مضايقتها….
فأهتزت ثقتها بنفسها لوهلة وهي تلامس انفها
وعيناها ترمقه شزراً……
“مالها مناخيري دي منمنمه……”
“آه منمنه…….طيب “اكد بهزل مقصود وهو ينظر لوجهها الجميل وانفها الصغيرة المرفوعة بشموخ انثوي لذيذ……
“انت شايفني وحشة……”سالته بضجر…
فقال باستفزاز وهو يأكل من البسكويت
بتسلية تضاهي تسلية التلاعب بها…..
“وانا مالي هو انا ابن عمك……طالما هو شايفك حلوة وشاري خير وبركة…….اولعوا سوا…. ”
اصرت على السؤال وهي على وشك البكاء
كالاطفال……
” لا رد ياحمزة…. هو انا بجد مناخيري كبيرة……”
عندما اقتربت منه وجلست جواره على المقعد
مسك فكها وادارها اليه بمداعبة……
“وريني كده……”
نظر لعيناها قليلاً وهي كذلك وكانت لغة اعينهما
تعزف لحناً ثنائياً موحداً لا يعرف أوتار بل خفقات قلوبهما توحدة……
“لا تصدقي منمنه فعلاً…….”
ضربت كفه حتى يترك وجهها ثم نهضت من مكانها
تفرغ البسكويت من الصنية الى الطبق…..
“بس مقولتليش اي اللي عجبك في حسين فهمي بتاعك…..هو اسمه ايه صحيح…….”
“اسمه….اسمه أشرف…….”أول اسم اتى في
خاطرها قالته….
فبرم حمزة شفتيه مستهيناً……
“اشيف…..ماشي….و اي اللي عجبك في اشيف
ده…”
قالت سريعاً……. “مؤدب…..”
هتف حمزة مستنكراً بصفاقة…..
“دي مش صفه دا وباء !!….طالما مؤدب يبقا عايز كورس انحرف على ايد العبد لله……”
نظرت قمر اليه بنفور…….
“شكرا مستغنيين عن خدماتك….ابن عمي…. محترم……”
لوى حمزة شفتيه في ابتسامة
وقحة….
“ماهو المحترم ده مش هينفع معاكي……”
نظرة اليه بعدم فهم فتابع بلؤم…..
“انتي عايزة واحد زيي…يصبحك بعلقه ويمسيكي بعلقه…….”
وقفت متخصرة بتبرم……
“ياحلاووة….على اساسي اني هسكتلك….”
“هتعملي ايه يعني…….”نهض من مكانه ووقف امامها…….فقالت ببسالة……
“هضربك……”
أخذ خطوة اخرى بالقرب منها…….
“متقدريش……”
ابعدت عيناها عن وجهه بحياء.. “أقدر…….”
مسك وجهها من جديد ورفع راسها اليه حتى تنظر لعيناه مباشرة وعندما فعلت قال هو بثقة عمياء……
“مسافة ما هبص في عينك هتنخي….احنا جامدين أوي…. ”
زمجرة وهي تضرب كفه من جديد…”مغرور…..”
“بس يا بتاعت اشيف….”قالها وهو يبتعد عنها ضاحكاً…….فغمغمت من بين اسنانها…..
“بارد…….”
اشار حمزة على طبق البسكويت الذي إنتهى
منه للتو……..
“هاتي بسكوت كمان الطبق خلص…….”
وضعت الطبق الاخر امامه بجزع….
“اتفضل…..”
وضع واحده في فمه وهو يسالها
بفضول……
“هو اشيف بيحب البسكوت……”
ردت ببرور…… “مسالتوش والله…….”
قال حمزة بسماجة…….
“وإياكي تسأليه…..طالما مؤدب يبقا ملوش في البسكوت….. ناشف عليه…….. ”
لم ترد عليه قمر بل القت عليه نظرة حانقة وصمتت قليلاً…..ثم بعد دقيقتين اغلقت الموقد وقالت
وهي تغسل يديها تحت صنبور الماء……
“انا هروح البس بقا لحسان اتاخرت……”
قطب حمزة حاجباه متعجباً….
“اتاخرتي على إيه ؟!……”
نظرة اليه بتعجب…..
“على الشغل أول يوم ليا النهارده في مكتبة أحلام…..هي شهد مقالتلكش… ”
لوى شفتيه ساخراً…….
“هو حد يعرف حاجة عنكم برضو…..انتوا بتقولوا اللي يجي على هواكم بس……”
التوى ثغر قمر بنزق……
“على اساس ان سرك معانا يعني ما انت نفس الكلام…..”
نظر لها حمزة باستهانه….
“واقولك اسراري ليه….بمناسبة إيه……”
قالت قمر مقتضبة……
“وانا استأذنك ليه في الشغل بمناسبة إيه…..”
هتف حمزة بخشونة……
“مش بقول تستأذني بس على الأقل تعرفيني…انتي بنت عمتي ومسئوله مننا دلوقتي…لحد ما تاخدي ورثك وترجعي مكان ما جيتي……”
وكانه القى قذيفة فتاكة قصفت صدرها فتمزق
قلبها في لحظة…..فقالت بمرارة…..
“واضح انك مستعجل اوي على مشياني من هنا….”
اغتاظ حمزة منها قائلاً بخشونة….
“متغيريش الموضوع ياقمر….انتي هتنزلي الشغل ليه محتاجة فلوس……”
لم ترد بل اشاحت وجهها عنه بحزن….فتابع
هو بحمائية…….
“كذا مرة أقول لشهد تسألك لو محتاجة حاجة.. وانتي اللي مش بترضي……”
رفعت وجهها اليه قائلة بحزن…..
“لاني مش محتاجة فلوس ياحمزة…انا زهقانه ومحتاجة اشتغل واشوف ناس لحد ما خالي يرد
عليا في حوار الورث……وارجع مكان ما جيت زي
ما بتقول…”
رفع حاجباه بعدم فهم مزمجراً……
“ليه بتصطادي في الماية العكرة….مش فاهم اي الغلط في كلامي……”
“ولا اي حاجة…..شغلي مع احلام مؤقتا…وشغلي في المكتبة احسن بنسبالي عشان دي نفس الشغلانه
اللي كنت بشتغالها في القاهرة….”ثم اولته ظهرها
قائلة بهدوء…..
“عن إذنك هروح البس…….”
زفر حمزة بحنق بالغ وهذا الشعور السخيف يتغلغل
داخله !….
اتجه الى الشرفة وهو يشعل سجارته بضيق…وعندما
فتح باب الغرفة كانت شهد على وشك الخروج منها
تبادلا النظرات للحظات فكانت شهد يبدو انها قضت ليلتها هنا في الشرفة ؟!…..
فكانت عيناها ناعستين شبه مغلقتين…..تعانق نفسها بذراعيها الاثنين وتمسد على كتفيها شاعره بالبرد
يتخلل جسدها……تمسك الهاتف في يدها اليمنى
وتلتحف بشالها الأبيض…….
فكان أول سؤال قاله حمزة بعد هذا
المنظر…..
“انتي كنتي نايمة هنا ؟!….”
لم تجد مفر بعد هذا الموقف والسؤال من
بعده فقالت بصراحه…..
“ايوا…… راحت عليا نومه……”
ضاقت عيناه مستفسراً بشك…. “وليه بقا…….”
ارتبكت والسؤال الثاني يدفعها للكذب….
“مكنش جيلي نوم….وفضلت قعده شوية العب في التلفون وبعدين راحت عليا نومه وانا قعده….”
لم تلين ملامح حمزة وهذه الجلسة تذكره
بأحد الليلي العاصفة بالحب…..
فالمكالمات ليالٍ هي إكسير الحب بين العشاق
فهل سيغفل عنها….وعن ما مضى منها في
حياته !….. مستحيل….
لذا ازداد شكه فعقب…..
“تلعبي في التلفون… ولا كنتي بتكلمي حد….”
اهتزت حدقتاها….. انه يدفعها للكذب للمرة الثالثة
على التوالي……
“اه كنت بكلم خلود وبعد ما قفلت قعدت على النت
شويه اشوف الرسايل ولاوردرات وكده يعني فنمت……”
لم يعقب حمزة بل ظل ينظر اليها طويلاً…..فقالت
وهي تبعده عن طريقها برفق…….
“انا سقعانه اوي هدخل اوضتي……”
عندما ابتعدت شهد….تابع حمزة هروبها منه ولم يلبث
الا وناداها مجدداً بوجها مكفهر…….
“استني ياشهد عندك…..”
توقفت شهد في صالة المنزل تنظر اليه بتردد كالتلميذة المذنبة….. تدعي سراً ان لا تضطر
للكذب عليه للمرة الرابعة……
“في اي بس ياحمزة…… مالك…..”
قال حمزة بحدة….
“انتي اللي مالك… بتكدبي ليه عليا…..”
قالت شهد بخفوت….
“هكدب… هكدب في ايه……”
“انا خلصت……”
انطلقت هذه الجملة بعفوية على لسان قمر التي خرجت من غرفة شهد للتو مرتديه طاقم خروج
وكان عبارة عن بنطال من الجينز الفاتح عليه قميص أنيق من اللون السماوي….وربطت شعرها الغجري الطويل للخلف يتأرجح خلف ظهرها متراقصاً
بجنون مغوي…..تضع القليل من الزينة التي تناسب وضح النهار…. من ضمنها هذا الكحل الأسود المرسوم باحترافية حول حدقتاها فيجعل بنيتاها واسعتين جميلتان بديعتان عند النظر إليهم….
اسبل حمزة اهدابه بغضب….. ليست جميلة لكنه يبالغ في وصفها….. عادية ككل النساء…..حضورها جذاب وليست ككل النساء…… عيناها عادية ككل النساء….عيناها في الكحل آية من الجمال
فهي ليست ككل النساء !!…
تناقض رهيب يخضع له الان مابين شخصٍ يؤيد
واخر معارضا بشدة……
لكن المتفق بينهم انها الان مختلفة في عيناه…وكانه يراها من زاوية اخرى لم يقف بها يوماً !…..
سالتها شهد بلؤم…..
“اي ده انتي نزله لوحدك…..معقول…. ”
قالت قمر بتردد….
“انتي مش هتروحي الشغل…..”
هتفت شهد وهي توزع النظرات بينهما…..
“هروح كمان ساعة بشير وخلود هيعدوا عليا…”
نظر حمزة لأخته يشم رائحة غدر….فقالت
شهد بمكر…..
“بس انتي معادك دلوقتي في المكتبة….. احلام مستنياكي لازم تروحي……دا أول يوم ليكي.. ”
قالت قمر بحيرة….. “طب هروح إزاي لوحدي……”
“خلاص حمزة هيوصلك…..”اشارة شهد على اخيها الذي رفع حاجبه ذاهلاً….
“نعم يا اختي…”
ابتسمت شهد تستهدف قلبه الحنون….
“اي فيها يا حمزة ما انت كده كدا كنت هتوصلني
النهاردة للمطعم… قدر اني راحه وخد قمر معاك…”
“دا أول يوم ليها وهي عمرها ما دخلت شارع الصاوي……يرضيك تروح لوحدها… ”
جز حمزة على اسنانه وهو ينظر لاخته بتوعد..
فوجهت شهد الحديث لقمر قبل ان تبتعد…
“حمزة هيوصلك يا قمر وانا ساعة وهكون عندك.. وهعدي عليكي متقلقيش…..وكمان اخر النهار هنروح سوا…. مع حمزة……”
هتف حمزة.. “شـ…..”
بترت شهد الكلمة منهية الجدال…..
“انا هدخل اوضتي انا سقعانه أوي……”
تابعت قمر دخول شهد غرفتها فعادت عيناها
اليه لتقول بحرج…..
“لو مستعجل انا ممكن اخد اي موصلة…. توصلني لشارع الصاوي…..”
اظلمت عيناه وكانها قالت شيءٍ مشين…..فامتنع
عن الرد متجه الى غرفته……
خطت خطواتها خلفه بعدم فهم…..
“حمزة……”
توقف والقى عليها نظرة حانقة……
“هغير هدومي….. استني عندك…..”
توقفت مكانها كما أمرها…..وعندم اغلق هو الباب
على نفسه شتم قائلا بتهكم……
“واضح اني السواق بتاع الهوانم……”
………………………………………………………….
استقلا معاً المصعد بصمت واتكأ حمزة على الازرار للهبوط للأسفل….
بلعت قمر ريقها وهي تنظر اليه بين الحين والآخر
بقلب مغرمٍ بهذا الجلف صاحب السان السليط و العيون العسلية الذابحة……
فوجدت قلبها ينزف وجعاً هامسا سراً…….
(لو كان بيدي ماكنت وقعت في الهوى….. فهواك علة وقلبي عليلاً بها……)
اسبلت اهدابها سريعاً عندما رفع حمزة عيناه عليها وكانه سمع لعنات قلبها عليه…….
بنظرة شاملة مدققة رمقها ثم ابعد عيناه عنها حانقاً
“ياترى بقا اشرف بتاعك عارف بشغلك…..”
اومات براسها وهي ترمقه بأنتصار…
“أكيد….. استأذنت منه…..ووافق علطول…..”
سخر حمزة بقرف….
” وافق؟!….. عيني على الرجالة…..”
هتف قمر بوجوم….
“في مشكلة في شغل الست عندك…..”
رفع شفتاه للاعلى مشمئزاً وهو يقول بتجهم….
“لو فيه مشكلة مش هطلع اخواتي يشتغلوا ويشوفوا مستقلبهم….المشكلة ان سبع البرمبة بتاعك فاتح على البحري دا بدل ما يبقا معاكي هنا وياخد باله منك لا سايبك وزي ما تيجي…. تيجي…..”
قالت بمناكفة…..
“وانت اي اللي مضايقك اوي كده…..”
اندفع الغضب داخله دفعة واحده…..
“مانا اللي بشيل القرف في الآخر… وصلنا يا حمزة
روحنا ياحمزة… شغال عند اللي جابكم انا…”
اتسعت عيناها من هجومه المبالغ فيه فتشدقت
منزعجة……
“احترم نفسك وتكلم معايا عدل…. وبعدين قبل ما ننزل قولتلك لو مستعجل أمشي…..”
كان سيرد عليها يعنفها بالكلمات لكن فتح باب المصعد وانضم اليهما ثنائي اخر لكن كان اكثر
تجانسا و اندمج وحب…… فقد دخلا معا يدٍ بيد والنظرات متبادلة حتى…..
حتى انتبهت لوجه المرأه والتي لم تكن إلا (نجلاء)
خطيبته السابقة…. تجهم وجه الرجل سريعاً عندما رأى حمزة وكان ينوي الخروج من المصعد لولا إمتناع
نجلاء وتصميمها على استقلاله معهما…..
حل صمت غريب مشحون بالكثير من المشاعر
في تلك الفترة القصيرة…..
عيناها حصدت كل ردود الأفعال… بدايةٍ من اندماج
نجلاء مع هذا الرجل الذي اتضح انه يدعى سامح
من كثرة دلالها عليه ومنادتها باسمه امامهما بمنتهى الميوعة…
كانت حركاتها مكشوفة ومستفزة تحاول لفت
الانتباه أكثر حتى تشعل غيرة حمزة نحوها
وتحرق فتيل صبره فيعض اصابع الندم على
ضياعها منه…….
حانت منها نظرة على حمزة……
دوماً تسمع عن قهر الرجال لكنه لم يتجسد امامها
كالان…….
رغم ان ملامحه كانت متصلبة المعاني إلا ان عيناه
كانت مقهورة من الحب……قهرة تحتاج لمعجزة
حتى تتلاشى !……
كان يضع ذراعه جواره ويقبض على كفه بقوة مؤلمه
حتى ابيضت مفاصل يده بشدة……
ففصلت قمر الخطوة الوحيدة بينهما ومسكت
قبضة يده بين راحتي يدها الناعمة بحنان تتضامن
معه بكل جوارحها…..
فنظر لها حمزة بدهشة….فابتسمت وهي ترفع
وجهها اليه قليلاً……
“انت كويس…….”
مط شفتيه بسخريةٍ معتادة….
“ليه مش هبقا كويس…….”
نظر ليدها المعلقة بيده فأرخى قبضته بتدريج
وعانق اصابع يدها برفق قائلاً بمناغشة……
“بنسبة لأشرف اي نظامه بعد مسكت الايد دي…”
ابتسمت هامسة بمرح…..
“ماهو عارف ان احنا زي الاخوات……”
رفع حاجبٍ متعجباً…….
“انتي حكياله عني كمان…لا دا الموضوع كبير أوي….”
ضحكت قمر واطرقت براسها بخجل…فابتسم هو ورفع عيناه على نجلاء التي نسى وجودها للحظة
واحده….وعندما تقابلت أعينهما كانت ترمق كليهما
بعينين حاقدتين…….
بعد لحظات دلفت الى المكتبة بعد ان اوصلها حمزة…….
ابتسمت بسعادة بعد ان غمر انفها رائحة الكتب المميزة…..فدارت عيناها في المكان بلمحة سريعة
رأت مكتبة كبيرة منوعة بالكثير من الكتب..
آلة تصوير الأوراق…..ركنا خاص بالهدايا والاغلفة…..مجموعة متنوعة من أدوات
الدراسة…….
رحبت بها سيدة جميلة ترتدي عباءة ووشاح بهم طابع شعبي اصيل………
“أهلا وسهلا…. قمر مش كده……”
اكدت قمر وهي تقترب منها….
“أيوا أهلاً بحضرتك……”
مدت قمر يدها فبادلتها أحلام المصافحة قائلة
ببشاشة……
“بلاش حضرتك دي اسمي أحلام…أهلا بيكي..شهد
قالتلي انك كنتي شغاله في مكتبه قبل كده صح…..”
اكدت قمر بحرج……. “ايوا…..”
هزت أحلام راسها بتفهم وقالت برفق….
“ان شاءلله يعجبك الشغل معايا…زي ما انتي شايفه
هي المكتبة صغيرة لكن بيجالها زباين من كل
حته…ومتقلقيش كلهم ولاد ناس ومحترمين… ”
نظرت قمر لأنحاء المكتبة من جديد مستشعرة بالالفة
والسعادة في هذا المكان…….
فأستردت أحلام حديثها تطمئنها…..
“وانا باذن الله هفضل معاكي الفترة دي لحد ما تاخدي على المكان والناس……”
قالت قمر مبتسمة …
“ان شآء الله متقلقيش انا بستوعب بسرعة….”
إبتسمت أحلام أيضاً وقالت بود……
“ماشي ياست قمر….. تعالي بقا معايا اعرفك على
كل حاجة في المكتبة….”
………………………………………………………….
كانت تسير في ممر المشفى بخطوات هادئها يتأرجح
ثوبها الناعم الرقيق حول ساقيها بدلال…. تترك شعرها الأسود الناعم حراً يرتاح على كفتيها والغرة
الجميلة تتناثر على جبهتها……وعيناها العسليتان تظللهم بكحلاً أسود رفيع وأضافة بعضٍ من ملمع الشفاه كي يتوهج وجهها ولو قليل…..
لم تنام بشكلاً جيد فأرادت ان تخفي ارهاقها البادي عليها ببعض الزينة البسيطه……
رغم انها متعبة جداً ولم تنام سواء ساعتين وامامها يوماً طويل في المطعم وعمل متراكم….. إلا انها تغمرها سعادة جنونية تريد ان تقفز من شدة
الفرح…..
مبتهجة هي من مجرد أمسية كلامية في الهاتف
ماذا ان أقتربا اكثر فيما بعد وأصبحت الامسية الكلامية وجها لوجه…..
هل ستشعر بالسعادة، ام ستهرب كالعادة !…..
زفرة تنهيدة مثقلة بالهموم وشرد ذهنها اكثر معلقة يدها في حزام حقيبتها المرفوع على كتفها وهي تسير في اخر الممر حيثُ الغرفة الماكث بها…
وعندما اقتربت من الغرفة واثناء سيرها خبطت
في كتف صلب جعلها تهتز قليلا وهي ترفع عيناها
عليه جافله بهلع…….
ابتسم الشاب قائلا
باعتذر….
“انا اسف مخدتش بالي…….”
وضع الشاب هاتفه في جيب بنطاله وكان يبدو عليه انه مراهق ربما لم يصل للعشرون بعد….لكن يفوقها
جسداً وطولاً….بشعرٍ اشقر وعيون زرقاء…..
عند تلك الخاطرة اتسعت عينا شهد وهي تدقق النظر
به أكثر……عيناه تشبهها كيف تغفل عن هذا….وكانه
ورثهما منها…..
هل هذا هو ( يزن)……
رأى يزن تمعنها في النظر لعيناه فابتسم بزهوٍ…يعرف
ان عيناه جذابة توقع الإناث في حبه….لكن عليه ان
يعترف ان رغم جمال عيناه ولونهما المميز….إلا ان عسليتاها تفوز بجدارة دون وضع مقارنة حتى !…
صافيتين براقتين وفي العمق سرٍ جليل كالمغارة
تريد ان تكتشف دواخلها ، عفواً فكيف لا تفوز !…
وضع سحر في هاتين العينين يُلقى على كل
ناظراً……
ليست العينين فقط انها جميلة الكمال بشكلاً
مميز……
“ولا يهمك…..”
قالتها شهد وهي تنوي المغادرة فنظرت شهد الا اخر الممر المغلق والذي لم يبقى به إلا غرفة عاصم..
فسالها يزن بتعجب……
“هو انتي داخله لعاصم…….”
عادت اليه ورفعت عيناها
قائلة…..
“ايوا….هو جوا مش كده……”
اكد يزن قائلاً بهدوء……
“ايوا هيمشي كمان شوية……انا يزن ابن عمه…”
ابتسمت شهد بترحيب فاتر….
“تشرفنا….وانا شهد….معرفة قديمة…وجايه أطمن
عليه……”
انعقد حاجباه مستفسراً…..
“معرفة قديمة……بس انا أول مرة أشوفك….”
اكدت بوجه مبهم التعبير….
“مانا بقولك معرفة قديمة يمكن من قبل حتى ما تتولد……”
هز يزن راسه مستفهماً…..
“ازاي الكلام ده….انتي مش كبيره لدرجادي….يعنى
اديكي واحد وعشرين سنة مثلاً…….”
بنفي قالت بجمود… “لا… أكبر منك بسنين……..”
لاح الأحباط على وجهه فقال عابساً….
“بكام سنة يعني……”
عليك ان تأخذ الإجابة من ماما ؟!….
ابتسمت شهد بعصبية واضحة……
وقالت بملل…..
“عاصم جوا مش كده……”
أومأ يزن برأسه..

رأى يزن تمعنها في النظر لعيناه فابتسم بزهوٍ…يعرف
ان عيناه جذابة توقع الإناث في حبه….لكن عليه ان
يعترف ان رغم جمال عيناه ولونهما المميز….إلا ان عسليتاها تفوز بجدارة دون وضع مقارنة حتى !…
صافيتين براقتين وفي العمق سرٍ جليل كالمغارة
تريد ان تكتشف دواخلها ، عفواً فكيف لا تفوز !…
وضع سحر في هاتين العينين يُلقى على كل
ناظراً……
ليست العينين فقط انها جميلة الكمال بشكلاً
مميز……
“ولا يهمك…..”
قالتها شهد وهي تنوي المغادرة فنظرت شهد الا اخر الممر المغلق والذي لم يبقى به إلا غرفة عاصم..
فسالها يزن بتعجب……
“هو انتي داخله لعاصم…….”
عادت اليه ورفعت عيناها
قائلة…..
“ايوا….هو جوا مش كده……”
اكد يزن قائلاً بهدوء……
“ايوا هيمشي كمان شوية……انا يزن ابن عمه…”
ابتسمت شهد بترحيب فاتر….
“تشرفنا….وانا شهد….معرفة قديمة…وجايه أطمن
عليه……”
انعقد حاجباه مستفسراً…..
“معرفة قديمة……بس انا أول مرة أشوفك….”
اكدت بوجه مبهم التعبير….
“مانا بقولك معرفة قديمة يمكن من قبل حتى ما تتولد……”
هز يزن راسه مستفهماً…..
“ازاي الكلام ده….انتي مش كبيره لدرجادي….يعنى
اديكي واحد وعشرين سنة مثلاً…….”
بنفي قالت بجمود… “لا… أكبر منك بسنين……..”
لاح الأحباط على وجهه فقال عابساً….
“بكام سنة يعني……”
عليك ان تأخذ الإجابة من ماما ؟!….
ابتسمت شهد بعصبية واضحة……
وقالت بملل…..
“عاصم جوا مش كده……”
أومأ يزن برأسه…فقالت قبل ان ترحل……
“عن إذنك……..”
دلفت امام عيناه الى الغرفة…..تاركه اياه يتخبط بين
الجمل الغامضة و…..وعيناها……..
……………………………………………….
دخولها الى الغرفة كالنسيم معطر بكل ماهو طيب
ناعم على الانف……
أصابته نفحات من البهجة عندما رفع عيناه عليها وادرك وجودها بعد ان شم عطرها الزكي الطيب…..
رفعت وجهها الابي…بري الجمال والروح……قائلة
بابتسامة صافية…….
“صباح الخير………”
ومن جديد قص عليها بنظرة واحدة قصائد عن
الهوى قبل ان يجيب بابتسامة حانية……
“صباح الشهد…….اتاخرتي ليه….”
خفق قلبها فأسبلت اهدابها بوجها محمر خجلا
ثم قالت بخفوت…..
“يدوبك…..على مالبست……”
هيمن عليها بالنظرات والكلمات الكاسحة….
“تعرفي انا لحد دلوقتي قاعد مستنيكي…كان المفروض أخرج من نص ساعة…….”
“عامل اي النهاردة…….” قالتها شهد وهي تتمعن في النظر اليه فكان يقف بجوار الفراش يرتدي بنطال
جينز وقميص، مصفف شعره الأسود الغزير للخلف ولحية السوداء تعطي له وقر وهيبة…كان جذاب جداً وأنيق بهيئة لامعة تغطي على كل شيءٍ من حوله كما تراه دوماً……
“الحمدلله…..أحسن… ” رد بعينين تترصد لكل حركة بسيطة تصدر منها بداية من احمرار وجهها خجلاً للسؤال الهامس لنظرة عيناها المتفحصة له بحياء انثوي شهي…..
أرتاح على حافة الفراش مشيرا لها بيده بان تتقدم وتجلس على المقعد المقابل له……
فاقتربت بخطوات خرقاء شاعره بأسهم عيناه
تلاحقها……. جلست كتلميذة مهذبة امام استاذها
صاحب الحضور المهيب والعينين الحانية….
بلعت ريقها ورفعت عيناها عليه… لتجد عيناه تتوهج
نحوها…… توهج يشعل وجنتيها أكثر خصوصاً انه
كان ينظر لشفتيها دون ان يلاحظ على نفسه…..
“دا أحمر…….”
رفعت عيناها مصدومة من السؤال….ثم لم تلبث
إلا واجابت بحرج…….
“لا……. ليب بالم……”
عقد حاجباه بعدم فهم…فبلعت ريقها
موضحة…”زبدة كاكاو……..”
لم يمنع سؤال قفز في خاطره فجأة وهو يرى شفتيها مغوية بهذا الملمع الوردي…… “بطعم إيه……”
ردت بعفوية….
“العسـ…………….نعم…….” بلعت لسانها وهي تدرك
مدى غباؤها وتوترها أمامه…….
فنظرت اليه بحنق يمتزج بخجلها….فتخلل هو خصلات شعره باصابعه معتذراً بحياء ذكوري…..
“واضح ان قلة النوم أثرت عليا……”
اخرجت تنهيدة مضطربة وهي تسبل اهدابها
بعفو… فقال بمشاكسة لذيذة……..
“قولتي بطعم العسل صح…….”
رفعت عيناها بنظرة نارية حتى يتوقف عن
هذا العبث…….
“عاصم…… الزم حدودك…….”
بنظرة جامدة تساءل….. “لحد إمتى ؟!…..”
طالت حرب النظرات بينهما بتحدٍ حتى وجزة
عيناها منسحبة من أرض المعركة……
بينهما كيمياء غريبة من نظرة واحدة يلامس
اعماقها من همسة واحدة يزلزل كيانها…..
بللت شفتيها امام عيناه المظلمة ثم سحبت نفساً
مرتجف وقالت بايجاز….
“خلينا نتكلم في المهم….. عايزة اعترفلك بحاجة
تخص اللي حصلك يوم الفرح……”
اعطاها كامل تركيزة
بتساؤل…..
“شكلك عارفه مين هو……”
حسمت امرها معترفة…..
“مرعي الجن…. مفيش غيره اللي عملاها….”
تغضنة زوايا عيناه بعدم فهم…..
“إيه ؟!… مرعي وليه يعمل كده أصلاً……”
قالت شهد بتردد…..
“عشان انا رفعت عليه السكينة وهددته اني هقتله..”
اشتعلت حدقتاه وهو يساله بحدة…..
“انتي بتقولي اي ياشهد…. انتي مخبية عني إيه…..”
قالت شهد بحرارةٍ تسعطف قلبه بعيناها
الراجية…
“هحكيلك كل حاجة من الأول…. بس اوعدني انك هتصرف صح ومش هتوسخ ايدك في واحد زي ده
بلغ عنه وسيب القانون هو اللي ياحاسبوا…”
لم تلين ملامحه بل صاح أمراً…..
“انـطـقـي يـاشـهـد…..”
خفق قلبها بخوف تترجاه مجدداً…
“اوعدني…اوعدني ياعاصم وانا هحكيلك على كل حاجة….”
بصوت صلب جاف كرر…. “انـطـقـي يـاشـهـد…..”
اقتربت منه اكثر بمقعدها حتى اصبحب بالقرب
منه……وهتفت برجاء حاني……والخوف يتربع
قلبها الولهان……
“اوعدني ياعاصم وحياة اغلى حاجه عندك..”
فقد اخر ذرة صبرٍ فهدر باسمها وهو يمسك
ذراعها بغضب……
“شــهــد……..”
لفحت انفاسه الملتهبة بالغضب صفحة وجهها
الشاحب فأغمضت عيناها بضعف تترجاه بصبابة
الهوى……..
“لو بتحبني اوعدني انك مش هتأذي نفسك……”
ابتلعهما الصمت بعد جملتها ولم تسمع إلا صوت انفاسه المشتعلة غضبٍ وربما……
فتحت عيناها ترى أول انطبع بعد جملتها الغبية…
فرأت الغضب مرسوم على محياه وعيناه تتوهج
بشكلاً مريع……..فقالت بتخوف معدلة الجملة….
“قصدي عشان خاطـ…….”
قاطعها بصوتٍ خشن…..
“اوعدك……قوليلي مخبية عني إيه….وماله مرعي
بيكي……”
سحبت ذراعها من بين قبضته وتراجعت في مقعدها للخلف قائلة بصوتٍ متهدج…….. “هحكيلك……”
كل حقيقة كانت تخرج من فمها تنزل على اذانه كالسياط……اظلمت ملامحه بشكلاً مخيف وتصلب جسده بتشنج واضح والانفعال بد على عيناه المظلمة فبات يشبه القاتل المتسلسل الذي لن
يرتاح إلا بسفك دماء أحدهم…..فتسيل
الدماء أمام عيناه منتشياً بعدها !!….
رفع عيناه المحتقنة
بالغضب….
“كل ده مخبياه عني……”
قالت وهي تمكث راسها مذعنة….
“مكنش ينفع أقولك…خوفت تحصل مشاكل بسببي…”
هتف بنفسٍ غير سمحة وعيناه تقدحان شراراً….
“فتسبيه يبتزك وياخد منك فلوس….وفي الاخر يأجر
عيل ابن***يقتلك……كنتي هتعرفيني امتى ياشهد..
لم تبقي غرقانه في دمك……..”
رفعت عيناها مبررة الوضع…..
“عاصم مش انا لوحدي اللي كان بيعمل معاها
كده…. في ناس كتير كان بيشاركهم في رزقهم
لوي دراع…”
قاطعها بصرامة…. “يستاهلوا طالما قبلوا بده……”
نظرة اليه بدهشة….. “انت اللي بتقول كده…..”
قال عاصم غاضباً…..
“ايوا انا اللي بقول كده……طالما قبلوا على نفسهم يتذلوا من حتة عيل زي ده لا وبيعملوا كمان ليه
الف حساب يبقوا يستاهلوا…… ”
قالت شهد بشفقة…… “دول ناس غلابة…..”
بملامح نافرة ولهجة جامدة أخبرها…..
“دول ناس جبانة……مستنين البطل اللي يخلصهم منه….مع انهم لو اتحدوا سوا…..هما اللي هيطردوا
من شارع الصاوي مش العكس…….”
لم ترد شهد بل ظلت على صمتها…فهذا كان رأيها
من البداية لكن جبن خلود ومخاوفها أصابها فأصبحت لا تقل عنهم جبنا……
سحب عاصم نفساً متهدج وهو يقول
بصرامة….
“على العموم هو خلاص دوره انتهى لحد هنا….جاب
اخره معايا….وشكل القديم والجديد هيطلع عليه..”
نظرت اليه شهد مترجية بحنو…..
“عاصم انت وعدتني….أوعى تعمل حاجة تأذيك..”
بنظرة جادة تساءل…… “خايفه عليا…..”
اخرجت تنهيدة مضنية….”معقولة لسه بتسأل……”
لوى شفتيه ساخراً بمرارة…..
“على أساس ان في حاجة وضحة من ناحيتك تخليني ابطل اسألك……”
المها قلبها بعد تعليقه فقالت دون
تقهقر…
“أكيد خايفة عليك……”
تساءل…..”ليه؟….”
لعقت شفتيها وهي تقول بضعف….
“عشان انت عاصم….ومعنديش اكتر من كده
إجابة…. ”
ابتسم بحنق….. “لا كتر خيرك……”
نطقت اسمه بمشاعر متعبة من كثرة المعافرة
مع الحياة ومع نفسها في قصتهما المعقدة…
“عـاصـم………”
نظر لعيناها خاضعاً لعسليتاها الراجية
هامساً بصدق العالم……
“نعم ياست الحُسن…معاكي…..بقلبي وعقلي معاكي…”
انتفض قلبها بجنون فاغمضت عيناها تطلب الرحمة
منه سراً ولكن يبدو ان لسانها خانها فقالتها علناً……
“كده كتير عليا……..”
رد رداً زلزل القلب والمشاعر……
“يبقا لسه متعرفيش اللي جوايا ناحيتك…..”
لم تقوِ على فتح عيناها مما اعطى لضعفها امام تصريحاتُ منظراً شهياً جعله يتأوه عنوة عنه
هامساً…….
“آه يا شـهـد…….”
فتحت عيناها ونهضت عن المقعد
متقدمة منه بقلق…..
“سلمتك……الجرح بيوجعك…..”
فتح الباب سريعاً وهتف يزن……
“عاصم حكيم مستنيك في العربية مش يلا بينا…”
انتبه يزن الى هذا المشهد المتقارب نوعاً ما بين عسلية العينين وابن عمه……..
فتنحنح وهو يشعر بالحنق من هول المفاجأة….
هز عاصم راسه موجه الحديث
لشهد…..
“يلا انا جهزت….تعالي عشان اوصلك……”
رفضت شهد بحرج……
“انا مش هروح البيت…انا راحه المطعم عندي شغل هناك…….”
قال بهدوء….
“هخلي حكيم يوصلك على سكته…..”
رفضت شهد بارتباك…..
“لا ياعاصم….بلاش…..هاخد اي موصلة المكان
قريب مش بعيد……”
ناداها عاصم بجدية…… “شـهـد…..”
قالت بتصميم….
“عشان محدش يتكلم شكلها مش حلو…….”
اقترح برحابة صدر……
“مش هندخل الشارع هخلي حكيم ينزلك قبلي بشوية……..”
غمغمت بتردد….. “عاصم……”
اصر عاصم بصلابة…..
“اسمعي الكلام روح يا يزن……انا جاي وراك….”
نظر لهما يزن بصمت….فأشر عاصم عليه
بتعريف…
“يزن ابن عمي….يعتبر ابني انا اللي مربية…..”
رحبت شهد به بنظرة باردة…..
“اتعرفت عليه قبل ما ادخلك….أهلا مرة تانيه يا يزن…….”
انتظر يزن تعريف عاصم عليها لكنه لم يفعل فقال
هو ببرود….. “مش هتعرفني عليها……”
تولت شهد الرد ببرود……
“مانا قولتلك اني معرفة قديمة…ليه مش مصدق…”
انزعج يزن من ردها المبهم والفاقد للمصدقية وكانها
تحدث رضيع……..
بينما استأذنت شهد من عاصم
بهدوء…..
“انا اللي هستناكم برا…….”
عندما خرجت شهد امام ابصارهم سأله
يزن بتجهم… “مين دي ياعاصم ؟…..”
أمتنع عاصم عن الإجابة وهو يخطو بخطواته للخارج…. “بعدين يايزن.. بعدين….. يلا بينا……”
…………………………………………………………….
(يعني اي مش جاية تاني…..هو احنا بنلعب يا كيان…….) قصف صوته عبر سماعة الهاتف بنفاذ صبر…
فبلعت ريقها وارتسم على محياها كرها شديد نابع
من قلبٍ مجروح مفتقر صلاحية العتاب بما رأى…
ومع ذلك حفظت على نبرتها المبهمة قائلة…..
“زي ماقولتلك يا استاذ.. شغلي في مكتب خليل الصواح هيبدأ من بكرة ان شاء الله….”
سالها بنبرة عابسة حانقة…..
(يعني إيه…. مش هتيجي المكتب تاني…..)
سحبت نفساً مرتجفاً مجيبة بعدها…..
“القرار دا انا مبلغاك بيه من شهر فات….. واظن اني صبرت الفترة اللي فاتت دي كلها منتظرة حد يحل مكاني…..”
اخبرها بتلقائية خشنة
غاضبة……
(مين اللي يقدر يحل مكانك…….)
خفق قلبها بشدة فذاب الكلام على لسانها
وتسمرت للحظات من هول جمال الجملة
الكاذبة !….
أوضح هو متابعاً بتجهم عبر الهاتف…..
(شغلك في المكتب مهم….. انتي كده بتعجزيني….. والقضايا اللي ماسكنها….انا مش عارف انتي بتفكري إزاي….)
انحنت زاويتان من شفتيها بحزن وهي تقول
بصوتٍ كئيب…….
“أستاذ سليم احترم قراري لو سمحت…. انا مش هقدر إرجع الشغل تاني……”
سالها سليم بتهكم……
(اي اللي حصل…. اكيد في سبب….. لسه فاضل اسبوع على ما الشهر ينتهي…….)
ليتني قادرة على مصارحتك…. الغريب ان شعورنا
متبادل وتدعي العكس حتى يقع الذنب عليا وحدي
فأكون انا المرأة العقربة الصة التي تاخذ كل ما هو ملكا لغيرها ، وتبقى انت في الزاوية النظيفة رجلا مناضل في حب امرأته !….
هل تعرف عندما يصل لي هذا الشعور انفر منك ومن قلبٍ أحبك….لماذا انت…..حقاً لماذا انت…. هل أهوى عذاب نفسي ؟!…..
شيئين اذا اقترنا معاً تعد معجزة على المرء ونعمة من نعم الرحمن عليه هما الحب و النصيب….
فأنا أحببتك نعم واعترف بها ، لكن ماذا عن
النصيب ؟!… فحتى لا تدنس قدسية حبك في
قلبي سأحتفظ بحبك لعله مع الأيام يزول يوماً
فاشفى وأعود لعهدي أقوى ؟!……
(ساكته ليه يا كيان…….ردي عليا……)
تماسكت وهي تقول بجمود…..
“معنديش حاجة اقولها اكتر من اللي قولته… احنا
بقالنا اكتر من ساعة بنتكلم و بنعيد في نفس الكلام..
وبرضو اجابتي هي هي مغيرتهاش….”
حل الصمت من ناحيته فتوترت داخلين وانتظرت
قليلاً حتى اتى صوته الغاضب منهياً الحديث…
(واضح اني معطلك اوي تمام… براحتك ربنا يوفقك في مكتبك الجديد……)
قبل ان يغلق في وجهها هتفت كيان بصوتٍ
بارد…..
“متنساش تعزمني على الفرح….. سلام…..”
أغلقت الهاتف هي في وجهه شاعره براحة
سادية بعد فعلها……..
لكزتها داليدا في كتفها تزفر بتعجب شديد….
“اووف ياقلبك يا كيان….ازاي قدرتي تتكلمي معاه بكل برود كده….. بعد كل اللي قولتيلي عليه….”
نظرة كيان الى داليدا…وكانوا الاثنين يجلسا على الاريكة في الصالون بشقة سلطان….
فقد اتت كيان للاطمئنان على داليدا بعد معرفتها بكسر كاحلها…..فقالت كيان بسأم…
“كان سهل يعني….بس اعمل إيه….يستاهل اكتر من كده…….انا بكرهه ياداليدا…….”
كانت داليدا ممدة الساقين على الطاولة الاماميه
وتضع اسفلها وسادة ناعمة…….فعقبت بحيرة..
“مش شوية اعترفتي انك بتحبيه…ودلوقتي بتقولي انك بتكرهيه…..انا احترت معاكي……”
لم ترد كيان بل ظلت على صمتها بملامح
واجمه…..فاضافت داليدا بتذكر….
“بس اللي هيجنني….لي قلبك دق لده بذات….انا فاكرة انا كان في واحد اسمه نائل مش ده بتاع القُرص……”
تاففت كيان ساخرة….
“همك على بطنك دايما….اه هو……”
رفعت داليدا كاس العصير على فمها عابسة…..
“ليه محبتهوش….طب والله القرص بتاعته
كانت حلوة..”
زفر كيان مستاءة من تافهة صديقتها….
“اوف ياداليدا هحبُ عشان جبلي دونتس انتي هبلة……اوعي يكون سلطان بيعمل معاكي كده.. ”
سالتها داليدا بتراقب…. “بيعمل إيه……”
قالت كيان ببرود…..
“بيجبلك حاجات حلوة عشان تحبيه…..”
هزت داليدا راسها مندهشة تؤمن على
كلامها بعفوية… “مين قالك !……”
توسعت عينا كيان ذاهلة…..
“انتي هبله….. عيله انتي….هتحبيه عشان بيجبلك شيبسي وشكولاته……”
اكملت داليدا بحرج……”وجيلي كولا…..”
ضحكت كيان وهي تهز رأسها بسأم…..
“هبله انتي…. لا وياريت باين عليكي… مسلوعه….”
رقصة داليدا حاجبها بأسلوب
كياد….
“مسلوعه آه….. بس كلِ امكانيات……”
انفجرت كيان في الضحك وهي تضع يدها على بطنها……. “آه ياسافلة….يابتاعت الإمكانيّات… ”
اصيبت داليدا بعدوى الضحك فضحكت معها بقوة حتى قلت الضحكات بينهما بتدريج فقالت بود…
“ايوا كده اضحكي…….”
ثم اطرقت براسها وهي ترتشف من كوب العصير بتلذذ……مضيفة بحنو…..
“هو سلطان علطول بيعاملني بطريقه دي….من وانا صغيره لما يزعلني ويحب يصالحني بيجبلي حاجة
حلوة او يعملي حاجة بحبها….هو مش بيعرف
يعبر أوي عن اللي جواه…..”
هللت كيان بيداها بمكر….
“الله…..الله….ودا من امتى بقا…..”
توردت وجنتي داليدا… “هو اي اللي من امتى……”
بغمزة شقية سالتها كيان بمرح…….
“من امتى اشتغلتي محلله نفسية لسي سلطان…”
قالت داليدا بثقة…..
“من زمان انا عارفه سلطن……”
رفعت كيان حاجباها…..
“سلطن ؟!…انتي كده بدلعيه……”
قالت بشفتين ممطوطتين….
“الله بقا هو انتي وهو عليا……طب والله سلطن
أحلى من سلطان….”
هزت كيان كتفيها بفتور…..
“جايز دي مسائل عائلية مليش دعوة بيها….”
حاصرتها داليدا بسؤال
مجدداً……
“مردتيش برضو ليه هو……”
قالت كيان بنبرة مصبوغة بالوجع والخزي…..
“لو عندي اجابة هرد….. انا خدت قراري خلاص هبعد
عنه وربنا يوفقه مع خطيبته اللي كلها كام يوم وتبقا
مراته…. وربنا انا كمان يوفقني في حياتي الجايه…”
اومات داليدا براسها بتفهم…..
“انتي قولتيلي انك هتشتغلي في المكتب ده مع
نائل صح……..”
اكدت كيان بابتسامة ظفر…..
“ايوا… دا طاير من الفرحة…. مش مصدق اني هبقا معاه في نفس المكتب….. كمان يارا صاحبتي اللي
حكتلك عنها هتبقا معانا….شغاله في نفس
المكتب…… ”
ابتسمت داليدا لأجل فرحتها….فقالت كيان
بوهن…..
“انا مبسوطة اني هكون مع صحابي.. وهبعد عن ضغط الأعصاب ده…… انا لحد دلوقتي مش قادرة
انسى القرف اللي شوفته…..”
علقت داليدا بجفاء…..
“هوني على نفسك… لما يتجوزها هيعمل معاها اكتر من كده……”
رمقتها كيان بحنق بالغ…..
“وانتي كده بتريحي قلبي يعني……”
هزت داليدا راسها بجمود….
“لا انا كده بوعيكي…. فكري في حياتك وانسيه…”
سالتها كيان ببرود….. “انتي نسيتي عادل……”
جفلت داليدا بصدمة وبهت وجهها وهي تعقب بمرارة……
“علطول كنتي بتلوميني وتغلطيني في حبي ليه..
اي اللي خلاكي تساليني السؤال ده….”
ابعدت كيان وجهها عنها نادمة….
“عشان بقيت زيك دلوقتي محتاجة حد يغلطني ويلومني…….”
مسكت داليدا يد صديقتها تمدها بالقوة والأمل
التي افتقدتهما بعد زواجها غصباً……
“انتي مش زيي ياكيان انتي لسه عندك فرصة.. تختاري حد أحسن منه… قريب من سنك..
يفهمك وتفهميه يحبك وتحبيه…..لكن انا…”
سحبت داليدا كفها ومسحت دمعة خائنة
فارة من عيناها…مغيرة مجرى الحديث
“أنسي……قوليلي هتروحي فعلاً فرحة لو عزمك…”
رفضت كيان بشدة…. “لا طبعاً مش هقدر……”
قالت داليدا بقوة جبارة…..
“ليه لا…. لازم تعملي كده وتبصي في عينه بالقوي كمان… لازم تثبتي ليه انه مش فارق معاكي…..”
غامت عينا كيان وقالت بنبرة تقطر قهراً….
“بس هو فارق معايا ياداليدا…وصعب اعمل كده.. انتي بتحكمي على الصورة من برا لكن لو انتي
اللي جواها مش هتقدري تحكمي…….”
لوت داليدا شفتيها بالامبالاة….
“أشوف سلطان بيتجوز يعني… يااختي بركة اللي خدته الهانم تاخده مسحت السلالم……”
إبتسمت كيان بمرح زائف…..
“طول عمرك لسانك متبري منك…..قوليلي بقا
وقعتي ازاي……”
ضحكت داليدا بهزل…..
“هو على رأي سلطان… من اعملكم سلط عليكم..”
انعقد حاجبي كيان معقبة….
“إزاي يعني هو انتي قصده تكسري نفسك…”
قالت داليدا بنفي وهي تقص عليها ما
حدث….”لا مش كده…. هحكيلك…..
…………………………………………………………
كلما نظر الى ملفات القضايا يتشتت عقله….وكلما وقعت عيناه على سطور الاورق ينسى ابجدية
الكلمات……
ترك القلم الذهبي الخاص به على سطح المكتب بعصبية وسحب نفساً عميقا متهدجٍ كاد ان يقتلع ازرار قميصه……ثم فرق مابين عيناه باصابعه بآرق
رحلت !…
لم تعد تغرد بمرح ، وتزقزق بأزعاج…..وتحوم
حوله بجمالا مشع بالبراءة التي افتقد أثرها
في هذا العالم….
أين ذهبت عصفورة الكناري الصغيرة….. كانت في العَشَّ كان يحكم غلقه عليها ، كان العَشَّ ذهبياً باهظٍ
ألوانه زاهية تغري العين ، وقد حسدها كل من رآها بين قضبانه ؟!…
لم يصدق انها استغلت أول فرصة اتتها ورحلت من
مكتبه هو…. رافضة العمل معه ، الفرصة التي يتمناها
الكثير ولا ينالوها ولو بعد الأف المحاولات….
تاتي هي ببساطه وتضرب كبرياؤه عرض الحائط
مصرحة بكل صفاقة انها ستذهب للعمل مع غيره
جوار حبيب القلب…….
زفر بغضب يحدث نفسه بمنتهى التجهم…..
“تروح تشتغل مع اللي يعجبها… انا مالي بيها… الموضوع انتهى خلاص…..”
هل فعلاً الأمر انتهى بينهما هنا.. وان انتهى لما كل
هذا العصبية المبالغ بها ، لما التشتت والحزن على عدم رؤيتها كل صباح كما تعود…….
إرجع راسه للخلف وسند على ظهر المقعد وهو ينفث في سجارته بحدة والدماء تغلي بعروقة وراسه قارب على الانفجار…..
سيحظى نائل بقربها حوله ضحكتها الرائعة ثرثرتها الذيذة وخفة ظلها المنكهة بروح الأطفال…سينظر نائل لفيروزيتاها المضيئتين بألق الشقاوة كل
صباح !….
كل صباح ؟!..
كل صباح ؟!..
كل صباح معه هو ، يضحكا ويثرثرا وهو… هو
هنا كمن يحترق على صفيح ساخن… اللعنة….
أنبثق صوتٍ معارضاً داخله….
(هل نسيت انت أيضا ان بعد أيام قليلة ستستيقظ
من أحضان زوجتك صباحا ، بعد قضاء لليلة
حميمية طويلة معها…..)
(كن عادلًا يا سليم واعترف انك تلعب بمشاعرها وتظلم ايتن أيضاً معك……)
(ادخلتها الى دائرتك ، وخرجت هي منها الان
بأعجوبة… فأتركها تحيا مع من يقدر قلبها…
فهي تستحق الأفضل..)
عارض هذا الصوت اللعين وهو يهمس داخليا
مهلوساً….
«انها ملكا لي»
(لن تمتلك امراتين….كيف هو شعورك بينهن….)
شرد وهو يقارنهن وهو تحت تأثير الهلوسة
فهو يحيا حربٍ ضارية بينه وبين ضميرة…….
«ايتن المرأة التي يتمناها اي رجل انوثه طاغية
فتنة متحركة صاحبة الاصل والنسب الرفيع
العروس التي يتمناها اي رجلا ذي مستوى..»
توهجت عيناه بومضٍ خاصة للعصفورة
الهاربة……
«لكن (كيان) هي العصفورة الجميلة التي لا غنى عنها
انها بهجة الحياة… زهرةٍ ربيعية مزدهرة…انها الدفء
والحب الذي احتاجه……»
«لكن في النهاية تبقى في عيني مثل الكأس المحرم الذي أريد تذوقه…. ملامسته ، الغوص بالذاته…..»
«انها امرأة بروح طفلة… أمرأه ظمأنة الى الحب وتريد من يروي عطشها وانا هنا……وهي هناك…..»
«كلها اشياء تستفز رجولتي…جمالها…حديثها.. نظراتها.. اوجاعها.. ودموعها.. انهزامها.. وقوتها
واحتياجها ، كلها أشياء تحولني لشخصٍ..»
«خائن ، وغير متزن ؟!….»
«لأول مرة أرى نفسي بتلك الصورة لكن ماذا علي ان أفعل…..ليس بيدي كان علي ان أختار ،لكن يبدو انها
وضعت النهاية الحتمية بيننا وانتهى الأمر…..»
«وعلي الآن انا اخمد نيران أفكاري..واصمت واكتفي بهذا القدر واعود الى رُشدِ والى من أحببتها في البداية فهي لا تستحق كل هذا التخاذل !….»
أغمض عيناه بتعب محاولاً الهروب من صوت ضميرة
من وجع قلبه ، من حسابات عقله ، من احساسه
بالذنب……
فهو لم يظلم الإثنين فقط بل ظلم نفسه معهن….
…………………………………………………………….
انفجرت كيان في الضحك وهي تضع يدها على بطنها
بعدم تصديق بعد ان قصت داليدا عليها أحداث هذا
اليوم الذي انتهى بالتواء كاحلها وجبرة……
“انتي فظيعة…..بجد انا مش فاهمه هو صبر عليكي
إزاي……”
بادلتها داليدا الضحك فقالت كيان بغمزة ماكرة….”شكله بيحبك……”
تحولت ضحكات داليدا لسخرية مريرة….
“اه بيحبني أوي….بقولك بعد ما تجبست دخل عليا يضحك وبيقول من اعملكم سلط عليكم…امال لو بيكرهني هيقولي إيه……”
ارتفع حاجبي كيان بتعجب….
“مكنش باين خالص انه خايف عليكي…..”
بشفتين ممطوطتين
قالت…..
“أبداً كانه ما صدق…….”
تبسمت كيان برفق مصرحة……
“بس والله غلبان….انتي بتقولي انه علطول معاكي
واخته وامه مش بيسبوكي……”
تنهدت داليدا بعمق شاردة…..
“فعلاً اليومين اللي فاتوا دول عرفت قد إيه انا غالية عندهم…..دول عملوا اللي اهلي معملهوش عشاني…”
ربتت كيان على كتف صديقتها تواسيها…..
“هوني على نفسك ياداليدا معذورين لسه واخدين
على خاطرهم منك……”
نظرة لها داليدا بحزن ، فهتفت كيان مقترحة بفيروزيتين مضيئيتان…….
“أقولك كلمي سلطان واتفقي معاه على عزومة لأهلك هنا….. بعد ما تفكي الجبس يعني يمكن لم تشوفوا بعض وتتكلموا النفوس تتراضى…. اي رأيك…”
اسبلت داليدا اهدابها مفكرة بحسرة……
“وافرضي رفضوا…ومرضاش حد فيهم يجي خصوصاً بابا دا بقا بيكرهني أوي……”
هزت كيان راسها قائلة….
“معتقدش ان ابوكي وحش أوي كده….من كلامك عنه وعن مواقفة وتصرفاته معاكي بتاكد انه اب
حنين لكن شديد شويه في التعامل معاكي…وده
مش غلط….انتي كمان مش ملاك ياداليدا….انتي طايشة ومتهوره ومش بتسمعي لكلام حد….”
لمعة عينا داليدا بدموع…..
“بس الفترة اللي فاتت كان قاسي عليا أوي….دا غلب
ابوكي في القسوة والجبروت……”
ارتفع حاجب كيان بصدمة متشدقة
بسخرية….
“غلب عثمان الدسوقي !!……ياشيخة اتقي الله
مفيش حد يتقارن بعثمان……دا القسوة والجبروت
بنفسهم اتظلمه قصاده……”
ثم اخرجت ضحكة خالية من المرح
متابعة….
“انتي بس اللي عضمك طري….عشتي طول عمرك برنسيس… دلوعة العيلة ولما زعلوا منك وبعدوا
عنك شوية حسيتي انك مضطهده منهم……”
نظرة لها داليدا معتذرة…..
“شكلي قلبت عليكي المواجع……”
قالت كيان بنفيا……
“مش بظبط……انا بس عيزاكي تواجهي مشاكلك وتعترفي بغلطك قدامهم…..لو اعترافتي بغلطك
أكيد هيسمحوكي……”
شع التمرد من سوداويتين عيناها فقالت…..
“ومين قالك اني غلطانه….هما اللي غلطانين يا كيان
غصبوا عليا وخلوني اخد واحد مش بحبه بحجة انه
بيستر عليا….يستر عليا من أيه ان صاغ سليم…”
لوت كيان شفتيها مستاءة من غباء صديقتها…
وحدثتها بقسوة لعلها تعود لرشدها…..
“صح…….سلطان لحق جسمك وشرفك….بس قلبك
وعقلك عليه العوض ومنه العوض….لسه موجودين
في شقة الحشاش ده….مش كده…”
صاحت داليدا بحمائية…..
“مش حشاش ياكيان….هو بطل القرف ده…. ”
“وانتي عرفتي منين بقا انه بطل……”
لم يكن هذا صوت او سؤال كيان أبداً…بل كان صوتٍ
رجولي جهوري قصف من خلفهما فجأه فجعل كلتاهما ينتفضان في جلستهما…….
وجعل داليدا تنظر اليه بتخوف….وقد تجمدت الدماء
في عروقها فور رؤيته هكذآ….
فكانها ترى عزرائيلا وبالفعل كان أبشع مما تتخيل
عليه قابض الأروح….قد أسود وجهه فجأه واحتدت
ملامحه وعيناه في النظر مريعتين مشتعلتين كجمار اللهب تتقافز…. وقد جاشت مراجلة بالغضب الأسود وتناثرت من حوله مسببه رعبٍ دب في اوصالها
فانكمشت بخوف تلعن لسانها وعدم انتبها لدخولة
من باب الشقة للتو….
كرر السؤال بصوتٍ قوي مهيباً بد كقذيفة نارية
قصفت في احشاؤها فمزقتها إرباً…….
“انطقي عرفتي منين انه بطل…..”
بلعت داليدا ريقها بصعوبة ورفعت عيناها عليه
بتردد
تردد أصابه في مقتله… فجعل قلبه يهوى أرضا
بضعف ، فقد تحققت مخاوفة الآن مسببه أبشع
انواع الألم التي ممكن ان يحياها رجلاً في نفس
موقفه الحساس ؟!……
……………………………………………………………..
وجد نفسه امام فيلا( الشهاوي) حيث المنزل الفخم
الانيق التي تقطن به ايتن…….
أغمض عيناه بتعب وهو يغلق مقود السيارة ويترجل منها بملامح واجمه ونفساً مثقلة بالكثير من التعب والهموم…..
اتى اليها حتى يجد ملاذه بين ذراعيها كما كانت دوماً
له ، اتى حتي يكفر عن أخطاؤه في حقها…اتى كي يجدد الحب والود ويعتذر عن كل لحظة خانها باحساسه ومشاعره بنظراته وهمساته السرية…….
دلف الى الفيلا بعد ان سمحت له الخادمة وبعد دقائق ارشدته بالصعود لها في أحد الطوابق
الخاصة بممارسة الرياضة والمساچ….وهذا بعد
ان اخذت الأذن من ايتن التي تنتظره في أحد
الغرف……
صعد على الدرج وعيناه تدور في أركان الفيلا الانيقة
والتي تحمل طابع عصري في كل الزوايا بها…
أخرج تنهيدة حانقة جزء من هذه العصرية باهظة الثمن والمبالغ بها تم تطبيقها في شقتهما الجديدة على يد ايتن…..التي أثرت ان تصنع من شقتهما متحف فخم مرموق…. من كثرة غلاء الفرش
تخشى الجلوس عليه !….
إحساس غريب انتابه بعد إنتهاء فرش الشقة منذ أيام…بأنها غير مريحة ويشعر داخلها بالاختناق !…
كيف سيبدأ من خلالها حياة زوجية سعيدة…وهو
يشعر بعد الراحة داخلها…..
عاشق هو للبساطه وينتمي لكل شيء يعبر عنها……وعاشقة هي للثراء والنزاهة الفارغة……
فكيف سيصد فجوة الاختلاف بينهما..مزال يكابر
معتقد انه قادر على ردعها وتأقلمها على طباعة
وهي كذلك الأمر….والاثنين يحاربا على أرض
بور ؟!….
عندما فتح الباب كما ارشدته الخادمة وجدها مسطحه على بطنها بقلب الفراش الصغير شبه عارية تغطي جسدها بالشرشف وتعري جزءاً من ظهرها……
الصدمة لم تكن هنا بل بمن يقف جوارها يدلك ظهره
بيداه الإثنين وهي تتأوه بتعب هامسة له بأحد الكلمات الإنجليزية…….
مشهد جعل الدماء تغلي في عروقه وجعل النفور يتناثر على محياه وعيناه كانت متقدتين باللهب
الحارق……..صاح بعصبية…..
“اايتن……”
مطت شفتيها ببرود عالمة ما أزعجه… لتهمس لهذا العامل بالإنجليزية كي ينصرف.. فلبى طلبها مغادراً
نهضت من مكانها تلتف بمئزرا حريري…. ثم تقدمت
منه وهي تشعل سجارتها ببرود قائلة…..
“بتزعق كده ليه……. اي أول مرة تشوفني بعمل مساچ…….”
احتدت نظراته ككلماته…….
“من امتى بتخلي واحد هو اللي يعملك مساچ…”
ابتسمت بتشفي لرؤيته يغار …..
“تغيير يابيبي….. الستات ايدها تقيله اوي… ام الرجالة ايدهم خفيفه……”
صك سليم على اسنانه والغضب يتطاير من
عيناه…
“انتي بتستفزيني صح…….واي القرف ده… ” سحب
السجارة من فمها والقاها ارضاً بعصبية……
كشرت عن انيابها بغضب……
“سليم انت اتجننت…اي الأسلوب الهمجي ده…”
بنظرة ساحقة قال…..
“اسلوبي انا اللي همجي والقرف اللي بتعمليه
ده يتسمى إيه ياهانم…..”
“قرف؟!…..” اتسعت عيناها مرددة الكلمة بزهول
ولم تلبث إلا وضحكة بميوعة…….
“من امتى الكلام ده…. هي دي تصرفاتي من أول
يوم شوفتني فيه.. ومع ذلك عمرك ما علقت عليها…”
رد هاكما بصلابة….
“تقدري تقولي كنت اعمى وفتحت……”
مطت شفتيها ساخرة وهي تبتعد عنه توليه
ظهرها…..
“جديد الكلام ده…..بس واي نوت…. انا كده ياسليم هي دي حياتي ولازم تأقلم نفسك على كده…..”
صاح بانفعال خلفها….. “وان رفضت…..”
استدارت اليه بدهشة حقيقية…..
“مش معقول هتسبني بعد كل حاجة حصلت بينا…”
رد بنبرة خالية من المعالم…….
“وانا عمري ما جه في بالي اني اسيبك.. بس انتي اللي بضطريني لده…..ياتتغيري عشاني…. يا بلاش جواز من أصله…….”
ارتفع حاجبها بصدمة واشتعلت نيران الغيرة بصدرها فقالت بسخط….
“هتسبني عشانها مش كده… جاي تعمل اي حجة عشان تسبني… لا برافو يابيبي…..طب ماتقولي
إنك زهقت وعايز تغير…..كنت هوفر عليك…”
قطع سليم المسافة بينهم هاتفاً بحدة…..
“انتي اتجننتي انتي شربه ايه بظبط… مين دي
اللي هسيبك عشانها…..”
صاحت ايتن بغل وهي تدفعه في صدره….
“الزفته بتاعتك…..المقرفة اللي انت بتخوني معاها..
انا ايتن الشهاوي تخوني مع حتة جربوعة زي
دي…..”
فارة الدماء في اوردته وهو يسمع هذا الكلام
عنها مما جعله يغضب بحمائية……
“اخرسي يا ايتن متكلميش عنها كده….مفيش حاجة
بيني وبين كيان…..”
اتسعت عيناها بعدائية مريبة…..
“اوميجاد……كل ده ومفيش حاجة بينكم….انت نطقت إسمها ياسليم……ليه واثق اوي ان هي اللي اقصدها بكلامي….مش يمكن حد تاني……”
بلع ريقه وكانه وقع في شر بلية…..غامت عينا ايتن بالحزن وهتفت وهي تشير على نفسها بحرقة….
“بتخوني يا سليم بعد كل الحب اللي بينا….مش مصدقه…مش مصدقة بجد…….”
هتف سليم بنبرة غلبها الإعتذار…..
“انا عمري ماخونتك…..يمكن اتشديت لكيان لكن
عمري ماخونتك…….”
صاحت ايتن بوقاحة ونظرة عيناها الجريئة إليه
تقتل اي شعور بذنب نحوها……
“الخيانة مش بس علاقة جنسية يامتر….انت خونتني….خونتني بقلبك وبمشاعرك…..مش
شرط تنام معاها عشان تثبت خيانتك…”
لوت شفتيها بغل وهي تضيف بسفاهات…
“مع إنك لو كنت عرضت عليها كانت وافقت…
حقيرة ورخصية……..”
من جديد شعور بالغضب يندفع في دماؤه
كلما افترت عليها بالكلمات المشينة…..
“كفاية يا ايتن…كيان مش كده….كيان بنت محترمة
ومؤدبة….واحنا عمرنا مافكرنا كده……”
صرخت ايتن بجنون……
“قصدك ايه ببنت محترمة….. قصدك إني….”
اوقفها هو أيضاً بصرخة أعلى….. “ايتن……”
صاحت ايتن بعصبية وهي تشعر بامعائها تحترق من كثرة الغيرة والغل…….
“انا فعلاً عرضت عليك نفسي بس لاني بحبك..مش لاني رخيصة زيها….اللي زي دي طمعانه في أسمك
وفلوسك…..وأكيد بتعمل المستحيل عشان توصلك…”
هز سليم راسه مدافعا عنها بصرامة….
“مش صحيح….كيان معملتش حاجة…ايوا حسيت
من ناحيته بحاجات مينفعش احس بيها…كانت مختلفة…مختلفة عنك يا ايتن…ودا اللي خلاني
احس من ناحيته بكل ده……”
ابتسمت ايتن بمرارة وهي تتذوق مرارة
الهزيمة……
“مختلفة….زمان كان الاختلاف ده عجبك…ولا ناسي
انت عملت إيه عشان اوافق نكون سوا…..ناسي ؟!. ”
وضع يداه في جيبه مصراحاً ببرود…..
“قولتلك اني كنت اعمى وفتحت….ويمكن كيان
كانت السبب في اني اشوف الصورة كاملة…..”
سالته برعب بعد تلك الوقفة الهادئة والملامح
الرصينة……”اي صورة !… تقصد إيه ؟!……”
صرح سليم بحزم منهياً الأمر….
“احنا مش هننفع يا ايتن….مش هننفع لبعض…..”
ابتسمت بعصبية مرددة بقساوة…..
“واكتشفت اننا مش هننفع لبعض غير دلوقتي…”
سحب نفساً عميقا يليه صوتٍ في أوج العمق
والهدوء يبدو الان كمن يلقي كلمة شكر قبل
الانصراف……
“من فترة كبيرة….وكنت بصبر نفسي بانك ممكن تتغيري بس للأسف كل مرة احس اني انا اللي بتغير على إيدك… بقبل بحاجات ميقبلهاش راجل في طبعي….. بس لاني كنت بحبك كنت بقبل ده……”
نزلت دموعها متشدقة
بصدمة….
“كنت….كنت ياسليم…….”
اخرج يداه من جيب بنطالة مؤكداً بملامح صخرية كعيناه الان في النظر الى وجهها الباكٍ….
“دا اللي حاسس بي دلوقتي يا ايتن اني كُنت…ماهو
لو مكنتش فوقت من حبك وعلاقتنا دي..مكنش زماني واقف بقولك الكلام ده…….”
كان يجلدها ويجلد نفسه بنفس السياط ربما لانه
لم يتوقع تركها تحت اي ظرف كان، فهو كان يحبها بشدة كان كالمغيب في حبها……
كيف بدا حبها داخله يتلاشى؟!.. حتى الان غير مصدق انه يقف امامها بقوة جبارة منهياً
علاقتهما نهائياً ؟!…
لكن من يخدع….انهما غير مناسبين لبعضهما….ربما
فجوة الاختلافات بينهما وكثرة المشاكل جعلت حبهما يتلاشى مع الوقت…..
حدثها بواقعية كانت مغيبة عنه…..
“احنا مش شبه بعض يا ايتن…..وعمرنا ما هنعرف نعمل عيلة ويبقا بينا أطفال… احنا بين اختلاف السما والأرض لا انا عارف اطلع ليكي ولا انتي عارفة تنزليلي……يبقا كفاية……”
اتسعت عيناها المبللة بدموع…..
“انت اكيد اتجننت الفرح كمان يومين….عايز الناس تقول عليا إيه….انا هبقا مسخرة الكل……انت اكيد اتجننت….. ”
قال سليم بهدوء……
“نبعد دلوقتي احسن ما نبعد وبينا أولاد..انا مش
عايز كده…….عن إذنك…….”
قبل ان يرحل مسكت ذراعه تترجاه….
“سليم…….انت بجد هتسبني….انا بحبك….خلينا
نبدأ من جديد وانا اوعدك هتغير……”
ابعد سليم كفها عنه بحزم قائلاً
بنفور…..
“مش هينفع يا ايتن……كده أحسن.. ”
خرج أمام عيناها الذاهلة ولم تصدق ان القصة انتهت
بهذه السرعة والسهولة وكانها لم تكن…..صرخت كنمر
الجريح وهي تكسر كل شيءٍ توصل إليه يداها…
لاعنه اياه بوحشية…..
“انت ندل. وخاين…..وحيواااااااااااان…… “….

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية الحب أولا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى